عبدالخالق حسين - كاتب وباحث سياسي عراقي مستقل - في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: حوارات التمدن، حول الأزمة العراقية وغيرها.


عبدالخالق حسين
الحوار المتمدن - العدد: 5354 - 2016 / 11 / 27 - 22:32
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     


من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا -190- سيكون مع الأستاذ د.عبدالخالق حسين - كاتب وباحث سياسي عراقي مستقل - في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: حوارات التمدن، حول الأزمة العراقية وغيرها.


في البدء، أود أن اتقدم بالشكر الجزيل للإستاذ رزكار عقراوي، مؤسس ورئيس تحرير مؤسسة الحوار المتمدن، وفريقه في هيئة التحرير، على دعوتهم الكريمة لي في هذا الحوار الحضاري المفتوح. ومن الإنصاف أن أشيد بالدور الريادي للحوار المتمدن في هذا التقليد الديمقراطي في الحوار بين كتاب وكاتبات الموقع والجمهور الكريم، هذا التقليد افتقدناه ليس في العراق فحسب، بل وفي جميع البلاد العربية والشرق الأوسط، ودول العالم الثالث. لذلك فهذه التجربة رائدة ونافعة تستحق الدعم والتشجيع لتدريب أنفسنا على قبول الرأي والرأي الآخر، والحوار الهادئ المتمدن كما اسم الموقع.

الملاحظ، أن هناك نوع من التعصب في الرأي لدى البعض، ونفور وتشنج من الرأي الآخر المختلف، لذلك لا أغالي إذا قلت أن الشخص العراقي يتفق معك طالما كانت أفكارك التي عبرت عنها في مقال أو تعليق، تتفق مع أفكاره مائة بالمائة، أما إذا اختلفت عنه ولو بـ 5%، فيضعك في خانة الأعداء، و ينهال عليك بشتى الأوصاف والنعوت البذيئة وتكون القطيعة بينك وبينه. والمشكلة أن هذا التشنج والتوتر ورفض الرأي الآخر تجده عند غالبية الناس مع الأسف، بغض النظر عن درجاتهم الأكاديمية وانتماءاتهم الفكرية أو الأيديولوجية، سواءً كان قومياً، أو إسلامياً أو يسارياً أو شيوعيا، بل وحتى بعض الذين يعتبرون أنفسهم ليبراليين.

ودليلي على صحة ما أقول هو وجود أكثر من عشرة تنظيمات ماركسية- لينينية في العراق. وعشرات التنظيمات التي تدعي اليسارية و الديمقراطية والعلمانية والليبرالية. وتجد ذات المشكلة في الأحزاب القومية، والإسلاموية. وعندما تقرأ مناهج وأنظمة هذه التنظيمات من كل تيار فكري تجدها متشابهة ولا فرق بينها إلا بأسلوب التعبير، ومع ذلك تجد الصراعات بين تنظيمات التيار الواحد.
نعم، نحن مع تعددية المنابر والتنظيمات السياسية، ولكن للتعددية حدود، وإذا ما تجاوزت الحد المعقول تنقلب إلى الضد من الغرض المنشود، حيث تبديد الطاقات والإمكانيات على حساب وحدة الصف.

لهذا أعتقد أننا بأمس الحاجة إلى هذه المنابر الحوارية، ومنبر (الحوار المتمدن) نموذجاً حياً فاعلاً في هذا المجال منذ تأسيسه عام 2003، والأكثر مؤهلاً لهذا التقليد الديمقراطي لحد الآن، لتعويد بنات وأبناء شعبنا على فهم قواعد اللعبة الديمقراطية، وقبول الرأي الآخر المختلف. فالديمقراطية لا تعني الاتفاق على كل شيء، والفوز بكل ما تريد، أي مبدأ (كل شيء أو لا شيء)، فالذي يصر على مبدأ (كل شيء أو لا شيء)، دائماً ينتهي بلا شيء. فالديمقراطية تعني القبول بالمساومات (compromise)، والتنازلات والحصول على الممكن، وهي آلية لحسم الخلافات والمنازعات بالطرق السلمية، وتعني أيضاً نشر روح التسامح، وتقبل وتحمل الآخر المختلف، ويجب أن لا يؤدي الاختلاف في الرأي إلى عداوات شخصية.

