كاظم المقدادي - أكاديمي وباحث بشؤون الصحة والبيئة وبالتلوث الإشعاعي - في حوار مفتوح مع القراء والقارئات حول: طبيعة أسلحة اليورانيوم والأضرار البيولوجية لأستخدامها والجدل العقيم والتضليل والتواطؤ بشأنها.


كاظم المقدادي
الحوار المتمدن - العدد: 5019 - 2015 / 12 / 20 - 18:21
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     


من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا -170- سيكون مع الاستاذ كاظم المقدادي - أكاديمي وباحث بشؤون الصحة والبيئة وبالتلوث الإشعاعي -  حول: طبيعة أسلحة اليورانيوم والأضرار البيولوجية لأستخدامها والجدل العقيم والتضليل والتواطؤ بشأنها.


تمهيد
قبل 24 عاماً، إستخدمت القوات الأمريكية وحليفاتها ذخائر اليورانيوم وجربتها لأول مرة في ميادين القتال "الحية" عام 1991 ضد العراق في حرب الخليج الثانية. وفيما بعد تم إستخدام هذه الأسلحة على نطاق واسع من قبل البنتاغون وحلف الناتو في حروب أخرى: في البوسنة وكوسوفو وصربيا في يوغسلافيا السابقة، وفي الصومال،وفي أفغانستان،وفي لبنان وفلسطين( من قبل إسرائيل)، ومرة أخرى تم استخدامها في غزو العراق عام 2003، وبكميات بأضعاف ما إستخدموه عام 1991.وقد بلغت كمية الأعتدة المصنعة من اليورانيوم المنضب المستخدمة في حربي 1991 و 2003 ضد العراق وحده- بحسب تقديرات الخبراء- أكثر من 3000 طناً مترياً (الطن المتري metric ton يعادل 1,000 كيلوغرام). ويؤكد علماء وعسكريون متخصصون ان الأسلحة التي إستخدمت في حرب عام 2003 تميزت بتطويرها أكثر، وزيدت شدتها الإشعاعية بنحو 400 مرة، وأصبحت قدرتها التدميرية أشد بـ 800 مرة مقارنة بأسلحة عام 1991. فتحولت الى أخطر مصادر التلوث الأشعاعي في العصر الراهن،مسببة للعراق، ولجيرانه الخليجيين،ولدول في البلقان، ولأفغانستان، كارثة بيئية وصحية لا مثيل لها في التأريخ الحديث، تتواصل حتى يومنا هذا، وقد عمد المسببون لها، الى تجاهلها، بدلآ من معالجة تداعيات فعلهم الغاشم وإنقاذ المصابين،الى جانب تنظيف المناطق التي تلوثت بإشعاعات أسلحتهم ومنع إنتشار التلوث..
منذ ربع قرن والجدل متواصل بشأن أضرار إستخدام هذه الأسلحة على البشر والبيئة، وقد سعى البنتاغون وخبراءه الى تحويل الجدل من علمي الى عقيم وحرفه بعيداً عن الوقائع والحقائق.. ولليوم يواصلون التعتيم والتضليل والكذب تنصلآ من مسؤوليتهم عن الكوارث التي سببتها أسلحتهم هذه،من جهة، ولمواصلة جني المزيد من مليارات إنتاجها وبيعها، في إنتهاك صارخ للقانون الدولي الأنساني والبيئي..
طرحنا لهذه المشكلة الخطيرة للحوار هنا نابع من خطورتها البالغة ومواصلة تسليط المزيد من الضوء عليها، بهدف التوعية بتداعياتها وضرورة دعم جبهة المناوئين لهذه الأسلحة، التي يقودها التحاف الدولي لحظر أسلحة اليورانيوم ICBUW الذي نجح في توحيد جهود كافة الحركات والمنظمات والجماعات المناوئة لأسلحة اليورانيوم، ويضم حالياً أكثر من 168 منظمة من 35 دولة،وأفلح في طرح الموضوع على الجمعية العمومية للأمم المتحدة عدة مرات،اَخرها عام 2014 وصوتت 150 دولة الى جانب منع إستخدام وإنتاج ونقل وتخزين أسلحة اليورانيوم وإجراء المزيد من الأبحاث المكرسة لأخطارها..لم ينجح القرار لأن تمريره يستلزم إجماع الدول الحاضرة..علماً بان المعركة غير متكافئة،نظراً للأمكانات المادية الهائلة لمصنعي ومستخدمي هذه الأسلحة في تمويل التضليل وحرف الحقائق.
وعدا هذا، يصب في صالح هؤلاء عدم رفع حكومات الشعوب المتضررة دعاوى قضائية ضد مستخدمي تلك الأسلحة. ووجود الآلاف من المعنيين بالمشكلة وتداعياتها ،خاصة في دول الخليج ، من لا تهمهم المشكلة، واَخرون،في دول عديدة، لا يثقون إلا بما تقوله الأدارة الأمريكية، ولا يطلعون على الرأي الآخر، ولا يريدون معرفة الحقائق. وهناك غير المبالين،وهم بالآلاف أيضاً، مع أن المشكلة تمس صحة وحياة أسرهم وأقرباءهم وأبناء وبنات جلدتهم، وتهدد مصير بلدانهم..
وقد شهد العقدان الأخيران بان النشطاء الأجانب هم أحن، لا بل أحرص من المسؤولين،خاصة المتنفذين، والمعنيين الآخرين، لحماية شعوبهم، مواصلين التحرك المثابر ضد هذه الأسلحة وفضح أخطارها.
* * * * *
الموضوع المطروح للحوار كبير جداً، ولذا لا يمكن تناول كافة محاوره في هذه المداخلة، وإنما سنتناول أبرزها، اَملين إستكمالها خلال الحوار مع قراء وقارئات " الحوار المتمدن "..


