نادية محمود - عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العمالي العراقي - في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: مبارزة داعش بسيف من خشب! حول الحرب ضد داعش!.


نادية محمود
الحوار المتمدن - العدد: 4845 - 2015 / 6 / 22 - 00:16
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     


من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا -159 - سيكون مع الاستاذة د.نادية محمود - عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العمالي العراقي - حول: مبارزة داعش بسيف من خشب! حول الحرب ضد داعش!
 


بدءاً، اود ان اشكر الحوار المتمدن لاتاحتها الفرصة لي وللقراء، ألبحث في موضوع طالما ترك ظلاله الكالحة على جماهير المنطقة، الا وهو ظهور داعش بكل تاريخها الاجرامي والوحشي الذي قل نظيره واثاره الجدية على المنطقة ومساراتها السياسية والاجتماعية.
ان الخلاص من داعش لهو أمل يتطلع اليه كل انسان شيوعي، تحرري، كل من يتطلع الى التحرر والمدنية، كل من يتمتع باي قدر من المشاعر الإنسانية، كل من له ربط وصلة بالعالم المعاصر وما يجب ان يكون عليه بالاخص بعد المنجزات الفكرية والسياسية والاجتماعية وفي ميدان الحقوق التي بلغتها البشرية. ان محو داعش ودفن داعش وامثال داعش مرة وللابد يشكل هدفا واملا للملايين، حيث ان هذا الجمع الإرهابي يمثل وباختصار شديد عدو للحياة، عدو للإنسان ولكل ما هو انساني. تحت سلطة داعش يقتل البشر وتسبى النساء، وتنتهك  الحريات بأبشع اشكالها، بل تنتهك كل مقومات إنسانية الانسان. داعش يعني استلاب ارادة الانسان بالكامل، تركيعه. ليس هنالك ارادة للإنسان، فالإنسان مرغم، عبد عليه الطاعة. ليس هنالك وجود لحياة مدنية وتليق بالإنسان. داعش اعاد احياء بربرية مرحلة بزوغ  وانتشار الاسلام: باستخدام القتل والسبي و الجزية.  انه يقنونون العبودية الجنسية للنساء. يضعون قانونا لـ"كيفية استخدام الأمة"، يجزون رقاب البشر و ينشرونه على صفحات الوبسايت. انك لاتستطيع مقارنتهم حتى باعتى الديكتاتوريات. ان كان صدام مثلا ينكر الإقرار بارتكاب بجرائمه، داعش تصور جرائمها وتضعها على السوشيال ميديا.
 لم تظهر داعش في العراق في 10 حزيران من العام المنصرم. داعش كانت موجودة في العراق منذ عام 2003 بل و حتى الى ما قبل ذلك التاريخ، كما سأوضح ذلك بعد قليل،  تغيرت اسماءها، تغيرت وجوهها على امتداد ما يناهز عقد و نصف. من القاعدة في بلاد الرافدين الى الدولة الإسلامية الى دولة الخلافة الإسلامية، ومن منظمة يقودها مصعب الزرقاوي، الذي قتل ليخلفه أبو أيوب المصري، الى أبو بكر البغدادي. انها تستند الى الأرضية ذاتها للكثير من المنظمات الإسلامية المتشددة بأسماء مختلفة وظروف مختلفة، انها تشرب من الكاس ذاتها، الإسلام السياسي المتشدد الذي جذوره في الإسلام السياسي "المعتدل"!

هذا التنظيم ولد كنتيجة مباشرة لاربعة عوامل مترابطة: أولا، الاحتلال الأمريكي للعراق، ثانيا، وجود حكم طائفي شيعي مقيت لعراق ما بعد 2005 والذي اسس لهويته الطائفية الشيعية في السلطة والحكم، وثالثا، ووجود سخط عميق في المنطقة ناجم عن العامل الثاني، وبالاخص سياسات التهميش والاقصاء تجاه السنة، وخاصة من بقايا حزب البعث. وأخيرا، الدور الإقليمي والصراعات العالمية-الإقليمية من اجل الهيمنة والنفوذ.
