ارا خاجادور - احد ابرز واهم قادة الحركة العمالية والشيوعية التاريخيين في العراق - في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: هل يُمكننا التوصل الى خلاصات من التجارب العمالية السابقة؟.


ارا خاجادور
الحوار المتمدن - العدد: 4788 - 2015 / 4 / 26 - 21:01
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا -155 - سيكون مع الاستاذ ارا خاجادور - احد ابرز قادة الحركة العمالية والشيوعية التاريخيين في العراق  - حول: هل يُمكننا التوصل الى خلاصات من التجارب العمالية السابقة؟.



إن تراكم الخبرات والتضيحات لدى عمال العالم كبير وتاريخي، حتى لو إتخذنا من عيد العمال في 1 آيار 1886 نقطة بداية، ففي شيكاغو وقعت النزاعات بين العمال وأرباب العمل، ثم في تورونتو. وفي عام 1882، شهد زعيم العمال الأميريكى بيتر ماكغواير الإحتفالات بعيد العمال في تورونتو فإستلهمها، ولما عاد إلى نيويورك قام بتنظيم أول عيد للعمال، ولنا عمال العراق تجربنا الخاصة بهذا العيد العظيم، ولقد كتبت بهذه المناسبة عام 2006، عن نظرتنا الخاصة للبدء، مقالاً موسوماً بـ "بعضٌ من عِبَر الأول من آيار" جاء فيه: "منذ أن أطلق "أوجست سبايس" كلماته الراسخة والمشهورة قبل إعدامه ورفاقه في 11/11/1887 بمدينة شيكاغو رداً على قمع السلطات الأميركية، التي فتحت النيران على العمال حينذاك بحجة قيام العمال بإطلاق النار على الشرطة، وأصدرت ضد بعضهم أحكاماً قاسية، بما فيها الإعدام زوراً، مجسدة بذلك تلك الوحدة الصلبة للعصى الإمبريالية: الكذب والقسوة. منذ ذلك الوقت حين قال سبايس: "سيأتي اليوم الذي يصبح فيه صمتنا في القبور أعلى من أصواتنا اليوم". منذ ذلك اليوم يتواصل نهج النقيضين، الذي لا يعرف الهوادة، العمال وأخصامهم، ويتواصل النضال من أجل الخبز والحرية من جانب العمال، والجريمة والكذب من جانب الطغاة.

وقد يتلخص الرد التاريخي على هذا التناقض في قول جو هيل، المناضل العظيم في صفوف الطبقة العاملة، عندما ألصقت به شرطة الولايات المتحدة الأمريكية تهمة القتل، وأصدرت ضده حكم الإعدام: "لا تعلنوا الحداد. نظموا!" بإمكاننا أن نجعل هذا عاماً جديداً سعيداً! وأيضاً لخص تجربة جو هيل البطولية المغني الزنجي الراحل بول روبسن في أغنيته المستقاة من قصيدة نُظمت بعد 10 أعوام من وفاة جو هيل، التي جاء فيها ما معناه: رأيت في حلمي الليلة الماضية جو هيل حياً مثلي ومثلك، قلت: يا جو أنت ميت منذ عشرة أعوام؟. قال جو: لن أموت أبداً، مادام هناك عمال يدافعون عن حقوقهم في كل معمل وفي كل طاحونة ... وعندما يذهب العمال الى التنظيم هناك دائماً سوف تجد جو هيل".

من الصعب تصور دور الطبقة العاملة دون وجود حزبها السياسي والعكس صحيح أيضاً، إن الضربات الماحقة التي حاقت بما كان يعرف بالمنظومة الإشتراكية الدولية، قد فك من عضد النضال السياسي والنقابي عامة، أو حد من زخمه على الأقل، تحت وطئة الذهول من الإنهيار الذي وقع، وقد عزز ذلك ترهل قيادات الأحزاب العمالية في الغالب، الى جانب زع اليأس من خلال الدعاية المنطلقة من طرف واحد. ومن بديهيات العمل النقابي أن لا تطرح النقابات مهمات كبيرة ليس من شأنها المباشر، مثل تغيير الأنظمة السياسية، لأن ذلك يُعد تجاوزاً على مصالح العمال أنفسهم، كما ينبغي أن تكون الحدود واضحة للغاية بين النقابة والحزب السياسي العمالي.

في فترة التأسيس؛ تأسيس الحزب الشيوعي العراقي تحت قيادة الرفيق فهد ـ يوسف سلمان يوسف كان الشأن الطبقي ومتطلباته في غاية الوضوح، وكان الرفيق الشهيد سلام عادل واضحاً في هذا الشأن أيضاً، ولكن مجرى الحياة الحزبية بعد إنتصار ثورة 14 تموز 1958 سار بإتجاه آخر، لم يتمكن الحزب في تلك الفترة وما بعدها من خلق المعادلة الضرورية في هذا الشأن.