ويسرني أن أقول أن لي علاقة جيدة مع الحوار المتمدن منذ تأسيسها عام 2003، فلحد الآن نشروا لي 1027 مقالة، في مختلف المحاور المهمة، عالجتُ فيها المشاكل الساخنة المثيرة للجدل، مثل الديمقراطية، والليبرالية، والعلمانية، ومعوقاتها في العراق والدول العربية، كما وتناولت الإسلاموية، وثورات الربيع العربي ، والعوامل التي أدت إلى انحرافها عن تحقيق أغراضها الرئيسية، وكذلك قضية الإرهاب ومنظماته الإرهابية، وأسباب ظهورها، ومن من يقف وراءها ويرعاها، وما هي الغاية من هذه التنظيمات الإرهابية. إنها هراوة تستخدمها حكومات دولية وإقليمية لاستنزاف الطاقات البشرية والاقتصادية للدول التي تريد النهوض والتقدم والديمقراطية.

لذلك أدعو الأخوات والأخوة الاعزاء تركيز أسئلتهم على المحاور المهمة التي تخص عراقنا الحبيب المبتلى بالإرهاب والفساد وتفشي الخرافة ، وكما هو معروف، أن في مرحلة التحولات الثورية الكبرى والإنعطافات التاريخية الحادة للمجتمعات، تحدث خلافات وانشقاقات حادة، وينشق الشعب إلى مختلف الكتل السياسية المتناحرة، خاصة وأن شعبنا منقسم على نفسه تاريخياً على مختلف الصعد، القومية، والدينية، والمذهبية، والسياسية والفكرية... الخ، ويمكن أن أللخص هذه المحاور التي أأمل تركيز النقاش عليها كما يلي:

1- موضوعة الديمقراطية،
هل العراق والبلاد العربية جاهزة ثقافياً لهذا النظام، أي أن تسمح للشعب أن يختار حكامه، من خلال اختيار نوابه، ومنح الحرية لكل التنظيمات السياسية وحرية الصحافة والتعبير والتفكير كما في الدول الديمقراطية العريقة؟ إذ لاحظنا أن الديمقراطية جلبت الكوارث للعراق، ومصر وتونس وغيرها، فلماذا الإلحاح على الديمقراطية؟
جوابي المختصر على هذا السؤال هو كما قال ونستون تشرتشل: "إن الحكومة الديمقراطية هي ليست الحكومة المثالية الفاضلة، ولكن لحد الآن لا توجد حكومة أفضل منها". فالحكومة الديمقراطية بالضرورة ضعيفة لأن لا بد وأن تكون هناك معارضة علنية وشرعية وسلمية، تعارضها، وبإمكان المعارض عرقلة عملها. وفي هذا الخصوص قال توماس جيفرسن: "إذا كانت الحكومة تخاف من الشعب، فهذه ديمقراطية، وإذا كان الشعب يخاف من الحكومة، فهذه دكتاتورية". كذلك لوحظ في جميع الأنظمة الديمقراطية أنها مصحوبة بالفساد. وأوضح مثال هو الهند التي تعتبر أكبر دولة ديمقراطية في العالم، ولكن فيها الفساد متفشياً جداً إلى حد أن قبل الانتخابات البرلمانية الأخيرة، تأسس حزب مهمته محاربة الفساد.

2- هل النظام العراقي ديمقراطي؟
يتساءل كثيرون: هل النظام الذي تأسس في العراق على أنقاض حكم البعث الصدامي هو نظام ديمقراطي؟ بل وراح الحكام العرب، ومعهم الإعلام العربي، وحتى البعض في الغرب، يصورون العراق الجديد وكأنه بعبع، وصندوق شر Pandora box قام الرئيس الأمريكي، جورج بوش الابن بفتحه، بعد أن كان صدام قد أبقاه مغلقاً بالقمع، فانطلقت الشرور تعيث في البلاد والمنطقة فساداً وقتلاً وتدميراً، لذا يحذرون منه شعوبهم من هذا المصير، ولسان حالهم يقول: نعم، نحن سيئون ، ولكن البديل الديمقراطي أسوأ، أنظروا إلى حال العراق، وما حل به بعد إزاحة الطاغية صدام، فنحن على الأقل لم نبلغ من الجور عليكم ما بلغه حكم صدام على شعبه. ولذلك ساهم هؤلاء السلاطين ووعاظهم بدعم الإرهاب وفلول البعث لقتل العراقيين وتدمير ممتلكاتهم وركائزهم الاقتصادية، وخلق الفوضى العارمة، إفشال الديمقراطية وإبرازها بصورة سيئة وبشعة وضارة، ولأسباب مختلفة، كل له السبب الخاص به ليرعبوا شعوبهم بمصير العراق. وما ساعدهم على تحقيق أغراضهم الدنيئة هذه، هو تصارع مكونات الشعب العراقي فيما بينها، وثقافته الاجتماعية (culture) كجزء من التركة المدمرة التي وفرت التربة الخصبة لترويج هذه الدعايات السامة، والصراعات الدامية.
 


