حنا غريب - الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني - في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: التحرّر الوطني والمقاومة العربية الشاملة.


حنا غريب
الحوار المتمدن - العدد: 5616 - 2017 / 8 / 21 - 23:29
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     


من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة، وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى، ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء، تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا -205- سيكون مع الأستاذ حنا غريب - الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني -  حول: التحرّر الوطني والمقاومة العربية الشاملة. 

مقدمة
شكّلت المنطقة العربية التي تقع عند ملتقى القارات الثلاث، آسيا وأوروبا وإفريقيا، إحدى أكثر المناطق أهمية في الاستراتيجيات الدولية المتعاقبة. وتتميّز هذه المنطقة بكثافتها السكانية المرتفعة التي تصل إلى نحو أربعمائة مليون نسمة راهناً، معظمهم من العرب إلى جانب قوميات وجماعات أخرى منها الأكراد، والأمازيغ، والأقباط، والتركمان، والأرمن، والسريان، والكلدان، والشركس، وغيرهم. وقد شهدت المنطقة تاريخياً غزوات إقليمية متعاقبة من دول الجوار، العثمانية والفارسية والأوروبية، ومن الدول الآسيوية البعيدة خلال غزوات المغول والتتار إبان حكم هولاكو وتيمورلنك . كما شهدت منذ أكثر من مئة عام تركّز جزء مهمّ من الصراعات الدولية فيها، نتيجة تعدّد إستراتيجيات السيطرة الغربية عليها، عبر الشركات الرأسمالية الاحتكارية المتعددة الجنسيات المتنافسة على مواردها وثرواتها، وإستخدام كل أشكال النزاعات الداخلية والإقليمية لإخضاعها سواء بالقوة العسكرية أو عبر التحالفات الإلحاقية لزعمائها.
وإذ قامت غالبية الأنظمة العسكرية والنفطية العربية على قاعدة تثبيت شرعية الدول العربية الناشئة متوسّلة القمع وتعميق التبعية للدول الكبرى، فإنها حافظت، شكلاً، على وحدة أراضيها ومؤسساتها، ولكن مع استخدامها أقصى درجات القمع والاستبداد ضد شعوبها وضد التيارات والقوى العلمانية المطالبة بالحكم الوطني الديموقراطي، ورفضها الفعلي للاعتراف بالحريات العامة، بما فيها حرية الأقليات، عرقية كانت أم طائفية، ما تسبب باتساع الدعوات الإنفصالية والتقسيمية وفي طليعتها دعوة الأكراد لقيام كردستان الكبرى المستقلة، ودعوة الأمازيغ للحكم الذاتي، وتقسيم السودان إلى دولتين شمالية وجنوبية، والحروب المستمرة في الصومال، واليمن، وسوريا، والعراق، والتفجيرات الإرهابية التي تحصل في مصر وغيرها، والتي تنذر بتفكيك المنطقة راهناً إلى دويلات صغيرة وضعيفة تخدم المشروع الأميركي – الصهيوني في تحقيق أهدافه في تصفية القضية الفلسطينية واقامة مشروع "إسرائيل، دولة اليهود في العالم، وفي نهب ثروات المنطقة والعودة بها إلى سياسة الأحلاف والمحاور والتطبيع السياسي والعسكري المعلن مع إسرائيل مؤخرا خلال زيارة ترامب إلى كلّ من السعودية والكيان الصهيونيّ ، وتأسيس حلف «الشرق الأوسط الجديد»،
ان هذا الصراع الدائر في منطقتنا العربية، ومنذ سنوات، يأشكاله المختلفة وتداخلاته المتعددة ، هو في احد جوانبه الخارجية ، جزء من هذا الصراع الدولي القائم حاليا على غير صعيد وفي أكثر من مكان، ويندرج في سياق ما يشهده العالم من صراعات في هذه المرحلة الأنتقالية من النظام العالمي الآحادي القطبية إلى نظام جديد متعدد الأقطاب حيث يشتد فيه الصراع ويتداخل بأبعاده كافة الدولية والاقليمية والداخلية، هذا التداخل الذي يتجلى اليوم بوضوح في الحرب الدائرة بشكل خاص في سوريا والعراق واليمن وليبيا، كما تجلى ويتجلى أيضا في ما عبرت عنه أيضا انتفاضات شعوبنا العربية ضد أنظمتها العسكرية والنفطية والقمعية، وما جسدته حركات المقاومة، مؤكدة جميعها على موقفها وارادتها في التحرر الوطني والاقتصادي والاجتماعي، وعزمها على مقاومة هذا المشروع الأميركي - الصهيوني في آن.
من هنا، أصبح ما نطرحه من قضايا أساسية متعلقة بقيام مشروع يساري نهضوي عربي يجسد شعار :المقاومة العربية الشاملة، ضرورة ملحة يفرضها الواقع المأزوم لمجتمعاتنا العربية وحاجتها الملحة للتغيير الديمقراطي ليس على صعيد كل بلد عربي فحسب، بل على صعيد بلداننا العربية كافة. وإذ تغطي الأزمة المستويات كافة - السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية - فإن ثمّة مسؤولية تاريخية تقع على عاتقنا أفرادا وأحزابا يسارية وديمقراطية للاستجابة لتحديات الواقع وابتكار الأساليب والأدوات والبرامج الأكثر فعالية من اجل تحقيق هذا الشعار، بعد الاتفاق على فهم مشترك لطبيعة هذه الأزمة وعواملها الأساسية.
وقد سبق وطرح المؤتمر الحادي عشر للحزب الشيوعي اللبناني هذا الشعار وقدّمه في بعض المقالات والندوات آخرها الورقة التي قدّمت في الندوة التي أقامها اللقاء اليساري العربي في تونس بعنوان: "فلسطين 100 عام من المقاومة"، ونحن نرغب من خلال هذه الورقة الموسّعة توسيع دائرة النقاش الذي لا بد ان يصب باتجاه بلورة الموضوع.


