صلاح السروى - باحث أكاديمي وناقد أدبي مصري، وعضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي المصري - في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: مأزق الاستبداد - أسئلة الديمقراطية.


صلاح السروى
الحوار المتمدن - العدد: 5316 - 2016 / 10 / 17 - 11:39
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     


من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا -187- سيكون مع الأستاذ د.صلاح السروى - باحث أكاديمي وناقد أدبي مصري، وعضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي المصري -  حول: مأزق الاستبداد - أسئلة الديمقراطية .




من طبائع التطور الاجتماعى التاريخى أن تتسم مراحل ما قبل الحداثة الرأسمالية بسيطرة أنماط من الحكم المطلق سواء أأطلق عليها لقب "الملكية" أو "الامبراطورية" أو "الخلافة" .. ألخ. وقد نتجت هذه الأنماط عن أسباب عديدة, منها: ضعف التنظيم الاجتماعى فى أوساط الشعب وغياب ثقافة حق الاختلاف الفردى وهيمنة الجماعة بقيمها وتقاليدها المحافظة على الأفراد, وهو الوضع الذى يجسد ما أسماه جورج لوكاتش ب:"الوحدة البدائية بين الفرد والجماعة". وكذلك احتياج الجماعة الى نموذج بشرى يجسد "الطوطم", رمز الأسلاف المتخيل, الذى تلتف حوله وتعتز بانتمائها اليه ويمتلك قوة الضبط المادى والمعنوى, والذى يضمن الحفاظ على وحدة الجماعة وقيمها وعاداتها. ولذا كان لهذا الحاكم المطلق نوع من القداسة والمهابة الناتجة عن ارتباطه بالقوى العلوية على نحو أو آخر.
ولاشك فى أن التحول البرجوازى التاريخى المتمثل فى الثورة الفرنسية وما تلاها من ثورات فى اوربا وما صحب ذلك من ظهور مفهوم "الفردية" individualism قد كان له الدور الأكبر فى تحطيم هذا النموذج وايجاد نموذج آخر, بديل, يتمثل فى تحويل المجتمع الى مجتمع مدنى علمانى, أى تحكمه قواعد وأسس وضعية بشرية غير مقدسة وقابلة للنقد والتعديل. وتحويل نظام الحكم الثيوقراطى (المرتبط بالدين) الى النظام الديمقراطى المرتبط بالاختيار الشعبى .. الى آخر ما تشتمل عليه تلك الرؤية من حرية شخصية للأفراد, وحرية تعبير وصحافة, وحرية تنظيم حزبى ونقابى .. الخ. ولقد عد هذا التحول تعبيرا عن نضج شامل حققته البشرية, متمثلة فى المجتمعات المتطورة فى العالم. فلم تعد الشعوب رعايا, بل أصبح أفرادها مواطنين تحكم العلاقة بينهم وبعضهم, وبينهم والحاكم, نصوص قانونية متفق عليها. ولم يعد شرط تولية الحاكم أن يكون وريثا لسلالة بعينها ولا مبعوثا من العناية الالهية ولا بطلا خارقا, بل أصبح فردا عاديا يتم اختياره من الشعب وقابلا للنقد والمحاسبة والعزل .. الى آخر ما هو معروف فى هذا النطاق. انها حزمة متكاملة من المفاهيم والقواعد والممارسات تفضى فى النهاية الى خلق مناخ "ديمقراطى" يؤدى الى ممارسة ديمقراطية حقيقية ومتكاملة. على ما فى هذا النظام من مشكلات تتمثل فى افتقاره الى البعد الاجتماعى مما يؤدى الى أن تصبح الحرية حرية لمن يملكون, والسلطة لمن يستطيعون تمويل الحملات الانتخابية. ولكن, رغم كل شىء, يبقى الوضع أهون بكثير من الاستبداد والفساد والتبعية التى تعانيها بلداننا.