أولا: سياسة أمريكا تجاه المجتمع في العراق، هي سياسة من التدمير المتواصل. باعلانهم منذ عام 1991 بتصنيف و تقسيم المجتمع في العراق على أساس شيعة و اكراد مضطهدين، مقابل السنة، وتأسيس نظام قائم على الهويات الطائفية والقومية والعشائرية، واسناد الشيعة، وخلق منهم أداة لتنفيذ الإرادة الأميركية مقابل تمكينهم من الوصول الى السلطة، خلق تلك الأرضية المزروعة بالالغام للاحتراب الطائفي الإسلامي الشيعي-السني. لتحصد ومنذ اليوم الأول حياة الاف الناس الأبرياء. عجز أمريكا عن القضاء " القاعدة في بلاد الرافدين" واستنجادها بعشائر المنطقة الغربية، لتؤسس بعدها ميلشيات سنية، وتشتري سكوتهم عليها بالإمدادات المالية لهم، اعطى امل لعشائر المنطقة" السنية" بان يكون لها مكانا في السلطة. بمغادرة تلك القوات فقد ذلك الامل. ما منحه الامريكان وما حاولوا عمله من إقامة نوع من التوازن بين الشيعة والسنة، لم تديمه حكومة المالكي. وما اعطي لهم في عام 2007 بتشكيل الصحوات صودر منهم مع مغادرة القوات الأميركية عام 2010. لقد أصبح للعشائر السنية، والميلشيا السنية، املا بان يكون لهم مكانا أفضل في السلطة. هذا الامل لم تحققه لهم حكومة شيعية. ليس هذا فحسب، بل داست عليه بأشرس الاشكال بأقدامها.
ثانيا: الشيعة، جاءوا ببلاتفورم ومانفيسيتو شيعي وضعوه في الدستور، ان بيان شيعة العراق مهد ووضع اللبنات لما يراد تثبيته بعد اسقاط النظام منذ عام 2002. الا ان وصولهم الى السلطة، دفع احلامهم ابعد بكثير مما كانوا يتخيلوه في ذلك البيان.  وكل انتخاباتهم، وقوانينهم المكتوبة وغير المكتوبة، وكل ممارستهم، ومحاصصتهم كانت قائمة على تهميش و اخراج" السنة". لقد قالها االمالكي "ما ننطيها".
لقد تم بشكل يومي تعميق الطائفية، التي ادعت الأحزاب الشيعية انها جاءت لمحاربتها في بيانها في عام 2002، ولكنها رسختها كل يوم وكل ساعة بعد 2003. المراسيم الشيعية التي تنظمها الدولة، العطل الشيعية على مدار السنة، المحاصصة في الوظائف، وتحول فجأة كل مواطن من خلفية سنية الى "خصم" و"موضع شبهة وشكوك". ادخلوا هذه الطائفية المقيتة وحقنوها في جسد المجتمع كل يوم و كل ساعة، ما لا يقل عن سبع قنوات فضائية تشتغل ليل نهار لتعبئ المجتمع حول "الشيعة" و"الشيعية" و"اهل البيت". المرجعية الدينية وقفت خلف وأسندت واعطت القدسية الدينية للأحزاب الشيعية. اصبح التصويت للشيعي واجب وفرض ديني! ينظم اللطم في المدارس، وتجري المراسيم الشيعية في الجامعات. خلقت الأحزاب الشيعية ولازالت تؤسس و بشكل متواصل "صرح الدولة الشيعية" في العراق. ان ذلك كفيل باستفزاز و استنكار أي مواطن "غير شيعي". ان سياسات هذا الطرف هي تهميشية واقصائية بشكل جنوني واستفزازي الى حدود لايتخيلها منطق.
المظاهرات التي خرجت في عام 2012و 2013 قمعت، لذاا، جاءت داعش لتشكل ملاذا للساخطين على الحكم الشيعي، لقد توجه بعض من "السنة" الى داعش، فلم يجدوا من الأحزاب الشيعية غير الخراب والاقصاء والتهميش الجنوني و"غير السياسي". لم يحصلوا من دولة القانون الا القانون الشيعي، والدستور الشيعي والمحاصصة لصالح الشيعة. سوء الخدمات وانعدام فرص العمل وانعدام الحقوق كان من نصيبهم مقارنة بمواطنيهم" الشيعة". فكان التوجه نحو داعش.