* * * * *
ما طبيعة ذخائر اليورانيوم ؟


عقب أول إستخدام لها في عام 1991،كشف العلماء طبيعة ذخائر اليورانيوم بأنها مصنعة من اليورانيوم "المنضب" واليورانيوم "المنضب" (مرادفه بالأنجليزية Depleted Urenium ) هو نفايات نووية، ناتج ثانوي لعملية تخصيب اليورانيوم للحصول على تراكيز عالية للنظيرU-235، الذي هو عنصر عالي الأشعاع وقابل للإنشطار ذاتياً، لأستخدامه في إنتاج القنابل النووية و كوقود لمفاعلات الطاقة الذرية. وهذه المادة خطيرة لأنها تحتوي على نظائر مشعة لا تختلف عما في اليورانيوم الطبيعي، قبل وبعد تخصيبه، إلا بفارق النسب، حيث تقل فيه نسبة النظير عالي الأشعاع U-235 بعد عملية التخصيب من 0.72 الى 0.20 والنظير U-234 من 0.0058 الى 0.0008.ومع ان نسبة النظير U-234 ضئيلة إلا ان نشاطه الأشعاعي يمثل 48.9 % من مجموع النشاط الأشعاعي الصادر من اليورانيوم الطبيعي، وهي أعلى نسبة، حيث يمثل النشاط الأشعاعي الصادر من نظير U-235 2-3 % ، بينما يمثل الصادر من U-238 48.8 %. ويرجع سبب ذلك الى إرتفاع النشاط الأشعاعي النوعي Specific radioactivity للنظير U-234،حيث يبلغ 6200 ميكروكيوري/ كغم.علماً بان هذا النشاط لليورانيوم الطبيعي يساوي 0.67 مايكروكيوري/ كغم، بينما لليورانيوم المنضب يقارب 0.40 مايكروكيوري/ غرام ، أي نحو 400 مايكروكيوري في الكيلوغرام الواحد، وهو ما يفوق النشاط الأشعاعي النوعي لليورانيوم الطبيعي. بنحو 570 مرة.
الأمر الآخر المهم والأخطر، هو إحتواء الذخائر الحربية المصنعة من اليورانيوم المنضب، على نظائر أخرى شديدة الأشعاع، ليست طبيعية،وإنما تُنتج في المفاعلات النووية، مثل النظير U-236 والبلوتونيوم،وغيرها، مضافاً لها التيتانيوم titanium والموليبدينوم. molybdenum.
لقد عثر العالم الأمريكي دوراكوفيتش Asaf Durakovic(من أصل كرواتي، وهو خبير دولي بالأشعاع والطب الذري)، على النظير U-236، إضافة لليورانيوم المنضب ،في أجساد 62 % من مرضى قدامى المحاربين، من الذين فحصهم. وعرض نتائج أبحاثه أمام «المؤتمر الأوروبي للطب النووي» الذي انعقد في باريس عام 2000.وحضيت بإهتمام كبير من قبل العلماء المستقلين.
علماً بان خطورة قذائف اليورانيوم تزداد 100 الف مرّة اذا احتوت على البلوتونيوم (Pu-239)، وربما نشهد في المستقبل احداثا اكثر جسامة من قبل الدول التي تمتلك هذه الاسلحة وقد تزداد الامور تعقيداً اذا ما انتقلت مثل هذه الاسلحة الى أيدي إرهابيين وعصابات متطرفة.