أنقل للقراء والرفاق كافة، ما دار في أول إجتماعٍ كاملٍ للجنة المركزية لحزبنا الشيوعي العراقي حضرته في عام 1959، بصدد موضوعنا المطروح حالياً. فقد ناقش الإجتماع نقاطتين أساسيتين: الوضع السياسي في البلاد والعلاقة مع الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم، في هذه النقطة تحدث جميع الرفاق المشاركين في الإجتماع المذكور، وكانت المداخلات كلها قال ماركس، قال لينين.

وعند إنتقال الإجتماع الى الموضوع الثاني: التنظيم، تحدث كل رفيق عن مجاله، وهم الرفاق: أبو فاروق ـ عمر علي الشيخ؛ سلطان ملا علي، وهو مناضل من البصرة؛ ورفيق آخر من الموصل مع الأسف لا أتذكر إسمه في هذه اللحظة. ولكن فيما يتعلق بوضع العمال والنقابات والعمل الحزبي بين العمال تحدثت لوحدي مع الأسف عن العمال وأهمية تنظيمهم في المشاريع الكبيرة، مثل: السكك؛ النفط؛ الكهرباء؛ والنشاط العمالي في المؤسسات الوطنية، الصغيرة منها والكبيرة، وأهمية التنظيم الحزبي في المشاريع الكبرى، وأهمية دعم النقابات العمالية، وتدريب الكادر، وتشكيل لجان عمالية في المشاريع الكبرى والصغرى والمتوسطة الوطنية منها والأجنبية، لم ينطق أحد من الرفاق، الذين أكثروا الحديث عن الأقوال. إن الحياة ليست مجرد نظريات فقط، وإنما إختبار للنظريات في التطبيق ـ الممارسة، وكيفية الفهم والتطبيق الخلاق لها أيضاً.

بعد أن فرغت من كلامي، علق الرفيق الشهيد البطل عبد الرحيم شريف، قائلاً: الآن أشعر بأني في لجنة مركزية لحزب شيوعي. ومن المعلوم أن عبد الرحيم شريف من بين أبرز مثقفي العراق والحزب الشيوعي العراقي. إن مداخلة الرفيق كانت صورة حية عن الفهم الصحيح لدور حزب الطبقة العاملة تجاه الطبقة التي يمثلها، وهي في الوقت ذاته تأكيد على أهمية دور المثقف الثوري في الحزب العمالي.

إن إجتماع اللجنة المركزية للحزب عام 1959 أظهر لي على الأقل الخلل في البنية الطبقية لقيادة حزب الطبقة العاملة، بعد أن حاولت أن أحصر عدد العمال في الإجتماع المذكور. كان قوام اللجنة المركزية للحزب الحزب الشيوعي العراقي حينذاك 33 عضواً وعضواً مرشحاً، جميعهم شاركوا في الإجتماع المذكور، وقد وجدت بينهم من العمال إثنين فقط، الرفيق الراحل ناصر عبود، وهو نقابي سابق في ميناء البصرة، وأنا من عمال النفط، والأكثر من هذا أن الرفيق أبو إيمان سلام عادل كان مضطراً لتكليف الرفيق ناصر عبود بإدارة البيوت الحزبية، وتوزيع مخصصات تلك البيوت، وذلك لخبرته في هذا المجال، ولم يبقى من الإثنين مختصاً بالشؤون العمالية، في هذه الحالة غير عامل واحد، ولم يكن في الحزب أي مختص في قوانين العمل الدولي، ولا حتى في قانون العمل العراقي، هذا الى جانب ضعف الإهتمام في تنظيم العمال بالمؤسسات الكبيرة، والأجنبية منها بصفة خاصة.

لا يمكن أن يكون دور الحزب الشيوعي حيوياً بدون دور حيوي للحركة العمالية والنقابية، وإن تركيبة الحزب يجب أن تحفظ نسباً عالية من العمال ومن الإنحدارات العمالية في صفوفها، وهذا ليس أمراً شكلياً أو جانبياً، إنه أمر أساسي، ويُشكل ضمانة ضد الإنحرافات الفكرية، وإن ضعف الصفة العمالية في الحزب وضعف الحركة العمالية قد يجعلهما عرضة للإعتماد على الخارج. ومن جانب آخر ليس من مصلحة الشيوعيين إخضاع الحركة النقابية لصالح سياسته التكتيكية، ولأن هذا الموقف يضر بالحزب وبالنقابات معاً.

