أحمد جرادات - كاتب وشيوعي أردني - في حوار مفتوح مع القارئات و القراء حول: ثورة وربيع ووهابية: أطياف وأشباح


أحمد جرادات
الحوار المتمدن - العدد: 4721 - 2015 / 2 / 15 - 19:55
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا -150 - سيكون مع الاستاذ  أحمد جرادات - كاتب وشيوعي أردني -  حول: ثورة وربيع ووهابية: أطياف وأشباح.



1. أطياف الماركسية

"مَن يجرؤ أن يتكلم عن روح ماركس...من يجرؤ أن يتكلم عن روح الماركسية، ليس لكي يتنبأ اليوم للأطياف بمستقبل فحسب، وإنما لكي يدعو إلى تكاثرها وتباينها كذلك"، جاك ديريدا، أطياف ماركس .

أجل، مَن يجرؤ على التحدث عن الماركسية في علاقتها بالثورات والرِباع (جمع ربيع) العربية التي اندلعت منذ نهاية عام 2010 ومطلع عام 2011؟ صحيح أنه كُتب ونُشر عدد لا يُحصى من المقالات والتعليقات والتحليلات عن الثورات العربية أو الثورات المضادة "الربيع العربي" التي قادها أو أوحى بها فيلسوفها الصهيوني الفرنسي برنار أونري ليفي، ولكن جلَّها كان سياسياً، ولم أطَّلع على إسهامات نظرية متكاملة ومتماسكة كثيرة، كتلك التي نشرها المفكر الماركسي الكبير الدكتور سمير أمين (وباكورتها "ثورة مصر وما بعدها" - الحوار المتمدن). ولعل هذا أمر طبيعي، وليس قصوراً من جانب الباحثين الماركسيين، ذلك لأن الموضوع جديد تماماً، والأحداث تقع الآن وهنا، والمعارك لا تزال دائرة وغبارها لم ينقشع بعد والنظام العالمي الجديد في طور التشكل في الميدان. ولذا فإن من يريد التصدى لهذا الموضوع يجد نفسه عالقاً في أرض بكر تطأها أقدامه لأول مرة، ويتعين عليه أن يفلحها بأدواته القديمة التي يملكها ويتقنها، وليس لديه فكرة واضحة عما قد يصادفه من صعوبات أو عقبات أو آفات. إن الكائن القديم لم يمت بعد، وربما يغير شكله أو لونه أو وجهه، بينما الكائن الجديد يتخلق للتو ولم تكتمل أو تتضح تفاصيل خلقته بعد، ناهيك عن عدم معرفتنا بما يتربص به من مخاطر أو أهوال. فمن يجرؤ إذن على مقاربة هذا الموضوع ماركسياً؟ بيد أن ذلك كله لا يعفي الماركسيين العرب من مهمة خوض مغامرة التصدي له.

هل انتهت الماركسية إذن كما تنبَّأ خصومها وردَّد بعض أنصارها السابقين؟ إن هي إلا نبوءة بائسة! فمن حسن حظ جيلنا أنه يشهد الهزيمة الساحقة "للدين الحديث" الذي بشَّر به فقيه الرأسمالية فوكوياما ومريدوه المتفيهقون، ويرى بأم عينيه أُزوف نهاية "نهاية التاريخ" وبُهتان "قانون القيامة الحديث" على حد تعبير ديريدا، بل إنه يشهد حقبة جديدة من حقب التاريخ التي لا تنتهي وحركته الصاعدة التي لا تتوقف. وتبيَّن أن الخُسر كل الخسر للذين ارتعدت فرائصهم خوفاً من فوات قطار الرأسمالية الأخير، فحرصوا على اللحاق به.

وهل ثمة مستقبل للماركسية؟ يجيب جاك ديريدا على هذه السؤال بأكثر من نعم وبعبارات قاطعة، فيقول: "ليس ثمة مستقبل من غير ماركس، ولن يكون هناك مستقبل من غير تذكُّر ماركس ومن غير ميراثه... من غير ماركس مخصوص، ومن غير عقبريته، ومن غير معقول واحد من معقولاته." (أطياف ماركس).