ثالثا: تنظيم او جيش داعش لم يأتي الينا من أفغانستان. ولم يدخل الى العراق صبيحة العاشر من حزيران عام 2014. يمكن ارجاع نشوء هذا التنظيم الى مرحلتين. مرحلة ما بعد 1993، حيث صار توجه النظام السابق نحو ألأيديولوجية الإسلامية  والمرحلة الثانية التشكيل الفيزيقي لتنظيم إسلامي مسلح مباشرة بعد عام 2003.  الفكر السلفي كالوهابية والسلفية لم يجلب للعراق من السعودية او افغانستان. بل جاء من داخل العراق نفسه، ومن النظام السابق ذاته. ان قيام النظام بالحملات الايمانية في عام 1993 بأسلمة المجتمع وبشكل منظم و إشاعة التعليم الديني في كل مكان، اخراج السجناء اذا كانوا من حفظة القران، اغلاق محلات الشرب، نشر الحجاب، ووضع كلمة الله واكبر على علم الدولة، واحياء العشائرية الرجعية و اصدار قانون 111 لقتل النساء، ونشر ملامح مجتمع إسلامي كانت قد سلحت أولئك الذين سيشكلون قيادة داعش لاحقا، الله اكبر على العلم العراقي انتقل الى الله و محمد رسول الله على العلم الداعشي. أعضاء هذا التنظيم تربوا وترعرعوا في أحضان حزب البعث. ان قطع الرؤوس لم يمارس في العراق في عام 2014 و 2015، بل جرت ممارسته بحملات قطع الرؤوس في عام 1999 بذبح النساء بائعات الجسد ووضع عبارة" و لكم في القصاص حياة" بجنب رؤوس النساء المعلقة عند عتبات بيوتهن،  كما يضع داعش حرف نون على بيوت الاسر من أصول مسيحية. ان جزء كبير من الذين انخرطوا في داعش هم ازلام النظام السابق، مخابراته، وضباط جيشه و حرسة الجمهوري، الذي تربى و ترعرع و طور، لا بد من القول، أساليب النظام السابق، ليبدأ بربرية لا حد له. لقد انخرط ازلام هذا النظام الساخطين على مكانتهم الراهنة وسياسات التهميش والاقصاء الجارية بحقهم، وهذه المرة ليس تحت لواء القومية والعروبة المتهرئة، بل تحت رايات الله اكبر وتحت مسميات من مثل جيش محمد وغيرها التي شكلت لاحقا نواتات مهمة لامثال داعش.
رابعا وأخيرا، ان ما يجري في العراق ليس معزولا عما يجري في المنطقة، بل متشابكا معه وبشكل بالغ التعقيد. العالم يشهد منذ ما بعد الحرب الباردة وانهيار عالم ثنائية الأقطاب، صراعات عالمية شرسة من اجل إعادة تقسيم العالم بين الكتل الامبريالية المختلفة، وتسعى كل القوى العالمية والإقليمية من اجل نيل اكبر مايمكن من حصة من هذا الصراع على المكانة والنفوذ. ولهذا لايمكن فصل ما يجرى في العراق عن دور ايران وتركيا والسعودية وقطر وامريكا والصين وروسيا. رات السعودية وقطر وتركيا ومن خلفهم أمريكا والغرب ان الحرب التي شنت على العراق من اجل مصالحها، انتهت لصالح ايران بالدرجة الأولى، والمرتبطة بمحور واحد مع روسيا والصين وحلفائها في المنطقة سوريا وحزب الله. ان داعش ورقة، وورقة مؤثرة بيد الغرب وحلفائه الإقليميين، لقلب الطاولة على ايران ومحورها العالمي. ولهذا، لايمكن فصل داعش عن الصراع الإقليمي-العالمي.       