على أي حزب شيوعي في موقفه من الطبقة العاملة أن يربط الوعي الطبقي السليم بالممارسة السليمة، وأن يضمن وجوده في قلب النقابات، وأن يعتني بتركيبته الداخلية الطبقية وصدق الإنتماء، ولاسما في المركز، وهذه الشروط مجتمعة تحمي الحزب من الإنزلاق في نهج الإستعانة بقوة خارجية أكبر، ومثل هذه الإستعانة لا تؤدي الى تحقيق تقديم يذكر في أي بلد كان، وفي أية فترة تاريخية كانت، هذا الى جانب ضرورة أن تكون عناية الحزب بنفسه دائمة على مختلف الأصعدة الفكرية والسياسية والتنظيمية وغيرها من المجالات الأساسية.

إن فهم واقع الحزب والحركة العمالية والنقابات في فترة الرفيق فهد كان متكامل العناصر والمكونات، وكان الحس الطبقي حاضراً على الدوام، وقد سار الرفيق الشهيد سلام عادل على ذات الدرب، خاصة في مجال التنظيم والتحسب للمخاطر المحتملة، حتى البعيد منها. في عام 1961 شاركت في المؤتمر الخامس لإتحاد نقابات العمال العالمي، وإقترحوا عليّ البقاء لتمثيل إتحادنا، وقد رفضت ذلك، عندها سألني أبو إيمان ـ الرفيق سلام عادل: لماذا رفضت؟. وبادر الى شرح خطته في حماية الكادر، وفي جزء منها، أن يبقى على الأقل 10 رفاق من القادة والكوادر بصورة متتابعة في الخارج لتجنب الضربات الماحقة، وليكون لهؤلاء دور في إعادة بناء الحزب، إذا ما تعرض لضربة غير متوقعة. أقول هذا إجراء الذي إتخذه أبو إيمان كان حكيماً، ويمنع الأعداء من الإجهاز الكامل على الحزب مهما كانت خططهم محكمة وبربرية، ويضمن الإستمرارية. وأضاف سكرتير الحزب: سأقترح على المكتب السياسي إرسالك للمدرسة الحزبية في الخارج. هنا كانت تقديرات سلام عادل دقيقة للغاية، حيث ساهم الرفاق في المدارس الحزبية بإعادة بناء الحزب بعد إنقلاب شباط 1963، وهو قدم سلام عادل نفسه شهيداً يَمِّدُ الحزبَ بالإثر والأثر الطيبين، وقوة المثل التي تشد الهمم والعزائم. ومن موسكو بعد الإنقلاب إنتقلنا الى براغ في دورات سريعة ومتخصصه، وكننا ثلاثة رفاق: حسين سلطان ثابت حبيب وأنا، وعند العودة إجرينا بعض التمويه على الهيئة الشخصية، مثلاً: أنا لبست باروكة وأطلت الشوارب وما الى ذلك مع تزوير الوثاق الشخصية وكذلك كان حال الرفيقين ثابت و حسين.

كان فهد على صعيد التنظيم القيادي يهتم بإختيار المنظم الحزبي والمنظم الذي يتولى النشاط الثقافي للحزب، فقبل إعدامه كلف الرفيق حازم (زكي بسيم) في شؤون التنظيم والرفيق صارم (حسين الشبيبي) في العمل الثقافي، وكذلك شخص رفاق للفترات الأبعد ولكل الإحتمالات، فكان الرفيق سالم عبيد النعمان للتنظيم والرفيق الشهيد محمد حسين أبو العيس للتثقيف.

حين يجري الحديث عن الطليعة تعتقد بعض الأحزاب أن قيادتها هي الطليعة، التي تقود كل شيء تقود العمال والمجتمع والنقابات والحركة العمالية ... الخ. إن الطليعة تضم كل من يتبنى مصالح الطبقة العاملة وتحريرها من عبودية الأجور والإستغلال، وليس بالضرورة أن تكون الطليعة من العمال فقط.

فلابد من إنماء الحركة العمالية والنقابية والنضال الحزبي، وأن يظل الحزب تنظيم سياسي يستهدف السلطة السياسية حسب مراحل تطور الحركة الوطنية صوب الأهداف الإستراتيجية صوب الإشتراكية. ولا ضير من التأكيد هنا على أن الطبقة العاملة أكبر من النقابة، والنقابة أوسع من التنظيم الحزبي في المجال العمالي، والنقابة ليس هدفها السلطة، حيث ينتظم العمال في نقاباتهم من أجل مطالبهم الإقتصادية والإجتماعية العامة، التنظيم الحزبي يهدف الى تحقيق برناج الحزب الإستراتيجي. في الأيام الأولى للثورة العراقية عام 1958 كان عدد العمال مليون عامل، وعدد الذي إنضموا الى النقابات 387 ألف عامل، وعدد الشيوعيين منهم في المؤسسات الكبيرة بالعشرات. وهنا الأمر لا يتوقف على المُنظمين حزبياً بقدر تعلقه بحيوية هؤلاء الحزبين وسعة شبكة أصدقائهم ومؤيديهم. وكذلك يرتبط الأمر بطبيعة نظرة كل الشيوعيين الى العمال، فعلى سبيل المثال كان المثقف الشيوعي في الفترة الفهدية يولى عناية خاصة بجاره العامل، وكان الرفيق يفخر أنه عَلَّمَ جاره الأمي القراءة والكتابة.

