كامل النجار - مفكر وكاتب علماني - في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: تحديث الإسلام أم أسلمة الحداثة؟


كامل النجار
الحوار المتمدن - العدد: 4139 - 2013 / 6 / 30 - 15:34
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا -107- سيكون مع الأستاذ كامل النجار - مفكر وكاتب علماني -  حول: تحديث الإسلام أم أسلمة الحداثة؟


هناك الكثيرون الذين يعتقدون أن الإسلام يمكن تحديثه لينسجم مع عصرنا هذا. ربما أشهر المنادين بهذا الطرح هو المفكر التونسي الأستاذ العفيف الأخضر، ولكن هناك من يلبس لبوس المؤمنين بالإصلاح وهو موقن في دخيلة نفسه أنه يبيع السراب للغربيين ليقنعهم بأن الإسلام هو دين الحق الوحيد ويمكن إصلاحه ليواكب العصر الحديث. خير مثال لهذا النوع من المسلمين ربما يكون السيد طارق سعيد رمضان، حفيد حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين. طارق تشبّع بتعاليم وفنون جماعة الإخوان المسلمين منذ الصغر، فقد تربى في كنف جده حسن البنا وأرضعته أمه، ابنة حسن البنا، تعاليم الإخوان مع حليبها وأتم والده سعيد رمضان، الإخواني حتى النخاع والرئيس السابق للمركز الإسلامي في جنيف، ما تبقى.
تعود طارق رمضان على بث الحديث في أوربا عن جمال ونقاء الإسلام وحب المسلمين للسلام وقابلية الإسلام للتجديد. وفي العام 2009 أصدر طارق رمضان كتاباً باللغة الإنكليزية عنوانه Radical Reform: Islamic Ethics and Liberation (الإصلاح الجذري: أخلاقيات الإسلام والتحرير)
في مقدمة كتابه يقول طارق رمضان “Today’s Muslims, both in the East and West, urgently need contemporary figh distinguishing what in the texts is immutable and what may be changed.”
(مسلمو اليوم، في الشرق وفي الغرب، يحتاجون إلى فقه حديث يفرّق بين ما هو ثابت في التراث ولا يمكن تغييره، وبين ما يمكن أن نغيره) (ص 1) انتهى. هذه الجملة لوحدها تكشف خداع طارق رمضان واقتناعه بأن الإسلام لا يمكن تحديثه ما دام الداعون للتحديث يتكلمون عن الثوابت التي لا يمكن تغييرها. فالقرآن كله بالنسبة لهم ثوابت لأنه كلام الله وبالتالي لا يمكن تغييره، وصحيح البخاري بكل أحاديثه الوثنية كذلك من الثوابت التي يُحجم الأزهر عن مراجعتها. فأي تحديث يتكلم عنه طارق رمضان ومن سار في دربه؟ ما دام المسلمون يؤمنون أن القرآن كلام الله المنزل وليس كلام محمد الذي أوحى الله له معانيه فقط، فلا يمكن تحديث الإسلام لأن القرآن هو أُس البلاء، وأعني بذلك القرآن المدني بعد أن قويت شوكة محمد بالأنصار وأصبح له جيش عرمرم يقطع الطرقات من أجل المال والسبايا.
مثل بقية الإخوان فإن طارق يتحدث بلسانين، لسان للأوربيين وآخر للمسلمين. طارق يدعو في كتاباته الموجهة للغربيين إلى تحديث الإسلام واحترام حقوق الإنسان، فيقول " علينا أن نضع أهدافاً واضحة مثل: احترام كرامة الإنسان والحيوان واحترام البيئة، وكذلك رفاه الإنسان، وإتاحة تحصيل العلم والإبداع والتنمية، والمساواة، والحرية، والعدالة ونشر الإخاء بين الناس" (ص 139).