خلفية تاريخية:

إن ما يجري اليوم في منطقتنا العربية يذكّرنا بمحطات خطيرة شهدتها هذه المنطقة منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر، حين أدخلت في دائرة الخضوع للسيطرة الاستعمارية ومن ثمّ للتبعية للإمبريالية. وأهم تلك المحطّات هي تلك التي برزت مع نهايات الحرب العالمية الأولى وترافقت مع تقاسم القوى الاستعمارية المهيمنة عسكرياً آنذاك (فرنسا وبريطانيا) لمنطقتنا تحت مسمى معاهدة سايكس- بيكو، بالتزامن مع بدء الاكتشافات النفطية والموارد الطبيعية العربية الغنية. وقد فرض الواقع الاستعماري تمزيق هذه الأمة وتشتيتها ومنع تقدمها وتحررها وتوحدها، عبر إعلان وعد بلفور وخلق بؤرة سرطانية في قلبها، تجسيداً لتقاطع المصالح الاستراتيجية بين المستعمرين وبناة المشروع الصهيوني الاستيطاني العنصري، المولود من رحم الأطماع الغربية تجاه المنطقة. وسرعان ما تجاوز هذا المشروع كونه كياناً إستيطاناً إلى اعتباره كيان- وظيفة يندرج عضوياً في بنية السيطرة الاستعمارية على بلادنا.
ولا بدّ أن نشير إلى أن النواة الجنينية للمقاومة بدأت تتشكل منذ السنوات الأولى للاستيطان وللاحتلال على مستوى الأمة عموماً، وعلى أرض فلسطين على وجه الخصوص، حيث واجه شعبها بصلابة، رغم الاختلال في موازين القوى، مفاعيل وعد بلفور، ودفع في أتون ذلك الصراع المبكر أثماناً باهظة. واندلعت لاحقاً بوجه هذا الاغتصاب الصهيوني المدعوم من الإمبريالية - البريطانية بداية ثم الأميركية والغربية – مواجهات توّلت قيادتها ودعمها أنظمة عربية كانت في معظمها تابعة. وإذ انطلقت هذه المواجهات تحت راية العروبة بداية، إلا أن طبيعة القوى الطبقية والسياسية المسيطرة على مقاليد الحكم في هذه الأنظمة المرتبطة تبعياً بالدول الاستعمارية، جعلت هذه الشعارات تبقى حبراً على ورق، ما أوصل هذه الأخيرة، في كثير من الأحيان، إلى حدّ ممارسة الخيانة الوطنية الصريحة مع نشوء الكيان الصهيوني .
أما تلك الفئات من البرجوازية الصغيرة التي تسلّمت السلطة لاحقاً في عدد من البلدان العربية، رافعة لواء الوحدة والحرية والاشتراكية، فإنها لم تلبث هي الأخرى أن وصلت إلى طريق مسدود، بسبب طبيعتها الطبقية الملتبسة وميلها الدائم نحو المساومة وتحوّل الشرائح العليا منها إلى برجوازية كولونيالية مشبعة بالنزوع نحو الاستبداد، وذلك بالرغم من إنجازات اقتصادية واجتماعية نسبية سعت إلى تحقيقها في عدد من المجالات. وبالرغم من عظيم الجهود والتضحيات التي قدمتها جيوشنا العربية، وشعوبنا ومقاومتها في حروبها مع إسرائيل، فقد ظلت هذه الفئات عاجزة عن تحقيق الشعارات التي أوصلتها إلى السلطة.
لقد سلكت بلداننا باكراً طريق التحرّر الوطني وحقّقت استقلالها الوطني، ولكن آفاق هذا الإستقلال سرعان ما أُقفلت عند حدود إنتاج وتجديد علاقات الإنتاج الكولونيالية المحكومة بالتبعية للأمبريالية. وإذا كانت الظروف الموضوعية قد أمنت في البداية للبرجوازية تبوّء موقع القيادة في حركة التحرّر الوطني، لكن الطبيعة الطبقية لهذه البرجوازية حملت في طيّاتها بذور الانحراف عمّا تطمح إليه هذه الحركة، في ظلّ العجز الموضوعي والذاتي للطبقة العاملة وأحزابها الثورية عن القيام بدورها. وقد سبق لنا كحزب أن ناقشنا هذه الأزمة في مؤتمرنا الرابع وأكدنا وجود أزمة مزدوجة في حركة التحرّر، هي أزمة قيادتها وأزمة بديلها الثوري. وقد تفاقمت هذه الأزمة المزدوجة مع رحيل الرئيس جمال عبد الناصر وسلوك البرجوازية (بشخص أنور السادات) طريق الخيانة الوطنية عبر توقيع إتفاقيات صلح مع الكيان الصهيوني، وما تلاها من اتفاقيات وصولاً إلى اتفاقية أوسلو التي وقعتها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وقدمت فيها التنازلات على حساب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. ولم تجد البرجوازية والقوى المتنفذة في النظام الرسمي العربي حيال تداعيات الهزائم العسكرية والسياسية، سوى اعتبار تلك الهزائم أمراً واقعاً، واستسهال التنازل عن الثوابت وتبديد الحقوق، والتسليم المتسرّع بالتسويات المجحفة مع هؤلاء الأعداء، ومواصلة التمسك "بالحل الأمريكي" لقضايا الصراع العربي – الصهيوني على حساب الحقوق المشروعة.