وأتسأل أليس من الخطأ أن يحوّل الشيوعيون النقابة الى جهاز خاضع لإرادة وإدارة الحزب؟. أقدم مثلاً ملموساً، حرّك الحزب عمال النسيج في الكاظمية للإضراب، وخلال مقابلة لجنة الإضراب لمدير المعمل صفع المدير أحد الأعضاء، كنّا قيادة الإتحاد في مقره بالوزيرية عند وقوع الحادثة، التي عرفنا بها من خلال إتصال أجراه الرفيق الشهيد محمد حسين أبو العيس، عضو م. س. الذي كان مشرفاً على نشاطات من هذا النوع، وأرسل الخبر إلينا للتدخل، وطالب بإرسال عدد من القياديين في الإتحاد، ثم طلبني الرفيق أبو العيس عبر الرفيق الشهيد البطل طالب عبد الجبار، الذي إصطحبني الى بيت الرفيق كامل كرم ـ أبو علاء في العطيفية، وقد إستقبلني أبو علاء وعائلته الكريمة وأطفاله بالحرارة الشيوعية المعهودة، ودخلت الى غرفة كان فيها الرفيق أبو العيس، الذي قال: أبو إسكندر أريد تحل هذه المشكلة، لأنها سوف تتحول الى تصادم عنيف بعد إصرار الزعيم عبد الكريم قاسم على كسر الإضراب، حتى ولو بالرصاص، وإنه جاد في تهديده، وإن حدثاً من هذا النوع لو وقع، فإنه لا يخدم أحداً، ويضر بإستقرار البلاد في هذه الفترة الحرجة للغاية.

لقد أضرب عمال النسيج في الكاظمية عن العمل، وهم يعملون على ثلاث دورات إنتاجية يومياً (شفتات)، أي 24 ساعة على 24 ساعة، أضربوا جميعاً من أجل زيادة الأجور، ومن ثم إحتجاجاً على صفع مدير المصنع لأحد العمال، الذي كان ضمن اللجنة، التي فاوضت المدير على مسألة رفع الأجور.

في سبيل إيجاد حلٍ إقترحت تولي مسؤولية تنظيم الكاظمية مؤقتاً، لتوجيه العمال الحزبين، وشرح تصورات ومواقف قيادة الحزب، والتحرك بإسم قيادة الإتحاد العام لنقابات العمال كنقابي، وطرح المسألة برمتها على قادة الإضراب من زاوية أخرى، تتناول مسألة كيف يمكن أن يحصل العمال على حقوقهم بوسائل عدة، ومنها القضاء أيضاً، كما إن شرح الجانب السياسي فيما يخص الإضراب قد نال تفهم العمال، وهم يدركون جيداً خطورة الإصطدام بين الشيوعيين وقاسم، وهم على مسافة قريبة من الحزب، ويدركون إخلاصه لهم، وفيما يتعلق بالإهانة التي تعرض لها العامل النقابي، جرى التأكيد على أن هناك محامي للنقابة على إستعداد للدفاع عن حقوق العمال، وإقامة دعوى قضائية ضد مدير المصنع، وبذلك تتم محاسبة المعتدي، وصيانة كرامة العمال، وفي الوقت نفسه يجرى إبعاد أزمة عن البلاد ككل في مرحلة حرجة للغاية.

وضمن محاولة تسوية المشكلة ذهبت الى مقر النقابة، وكان رئيسها جعفر صادق الذي أعرفه من أيام وثبة كانون، ومسؤول المنظمة الحزبية حسين الوردي، الذي أعرف من سجن نقرة السلمان. إن التنظيم الحزبي هو الذي دفع الى الإضراب، دون دراسة لمجمل الظروف المحيطة به، وحين سعت المنظمة لإيقاف الإضراب بعد أن أدركت مخاطره في تلك اللحظة السياسية، فشلت محاولاتها في إقناع العمال باللجوء الى التفاوض وإنهاء الإضراب، على الرغم من وجود 200 عامل في التنظيم الحزبي، ولم يقتنع النقابي جعفر صادق بإنهاء الإضراب على الرغم من تدخل قادة نقابيين كبار لإقناعه ومنهم: علي شكر رئيس الإتحاد؛ صادق جعفر الفلاحي عضو المكتب التنفذي ورئيس نقابة النسيج سابقاً؛ طه فائق رئيس نقابة البرق والبريد؛ كليبان صالح العبلي رئيس نقابة الميكانيك؛ حسين علوان رئيس نقابة البناء وجميع أعضاء المكتب التنفيذي، لأن الأمر قد تفاقم بعد إعتداء المدير على أحد العمال المفاوضين.