وما أكثر معقولات ماركس، بل إنني أجرؤ على طرح سؤال آخر ربما يُعدُّ من باب الجمود العقائدي: هل كان لدى ماركس وقتئذ وهناك، في زمانه ومكانه التاريخييْن، شيء غير معقول؟
 


2. أطياف الثورات العربية


"طيف يخيف أوروبا، إنه طيف الشيوعية؛ ولمطاردة هذا الطيف، اتَّحدت في تحالف "مقدس" قوى أوروبا القديمة كلها: البابا والقيصر، مترنيخ وغيزو، الراديكاليون الفرنسيون والبوليس الألماني." (ديباجة المانيفستو، 1847)

ومن ذلك الواقع استنتج ماركس وإنجلز أمريْن: الأول أن قوى أوروبا كلها أصبحت تعترف بالشيوعية؛ والثاني أنه قد آن للشيوعيين أن يعرضوا أمام العالم كله طرق تفكيرهم وأهدافهم واتجاهاتهم وأن يواجهوا الخوف من طيف/شبح الشيوعية ببيان من الحزب نفسه..."

وإذا كان ماركس وإنجلز، اللذان استخدما كلمة "طيف" أو "شبح" ثلاث مرات في الجملة الأولى من ديباجة المانيفستو بهدف التأكيد على المقاصد، قد أدركا بعمق أن ذلك الطيف أصاب قوى أوروبا القديمة كلها بالفزع واستنتجا أن أوروبا كلها أخذت تعترف بالشيوعية وأنه بات على الشيوعيين أن يقدموا أوراق اعتمادهم إلى ذلك العالم بصورة واضحة وعلنية ومجردة من الخرافات، فإن من الواضح تماماً أن طيف الثورات العربية الذي يرفرف في سماء البلدان العربية ويهبط على أرضها، أصاب قوى العالم الحديث بأسره، الإمبريالية والصهيونية وأنظمة الفساد والاستبداد العربية التابعة لها أو المرتبطة بها وقاعدتها الاجتماعية من الطبقات والشرائح الطفيلية المحلية، ولا سيما النيوليبرالية، بالذعر والجنون، فاتَّحدت في تحالف شيطاني وأقامت حلفاً متوحشاً بين النيو- ليبرالية والنيو- وهابية لمطاردة هذا الطيف، أو قطع طريقه أو مَسخه وتسخيره لخدمة أهدافها وبرامجها، تحت اسم كودي، وهو "الربيع العربي"، أي الثورة المضادة.

ولعلِّي أجازف بتصنيف الثورات/الانتفاضات/الحراكات الشعبية، التي اجتاحت العديد من البلدان العربية منذ منقلب العشرية الثانية من هذا القرن، إلى: ثورات سيرورة، أعني مظفرة في سيرورتها، كالثورتين التونسية والمصرية- الثورة المصرية بموجتيها المتكاملتين: 25 يناير و30 يونيو، وهي ثورة الشعب المصري كله برأي الدكتور سمير أمين، وثورة التداعي والعقل الجمعي المملوكة على الشيوع وغير النمطية- وثورات مغدورة كالثورة البحرينية، ومعذبة كالثورة اليمنية، ومستنبَتة/مصنَّعة/مخترقة/موجّهة كالثورتين الليبية والسورية.



3. أشباح الوهابية: الفاشية الدينية النفطية-الغازية


على الرغم من بزوغ خيوط فجر جديد أكثر إشراقاً وبوادر نظام عالمي جديد أكثر توازناً وعدلاً، فإن أشباح الوهابية، ديناً وحركةً، تخيِّم على أمتنا بأسرها وتشكل خطراً ماحقاً على وجودها الحضاري في تاريخ البشرية.

ويشكل "الأئمة" الثلاثة، محمد بن عبدالوهاب ومحمد بن سعود ومستر همفر، أركان الحركة الوهابية، بل قل الدين الوهابي. وقد بدأ الدين الوهابي الجديد بمنام لفَّقه مستر همفر، الجاسوس البريطاني في الشرق الأوسط، واستند إلى فتوى أصدرها ابن تيمية، هي بمثابة أم الفتاوى الوهابية التكفيرية، وعبارة عن رخصة لقتل واستباحة الآخرين كافة من غير الفرقة الناجية. وبدأت الحركة الوهابية بحلف همجي عنيف عقد عروته الوثقى مستر همفر في الدرعية في عام 1197 هجري، "عندما التقى الإمامان (بن سعود وبن عبدالوهاب) وتعاهدا على أن الدم بالدم والحد بالحد".