"الفوضى الخلّاقة" الراهِنة في بعديها الأمني والسياسي:


إن الإستعمار الغربي عمدَ في الوقت الحاضر، إلى تجديد مشاريع الهيمنة والاستتباع، وأخطرها مشروع الشرق الأوسط الجديد. فتحقيقاً لهذا المشروع، لم تكتفِ الإمبريالية باستخدام آليات السيطرة التقليدية و"الناعمة"، السياسية منها والإقتصادية والثقافية، ولا بخدمات الأنظمة المحلية الدائرة في فلكها، بل عاد من جديد إلى الاحتلال العسكري المباشر للأرض ونشر المزيد من القواعد العسكرية في المنطقة، وإلى تفجير كل أشكال الصراعات المذهبية والطائفية والإثنية المحمومة فيها....مع تجهيل صراع واحد أريد له أن يبقى مغلقاً، هو الصراع العربي – الاسرائيلي.
ونحن ندرك أن فهم ما جرى ويجري من أحداث وتطورات في بلداننا غير ممكن من دون فهم القانون العام الذي يتحكم بتطورها، ألا وهو قانون التطور التابع. والقناعة تزداد لدينا بأن الانعتاق من أسر هذه التبعية مشروط بإطلاق حركة للتحرر الوطني تعمل على تفكيك القاعدة المادية للسيطرة الإمبريالية وتحقّق الاستقلال الوطني الفعلي، الذي لا يعني أبدا النزوع نحو العزلة الدولية. وتنسحب قناعتنا هذه على القول بتلازم العداء للإمبريالية مع العداء للرأسمالية وصيغها النيوليبرالية الفجّة، وبضرورة تبديد الأوهام بإمكان بناء رأسمالية مستقلة في بلدان تابعة.
إن المشروع الاستعماري، بأدواته المتنوّعة، قد استخدم الطبيعة الكولونيالية التبعية لغالبية الأنظمة العربية - سواء تلك التي كانت تعتبر نفسها خارج إطاره، أو خصوصاً تلك التي كانت منذ البداية جزءاً لا يتجزأ منه – ليخلق البيئة الحاضنة والداعمة فعلياً للمجموعات الإرهابية المتنوعة المشارب والأصول. وبما أننا نواجه ضمن هذا التوصيف (المفتوح للنقاش والإغناء) مشروعا عدوانياً شاملاً ومتكاملاً يهدد وجودنا ومصيرنا، فإنه لا بد لنا من مواجهته بمشروع نقيض شامل ومتكامل، كي يكون ندّاً له في الساحات كافة. وما طرحناه ونطرحه كحزب وندعو إلى السير به في مواجهة هذه الهجمة العاتية، هو مشروع تجديد حركة التحرر الوطني العربية وإعطاؤها وهجاً جديداً يتجسّد في إطلاق حركة مقاومة عربية شاملة، بما في ذلك المقاومة العسكرية، تغطي بشكل خاص البلدان الرازحة تحت خط النار من فلسطين إلى سوريا وصولا إلى العراق واليمن ولبنان ويكون فيها لليسار دور اساسي.
نطرح ذلك استنادا واستكمالا لما شكلته الانتفاضات الشعبية العربية، من مرحلة نوعية جديدة في النضال التحرري العربي، من حيث الشعارات التي رفعتها وبخاصة شعار "الشعب يريد اسقاط النظام" والطابع الواسع للقوى الشعبية المشاركة فيها. لقد استطاعت هذه الانتفاضات إسقاط رؤوس أنظمة ديكتاتورية تابعة، إلاّ انها لم تتمكن من اسقاط الأنظمة لأسباب عدة أهمها ضعف اليسار والحاجة الملحة للارتقاء بمشروعه وبناء ذاته، كبديل ديمقراطي قادر برؤيته وبرنامجه على ربط التحرر الوطني بالتحرر الاجتماعي، ذلك ان المشروع الأميركي القائم على القوى الطائفية والمذهبية لا يمكن مواجهته بقوى من الطبيعة نفسها، التي لا أفق لمشروعها أيضا، بحكم تركيبتها الطبقية والطائفية، حيث ستجد نفسها في نهاية المطاف تلتقيه عند منتصف الطريق، ضمن دور أو حصة وفي إطار مشروع الشرق الأوسط الجديد - بغياب المشروع البديل - الذي يعمل الأميركي بغض النظر عن قدرته على تحقيق النجاح، على ضبط الجميع، بما فيها حركة القوى الإقليمية والدولية وطموحاتها الخارجية في اطار مشروعه هو، وبما يحفظ مصلحته ومصلحة إسرائيل وأمنها أولاً وأخيراً.
ولا بدّ من التأكيد، في معرض الحديث عن هذه المقاومة العربية الشاملة، على أن فلسطين تشكّل القضية الاساس في هذا التوجه المقاوم، باعتبار القضية الفلسطينية شكّلت، تاريخياً الاستهداف الأساس الذي انعقدت حوله مجمل التدخلات الاستعمارية المتعاقبة التي طاولت المنطقة منذ نشوء الكيان الصهيوني. وبهذا المعنى، فان إعادة الاعتبار للقضية الأم، أي قضية فلسطين، كعنوان مفصلي وجامع لمقاومة المشروع الاستعماري، من شأنها أن تحفّز كلّ من يريد فعلاً أن ينتصر لهذه القضية أن يوجّه بندقيته في الاتجاه الصحيح، أي في اتجاه المشروع الأميركي والعدو الصهيوني والاستيطاني والقوى الرجعية والإرهابية المتحالفة معها، وأن يخلق في الوقت ذاته في كلّ بلد من بلدانه الشروط التي تعزّز الانتصار في هذه المواجهة، ليس بأبعادها العسكرية فقط، بل كذلك بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.


البعد الاقتصادي: غاية أم وسيلة؟

لقد ولّدت البرحوازية الكولونيالية والطفيلية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي نتائج مدمرة لشعوب المنطقة، مع انّ عالمنا العربي يزخر بموارد ضخمة (الموقع الجغرافي، الثروات البترولية والغازية والفوسفات والمعادن الثمينة، والموارد البشرية الفتية، والمساحات الزراعية الواسعة الانتشار، والقدرات الهائلة الكامنة لاستخراج الطاقة الشمسية....). لقد كان من المفترض أن تؤمن هذه الموارد للشعوب العربية قدراً مستداماً من التنمية الاقتصادية والرفاه الاجتماعي، وهذا ما لم يحصل. ويشهد على ذلك واقع الأوضاع المعيشية البائسة التي تعاني بسببها تلك الشعوب (الجوع والأمية والبطالة والتهميش والمرض لعشرات الملايين من الناس)، والتي شكلّت - إلى جانب القمع والاستبداد - الدافع الأساسي للانتفاضات الشعبية العربية الأخيرة.