إن الخطاً قد بدأ من تولي التنظيم الحزبي مهمة الدفع الى الإضراب، إن مهمة التنظيم في الأحوال الطبيعية أن يساند الإضرابات العمالية، وليس هو الذي يطلق الإضرابات، إلا في حالات الإستثناء الحاسمة، لأن إطلاق الإضراب ليس كإيقافه خاصة في حالة العجز عن تحقيق المطاليب المطروحة كسبب للإضراب أو في حالة التصعيد من قبل الحكومات وأرباب العمل. ومن الشروط الضرورية في الإضرابات معرفة الفوارق في التعامل مع الشركات الوطنية والأجنبية، وبين الكبيرة والصغيرة، وينبغي أن يأخذ بالحسبان الفوارق في إمكانيات الشركات الوطنية والأجنبية الكبرى، وإن نوع المطالبة ينبغي أن يختلف في هذين النوعين من الشركات، وأن يُدرس الإضراب ضمن الشروط المحيطة به الى جانب تقدير جميع ردود الأفعال، فالإضراب الهدف منه تحقيق مكاسب، وليس إلحاق المزيد من الخسائر، وهو في ذات الوقت مدرسة لتعميق الخبرة النضالية والوعي الطبيقي نحو الأهداف الأكبر، وذلك يتحقق إذا كانت دراسة جميع الشروط المحيطة بعملية الإضراب دقيقة وواعية.

هناك سؤال يتردد كثيراً: هل يعمل الشيوعيون في النقابات الرجعية؟. من حيث المبدأ ينبغي ألّا يعزل الشيوعيون أنفسهم عن النقابات مهما كانت طبيعة قياداتها، لدينا التجربة الإيطالية، حيث عمل الشيوعيون في النقابات الفاشية. ولكن العمل في النقابات العمالية التي يتحكم الرجعيون في قياداتها لا يجري عبر إتفاقات سياسية، وينبغي أن يكون الفرز من خلال إرادة العمال أنفسهم، هذا فضلاً عن كونه ذلك العمل يحمل العيد من المخاطر، ويتطلب خططاً خاصة، ومهارات نضالية عالية، ويقظة ثورية، وحساً عمالياً مرهفاً، وكل بلد له ظروفه الخاصة.

إن التنظيم الوسيلة الأقوى بيد الشعب أو القوة الأبرز في الدفاع عن مصالح الشعب المعني، وبدون التنظيم يصبح الفرد مجرد حاضنة لأفكار صحيحة أو مصلح أو داعية إجتماعي فرد، ولكن من زاوية أخرى إن التنظيم قد يتحول الى حاضنة لسلوكيات خاطئة للغاية، ويخلق وضعاً تكون فية العلاقات بين النظرية التطبيق واهية ومتباعدة عن بعضهما الى درجة تكاد فيه الحالة أن تفقد خصائصها الرئيسية، ويسوء الفهم لبعض المهمات النضالية عن وعي أو بدون وعي.

نعم إن التنظيم وسيلة وليس غاية لتحقيق الأهداف، البعيدة منها والقريبة، وأشرت غير مرة الى الأهميته القصوى للتنظيم، ولكن من الخطير بمكان أن تتحول المهمات الحزبية الى مراتبية حزبية، وكأنها سلم وظيفي، وتتحول المهمات الحزبية الى مراكز وإمتيازات يجرى التدافع عليها، وليس الى تضحيات نضالية مشرفة، إنها في هذه الحالة عملية هدر للطاقات الثورية. وهي تنعش النعرات داخل الحزب الثوري، لقد شخصت هذه الأمراض في تقرير المؤتمر الرابع للحزب، وقلت أنه هدر ما بعده هدر.