3- ما هو مستقبل العراق في ظل النظام الديمقراطي والمحاصصة،
والفساد الإداري والمالي، والإرهاب، وهيمنة الأحزاب الإسلامية على السلطة؟ هل هناك أمل في تحسين الأوضاع ؟؟؟؟
أنا أعتقد بأن الجواب يجب أن يكون نعم ممكن، فالديمقراطية بدأت هكذا في معظم البلدان الديمقراطية، وواجهت صعوبات جمة، ولكن مع الزمن، اعتاد عليها الناس، وأصبحت جزءً مهماً من أعرافهم وتقاليدهم وثقافتهم، لن يتخلوا عنها اليوم. والشعب العراقي ليس استثناءً. ولكن ما زاد في وحشية الصراع في العراق هو أن الديمقراطية ولدت في عهد تفشي الإرهاب إثر الصراع في أفغانستان وجريمة 11 سبتمبر 2001 في أمريكا، واتخاذ تعددية الأديان والمذاهب وسيلة لإثارة الصراعات والفتن الطائفية لأغراض السياسية.

4- حول الديمقراطية والفساد!

نقرأ ونسمع الكثير عن الفساد الإداري والمالي في العراق الجديد، وقد بلغ حداً إلى أن صار قضية سياسية كبرى تهدد مستقبله، اتخذتها القوى السياسية المتنافسة ذريعة لشن الهجوم على الحكومة، بل وحتى المطالبة بإسقاطها. لذا فالسؤال الذي يطرح نفسه ونحن نناقش الأزمة العراقية هو: من المسؤول عن تفشي الفساد في مفاصل الدولة؟ وهل من حل؟ اعتقد أن هذا الموضوع يستحق أن ينال اهتمام القراء الكرام لمناقشته.

5- حول المحاصصة الطائفية والعرقية:
كنت قد تطرقت مراراً في مقالات سابقة لهذا الموضوع المثير للجدل والاختلاف، لذلك أرى أن هذا الموضوع هو الآخر يستحق مناقشته في هذا الحوار المفتوح حول الأزمة العراقية. فهو موضوع مهم ومثير للجدل بين العراقيين وغير العراقيين، والذي بدوره يعكس وضع الشعب العراقي وانقساماته، وهو: لماذا حكومة المحاصصة الطائفية والعرقية؟ وهل من بديل؟

6- لماذا انهارت الدولة العراقية؟

منذ إسقاط حكم البعث الصدامي عام 2003، ونحن نسمع ونقرأ على الدوام، انتقادات وشتائم لأمريكا والحكومة العراقية، من كتاب ومعلقين سياسيين، من مختلف الميول والاتجاهات الفكرية، بمن فيهم كتاب ليبراليون، عرب وغير عرب، وحتى من ألد أعداء البعث ومؤيدي إسقاط حكمه، بل وحتى من قبل ناس أحزابهم مشاركة في السلطة والبرلمان وإدارة الدولة، يرددون السؤال التالي: لماذا قامت أمريكا بتدمير الدولة العراقية، ولماذا لم تكتف بإسقاط حكم البعث فقط، والاحتفاظ بجميع مؤسسات الدولة؟ ويحمِّل هؤلاء أمريكا مسؤولية تفكيك الدولة العراقية، ويشتمون بول بريمر، الحاكم المدني لقوات التحالف، على حل الجيش السابق والأجهزة الأمنية، ويرون أنه لولا هذه القرارات لما حصل في العراق ما حصل من فوضى، وفلتان أمني، وأعمال الإرهاب...الخ. أعتقد أن هذا الموضوع مهم ويستحق النقاش من قبل الجمهور الكريم لنعرف أسباب تفكيك الدولة.