وتثبت المقارنات الدولية أن البلدان العربية قد سجّلت خلال العقود الستّة المنصرمة أدنى معدلات النمو السنوية للناتج المحلي للفرد فيها وسطياً، مقارنة بالتكتلات العالمية الأخرى. كما تثبت أن العديد من بلدان العالم التي كان مستواها الاقتصادي والاجتماعي في الخمسينيات أدنى بكثير من مستوى البلدان العربية، باتت في الوقت الحاضر تتجاوز هذه الأخيرة بشكل حاسم، ما يطرح الإشكالية الأساسية المتعلقة بأبعاد الدور الوظيفي للنفط وكذلك حجم المنافع ووجهة استخدامها مع كل ما انطوى عليه تاريخياً وجود هذه الثروة في منطقتنا العربية.

لقد ثبت بوضوح أن التوظيف السياسي والاقتصادي لعائدات هذا المرفق الحيوي قد شكّل الأداة الأساسية في عملية إنتاج وإعادة إنتاج سيطرة البرجوازية الكولونيالية، وبالتالي سيطرة الإمبريالية على المنطفة. وعلى إمتداد عقود طويلة جرى تدمير أو تبديد الجزء الأساسي من هذه الثروة، عبر استجلاب وتكرار الغزوات والحروب الخارجية أو التواطؤ معها (الحروب العربية-الإسرائيلية، حرب الخليج الأولى ومن ثمّ الثانية، التدخلات الأميركية والأطلسية الموضعية، ...)، وتعميم وتمويل العديد من الحروب والنزاعات الأهلية في غير بلد من بلدان المنطقة. كما جرى ترسيخ نمط اقتصادي عربي يقوم على الفقاعات العقارية والتكتلات التجارية الاحتكارية والاستهلاك الاستيرادي التبذيري وغير المنتج، الأمر الذي سهّل عملية السطو عبر سياسات عامة – مالية وضريبية واتفاقيات – مشوّهة نهبت الخيرات والموارد المتاحة لمصلحة الطبقات الطفيلية الداخلية المهيمنة ومصالح الدول الأجنبية الراعية والمتحكمة بقواعد "اللعبة الدولية".

إن هذا النمط الاقتصادي العربي بقيادة البرجوازية الكولونيالية قد تميّز بطبيعته التبعية وبسيطرة النشاطات الريعية، ما مهّد السبيل أمام إنتاج مجتمعات هجينة تحتكر فيها القلة - من أمراء السلطة والمال والمنتفعين من الأجهزة المتنفّذة والعائلات الحاكمة - بالجزء الأعظم من الموارد والثروات الوطنية المتاحة، فيما تنحسر رقعة الطبقات الوسطى وتتوسع جيوش الفقراء والمهمَّشين والمتعطلين عن العمل والمستبعدين. لقد أفضى هذا النمط إلى إعاقة مسيرة التنمية الاقتصادية، من خلال التسريع في انهيار الزراعة والإصلاح الزراعي وإجهاضه محاولات الثورة الصناعية (مصر، الجزائر، تونس، العراق، سوريا...)، وعدم تطويعه التكنولوجيا عبر قنوات التعليم الجامعي والمهني ومحفّزات سوق العمل، وحؤوله دون مراكمة القيم المضافة في المزايا الاقتصادية الانتاجية النسبية المقارنة. وقد بقيت الشعارات المعلنة حول التنمية، من جانب هذا النمط، شعارات ذات صفة خطابية عامة، وكان الهدف الأساسي منها توفير ستار أيديولوجي فوقي يغطي "لعبة" المصالح الرأسمالية الفئوية والعشائرية و"الجهازتية" والزبائنية الضيقة. وينطبق هذا الواقع، بنسبة أو بأخرى وبأشكال متفاوتة على مشرق العالم العربي ومغربه، كما ينطبق بشكل خاص على البلدان النفطية العربية التي اضطلعت بدور القاطرة الاقتصادية لمجمل النظام الرسمي العربي، سواء خلال الحقبة التي سبقت تعاظم ظاهرة العولمة أو خصوصاً خلال الحقبة التي تلتها.

وقد فشلت الأنظمة العربية وتشكيلاتها الحاكمة – الملتحقة بالمشروع النيوليبرالي الدولي - في بناء نسق نمو رأسمالي يحظى بقدر مقنع من الاستقلال الذاتي (على غرار ما حصل في تجربة الغرب عموماً)، وفي تحرير الثروات القومية ووضعها في خدمة المشاريع التنموية، والاقتصاد المادي المنتج، وفي توفير حدّ مقبول ومستدام من الخدمات العامة الرئيسية (طبابة، صحة، تعليم، وظائف، سكن، نقل)، التي تشكّل جميعها ركيزة أساسية ليس فقط للاستقرار الاجتماعي والسياسي، بل لبناء الأساس المادي للتحرر الوطني.