وكان قد جلب إنتباه العالم الألماني الراحل غونتر Siegwart –Horst Günther،أثناء جولة له في جنوب العراق،عقب توقف حرب عام 1991 مباشرة،إنتشار قطع معدنية لامعة، ذهبية اللون،بحجم أطول من السيجارة بقليل، لكنها ثقيلة جداً. أخذ منها نماذج.وفي مطار برلين تم إعتقاله نتيجة إنطلاق إشارة الأنذار، وتبين أنه يحمل إشعاعاً خطيراً تطلقه خراطيش قذائف مشعة، يطلق الواحد منها إشعاعاً وهو فارغ معدله 11 ميكروسيفرت( mSv) في الساعة.بينما المعدل السنوي المسموح به في ألمانيا هو 300 ميكروسيفرت ، وهذا يعني بأنك إذا أمسكت بمقذوف واحد من مقذوفات اليورانيوم المنضب، فإن معدل الإشعاع المسموح به في ألمانيا طيلة عام كامل سيدخل إلى جسدك خلال يوم واحد".
وأثبتت الدراسات الميدانية،العراقية والأجنبية (أبرزها وأوسعها دراسة أجراها مركز أبحاث طب اليورانيوم UMRC ،وهو مركز بحثي دولي مستقل) إنتشار التلوث الأشعاعي في أرجاء العراق مباشرة عقب حرب عام 2003،التي إستخدم خلالها سلاح اليورانيوم. وقد بلغت معدلات الأشعاع المنبعث منه ما بين 10 – 30 ألف مرة عن الحدود المسموح بها دولياً.


هل ذخائر اليورانيوم المنضب " اَمنة" حقاَ- كما يزعمون ؟


اكد العديد من العلماء المختصين المستقلين،من الأمريكيين والأوربيين مثل : غونتر وديتز ودوراكوفيتش وميركاريمي وكوجهيل وروكي ووليامز، ان الذخائر المصنعة من اليورانيوم المنضب خطيرة لكونها مصنعة من نفايات نووية، وهي نفايات سامة كيمياوياً وإشعاعياً.وقد تأكد عسكرياً بأن هذه الذخائر تتميز بقدرتها الاختراقية الهائلة للدروع .فعند اختراقها للهدف (الدبابة مثلاً) تنفجر ويشتعل اليورانيوم المنضب في القذيفة ، فتبلغ الحرارة 3- 6 اَلاف درجة مئوية،ونتيجة ذلك تتولد سحابة غبار كثيفة فوق الهدف، مكونة من مليارات مليارات ذرات أوكسيد اليورانيوم، الذي هو منتوج بالغ السمية الإشعاعية والكيميائية، يحرق الهدف، ويصهر الحديد والصلب، ويجعل أجساد طاقم الدبابة متفحمة..علماً بأنه في حرب عام 2003 إستخدمت أنواع من الذخائر مطورة كثيراً، بحيث نتج عن قصف مطار بغداد إختفاء نحو 5000 عسكرياً عراقياً مع دبتبتنهم،التي لم يبق منها في ميدان المعركة سوى بقايا اَثار بسيطة- كما إعترف قائد عسكري عراقي كبير على شاشة إحدى الفضائيات العربية..ولم يكشف النقاب لحد اليوم ماذا حصل للبشر وللمعدات الحربية التي قصفت..