وفى بلداننا (العالم الثالث وبلدان الشرق بصفة خاصة) حيث قامت الحضارات الأولى فى العالم على ضفاف الأنهار, كان تأليه الحكام أوضح وأكثر جلاء, حيث كان من الضرورى قيام الدولة – الاقليم الذى يحدد النهر جغرافيته الأساسية. وكان التوحد والانضباط والخضوع حتميا لسلطة ملك واحد ضمانا لقيام واستمرار هذه الدولة. ومن هنا كان مبعث المبالغة فى هذا التقديس والتأليه للحكام. ولعل هذا ما طبع شعوب الشرق القديم بهذه المسحة من الخضوع والقبول بالطغيان. وهذا أيضا ما يقف وراء ظهور مصطلح "الاستبداد الشرقى" الذى يكاد يمثل دستورا فى عدد من النظريات الاستشراقية.
ولقد اعتبر البعض أن هذا النوع من الاستبداد حتمى, نظرا لطبيعة "المكان" المعتمد على الزراعة النهرية وجغرافيته السهلية (نسبة الى السهل) التى تتيح السيطرة والهيمنة من خلال سرعة انتقال الجيوش واخضاعها للجماعات المتمردة أوفرض النظام والقانون.
ونرى أن هذه النظرية, التى يبدو انتماؤها الواضح الى المنهج الوضعى, ناقصة. بل تحمل طابعا ميتافيزيقيا واضحا (رغم ادعائها العلمية). وذلك من ناحية أنها تقوم على مفهوم الحتمية المطلقة التى يمليها مفهوم "المكان" غير القابل للتعديل أو التغيير. ومن ثم تصبح كل الأوضاع السياسية المترتبة على الانطلاق من هذا المفهوم (أى طبيعة "البيئة" المكانية) .. تصبح غير قابلة للتغيير وتغدو كالقدر الذى لاراد له. ومن ناحية أخرى, فان هذه النظرية تهمل متغيرا مهما تقع على عاتقه عملية انجاز التطور فى المجتمعات, ألا وهو التحولات الناجمة عن الصراع الاجتماعى – الطبقى وتناقض المصالح الاجتماعية والسياسية, والتناقضات الناشئة عن تطور "قوى الانتاج" فى علاقاتها ب"أدوات الانتاج". وهى أمور لا تخضع ل"مكان" محدد, ولا يتحكم فيهما المكان, بحد ذاته, بل تتحكم فيهما طبيعة التطور الاجتماعى التاريخى الذى وصلت اليه المجتمعات. وهذا ما تم فى أوربا والغرب على التحديد.

ولكن سؤالا يطرح نفسه : اذا كانت بلدان الغرب قد حققت نوعا من الديمقراطية عبر التطور الاجتماعى التاريخى الذى قادته الطبقة البرجوازية المزدهرة, فهل يمكن القول, حسب هذا التصور, أن البلدان النامية لن تتحقق فيها الديمقراطية الا اذا سارت فى ذات الطريق وحققت ذات التطور وعبر هذه الطبقة ؟؟