السؤال هو هل تريد هذه الأطراف فعلا القضاء على داعش ؟

منذ احتلال الموصل، شرعت الحكومة الشيعية في العراق حربها ضد داعش، المرجعية الشيعية تعلن ولأول مرة "الجهاد" ضد داعش بعد ثاثة ابام فقط من دخول داعش. أوباما يتدخل ويعلن تدخل أمريكا وتشكيل تحالف دولي لمحاربة داعش. وذلك عبر اتباع استراتيجية القصف الجوي ومساندة الحكومة العراقية بالتدريب وبامدادات السلاح على الأرض. ايران تتدخل ويعمل قاسم سليماني مباشرة مع قوات بدر وعصائب اهل الحق من اجل هذا "الهدف". الحشد الشعبي يتأسس لـ"مقارعة" داعش. القوميون الكرد في كردستان العراق ينخرطون في هذا الصراع من اجل انهاء داعش. عام كامل انقضى، ورغم وجود هذه الأطراف المدججة بافتك أنواع الاسلحة، الا ان داعش، الذي كان يحتل مدينة الموصل في حزيران 2014، اصبح الان في حزيران 2015 يحتل الموصل والانبار؟ كيف عجزت كل تلك الأطراف بامكاناتها السياسية والعسكرية والمالية عن دحر داعش؟ الايستطيعون فعلا  دحر داعش؟ كلا. ام انهم لايريدون!
ان الوقائع تظهر وبشكل جلي، بان هذه الأطراف لم يدخلوا هذه الحرب بصورة جادة من اجل القضاء على داعش!  كل من هذه القوى دخل لل"ـتصدي لداعش"، بمبرراتها وبممارستها السياسية. كل ذهب الى الحرب باهدافه ومن اجل أهدافه التي عمليا تعيد انتاج داعش او غير داعش. 
لقد أعلنت الولايات المتحدة و بريطانيا ومنذ الأيام الأولى ان الحرب مع داعش ستحتاج الى وقت طويل، قد يستغرق سنوات. ان المرء ليتسائل، كيف حدث ان الحرب على العراق بعد احتلاله الكويت لم يستغرق لا مجلس الامن و لا الولايات المتحدة الا أياما. احتل العراق الكويت 2 اب 1990، لتخرجه الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها في 26 شباط 1991. أي ان الجيش العراقي بكامل جبروته آنذاك، جيش كانوا يتحدثوا عنه بوصفه خامس اقوى جيوش العالم اخرج في بحر سبعة شهور لاغير؟! لماذا بعد عام كامل باستطاعة داعش ادامة وتوسيع سيطرتها على مدن إضافية، رغم التحالف الغربي للقضاء على داعش؟ ان هذا ان دل على شيء، انما يدل على عدم وجود نية أمريكية للقضاء على داعش. ان داعش ورقة "نزلت من السماء" كي تعود أمريكا لتتدخل في العراق والمنطقة، لكي تعيد نشر نفوذها وهيمنتها الذي خسرت جزء كبير منه في صراعها مع ايران وروسيا والصين لفرض التراجع على محور السلطة المليشياتية "الشيعية" الحاكمة وايران ومحورهما.
على مرأى ومسمع من الولايات المتحدة يجري نقل الدبابات من تركيا الى داعش في المناطق السورية، و لم تقم باي عمل تجاه تركيا، و على مرأى و مسمع الولايات المتحدة، يتم تقديم الدعم القطري و السعودي الى داعش. ان ذلك ليس بسر. بل معلوم للقاصي والداني. لماذا تتجه الولايات المتحدة الى الضربات الجوية فقط، وتقصر امداداتها على الأرض على التدريب والسلاح، وكأن أمريكا لم تقم خلال 10 سنوات على تقديم السلاح والتدريب. ان داعش أداة مهمة أسست لها ودعمتها تركيا والسعودية وقطر، كي يقلبوا الطاولة على غريمهم الإقليمي ذات النهم التوسعي الكبير في المنطقة، ايران.