7- هل كان إسقاط البعث يستحق كل هذه التضحيات؟

والآن نأتي إلى السؤال الذي يدور في أذهان أبناء الشعب العراقي وغيرهم، حول الأزمة العراقية، وإسقاط حكم البعث، وما نجم عنه من تداعيات، ومضاعفات، وصراعات، وفضح المستور من عيوب المجتمع العراقي، فنأتي هنا للإجابة على السؤال التالي: هل ما تحقق بعد إسقاط حكم البعث كان يستحق كل هذه التضحيات التي دفعها الشعب العراقي من أرواح أبنائه وممتلكاته، وتخريب مؤسساته الاقتصادية والخدمية؟ أما كان الأفضل الانتظار ليسقط حكم البعث بطريقة و أخرى أقل خطراً مما حصل؟ وربما يبرز سؤال آخر هو: هل كان نظام البعث سيئاً إلى درجة أنه كان يستحق التخلص منه حتى ولو كلف ذلك احتلال العراق بقوات أجنبية؟

8- من المسؤول عن الاقتتال الطائفي في العراق؟

بعد إسقاط حكم البعث في يوم 9/4/2003 بأيام قلائل، انفجر العنف الطائفي في العراق بين السنة والشيعة، بشكل غير مسبوق من القتل على الهوية المذهبية، وتفجيرات الإرهابيين في الأحياء السكنية التي معظم قاطنيها من الشيعة، استهدفت أماكن تجمعاتهم مثل المساجد والحسينيات، والأسواق الشعبية، وتجمعات عمال المسطر الفقراء، ومواقف سيارات الأجرة المزدحمة، وأخيراً قاموا بتفجير ضريحي الإمامين: علي الهادي والحسن العسكري في مدينة سامراء، وهما من أئمة الشيعة. والقصد من كل ذلك إشعال حرب أهلية طائفية بين السنة والشيعة لكي ييأس الناس من الوضع الجديد وحملهم على الاعتقاد أن العراق لا يصلح له غير حكم البعث والقبضة الحديدية.

9- موضوعة "الربيع العربي"

لا شك أن العراق عضو مؤسس في الجامعة العربية، وهو من الدول العربية ، لذلك ما يصيب الدول العربية يصيب العراق أيضاً، وما حصل من تداعيات انتفاضات (الربيع العربي) أصاب العراق كذلك. لذلك فلا بد وأن يشمل حوارنا موضوعة "الربيع العربي".
اندلعت انتفاضات الربيع العربي كحركة جماهيرية عفوية نقية وليس من صنع الغرب ولا أي عامل خارجي في أول الأمر، وهو نتاج غليان شعبي كان يعتمل بصمت في أعماق الجماهير، إلى أن وصلته شرارة بائع الخضر والفواكه التونسي محمد بوعزيزي، الذي أهين من قبل شرطية، ولم تسمع الحكومة المحلية لمظلمته، فأشعل النار بجسمه، فكان كعود ثقاب اشعل براميل البارود في عدد من البلدان العربية.
لذلك، فهي ليست من صنع شخص واحد اسمه (برنارد ليفي) الفيلسوف الفرنسي، كما يدعي أنصار نظرية المؤامرة. ولكن، لأن هذه الجماهير بلا قيادة ذات خبرة وشهرة، حاولت السعودية وقطر وتركية وجهات غربية توظيف هذه الشحنة الثورية واختطافها من قبل عملائها، وتوجيهها لصالحها وذلك بصرف عشرات المليارات من البترو دولار، وتجنيد التطرف الإسلامي المتمثل بجزب الأخوان المسلمين، والقاعدة وفروعها كبندقية للإيحار، لحماية نفسها من وصول عدوى الربيع العربي إلى شعوبها، فعملت على تدمير سوريا وليبيا واليمن، و مصر، ومن قبلها حاولوا وما زالوا يحاولون تدمير العراق، فأدخلوا داعش وغيرها إلى هذه البلدان..الخ. ولكن رغم كل هذه الكوارث، فإن جدار الخوف قد انهار ولم تعد الشعوب العربية تخاف من أي نظام دكتاتوري ومهما تمادى في الاستبداد. وما انتفاضة الشعب المصري الثانية في 30 حزيران/يونيو والإطاحة بحكم الأخوان المسلمين، إلا دليل على صحة ما نقول. هذا الموضوع معقد ويحتاج إلى مقالات و سجالات. ولكن باختصار شديد أقول في هذه العجالة: إن الكوارث التي رافقت الربيع العربي ما هي إلا آلام المخاض لولادة مجتمع عربي جديد متصالح مع الديمقراطية والحرية والحداثة وحقوق الإنسان.

لا شك أن هناك مسائل كثيرة أخرى تستحق النقاش، هذا الحوار مفيد للجميع وخاصة لي ككاتب، فتساؤلات وتعليقات القراء الكرام تشكل مصدراً غنياً للإيحاء بكتابة المزيد من المقالات في شتى المجالات في المستقبل. وهذه إحدى الفوائد التي توفرها لنا شبكة الإنترنت والحوار المفتوح المباشر بين الكاتب والجمهور.
مع التحيات
عبدالخالق حسين
 




تعليقات الفيسبوك