صفة " المنضب" خادعة ومضللة


لم يعد سرأ في يومنا هذا ما سببه إستخدام ذخيرة اليورانيوم من أضرار بيولوجية للبشر نتيجة لما ينتجه (الأستخدام) من سموم إشعاعية وكيميائية. حيال هذا، فان الصفة Depleted ومرادفها العربي: "منضب" أو "مستنفد"، أو "مضعف"، أو "ناضب"،أو "مخضب"، الخ،المضافة لليورانيوم ، هي صفة ليست فقط غير علمية، وغير دقيقة، وإنما هي خادعة ومضللة، أراد منها خبراء البنتاغون والصناعة الحربية التغطية على خطورة هذا المعدن الخسيس Metal of dishonor - كما وصفه العلماء، والأدعاء كذباً وزوراً بأن هذا النوع من اليورانيوم "ليس مضراً" بالصحة والبيئة، مانحين إياه توصيفات كاذبة لتمرير مزاعمهم بأنه "ضعيف" من حيث سميته الكيميائية، و" واطئ المستوى" من حيث إشعاعيته، بينما الواقع يؤكد بأن الشيء الوحيد الواطئ أو الضعيف فيه هو ثمنه، فهو رخيص بشكل بخس( يكلف الكيلوغرام الواحد منه دولارين فقط).وتحت ضغط أنشطة حماة البيئة الأمريكيين،إضطرت الصناعات الحربية الأمريكية الى إعطاء اليورانيوم المنضب الى دول أخرى دون مقابل.


سلاح فتاك


من أخطار هذا السلاح القذر أن أثره لا يقتصر على الاَلة الحربية والعسكريين المتواجدين في ميدان القتال لحظتها، وإنما يتعداه الى الآخرين،إذ ان اليورانيوم المنضب،الذي يتحول عند الأنفجار الى مليارات من جزيئات أوكسيد اليورانيوم المجهرية، ينتقل عبر الرياح الى مسافة عشرات الكيلومترات، فيتم التعرض له عبر تنفس الهواء الملوث أو بلع غذاء أو شرب ماء ملوث به. وهذا ما طال أيضاً العسكريين المتواجدين بعيداً عن ميادين القتال، وكذلك المدنيين القاطنين في المناطق المحيطة بتلك الميادين، وفيما بعد عبر الأحتكاك بالأعتدة المقصوفة من مخلفات الحرب حتى بعد عقدين من الزمن..
لقد تأكد بما لايقبل الشك بان هذه الذخائر تمتلك قدرة تدميرية هائلة لقوات العدو واَليته الحربية المدرعة ولبنيته التحتية..وعدا القدرة التدميرية، فأن هذه الأسلحة فتاكة للغاية.لضيق المجال نشير هنا توضيحاً لطبيعة هذا السلاح الى تأكيد الجنرال الفرنسي بيير ماري غالوا أما الجمعية الوطنية الفرنسية بأنه سلاح فتاك مشابه للأسلحة الكيمياوية المحرمة دولياً وفق بروتوكول جنيف 1925 وميثاق باريس 1993. ومن هذا المنطلق إعتبر الدكتور محمد علي الجزائري أسـتـخـدام سـلاح اليورانيوم جريمة القرن العشرين بحق الشعب العراقي وسلاحاً من أسلحة الدمار الشامل.وتأكيداً لهذا برزت الى الواجهة مجددا على مواقع المدونين الامريكيين قضية اسلحة الدمار الشامل في العراق مع قرب الانتخابات الامريكية, لكن بصورة مغايرة, معتبرة إياها إرث الجيش الامريكي في العراق،واصفة إياها باسلحة دمار شامل ذات مدى طويل, يدوم لما يقارب 4.5 مليار عام، مشيرة الى ان بعض موجات الغبار التي تضرب العراق حالياً, تحمل معها تلوثا قادما من المناطق التي تم استخدام اليورانيوم فيها،متجهة الى مناطق سكانية كثيفة،وقد سببب"غبار الموت" هذا للسكان امراض سرطانية وغيرها.وثمة ما يزيد عن نصف مجموع الجنود الذين شاركوا في حرب الخليج عام 1991 يعانون من اعراض صحية خطيرة وتشوهات خلقية في مواليدهم الى الان.