ليس بوسع الميلشيات الشيعية والحشد الشعبي ان تكون قوة انهاء داعش، لانها بسمومها الطائفية المقيتة وبممارساتها في التطهير العرقي تبقي الباب مفتوحا على نشوء داعش اخر، ان كان بالامس باسم القاعدة وجيش محمد، فغدا قد يكون باسم اخر. انها تبقي أرضية استمرار هذه الظاهرة. لاتستاصل الميليشيات الشيعية الطائفية ولا داعش لانها هي من يعمق الصراع الطائفي ويغذيه بابشع الاشكال يوميا. ان الحشد والمليشيات الشيعية هي الرابح الأكبر في الحرب مع داعش. وجود داعش اسهم و بشكل لا نظير له في ترسيخ الطائفية الشيعية وتعميق الجرح الطائفي وادامة التاليب في العراق. الامر الذي يمثل ماء الحياة بالنسبة لهذه الميلشيات، بشكل لم تتمكن منه الأحزاب الشيعية التقليدية نفسها من أمثال المجلس الأعلى والتيار الصدري على امتداد الاثني عشر سنة المنصرمة من عملها. داعش قدمت لها يد العون في تقوية هذه النزعة في وسط وجنوب العراق، بحيث اصبح مناهضة السنة مرادف لمناهضة داعش.
لقد ادعت الميشليات الشيعية انها تقوم بمناهضة داعش، بيد ان هدفها الأساسي هو التعكز على ورقة داعش من اجل تقوية نفسها وظهورها كـ"منقذ" العراق وبالتالي فرض نفسها كصاحبة القرار السياسي في العراق لتقترب اكثر نحو السلطة والحكم. انه ورقة من اجل رسم ملامح السلطة السياسية بحيث تؤمن مكانتها السياسية في هذه السلطة. ان فصائل هذا الحشد رابضة في مناطق الجنوب لتؤذي وتستفز الناس باساليبها واعمالها اكثر من وجودهم في جبهات المقاومة مع داعش. ان قيام عصابات اطراف في هذا الحشد بقتل ما يقارب عشرين امرأة في حي الزيونة ببغداد في منتصف شهر تموز من العام المنصرم و باغلاق اتحاد الادباء هذه الأيام، و اغلاق محلات المشروبات الروحية، بينما كان داعش متروكا يتوسع من الشمال باتجاه بغداد.
 ان ألاهداف الأساسية لهذه المجاميع  واضحة للجميع، وقصدي مكانتهم في السلطة السياسية في العراق، وتتحدث عن "ان حل الوضعية في العراق هو نظام ولاية الفقيه"  ان هذه الميلشيات تستخف وتستهزء بالعبادي والحكومة والجيش  تدعو الى انه "يجب إقامة النظام الرئاسي وإلغاء النظام البرلماني" وغيرها واستهتارها بكل المؤسسات، وكقوة مليشياتية قمعية وعسكرية تتدخل في فرض نفسها ضاربة عرض الحائط بسلطة "الدولة" و"الحكومة" ساعية لتثبيت قدمها كقوة موازية لقوة الدولة. ظهور هذه الميلشيات كقوة تنافس الحكومة ورئاسة الحكومة، و بموازاة الحكومة، انما تهمش وجود الدولة ذاتها. ان قيامهم بسحب قواتهم لمواجهة داعش حين طلب اليهم العبادي ان لا يقوموا باعمال الحرق والسلب و قتل الناس، طالبوا بالحصانة، و بجعل افرادها فوق محاسبة القانون، والأكثر من هذا  " زعلوا" وانسحبوا، طالبين من العبادي ان يذهب لمحاربة داعش. تلك الميلشيات الشيعية  في العراق تعادل قوات البسيج الإيراني، بل هي تحمل ذات الاسم" التعبئة"، او ميلشيات الحشد الشعبي، الان دفعت للخلف عددا من الأحزاب الشيعية التقليدية ذات السجل الكالح.
من جهة أخرى، رات الأحزاب الكردية في موضوعة داعش فرصة لنيل الدعم الغربي بتقوية البيشمركة والمليشيات الكردية بالأسلحة وحصلت تحت يافطة مقاومة داعش على أسلحة ثقيلة من المانيا واوربا والغرب وايران، وفر لها الفرصة لاحكام السيطرة على كركوك وطرد القوات الحكومية المهزومة امام داعش لتفرض "امر الواقع" بسيطرتها على كركوك، "قدس كردستان"، وانتزاع منطقة تتصارع حولها مع القوميين العرب و"الحكومة المركزية". داعش دفعها خطوة كبيرة نحو حلمها. لايقتصر الامر على كركوك، بل الموصل ومايسمى ألمناطق المتنازع عليها في الموصل وديالي وغيرها. من جراء هذه السياسة، يلقي العرب السنة انفسهم في أحضان داعش باعتبارهم سنة. 