لقد فشلت، أي هذه الأنظمة، بحكم طبيعتها الطبقية أبضا، في توجيه عملية التراكم الداخلي لخدمة أهداف التنمية، وفي التحكم بالفائض المالي لمصلحة تحقيق هذه الأهداف. كما أنها لم تنجح في تجسيد نموذج إنمائي يقوم على حدّ أدنى من مفهوم الاعتماد على الذات، ويستفيد قدر المستطاع من الخبرات والتقنيات الخارجية المتاحة، مع التأكيد على انّ خيار الاعتماد على الذات لا يعتبر خياراً اقتصادياً بحتاً، بل هو في الدرجة الأولى خيار سياسي يندرج ضمن سيرورة نضال الشعوب من أجل تحقيق استقلالها الحقيقي وتقدمها الاجتماعي. وإذ إدعت التيارات الدينية – بما فيها التيارات الدينية الممانعة – القدرة على ملء الفراغ الناجم عن فشل النمط الاقتصادي والاجتماعي المهجوس بالنزعات الليبيرالية، إلا أن جلّ ما توخته فعلياً إقتصر بشكل مقصود على طمس الانقسامات الطبقية والاجتماعية وإخفائها، ومحاولة التحكم بالحركات المطلبية والسيطرة على النقابات العمالية وإخضاعها لأجندتها السياسية المباشرة، ناهيك عن ميلها الطبيعي نحو قمع الحريات العامة وتقييد الطابع المدني والعلماني للدولة، والحؤول دون تحرّر المرأة من خلال الإبقاء على قوانين متقادمة للأحوال الشخصية. وهذا ما أثبتته على الأقل تجارب العديد من الحركات الدينية الإسلامية التي استلمت الحكم لفترات زمنية متفاوتة في العديد من البلدان العربية، كتونس ومصر والسودان والصومال وغيرها.



مهمات القوى اليسارية:


لقد بات أمراً ملحاً أن تعيد احزاب الطبقة العاملة والقوى اليسارية والوطنية والديموقراطية النظر في ممارساتها النظرية والسياسية وبرامجها الاقتصادية والاجتماعية، بغية مواجهة المرحلة المستجدة التي تحاول فيها القوى الامبريالية تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد. والمطلوب من هذه الأحزاب التي يفترض أن تجسّد تطلعات العمال والفئات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة أن تستعيد دورها التاريخي في تشكيل وقيادة كتلة شعبية تتولى دفع مسيرة التغيير السياسي إلى الأمام، آخذة في الإعتبار مغزى التحولات التي اقترنت بها ظاهرة العولمة ومحصلة تجارب التحالفات السابقة. ونحن ندرك الفرق الواضح بين الضرورة التاريخية التي تتطلب احتلال الطبقة العاملة موقع القيادة في حركة التحرر وبين الواقع التاريخي لهذه الطبقة في البنية الكولونيالية وتأثير العلاقات الإجتماعية الموروثة ما قبل الرأسمالية.
ونحن نعلّق الآمال على إمكان تعويض مواطن الضعف والخلل لدى الأحزاب اليسارية، من خلال إعادة صوغ نهجها الثوري في التصدي لمهمات التحرّر الوطني المرتبطة مع مهام الصراع الطبقي في جميع حقوله وبناء التحالفات الطبقية الضرورية والواسعة في مواجهة التحالف الداخلي المسيطر بقيادة البورجوازية الكولونيالية الطفيلية. ونشدّد في هذا الإطار على ضرورة الانفتاح على التشكيلات الديمقراطية وغير الطائفية، بما فيها خصوصاً الطيف الواسع من القوى الوطنية والديمقراطية والقومية والتقدمية والتجمعات النقابية المستقلة وسائر المنظمات المدنية الديمقراطية.
إنه لمن السذاجة بمكان مطالبة البرجوازية بأن تقود ثورة تستهدف تقويض الأسس المادية لسيطرتها الطبقية وتضع التاريخ الاجتماعي لأمتنا على طريق الانتقال إلى الإشتراكية. وحتى بالنسبة إلى الأنظمة البرجوازية الصغيرة التي سميت تقدمية، فإن سعي بعضها إلى تنفيذ إصلاحات بنيوية ومناصبة الإمبريالية العداء لم ينسحب ممارسةً من النوع نفسه في موقفها من الرأسمالية، ما جعل الانعتاق من الإمبريالية أمراً شبه مستحيل من دون التخلص من الرأسمالية. وقد عزّز هذا الفصل بين مهمات التحرر الوطني ومهمات التغيير الديمقراطي انتشار المساومات غير المبدئية داخل هذه الأنظمة التي انتهت إلى مغادرة مواقعها التحررية وإلى توسّل القمع والاستبداد والسير في طريق التبعية الكاملة.
وإذا كان طبيعياً ان تنتهج البرجوازية هذا المسار، فإنه من غير الطبيعي أن تستقيل الطبقة العاملة وأحزابها اليسارية من مسؤوليتها التاريخية في خلق البديل الذي يقود نضال حركة التحرر الوطني العربية. وهذه الاستقالة ليست قدراً محتوماً، وإنما هي ناجمة عن قصور في الممارسة السياسية وفي النهج البرنامجي اللذين لم يمكّنا هذه الأحزاب من الاضطلاع بمثل هذا الدور. وقد جاءت الانتفاضات الشعبية التي تعاقبت بعد العام 2011 كتعبير ساطع عن تفجّر الأزمة في قطبيها: أزمة القيادة البرجوازية التي عجزت عن تجديد سيطرتها على الجماهير التي احتلت الشوارع مطالبة بإسقاط الأنظمة السياسية، وأزمة البديل الثوري الذي عجز عن توظيف الأحداث والتأثير الفاعل في تقرير مصيرها.
وهذا ما شكّل حافزاً للقوى الإمبريالية للتدخل العسكري المباشر ولحرف مسار هذه الانتفاضات وصولاً إلى تفتيت وتفكيك الدول المعنية بها، من ليبيا إلى العراق وسوريا واليمن، التي تحولت جميعها إلى مسرح لواحدة من أخطر ظواهر العصر، أي الإرهاب. ومن الأسس البديهية لهذا المشروع أن تبادر قوى اليسار وما تبقى من قوى حركة التحرّر الوطني العربية إلى إعادة الاعتبار للعروبة بمفهومها الواسع الوحدوي التحرري والديمقراطي والمقاوم لكافة اشكال التسلّط والاستبداد من اجل بناء الدولة الديمقراطية العلمانية العادلة، في مواجهة سياسات الهيمنة والاستتباع والاستئثار واغتصاب الأرض والتاريخ والثقافة والحقوق، التي يمارسها التحالف الأميركي - الصهيوني – الرجعي وأدواته الداخلية المتنوّعة.