تحذيرات ودراسات علمية رصينة ضربت عرض الحائط


في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1990 حذر تقرير سري لهيئة الطاقة الذرية البريطانية UKAEA المسؤولين البريطانيين من عواقب استخدام ذخيرة اليورانيوم على السكان، وخاصة الاطفال ، الذين هم اكثر واخطر تأثراً باضراره، وذلك لمعرفة المؤسسة العلمية المختصة بان قذائف اليورانيوم عندما تصيب الدبابات والاهداف الاخرى تطلق غباراً ساماً يسبب لمن يتعرض له السرطان،وحتى الركام الذي تخلفه يشكل خطراً على من يقترب منه.
الى ذلك،شكك خبراء دوليون في مجال الأشعاع والطب النووي، من دول عديدة، في مزاعم وادعاءات "عدم وجود خطورة " لذخائر اليورانيوم ، في وقت تم العثور فيه على جزيئات اليورانيوم في مجرى دم وفي عظام متعرضين له، إذ أعلن البرفسور لا كرونيك Jean-François Lacronique ، مدير «الوكالة الوطنية الفرنسية للوقاية من الإشعاعات»، التي تشرف على سلامة العاملين في مصانع الطاقة النووية في فرنسا، بأنه قد وجد اليورانيوم المنضب مخزّنا في العظام ، وما دام قد دخل العظام فانه سيصل إلى النخاع. ويمكن لأي نوع من الإشعاع ان يسبب سرطان الدم إرتباطاً بطول فترة التعرض له.
وحذر العالم دوراكوفيتش من أنه لا توجد حدود دولية تمنع إنتقال غبار اليورانيوم المشع الى الاَخرين.
وأكدت وثيقة صادرة عن السلاح الطبي الامريكي عام 1995 بإن التعرض لتأثير ذخيرة اليورانيوم المنضب يتسبب بارتفاع حالات السرطان ( في الدم والعظام والرئة ) وتلف الكليتين والكبد وجهاز المناعة، ويسبب ايضاً التشوهات الجنينية.
وتوقع العالم الكندي شارما Hari Sharmaعقب زيارته الميدانية للبصرة في عام 1996ان يموت بالسرطان ما بين 5- 12 ٪ من مجموع الذين تعرضوا لتلك الأسلحة في عام 1991..وفعلآ حصل ذلك وسط العراقيين من العسكريين والمدنيين، وكذلك وسط قدامى المحاربين الأمريكيين والبريطانيين والفرنسيين والهولنديين والعرب، وغيرهم من الذين شاركوا بالحرب. ولعلكم سمعتم أو قرأتم عن متلازمة "أعراض حرب الخليج" التي طالت حتى الآن أكثر من 380 ألف عسكري أمريكي من مجموع 720 ألف عسكرياً شاركوا في حرب الخليج الثانية عام 1991، ومات منهم بالسرطان أكثر من 40 ألف لحد الاَن..