بين ليلةٍ وضحاها أصبح الإسلام في كتابات طارق رمضان بديلاً عن الثورة الفرنسية التي رسّخت مفهوم الحرية والإخاء والمساواة. إذا وضع طارق رمضان هذه الأهداف لإصلاح الإسلام وتحديثه، ماذا يفعل بآيات القرآن التي هي من الثوابت والتي تقول للمسلمين "لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم فهو منهم" (المائدة 51). و "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون" (التوبة 23). دين يحث على مقاطعة الأب والأخ إن لم يسلم، كيف يمكن تحديثه بحيث يصبح فيه المواطنون متساوين في الحقوق والواجبات بالرغم من اختلاف معتقداتهم؟ ألم يقل محمد مهدي عاكف المرشد السابق لجماعة الإخوان المسلمين إنه يفضل أن يحكم مصر مسلم من إندونيسيا ولا يحكمها قبطي مصري؟ فهل يمكن تحديث الإسلام بحيث نلغي فقه الولاء والبراء؟ وأي احترام لكرامة الإنسان وأغلب العقوبات المنصوص عنها في القرآن توجب جلد الرجل أوالمرأة في ميدان عام ويجب أن يتفرج على عذابهما مجموعة من المسلمين. أي شخص رأى شريط الفيديو الذي يعرض مأساة البنت السودانية التي جلدوها في ميدان عام وهي تتلوى من الألم وتصرخ بينما الجندي الذي يضربها يبتسم في غباء واضح، يعرف أن كرامة الإنسان في الإسلام لا تسوى قيمة الحبر الذي كُتبت به الآية التي تقول "والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر وليشهد عذابهما طائفةٌ من المؤمنين" (النور 2). "ولا تأخذكم بهما رأفة" تعبّر بصدق عن احتقار كرامة الإنسان في الإسلام، فالقرآن منع حتى غريزة الرأفة التي بدونها لا يمكن أن تكون هناك كرامة للإنسان أو الحيوان. فماذا سوف يفعل السيد طارق رمضان في هذه الآية التي هي كلام الله ومن الثوابت التي لا يمكن تغييرها؟ وأي احترام لكرامة الحيوان في الإسلام ونبيه يقول إن الملائكة لا تدخل بيتاً به كلب، والكلب الأسود شيطان يقطع الصلاة. وماذا يفعل طارق رمضان في عيد الأضحى كل عام عندما يذبح المسلمون ملايين الخراف بطريقة متخلفة وغير إنسانية والقرآن يقول لنبيه "فصلي لربك وانحر" (الكوثر 2). وكيف يساوي طارق رمضان بين العبد والحر وثوابت الإسلام تقول "الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى"؟ ألم يقل طارق إن النصوص من الثوابت التي لا يمكن تغييرها؟ وهل يعرف طارق رمضان أن القاعدة الفقهية في الإسلام تقول "لا اجتهاد فيما فيه نص"؟ فالنصوص القرآنية والأحاديث تمنع الفقهاء من الاجتهاد وبالتالي تمنعهم التحديث
وعندما تحدث طارق رمضان عن تطبيق الحدود، قال "التطبيق الحرفي في الحقيقة غير ممكن –باستثناء الطقوس التعبدية – ويجب أن تُضع هذه الأحكام في سياق المقاصد العليا للمشرّع – حتى الآيات الصريحة – وبهذه الطريقة يمكن فهم تعليق عمر بن الخطاب لحد السرقة في عام المجاعة لأن التطبيق الحرفي للحد على السارقين الفقراء يجري عكس مقاصد العدل" (ص 75).