تلك هي المهمة التاريخية الأساسية المطلوبة منّا كشيوعيين لبنانيين وعرب وكيساريين وعلمانيين وقوى مقاومة على اختلاف تياراتها. وهذه المهمة تتطلب منّا التوجّه الواضح والحاسم نحو التجمّع والتوحّد كي نتمكّن من خوض هذه المعركة بنجاح على مستوى كلّ من بلداننا وعلى المستوى العربي ككلّ، مع العمل الجاد على الاستفادة من تجاربنا الخاصة، كلّ في بلده.
ومع إقرارنا بالصعوبات الموضوعية والذاتية أمام تحقيق هذا التوجه، فإن التاريخ النضالي لشعوبنا العربية في مواجهة الاستعمار يبقى حافلاً بالتجارب المشرقة في غير مجال: أجيال النهضويين العرب والمشروع الإصلاحي النهضوي العربي في القرن التاسع عشر (محمد علي، رفاعة رافع الطهطاوي...)، وثورة الشعب الفلسطيني المستمرّة منذ منتصف ستينيات القرن الماضي، وثورة المليون شهيد في الجزائر، والتحولات السياسية والاجتماعية التحررية في مصر عبد الناصر (قبل حرب العام 1967) وفي عدد من البلدان العربية، وحركات المقاومة الوطنية والاسلامية المتنوعة المشارب التي انطلقت في الضفة وغزة ولبنان والعراق وسوريا وغيرها ضد الغزوات الإسرائيلية والإمبريالية المتعاقبة،....ولا تقف المعركة عند حدود الخطر الخارجي الذي يمثله مشروع الهيمنة الغربية والإسرائيلية على المنطقة، بل هو يشمل – بالقدر ذاته من الأهمية - التصدي في إطار النظم السياسية العربية القائمة لمخاطر احتكار السياسة والسلطة وتعميم الفساد والاستبداد وقمع الحريات العامة وانتهاك القانون والدستور، وكذلك مخاطر تشويه إرادة الشعوب في الانتخابات وتزويرها، وتجاوز استقلالية القضاء وإلحاقه بالسلطة التنفيذية، وتكبيل الصحافة بسيف الرقابة عليها، واحتكار الإعلام، وفرض أحكام الطوارئ والقوانين الاستثنائية، وإنشاء محاكم غير قانونية لمحاكمة سجناء الرأي، والتضييق على حرية البحث العلمي، وحرمان المرأة من حقوقها الطبيعية، وغير ذلك من حقوق.
وعندما نسترجع ذكرى التجارب الكفاحية المختلفة التي حقّقت الكثير من النجاحات، فإننا لا نتجاهل في الوقت ذاته ما رافقها من قصور وأخطاء واستدراج إلى أفخاخ مؤامرات حاكها العدو (كما "الصديق"). وقد جاءت الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت أواخر العقد التاسع من القرن الماضي لتنفض الغبار عن إرادة شعب يرفض الخضوع لمنطق الانكسارات والهزائم التي لحقت بثورته المسلحة في الحقبة السابقة، وليسجل مرحلة نهوض ثوري جديد كان يمكن لنتائجها وإنجازاتها – فلسطينياً وعربياً – أن تكون أكبر بكثير لولا الخلل والتسرّع غير المسؤول في مواقف الفريق المتنفّذ في منظمة التحرير، الذي غلب عليه منطق المساومة والاستسلام. فقد ارتضت هذه القيادة، بفتات مقايضة تقضي بإقامة سلطة فلسطينية شكلية وهزيلة وملحقة، مقابل إخماد نار الانتفاضة، ومنذ بدء تجربة الفصائل الفلسطينية، لم تنفك الانقسامات في التنامي حتى استقرّت على شكلها الأخطر الذي تعانيه راهناً الساحة الفلسطينية، وهو القائم بين قوتين أساسيتين، لا بل سلطتين، هما فتح وحماس. ويصبّ هذا الأمر دون شك في مصلحة المحتل الإسرائيلي، سواء أدرك الطرفان ذلك أو لم يدركاه، مع العلم أن مفاعيله الخطرة لا تقتصر على فعالية المواجهة مع الاحتلال والساحة الفلسطينية فحسب، إنما تطال أيضا الساحات العربية كافة.