وإذا جاز لي تفكيك أوجه الوهابية لغايات تسهيل فهمها، أمكنني المجازفة بالقول:

- الوهابية الدينية ليست مذهباً فحسب، بل "دين” استئصالي، يُنكر ويلغي ما قبله وما بعده، يعادي ويكفِّر ويستبيح جميع الأديان والطوائف والمذاهب والعقائد الأخرى المختلفة معه وعنه؛
- الوهابية السياسية حركة عنفية، وهي أم الحركات والجماعات السلفية المعاصرة (الخشنة والناعمة). وهي حركة لا وطن لها، بل إن الأوطان بالنسبة لها أوثان ينبغي تحطيمها.
- الوهابية المقاتلة قوة عسكرية غاشمة محمولة عالمية، يرسلها مشغِّلوها إلى أي مكان يريدون، وهي بهذا المعنى ما هي إلا ”بلاك ووتر إسلامية“.
- الوهابية الاجتماعية عبارة عن فاشية دينية رثَّة معولمة، وهي طبعة محلية للفاشية التي تُفرزها الأزمة الرأسمالية البنيوية، لكنها أشد بشاعة لأنها ترتدي جلباباً مقدساً، وهي ثورة مضادة تُستخدم لإجهاض الثورة الحقيقية أو محاربتها؛
- الحلف النيو ليبرالي-النيو وهابي ظهر بشكل مكشوف وعلني ورقيع. ولكن الغريب في أمره أنَّ ثمة كتيبة من المثقفين والكتاب "القوميين واليساريين" المنخرطين في صفوف جيش هذا الحلف.
- الوهابية يمكن أن تُهزم في معارك عسكرية أو أمنية في هذا الموقع أو ذاك، ولكن لا يمكن إلحاق الهزيمة النهائية بها إلا باستهداف عقر فكرها التكفيري المتخلف الولاَّد بسلاح الفكر المتحرر وسيادة العقل في حرب فكرية ثقافية شاملة على مستوى الأمة، وإلا فإن هذه الأمة ستخرج من صحائف التاريخ الإنساني، أو لن تعود إلى متنه، وستظل حبيسة تاريخ من نوع آخر يستند إلى إلغاء العقل وتقديس النقل... تاريخ ”الإماميْن“ الهمجي المتوحش، وستتبدد في الثقب الأسود "للهويات القاتلة" (أمين معلوف)، وسيكون مآلها الفناء الحضاري.
 


خاتمـة

"ألا ليت ماركس إلى جانبي كي يرى كل هذا بأم عينه."
بهذه العبارة اختتم فردريك إنجلز مقدمة الطبعة الألمانية من المانيفستو الشيوعي في عام 1890، ولم يكن قد مرّ على وفاة رفيقه ماركس أكثر من سبع سنوات، حدث خلالها من التطورات على أوضاع أوروبا وعلى الماركسية والماركسيين والطبقة العاملة ما دفع إنجلز إلى أن يتمنى أن يكون ماركس على قيد الحياة كي يراها بأم عينه.


اليوم، وبعد مرور قرابة أربع سنوات على اندلاع ثورات عربية واستنبات وتصنيع ربيع عربي واختلاط حابل الأمور بنابلها في أذهان كتل شعبية كبرى، فضلاً عن شرائح واسعة من النخب السياسية والثقافية، وإذا ظل زمام أمورنا في أيدي حلف الكواسر المتساكنة في بيت طاعتنا: النيو- وهابي والنيو- ليبرالي والإمبريالي- الصهيوني، ما الذي يمكنني قوله؟

سأقول شيئاً مستوحىً من إنجلز: ألا ليت ماركس وإنجلز ولينين وكوكبة الماركسيين والثوريين الراحلين في البلدان العربية على قيد الحياة كي يروا بأمهات عيونهم ما يحدث اليوم في بلادنا! أرجِّح أنهم لن يقدموا لنا أية "وصفات"، وسيقولون لنا: هذا زمانكم وهذه قضاياكم، فتنطَّعوا لها، وإلا...

فهل يقْدم المثقفون، مفكرين وعلماء وباحثين وكتاباً وفنانين، على بناء جبهة فكرية ثقافية تقدمية تنويرية على اتساع الجغرافيا العربية والإسلامية تُطلق "ثورة ثقافية" تضطلع بمهمة التصدي للفكر الظلامي التكفيري الوهابي والفاشية الدينية ومشغِّليها من القوى الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية الإسلامية التابعة؟




تعليقات الفيسبوك