فعلى سبيل المثال في فترة سابقة أيام الجبهة مع البعث طلب مني الرفيق عزيز محمد سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي سابقاً أن نتوحد مع الإتحاد العام العمالي الحكومي، وأن أشغل موقع نائب الرئيس بموجب طلب من المرحوم احمد حسن البكر رئيس الجمهورية العراقية الأسبق، وقد رفضت هذا التكليف بصفة قاطعة مفسراً قناعتي بأن أية وحدة فوقية لا تنبع من جماهير العمال أنفسهم، وعبر الإنتخابات المباشرة لا تخدم العمال، ولا تصمد في أية مواجهة، وهي في أفضل الإحتمالات يمكن أن تنهار بقرارات فوقية أيضاً. إن الوحدات الفوقية في الأحوال الإعتيادية زراعة للوهم، وفي ظروف الإحتلال تستهدف التخدير وزراعة الوهم معاً، إن لم تكن لأغراض أخرى. إن العمال يعرفون مصالحهم لا ينتظرون الخطب البليغة والفتاوى، ويأكدون لقادة إتحاداتهم والإتحادات الصفراء منها إستحالة خدمة سيدين في الوقت نفسه، وأضفت: إن الوضع في النقابات ليس كالوضع في الحزب؛ الحزب حصل على وزيرين إثنين في الحكومة، ودخل في تحالف مع البعث، وهذه قضية فيها نقاش، ولكن الديمقراطية النقابية تتطلب وحدة من خلال الإرادة العامة للعمال، ومن خلال الإنتخابات الحرة والمباشرة.

يعلم رفاقي أني كنت ضد المناطقية، وشخصت حالة التحالف السابقة والقائمة بين الرفاق في الفرات الأوسط وكردستان، وقلت هذا زواج كاثوليكي ليس في مصلحة الحزب، وأنا حين أقول هذا لست ضد أحد، ويعرف رفاقي مدى حبي لهاتين المنطقتين المناضلتين من عراقنا العزيز، وأثرت هذا الموضوع مع الرفيقين عدنان عباس و د. مهدي الحافط، وقالا نحن أيضاً من الفرات الأوسط. وهنا لا إجامل أحداً، ولا عند موقف من معادٍ لأحد، ولكن هذا الموقف يشعر رفاقنا في المنطقة الجنوبية: البصرة، الناصرية والعمارة وحتى الكوت ومناطق أخرى من العراق، وفي المقدمة منها عاصمتنا بغداد، يشعرهم بعدم الإهتمام لأن المعايير المعتمدة غير الكفاءة والقدرة على التضحية، وما الى ذلك من المواصفات الشيوعية. ووصفت الحالة وقلت إنها طابو (نظام ملكية في العهد العثماني) في المكتب السياسي 9 الى 3 وهم نفس العناصر، وينضم إليهم واحد مسيحي أو مندائي، بالنسبة لي إذا كان الخط العام ثورياً في الحزب يجري تقديمي الى المكتب السياسي، وإذا غير ذلك يجري إبعادي، والحال نفسه في الكفاح المسلح (الأنصار) أصبحت عضواً في م. س. ومسؤول الأنصار. وينبغي أن نعلم ويعلم الجميع أن دولتنا الريعية الفاشلة الحالية أنها تعيش على نفط البصرة والعمارة وكركوك، وهذا الأمر ليس له دلالة إقتصادية فقط بل دلالة سياسية أيضاً، ينبغي أن تأخذ بنظر الإعتبار في التخطيط للتطوير الشامل للبلاد، وفي إشراك أوسع الدوائر الجماهيرية في النضال الإجتماعي العام.

نتابع دور الدين السياسي، وهو دور أقرب الى الإجرام منه الى الدين أو العمل السياسي الشريف، لأنه من خلال إفقار العمال وتقليص فرص العمل وتحطيم التعليم بما فيه التعليم الأساسي تركوا قطاعات واسعة من العمال الفقراء نهباً لهم ولمعاركهم الجنونية، ولهذا لم نشهد حركة بناء صناعي فيما عدا برميل النفط، الذي يخدم الدولة الريعية الطفيلية الفاشلة. كما إن الحزب البروليتايا حين يتحول الى مقرات ورواتب ومراكز نفوذ وعلاقات متشابكة مع سلطات الدين السياسي، يصبح الدور النقابي في هذه الحالة شكلياً، ولكن منطق الحياة وحركتها يدفع العمال من جديد الى مرحلة الحبو النقابي إن صح التعبير، وما الإضرابات المشرفة في القليل من المعامل المتبقية إلّا بشير خير للمستقبل النقابي، الذي يشكل رافعة غير مباشرة على طريق التحولات الجذرية، إن الفكر اليميني المتشح بسراويل يسارية خطر حقيقي على الحركة العمالية أكثر من أرباب العمل لأن أرباب العمل هؤلاء مكشوفون موضوعياً أمام كل العمال. وحتى إذا قاد الحزب الشيوعي الدولة، وبدأ يتعامل بأساليب بيروقراطية فإنه يحول دور النقابات الى دور شكلي فارغ من مضمونه الإجتماعي والإقتصدي.