أما على الصعيد الوطني اللبناني، فقد قاومنا وحررنا أرضنا بالمقاومة بمختلف اتجاهاتها السياسية، ونحن اليوم نستكمل تحريرها من المجموعات الإرهابية في جرود عرسال ورأس بعلبك والقاع، وما زلنا نقاوم الكيان الصهيوني الغاصب منذ نشوئه. فالشعب اللبناني وقواه الحية، وفي مقدمتهم الشيوعيون واليساريون، حسموا انحيازهم إلى خيار المقاومة منذ ستينيات القرن الماضي، ودفعوا على مذبح هذا التاريخ المقاوم تضحيات جساماً وآلاف الشهداء والجرحى والأسرى الذين نبتوا من كل بقاع الوطن. والشيوعيون اللبنانيون هم أول من بادر إلى إطلاق الرصاصات الأولى في إطار هذه المقاومات، بأشكالها المختلفة، بدءاً من الحرس الشعبي الذي دشّن عملية ممارسة الكفاح المسلّح المقاوم في ستينّيات القرن الماضي، مروراً بقوات الأنصار في الجنوب أوائل السبعينيات والتي دشّنت مشاركة أحزاب شيوعية عربية في المقاومة المسلّحة، وانتهاء بجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية "جمول" التي انطلقت ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي أثناء عدوانه على لبنان عام 1982، لتنشأ بعد ذلك حركة "المقاومة الإسلامية". ومن دواعي فخرنا أن الخيار الذي إتخذناه في مواجهة الاحتلال حظي باعتراف وإقرار الشعب اللبناني له، فحمل معنا السلاح، بسبب تخلي الدولة عن واجباتها لاعتقاد أطراف أساسية فيها آنذاك "أن قوة لبنان في ضعفه"، في وقت كانت إسرائيل تشن العدوان على أهلنا في الجنوب والبقاع والجبل. وقد شكّل حملنا للسلاح جزءاً من واجبنا الوطني والقومي والإنساني، دفاعا عن كرامتنا وحريتنا وسيادتنا الوطنية.
وختاما نقول إن مهمات مواجهة المشروع الأميركي- الصهيوني هي مهمات راهنة وتاريخية في آن، وهذه المواجهة يجب أن تكون على امتداد ساحة المعركة في كل الأقطار العربية، وفي الميادين الفكرية والسياسية والإعلامية والإيديولوجية والاقتصادية وبالمقاومة المسلحة؛ انه المشروع الذي نرفع لواءه في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ شعوبنا العربية، إنه مشروع المقاومة العربية الشاملة.


بيروت في 20 آب 2017
حنا غريب




تعليقات الفيسبوك