العلاقة بين الأسلحة المستخدمة والأمراض المنتشرة


أثبتت العديد من الدراسات العلمية العلاقة الوطيدة بين التعرض لإشعاعات اليورانيوم المنضب وأمراض السرطان والتشوهات الخلقية وغيرها من الطفرات الوراثية،التي أصابت ليس فقط العسكريين الذين إستخدمت أسلحة اليورانيوم ضدهم، بل والعسكريين الذين إستخدموها.وتضررت الدول المجاورة عبر إنتقال غبار اليورانيوم المنضب الى أراضيها. وما أنفكت تتزايد الأدلة القاطعة على أن إستخدام اليورانيوم المنضب هو سبب الزيادة الكبيرة في حالات الإصابة بالسرطانات في العراق، مثل سرطان الدم لدى الأطفال وسرطان الثدي لدى الفتيات(بعمر 12 سنة) بعد حربي 1991 و 2003. كما تشير الإحصاءَات إلى زيادة كبيرة في الولادات المشوهة في المناطق القريبة من ساحات المعارك.
وكان العديد من العلماء من ذوي الضمائر الحية قد أطلقوا خلال العقدين المنصرمين تحذيرات موضوعية وجدية.فقد حذرت العالمة سلاتر Alice Slater: "لا تخدعك تسمية "يورانيوم منضب"،التي توحي لأول وهله انها تعني الوقود النووي المستنفد،الذي لا ضرر فيه,إنه ماده سامة جداً ومسرطنة". ووصفت العالمة الفيزيائية الأسترالية كالديكوت Helen Caldicott الحروب الأمريكية في منطقة الخليج بأنها حروب نووية، لأنها أطلقت مواد نووية في المنطقة ".وأضافت:" إن عدد الأطفال المولودين مشوهين أو المصابين بالسرطان قد تضاعف 7 مرات في العراق، مقارنة بالفترة السابقة للحرب. من جهتها،أعلنت العالمة الأمريكية موريه Leuren Moret بأن " المستقبل الجيني للعراقيين،على وجه التحديد، قد تم تدميره، أما البيئة في الخليج فهي ملوثة إشعاعياً بالكامل لدرجة أن التقديرات العلمية تقدر بأن هذه المنطقة سوف تظل مشعة الى الأبد".وأضافت بان "التأثيرات الإشعاعية للحرب تمتد الى المناطق المجاورة للخليج أيضاً ".وقالت العالمة الراحلة برتل Rosalie Bertell : لقد حولوا المقاتين في حرب"عاصفة الصحراء"، مع الشعبين العراقي والكويتي، ضحايا لآخر التجارب الحربية على الكيان البشري. وأرى ان التغاضي عن ذلك جريمة مدانة ". وأعلن العالم روكي Douge Rokke: "ان استخدام اليورانيوم المنضب جريمة ضد الله والبشرية ويجب ان تتوقف".
وتبين ان الولايات المتّحدة تمتلك أبحاثاً ودراسات كثيرة عن أخطار اليورانيوم المنضّب ( لم تعلن عنها لأسباب معروفة،في مقدمتها التنصل من مسؤولية أضرار إستخدام أسلحتها)، الأمر الذي تطلب من وكالة حماية البيئة Environmental Protection Agency الأمريكية ان تضع خططاً مفصّلة لحماية الناس والبيئة في مواقع خزن المادّة. وأزاء المخاطر الأشعاعية لهذه النفايات، يتم عزلها عن البيئة الخارجية ، ضمن متطلبات السلامة النووية. ولا يسمح لأحد التعامل معها إلا لمختصين متدربين على السلامة النووية. بيد أنه برغم كل إجراءات السلامة المتخذة، خلقت هذه النفايات مشكلات بيئية كبيرة، ومتاعب جمة للإدارة الأمريكية، وإنبثقت حركة مناهضة متصاعدة ضدها من حماة البيئة. وهو ما إضطر خبراء الصناعة النووية البحث عن طريقة للتخلص منها، فوجدوا أفضل طريقة هي توظيفها في صناعة الأسلحة.