إن بعض القوى اليسارية والشيوعية ساهمت في إضعاف وتشتيت الحركة العمالية والنقابية العراقية من خلال نقل الصراعات والخلافات الفكرية الحزبية الى العمال ومنظماتهم. وكل حزب حاول خلق نقابات ترتبط به، ودفع النقابات الى أن تكون جزءاً من لعبة الحوارات بين الأحزاب وتقاسم المواقع في النقابات، وهذا خطر تدميري للعمل العمالي، إن البديل الحقيقي هو العمل ضمن الإتحادات القائمة، ومن خلال دور الشيوعيين في تلك النقابات والإتحادات يجرى تطور المواقف النقابية لصالح حقوق العمال أنفسهم، وذلك يمثل أكبر خدمة للحزب اليساري أو الوطني أو القومي أو الشيوعي، ومثل هذا العمل بمثابة المدرسة للمناضل العمالي ليصل الى دور المناضل السياسي بوعي تام، إن الحس الطبيقي ينبغي أن يكون واقعاً داخل الحزب، وليس مجرد كلام بلا معالم واضحة وخطة عمل أقرب ما يكون الى حالة لرفع العتب. وينبغي أن يظل في كل الظروف السؤال الدقيق مطروحاً علينا جميعاً: هل الحزب الذي نناضل من خلال صفوفه حزب عمالي أم إنه خليط بين العمالي والبرجوازي الصغير؟. ولكن على أي حال لا مجال لفقدان الأمل بنضال العمالين والعمال العراقيين يوماً، ويظل دور الشيوعيين في النقابات دوراً فكرياً في الأساس.

إن النقطة المحورية التي شغلت إهتمامي هي الحركة العمالية والنقابية سواءً في عملي الحزبي أو في الدراسات الحزبية. إن الطبقة العاملة عندما تكتسب وعيها الخاص تتحول من طبقة بحد ذاتها الى طبقة لذاتها، وعندما تفقد الطبقة وعيها الطبقي يجري تحويلها مرة أخرى الى قوة لا تفكر سوى في بيع قوة عملها بثمن بخس في سوق العمل.

ومن الأخطاء التي وقعت فيها بعض نقاباتنا، كان عدم دراسة الظروف الملموسة للجهات، التي نقيم الإضراب ضدها، مثلاً، بعد نضالنا ضد شركات النفط الأجنبية حصلنا على زيادة في الأجور؛ حصلنا على 600 فلس يومياً، وحين أضرب عمال الزيوت، قال لي النقابي جاسم علون: آرا سوف نلحق بكم، لماذا الأجنبي يعطي 600 فلس، أما محمد حديد الوطني لا يرفع الأجور الى نفس المستوى. يُذكر أن محمد حديد رفع الإجور الى 500 فلس، وهذا إنتصار للعمال ولرب العمل في الوقت نفسه، ولكن المطالبة بإجور أكبر يعني إنهيار المشروع من الزاوية الإقتصادية، وهذا يمثل خسارة كبيرة لرب العمل والعمال والإقتصاد الوطني.

إن عدم التميز بين الحالتين (المؤسسات الأجنبية الكبرى والمؤسسات الوطنية ذات الإمكانيات الضعيفة) يمثل قصوراً في الوعي، وعليه بدأ الحزب بإيفاد أعداد من القادة النقابيين لدراسة التجارب العمالية الأخرى، ولدراسة الإقتصاد والقوانين، التي تخص العمال في مناطق وظروف مختلفة أو مماثلة. إن قوة أي حزب شيوعي هي في قوة أفكاره وبرامجه وسمعته وهيبته بين الجماهير، ويُعبر عنها بقوة تنظيمه من خلال جيش من العمال والمثقفين، الذين يتمتعون بأهمية إستثنائية، إنهم شغيلة الفكر. ولكي يبقى الحزب قوياً عليه أن يَعلم بأن من مصادر قوته الأساسية هي الحركة والتنظيم بين الكادحين والجياع والأرامل واليتامى وكل المهمشين، وكل الذين تسعى الحكومات الى وضعهم على هامش الحياة أو حتى خارجها. إن للشيوعيين خبرات عظيمة في العمل من أجل مصالح الناس والأحياء والمدن والتجمعات الإنتاجية والجمعيات والمنظمات الخيرية وغير الربحية. مع الأسف لقد هجرنا الساحة للدين السياسي، الذي أثبت بالملموس أن قادته لا يشبعون من السحت الحرمان ونهب المال العام والخاص، وتسخير بعضاً من الفتات للظهور بمظهر الأخيار، الذين يساعدون الفقراء عبر جمعياتهم. إن الحياة ليس فقط قال ماركس قال لينين، ولكن الحياة في كيف ناضل ماركس ولينين وأبناء شعبنا العراق وقادتنا التاريخيين والإجتماعيين الأبطال، بما فيهم الذين نعارضهم أو نعارض بعضاً من مواقفهم وسيرهم.