من المؤكد أن طارق رمضان يعلم علم اليقين أنه لا يوجد فقيه أو شيخ مسلم في أي بلد إسلامي يستطيع أن يُلغي أو يُعلّق أي حد من حدود الإسلام، خاصةً تلك المذكورة في القرآن. وحتى غير المذكور في القرآن كرجم الزانية لا يمكن أن يجرؤ أي رجل دين على تعليقه. وحتى طارق رمضان نفسه عندما سُئل في مناظرة تلفزيونية في فرنسا، أظنها كانت مع ساركوزي قبل أن يصبح رئيساً، عن رأيه في الرجم، قال إنه يقترح أن يكون هناك moratorium أي حظر مؤقت على تنفيذ العقوبة حتى يتفق فقهاء الإسلام بشأنها، وهو يعلم أن شيوخ الإسلام لا يتفقون على شيء. وطارق لا شك يعلم استحالة هذا الطلب، وفي نفس الوقت كانت تنقصه الشجاعة الأدبية ليقول رأيه في العقوبة نفسها ومدي قسوتها ووحشيتها وتعارضها مع أبسط متطلبات كرامة الإنسان. وربما يكون طارق رمضان قد تعلّم من تجربة مفتي مصر السابق الشيخ علي جمعة الذي صرح لصحيفتي "واشنطن بوست" و "نيوزويك" بأن حد الردة لا وجود له في الإسلام وأن عقاب المرتد يوم القيامة فقط ومتروك لله (الشرق الأوسط 25 يوليو 2007). ولكن عندما تبارت الصحف المحلية في إظهار فتواه وكثر الهجوم عليه من الأزهريين، تنكر المفتي لفتواه وقال إن المرتد يجب أن يُقتل. فإذا كان مفتي الجمهورية المصرية لا يستطيع أن يقول رأيه بصراحة عن المرتد، وعقوبة الارتداد في الإسلام ليس بها أي نص قرآني، إنما حديث آحادي عن أبي هريرة يقول "من بدل دينه فاقتلوه"، فكيف يتسنى للسيد طارق رمضان أو غيره أن يُصلح الإسلام وشيوخ الإسلام يحاولون، خاصة بعد ثورات الربيع العربي، إرجاعنا ليس فقط لنصوص الحديث والقرآن وإنما حتى للطريقة التي كان يلبس بها محمد ثيابه ويحلق شعر شاربه ويعفي لحيته؟
يقول طارق رمضان "في الوقت الذي أصبحت فيه العلوم الطبيعية وتجاربها أكثر تعقيداً، يصيب المرء الذهول من فشل العلماء المختصين في الفقه وأصوله في الوصول إلى تلك العلوم التي تختص بالإنسان والكون" (ص 35). فإذا كان فقهاء الإسلام في القرن الحادي والعشرين لا يعرفون شيئاً عن نظرية دارون ولا عن تكوين الجنين من ناحية العلوم التشريحية، ولا يعرفون عن الكيمياء أو الفيزياء شيئاً، كيف يمكن لهم أن يحدّثوا الإسلام، وهم يقولون إن الحمل اقصى مدته أربع سنوات، وهذا مستحيل من الناحية الطبية. أظن أن السيد طارق رمضان يعلم أن فاقد الشيء لا يعطيه. فالفقيه الجاهل بالعلوم الطبيعية لا يزرع في عقول النشء إلا الجهل. وهاهم فقهاء السعودية في هذا العصر يتبارون في تكفير من يقول إن الأرض تدور حول الشمس، فهل يعتقد أي إنسان أنه بالإمكان حمل مثل هؤلاء الشيوخ لتحديث الإسلام؟
وحتى يقطع شيوخ الإسلام الطريق على أي علماني يحاول تحديث الإسلام، أنشأ كبيرهم الذي علمهم السحر، يوسف القرضاوي، الأب الروحي المعاصر لجماعة الإخوان المسلمين، أنشأ في لندن في 29 مارس 1997 المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث. هذا المجلس يتكون فقط من شيوخ المذاهب السنية الذين يتم اختيارهم بواسطة القرضاوي. يقول المشرفون على المجلس في شرح أهدافه The Sharia cannot be amended to conform to changing human values and standards, rather it is the absolute norm to which all human values and conduct must conform, it is the frame to which they must be referred, it is the scale on which they must be weighed