إنتشار أمراض خطيرة ورهيبة وغير معروفة طبياً من قبل


لقد أصاب السرطان الأطفال الذين كانوا أجنة في بطون أمهاتهم عام 1991 وذلك لتأثير إشعاع الحرب بشكل كبير على الخلايا الحديثة التكوين.والأطفال الضحايا ليسوا فقط عراقيين وبوسنيين وكوسوفيين وصربيين وأفغان، بل وأمريكيين وبريطانيين وفرنسيين وغيرهم ممن شارك اَباؤهم في حروب الخليج والبلقان..
وظهرت حالات مرضية غريبة لم تكن معروفة من قبل طبياً، تتمثل بوجود نوعين او اكثر من السرطان ،في اَن واحد، عند المريض الواحد.وإصابة أكثر من فرد واحد بالسرطان في العائلة الواحدة، خاصة بين العوائل التي ليس لديها من قبل مريض مصاب بمرض خبيث. وإصابة فئات عمرية صغيرة لم تصبها سرطانات معينة من قبل.وهذا ما كشف عنه الدكتور جواد العلي- الباحث العراقي المتخصص بالأورام والأمراض السرطانية، عضو مجلس السرطان في العراق،والمدير السابق لمركز أبحاث السرطان في البصرة.وهو الذي وضع أول خريطة للمناطق التي كثرت فيها الأصابات السرطانية في البصرة، وكانت غالبيتها العظمى تعرضت للقصف عام 1991.وذات النتيجة توصلنا لها في بحث شمل 1112 أسرة لها مريض أو متوفي بالسرطان من مناطق قصفت أثناء الحرب من 14 محافظة عراقية..
وتزامناً مع الحالات السرطانية الغريبة،إنتشرت التشوهات الخلقية الرهيبة، التي لم يسبق للأطباء أن شاهدوا مثلها،وأغلبها ليست موجودة حتى في كتب الطب القديمة .وعدا هذا،إنتشرت بشكل واسع ظواهر: الأجهاض أو الإسقاط المتكرر (أكثر من مرتين)، والولادات الميتة، لدى الأم الواحدة، وإنتشار العقم حتى وسط من أنجبوا قبل الحرب..


التعتيم والتضليل لإخفاء أسرار الذخائر المشعة


لإخفاء أسرار الذحائر المشعة والتعتيم على ما سببته للبشر إستخدموا كل الوسائل غير المشروعة، تارة بالنفي والإنكار، وتارة بالكذب وإعلان نتائج غير حقيقية ومضللة.وقد ساعدهم في مهمتهم الخائبة ليس فقط أشباه العلماء من عديمي الضمير فحسب، بل ومسؤولون في مؤسسات معنية في بعض الدول التي إستُخدِمت ذخائر اليورانيوم على أراضيها، بضمنهم مسؤولون عراقيون وكويتيون وسعوديون وغيرهم، من خلال التجاهل والتعتيم والتستر على التداعيات الصحية والبيئية الكارثية التي حصلت في بلدانهم، فتحولوا الى مأجورين يخدمون أهداف الأجنبي. والبنتاغون وحلفاؤه يدفعون بسخاء لمن يخدم مصالحهم وأهدافهم.وقد أنفقوا الملايين من الدولارات على دراسات مشبوهة ليخرج معدوها بإستنتاج واحد: " لا ضرر لأستخدام تلك الأسلحة على الأنسان والبيئة "- كما فعلت مؤسسة " راند كوربوريشن"..
إلا أنه، برغم كل تلك المساعي الخبيثة الحثيثة، مالت الكفة لصالح جبهة العلماء والخبراء المناوئين لهذه الأسلحة، خصوصاً بعد ان كشف العلم الحديث، الجاد والمستقل، الكثير من أسرارها ومضارها..
ان الدول المصنعة لأسلحة اليورانيوم ومستخدميها يعرفون جيداً طبيعتها وقدرتها الفتاكة بالبيئة وبالبشر وبالثروة الحيوانية والنباتية،فتجاهلوا ذلك،وواصلوا التضليل والكذب بشأن مخاطرها.. أما الدول الأخرى فهي إما جاهلة بمخاطرها،أو تتجاهلها متعمدة، متأثرة بمزاعم البنتاغون وأعوانه بأن " لا خطر" لها. وبهذه الكذبة،التي إنطلت على حكومات عديدة،بما فيها خليجية عربية، جنت الصناعة الحربية والبنتاغون مئات مليارات الدولارات من إنتاج وبيع ذخائرها،إضافة الى الدعاية التي حققتها.ولذا لا تريد التخلي عنها..


لماذا يخفون حقيقة هذه الأسلحة ؟


يصر البنتاغون وأعوانه على زعمهم بأن ذخائر اليورانيوم المنضب " اَمنة "، في وقت لم يعد سرأ ما سببه إستخدامها من أضرار بيولوجية للبشر نتيجة ما أنتجه من سموم إشعاعية وكيميائية.