على الحزب الشيوعي أن يعتمد على الداخل، وليس على الخارج، يعتمد على قواه الذاتية، ولحد ما على حلفائه بحدود ضيقة جداً، وبالنسبة للخارج حتى لو كان هذا الخارج هم من الأشقاء. إن الروح الأممية الحقة لا تجد تعارضاً مع القول أو الحكمة القائلة: إن أهل مكة أدرى بشعابها. عندما جاء خروتشوف وتأكيداته على التطور اللارسمالي وروح العصر وما أعقبهما، هذا الى جانب بعض الأوهام حول أممية الدولة، وقد طُرحت أسئلة حول هل من الضروري أن يوجد حزب شيوعي؟. في لقاء بموسكو آواخر الستينات سألت الرفيق نيجكن، وماذا عن دكتاتورية البرولتاريا، قال: إن وجود الإتحاد السوفيتي ضمانة عالمية لدكتاتورية البروليتاريا العالمية.

لم تهضم الكثير من الأحزاب الشيوعية بعض توجهات الإتحاد السوفيتي في تلك الفترة، فعلى سبيل المثال عندما علّت نغمة روح العصر، جاء في تلك الأثناء الرفيق عزير محمد الى موسكو، وحين طُرحت هذه الموضوعة عليه، في إجتماع للرفاق المقيمين هناك، علق الرفيق على مسألة روح العصر بأنها لم تصل الى كردستان بعد.

إن أي إتكال على الخارج أو روحية الإتكال بصفة عامة قد مهد لقبول بريمر، وقد يمهد لبريمر مستقبلي آخر، هاكم إنظروا الى الذين تورطوا مع بريمر الى اليوم لا يطلقون وصف الإحتلال على القوات الغازية لبلادنا، حتى بعد أن وصفته واشنطن نفسها بإحتلال العراق، هل تعلمون لماذا لأنهم يريدون إيهام أنفسهم قبل الآخرين، ولكي لا يمارسوا سلوكاً قويماً من خلال إنتقاد الذات ومراجعة التجربة المرة.

وفي إطار إيضاح الخلل في فهم العلاقات بين الحزب والنقابات، كانت مسيرة الأول من آيار عام 1959 المليونية في بلد تعداد نفوسه سبعة ملايين، دليل لا يقبل الشك على عمق ثقة الشعب بحزب الطبقة العاملة، على الرغم من كل النواقص والأخطاء، التي رافقت عمل هذا الحزب العظيم، وربما شفيعنا هنا القول: من لا يعمل لا يخطأ. ولكن بعض الأخطاء تعني عجزاً في فهم النظرية وتطبيقاتها والإسترشاد بها، ولابد أن أشير الى الخطأ الكبير الذي إرتكبته قيادة الحزب حين جاءت لتقف في مقدمة المسيرة، وتنحي قيادة الإتحاد العام لنقابات العمال العراقيين عن موقعها في طليعة المسيرة، أنه الفهم القاصر لمعنى الطليعة والحزب والنقابة والعلاقة بينه، وكان من الأجدر أن لا يُسمح للمتظاهرين أو يجري دفعهم الى رفع شعار: "عاش زعيمي عبد الكريمي ... حزب شيوعي في الحكم مطلب عظيمي"، لأن الحكم لا يطلب، وإنما ينتزع، كما إن الشعار إستفز الزعيم الوطني الراحل عبد الكريم قاسم، في وقت لم تكن لدينا خطة للتصعيد، أو أي مشروع آخر، وقد ساهمت تلك الإندفاعة غير المحسوبة بتسلل القوى الرجعية الى مراكز السلطة بمكر ودهاء وخبث ودون مطالبة في الشارع، مستغلة تأجج المخاوف عند رأس السلطة من الشيوعيين.

إن تحديد المفاهيم بدقة علمية على أساس الماركسية ـ اللينينية، وإحكام العلاقات بموازين واضحة بين الحزب والطبقة العاملة والحركة العمالية والنقابات، والتمعن الجاد بكل التجارب الماضية، وإستخلاص العبر منها تكون مجتمعة مصدر قوة لكل الأطراف المعنية على طريق تحقيق نضال فعال ومثمر نحو حياة أفضل للكادحين، ومن أجل أهداف حزب الطبقة العاملة، التي صيغت في إطار عام هو: وطن حر وشعب سعيد.




تعليقات الفيسبوك