( لا يمكن تعديل الشريعة لتجاري القيم الإنسانية المتغيرة. بل الشريعة هي الحقيقة الثابتة التي يجب أن يُقاس عليها كل تصرفات ومقاييس الإنسان، فهي الإطار الذي يجب أن يرجعوا إليه، وهي الميزان الذي يجب أن يوزنوا به) انتهى
فإذا كانت هذه هي ال mission statement للمجلس الأوربي للفتوى والبحوث، فكيف يمكن لطارق رمضان أو غيره أن يزعم أنه بإمكانهم تحديث الإسلام في بلاد الإسلام بينما يصر شيوخ الإسلام الذين عاشوا في أوربا ورأوا التسامح الديني والديمقراطية والحكومات المدنية في أحسن صورها، يقولون إن الشريعة هي المقياس الذي يُقاس به الإنسان؟ ولقد مرت خمس عشرة سنة على تكوين هذا المجلس للإفتاء والبحوث، فأي بحث قام به لتحديث الإسلام الأوربي طوال هذه السنوات؟ لا شيء على الإطلاق، ثم أن كبيرهم القرضاوي ما زال يشغل نفسه بفتاوى تكفير الشيعة واستباحة دمائهم وسبي الحسناوات الفارسيات. هل مثل هذا الرجل يمكن أن يُحدّث الإسلام أو حتى يسمح بتحديثه؟
يقول طارق رمضان إن منتقديه يقولون إنه يريد أن يأسلم الحداثة بدل أن يحدّث الإسلام (ص 145). وهذا هو عين الحقيقة التي يرمي إليها القرضاوي من مجلسه الأوربي، كما ترمي إليها جماعة الإخوان المسلمين من جوامعهم العديدة في أوربا، ومدارسهم ومراكزهم الإسلامية وبنوكهم التي تصرف ببذخ على السياسيين الأوربيين وعلى الجامعات الأوربية ليسمحوا لهم بتطبيق الشريعة الإسلامية في بريطانيا جنباً مع جنب مع القوانين المدنية البريطانية. وقد دعا كبير أساقفة كانتربري السابق القس روون ويليامز لذلك صراحةً. ولهذا السبب الذي يدعو للقلق أسست السيدة الإيرانية مريم نمازي في لندن جمعية "قانون واحد للكل" One Law for All التي تنادي بعدم السماح بالعمل بقوانين الشريعة الإسلامية التي تضطهد المرأة وتسلبها حقوقها .
الأستاذ العفيف الأخضر كان كعادته يحمل في يده مبضع الجراحين الذي شرّح به علة الإسلام ووصف الطريقة التي يمكن بها تحديث الإسلام، ألا وهي أخذ مناهج التعليم في البلاد الإسلامية من أيدي الشيوخ ووضعها في أيدي الأساتذة المختصين بالتعليم الحديث حتى ننقذ أدمغة أجيال المستقبل من الأدلجة، ثم تدريس الإسلام بطريقة تدريس علوم الأديان المقارن. فلو تم تطبيق هذين الشرطين فسوف يصبح من المحتمل تحديث الإسلام، ولكن الذين يطالبون بهذا كمن يطلب أن يشرب حليب العنقاء.
أما أنا فإني أؤمن إيماناً قاطعاً أن الإسلام لا يمكن إصلاحه وعليه يكون الحل الوحيد المتاح لنا هو فصل الدين عن الدولة بواسطة حاكم قوي مثل كمال أتاتورك لأن شيوخ الإسلام والحكام الوراثيين في بلادنا لا يمكن لهم أن يفصلوا الدين عن الدولة طواعيةً لأن ذلك يعني نهايتهم الحتمية. هل هناك من القراء من يعتقد أن الدين الإسلامي قابل للتحديث؟




تعليقات الفيسبوك