لذا، ان تلك القوى انما هم تتعقب أهدافها ومصالحها الخاصة! وليس خلاص المجتمع من داعش وامثاله. ليس هذا وحسب، ان وجود داعش بحد ذاته قدم خدمة كبيرة لكل تلك الأطراف، وان وجوده مفيدا لهم بالكثير من الاشكال. لذلك لا الولايات المتحدة جادة في حربها على داعش، ولا الميلشيات الشيعية. ان تلك القوى هي التي خلقت أرضية وجود داعش. انهم يلجئون للحلول العسكرية، علما ان الظاهرة أوسع من ان تكون عسكرية. والسبب يمكن ايعازه ببساطة الى ان هذه القوى هي مسؤولة بصورة مباشرة عن ظهور ظاهرة مثل داعش.


مالحل؟ مالعمل؟!


ان الخلاص من داعش يبدأ من صفحة أخرى تختلف كلية، من صفحة لاتتعلق بهذه "الحرب التي تشنها هذه الاطراف"! على العكس ان حربهم تعمق الظاهرة، ظاهرة داعش،  وتديم عمرها ان لم يكن باسم داعش، فباسماء أخرى، كما تحدثت قبل قليل. 
 لايمكن بالطائفية وبدستور طائفي ان ترد على ظاهرة داعش، لايمكن لوزارة مثل وزارة اوقاف كردستان (انخرط اكثر من 500 موظف من موظفي وزارة الأوقاف في تنظيم داعش!!! ان المرء ليتسائل هل هذه وزارة اوقاف ام وزارة "تفريخ" داعش! لايمكن للأحزاب والميلشيات بتصعيد االخبل الطائفي الشيعي، وتتطلع الى انهاء الخبل الطائفي السني.
ان فكر احد باستئصال داعش، عليه ان يعلم ان استئصال داعش لن يتم عبر مواجهة مسلحة او عسكرية فحسب، بل بصورة اكثر أساسية، مواجهة سياسية وفكرية واجتماعية.
ان سبيل انهاء وجود داعش عن المناطق التي يتواجد فيها اصبح اليوم واضحا اكثر من أي وقت مضى. ان لم تكن البشرية قد طرجت نموذجاً قبل 5 أعوام مثلا، فاليوم وبعد كوباني ودحرها لداعش عبر تنظيم مقاومة جماهيرية مسلحة بوجه داعش من قبل شباب وشابات كوباني، من قبل المجتمع نفسه،  فقد طرحت امامنا انموذجا يمكن السير على منواله. ان تحدث احد ما سابقا عن ان هذا "خيال"، فبعد تجربة كوباني، تبين اكثر من أي وقت مضى ان هذا امر عملي ويمكن تحقيقه. أي باختصار ان تنظم الجماهير نفسها وتسلح نفسها وتقاوم وتطردهم من أراضيهم ومحلاتهم واحيائهم وحياتهم. والا فاستمرار الأوضاع على هذه الشاكلة، يبقي المعضلة على حالها ويعمقها الى ابعاد اكثر كارثية، والكل يحقق أهدافه، الا الجماهير المتعطشة للحرية والمساواة ، الخاسر الوحيد من هذه الوضعية. 
ان الطريق الوحيد الذي امامنا، في هذا السياق، هو ضرورة تنظيم حركة عالمية ضد داعش، ضد كل الدول المتورطة بدعم هذا التنظيم، الولايات المتحدة، تركيا، قطر، السعودية و ايران. تقوية الحركات المدنية المستقلة عن كل تلك الأطراف في داخل العراق و بمختلف الوسائل والأساليب في صراعها ضد داعش.
 




تعليقات الفيسبوك