لقد مارست الأدارة الأمريكية ضغوطات كثيرة ومتنوعة، بما فيها التهديد بعد الترغيب، على مؤسسات بحثية، تابعة لها وغير تابعة، ودولية، كي لا تكشف حقيقة أسلحة اليورانيوم. لضيق المجال نورد مثالين:
الأول-تحت الضغط الدولي،أصدرت منظمة الصحة العالمية في عام 2001 تقريراً يتيماً إدعت فيه أن التعرض لليورانيوم المنضب "ليس بذي بال على الصحة العامة، باستثناء بعض الحالات الخاصة". وبناء عليه تم استبعاد نتائج أبحاث مهمة جداً من قبل وزارة الدفاع الأمريكية، وبخاصة في الأثر الواقع على الجينات البشرية. وكشف العالم الفنلندي بافرستوك Keith Baverstock، كبير خبراء منظمة الصحة العالمية في الحماية من الإشعاعات النووية، أن ضغوطاً مورست على المنظمة من قبل أعلى المستويات لإهمال الأبحاث.ولذلك منعت نشر دراسة له ولزملائه أنجزوها في أواخر عام 2001 أكدت الأضرار البيولوجية لأشعاعات اليورانيوم المنضب،لاسيما على الحامض النووي DNA وتدمير الكروموسومات وبالتالي تحفيز الطفرات الجينية وحدوث التشوهات الخلقية ونشوء الأورام الخبيثة.
الثاني-قادت العالمة الأمريكية ميللر Alexandra C Miller بين أعوام 2000 – 2003 أبحاثاً بدعم من الحكومة الأمريكية حول قدرات اليورانيوم المنضب الإشعاعية وسميتها الكيميائية. وما ان توصلت الى نتائج علمية قاطعة بشأن العلاقة الوطيدة بين اليورانيوم المنضب والأضرار الصحية، قامت الجهة الداعمة بوقف دعمها للأبحاث. وقد كشفت الباحثة وزملاؤها قدرة أكاسيد اليورانيوم في داخل جسم الإنسان على تحفيز الطفرات، وإمكانيتها أيضاً بتحويل خلايا الإنسان إلى خلايا تنتج أوراماً سرطانية؛ كما أنها تؤدي إلى الضرر بالمادة الوراثية الحية DNA .. وقد تمت التغطية على هذه النتائج وتم التعامل معها بسرية بالغة وقطعت الجهة الممولة الدعم المالي للمشروع!..
والسؤال الذي يطرح نفسه:إذا كانت أسلحتهم هذه "اَمنة" - كما يزعمون- فلماذا يخافون الكشف عنها ؟

 

موقف مخجل ومريب


المعيب،بل والمخزي، والمريب، أن يواصل مسؤولون كبار في البيئة والصحة في العراق وفي دول الخليج العربية تجاهل كارثة إستخدام الذخائر المشعة الصحية والبيئية،ويستمرون، بكل وقاحة ومع سبق الأصرار، المشاركة الفاعلة في التعتيم والتضليل وتشويه الحقائق، رغم معاناة وموت ضحايا الأسلحة المذكورة يومياً تقريباً أمام أعينهم، وغالبيتهم من الأطفال- براعم حاضر ومستقبل شعوبهم. ولا تفسير معقول لهذا الموقف غير المسؤول،بل والمستهتر، سوى خيانة الواجب المهني والوطني والأنساني. وما أنفكوا يتخبطون في تصريحاتهم، مواصلين التبريرات الواهية للتغطية على مواقفهم المتواطئة المخزية.
* * * * *


خاتمة: يمتلك الباحث معلومات وحقائق دامغة أخرى كثيرة،تؤكدها مصادر ومستجدات علمية رصينة، تتعلق بـ: التلوث الأشعاعي الذي حصل عقب إستخدام أسلحة اليورانيوم، والأضرار البيولوجية التي نجمت عنه.. السمية الإشعاعية والكيميائية لليورانيوم المنضب وتاَزر فعلها.. خطورة التعرض الداخلي لأشعة (الفا) المنبعثة من اليورانيوم المنضب وتأثيرها على الخلايا السليمة المجاورة..وغيرها من الخصائص الفريدة .. سيوضحها الباحث ضمن أجاباته على أسئلة القراء ..

 




تعليقات الفيسبوك