الحقيقة أن الاجابة على هذا السؤال قد تنسحب على مجمل الأوضاع والتحولات التى نجابهها فى هذا العصر. من حيث حقوق الانسان ومنظومة العدالة والنظافة والتعليم .. الخ. ولا شك أن البرجوازية المصرية خاصة, والعالم – ثالثية عامة, ليست على هذا النحو من التطورالذى كانت عليه مثيلتها فى الغرب فى نهاية القرن الثامن عشر عندما قامت بثوراتها فى مواجهة الاقطاع والأوليجاركية (حكم الأقلية). بل هى برجوازية تابعة, كمبرادورية, ذات نشأة شبه اقطاعية, أى أنها لاتحمل ثقافة البرجوازية الحقيقية ولا تواجه أسئلتها وتحدياتها .. الخ. وبالتالى لم تقم بدورها التاريخى فى "العقلنة" و"العلمنة" و"المقرطة" والاصلاح الدينى التى قامت بها البرجوازية الأوربية عبر "عصر التنوير" طوال القرن السابع عشر والثامن عشر. ومن هنا يمكن أن نفهم حقيقة أن مستوى الوعى العام ومستوى القوى الاجتماعية الفاعلة ليسا على هذا النحو من التطور الذى يمكن من خلاله اقامة حياة ديمقراطية شبيهة أو على الأقل قريبة من مستوى تلك القائمة فى الغرب.
ولكن هل يسير التاريخ على هذا النحو الخطى الحتمى ؟؟ وهل يمكن للتجارب أن تتكرر على هذا النحو الاستنساخى ؟؟ أى هل يمكن تصور أن علينا الانتظار لمدة مائتى عام, مثلا حتى نصبح مؤهلين لتطبيق نوع من الديمقراطية كالتى فى الغرب؟؟ أو نصبح جديرين بتطبيق نوع من حقوق الانسان مثل التى عندهم ؟؟
واذا كان الأمر كذلك فكيف يمكننا فهم قيام ديمقراطية مستقرة وفاعلة فى دولة كالهند أو البرازيل أو كوريا الجنوبية أو جنوب أفريقيا مثلا ؟؟
ان التعويل على انتظار تقدم الطبقة الوسطى عندنا وتأهل قدرتها على القيام بأدوارها التاريخية مثلما حدث فى الغرب لهو ضرب من الخبل العقلى وسيطرة نوع من التفكير الميكانيكى غير الجدلى, وحتى لو تصورنا أن برجوازيتنا يمكنها أن تقوم بذات المهام فى قابل الأيام, فان البرجوازية المصرية, وربما فى باقى البلدان العربية والشرق - أوسطية, لم تقم وتتكون نتيجة لتطور اقتصادي حقيقى وفى قطيعة مع القيم الاقطاعية والعائلية الكلاسيكية بل قامت من رحم الاقطاع والاقتصاد العائلى وتحتفظ بقيمه, كم أسلفنا. وبالتالى, فان علاقتها بالقيم التنويرية والتقدمية محدودة للغاية. كما أنها لم تقم فى مواجهة مع غزو السلع الأجنبية ولم تحقق اقتصادا وطنيا, بل قامت (فى معظمها) كوكيل للرأسمالية الأجنبية, والغربية على الأخص. وبالتالى, فان علاقتها بمفهوم الاستقلال الوطنى والعداء للاستعمار محدودة للغاية.
كما أن الغرب ليس مجرد غرب جغرافى, بل هو غرب استعمارى. فالغرب ذاته لم ولن يكون سعيدا بقيام أى نوع من التطور فى بلدان مستعمراته, بل انه يعمل على اجهاض وتقويض هذا التطور, ان وجد وأينما وجد, سواء على الصعيد الاجتماعى أوالصناعى أوالعلمى أوحتى الصحى, فضلا عن استهدافه الدائم لضرب الاستقرار السياسى لهذه البلدان, الا بما تتطلبه استراتيجياته السياسية ومناوراته ومعادلاته الاقليمية .. الخ. وأظن أن عددا من الديمقراطيات العالم – ثالثية لم تقم ولم تنجح الا بسبب دعمها من الغرب لأسباب تتعلق بموازين القوى فى الاقليم المحدد. فقد تم دعم الديمقراطية فى اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان, وربما الهند, فى اطار حزمة كبيرة ومتكاملة من ألوان الدعم على مختلف الأصعدة, لأسباب مرتبطة بوجود الصين وفيتنام وكوريا الشمالية, باعتبارهم دولا شيوعية, يخشى الغرب من تمددهم السياسى أو الفكرى.
أما بالنسبة لمصر والمنطقة العربية فان أهمية الموقع الاستراتيجى والرغبة فى السيطرة على المقدرات والرغبة فى ضمان أمن اسرائيل .. كل ذلك يجعل الغرب يعمل على الدوام على محاولة اختراق واجهاض أية تجربة تسعى نحو التقدم والنهوض, على أى مستوى. والنماذج , أوضح ما تكون منذ حصار محمد على, واغراق اسماعيل فى الديون, حتى احتلال مصر عام 1882 , واختراق وتدمير حزب الوفد, واجهاض تجربة عبدالناصر. وصولا الى درجة أن يجرؤ أحد المنتمين الى نظام كامب ديفيد على القول بأن "أى رئيس سيتولى حكم مصر لابد أن يحظى بموافقة اسرائيلية وقبول أمريكى". واذا بنا نعود, بعد ثورتين, القهقرى الى وضعية الخضوع لاملاءات صندوق النقد الدولى وعبارات من قبيل: "صديقى نتنياهو هو الزعيم القوى القادر على تحقيق الاستقرار فى المنطقة", و"أمريكا هى الصديق الاستراتيجى" لمصر, بينما أرض مصر تباع للسعودية والثوار والشرفاء فى السجون. هكذا يعود الاستعمار والتبعية والاستبداد بأجلى وأنصع معانيهم. حتى وان طنطن الحكام والأبواق ليل نهار ب"حب مصر" والمصريين.
لذا فانه لابد لنا من النظر الى تجارب ديمقراطية, أخرى, تنتمى الى العالم الثالث, قد قامت على الضد من ارادة الغرب وفى مواجهته بصورة مباشرة, كتجارب أمريكا اللاتينية. وهى تجارب ناجحة, حققت, فى المجمل, استقرارا سياسيا وقدرا من العدل الاجتماعى وحكم القانون والتداول السلمى للسلطة. ولم تقم بها الطبقات البرجوازية والرأسمالية وانما نهضت على أكتاف حركات تقدمية ويسارية وجماهير كادحة من عمال وفلاحين بسطاء.

ان هذا يعنى أن أنماط الديمقراطية متعددة وطرائق الوصول اليها متعددة كذلك. وان الجوهر الحقيقى للديمقراطية (من حيث كونها نقيضا للاستبداد وقادرة على كشف ومكافحة الفساد والتعبير عن المصالح الاجتماعية فى العدل والرخاء لأوسع القطاعات الشعبية, وتحقيق ارادتها السياسية فى الحرية والتقدم والحفاظ على وحدة واستقلال الوطن). يمكن تحقيقه بمداخل متعددة.
واذا كان جوهر الديمقراطية وغاياتها يمثلان نقيض مايريده لنا الغرب فان السبيل الى اقامة ديمقراطية حقيقية فى بلادنا لا يمكنه الا أن يتم فى اطار مشروع وطنى تحررى تقدمى شامل, وفى مواجهة مع الغرب والتابعين له من الطبقات والقوى العميلة (بحكم مصالحها). انها ديمقراطية الذين يقفون فى عداء مع التخلف الاستبداد والاستغلال والتبعية للامبريالية .. ديمقراطية الكادحين التقدمية الشعبية .




تعليقات الفيسبوك