جريمة كنيسة الوراق - الدلالات والأهداف


صلاح السروى
الحوار المتمدن - العدد: 4253 - 2013 / 10 / 22 - 09:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     


حصدت يد الارهاب الآثمة عددا من أرواح المصريين البسطاء العزل الذين كانوا فى حالة الاحتفال بعرس أمام كنيسة العدرا بالوراق, فى حادثة قتل عشوائى سقط فيها أطفال ونساء ورجال عزل بين شهيد ومصاب, بما يجعلها جريمة ارهابية بامتياز وبالمعنى الحرفى للكلمة.
ولايمكن عزل هذه الحادثة الارهابيةعن سابقاتها من أحداث شهدتها مصر منذ ثورة الثلاثين من يونيو وما تلاها من اسقاط لنظام الاخوان المتأسلمين فى الثالث من يوليو, حيث تأتى هذه الجريمة البشعة فى سياق من الممارسات الاجرامية التى اقترفتها جماعات التأسلم السياسى بقيادة جماعة الاخوان المحظورة والتى اتخذت (أى تلك الممارسات)أشكالا عدة, بدأت بالقتل العمدى المباشر مثلما حدث فى جريمة اغتيال جنودنا فى رفح 2012 وبعدها فى باقى مناطق سيناء والداخل وما تلاها من جرائم قتل وتمثيل بأجساد رجال الشرطة فى كرداسة والمنيا والفيوم وأسوان .. الخ. ومرورا بالاعتصامات الدموية المسلحة مثلما حدث فى عتصامى رابعة والنهضة وما صاحبهما وأعقبهما من المظاهرات التخريبية التى لم تتوقف حتى الآن. وانتهاء بالتفجيرات والاعتداء على المنشآت وتدمير الكنائس وأقسام الشرطة والقتل العشوائى كالذى تم فى الحادثة التى نحن بصددها أمام كنيسة الوراق بالقاهرة.
ان كل هذا العنف انما يجسد عدة دلالات لابد من التوقف أمامها:
1- تبرهن هذه الممارسات بجلاء على تجرد هذه الجماعات من أى معنى للانتماء الوطنى أو الانسانى, فهم يدمرون مقدرات البلد الذى ينتمون اليه ويقتلون أهله غيلة وغدرا دون أن يطرف لهم جفن. ويتحالفون مع اعدائه ويتآمرون معهم على تقسيمه واقتطاع أجزاء منه, بل انهم لايتورعون عن ابداء غبطتهم كلما حدثت كارثة للبلاد .. سواء أكانت فى حجم الهزيمة العسكرية الفادحة كالتى حدثت فى حرب 1967 , أو كانت فى حجم هزيمة كروية !!!. بما يجعلهم يصلون الى حد الكراهية التى تكاد تتحول الى نوع من الرغبة فى الانتقام من مصر وشعبها, بما فيهم المصريين المسيحيين بالطبع كما هو واضح, تبدو واضحة بجلاء ولا تخطئها العين.
2- كما نلاحظ ان هناك تطورا ملحوظا فى وتيرة العنف وتحوله من مهاجمة الأهداف المدروسة بعناية وذات الأهمية العسكرية المحددة, الى مرحلة استهداف ما يسمى ب"الأهداف السهلة", كالقتل العشوائى أمام كنيسة الوراق, بما يعكس افلاسا واضحا لهذه الجماعات واحساسا بأن قضيتهم تخسر بصورة يومية ومتزايدة, وأن المظاهرات العنيفة ومهاجمة قوات الجيش والشرطة وضرب المنشآت لم تعد مجدية ولا ممكنة بفعل قوة وصلابة الموقفين: الشعبى والرسمى فى مواجهتهم. وهو ما يعنى قرب نهاية هذا الارهاب وهذه الجماعات بحد ذاتها, وان استمر عنفها الى حين.
وقد يعنى ذلك من ناحية أخرى ان هناك قوى تعمل على أصعدة متعددة ومتزامنة, بما قد يؤدى الى تشتيت وتبديد قوى الجيش والشرطة .
وأتصور أن هذا العنف المجنون بكل أشكاله انما يسعى الى تحقيق الأهداف التالية:
1- تدمير الثقة التى تولدت بين الشعب والشرطة والجيش فى امكانية مواجهة الارهاب والقضاء عليه, ومن ثم نزع الغطاء الشعبى الذى تبدى فى الخروج الثورى الكبير فى 30 يونيو و 26 يوليو عن السلطة الحاكمة, والذى منحها شرعيتها, باعتبارها سلطة انتقالية نصبتها الثورة الشعبية.
2- محاولة استدراج المصريين الأقباط الى ردود افعال انفعالية من شأنها تحويل الوضع القائم الى صراع طائفى بدلا من طبيعته السياسية الواضحة حتى الآن. بما قد يؤدى الى ايجاد موطىء قدم (عند نجاح التحول الى الصراع الطائفى) فى الشارع الشعبى بعد أن لفظهم هذا الشارع وأصبحوا يتحركون فى عزلة تامة عن أى ظهير شعبى, بل أضحت هذه الجماهير بمختلف قطاعاتها هى الأساس الوطيد فى مقاومة مخططاتهم. وهذا الهدف (أى اختلاق وضعية الاقتتال الطائفى)هو مايعمل الاخوان وأنصارهم من أجل الوصول اليه منذ أيام اعتصام رابعة وما تلاه من تدمير للكنائس وعدوان على بيوت ومحلات المصريين الأقباط. بيد أنهم لم ينجحوا فى تحقيقه حتى ولا أظن أنهم سيحققون أى نجاح, نظرا للوعى السياسى النافذ الى حقيقة هذا المخطط من قبل المصريين سواء أكانوا من المسيحيين أو المسلمين.
3- محاولة استدراج قوات الجيش والشرطة الى الاستخدام المفرط للقوة والتوسع فى القتل الى الحد الذى يجعلهم قادرين على استجلاب أى قدر من التعاطف, سواء على الصعيد الداخلى لدى بعض قطاعات الشعب المصرى, أو على صعيد الخارج من قبل القوى الدولية المتربصة بمصر, وهو ما لاحظنا بعضا من شواهده وآثاره السياسية بعد فض الاعتصامين الشهيرين فى رابعة والنهضة وما تزامن معهما فى حادثتى الحرس الجمهورى والمنصة. حيث كان سلوك الاخوان يتلخص فى محاولة تحقيق أكبر قدر من الوفيات والاصابات بين صفوفهم هم, بحيث أشاع البعض بأنهم يقتلون بعضهم (ولا أستبعد ذلك حسب بعض التسريبات عن التحقيقات الجارية وربما يثبت ذلك أثناء المحاكمات, وعموما كانت النزعة الاستشادية واسترخاص الموت بل والسعى نحوه واضحة وضوح الشمس, بما يؤكد ما ذهبت اليه. لاسالة أكبر قدر من الدماء. ويعزز من هذا المنحى ماحدث أثناء محاولات الاعتصام فى مسجدى الفتح برمسيس والايمان بمدينة نصر. فالمطلوب هو تحقيق ما عرف فى الأدبيات السياسية بخلق "المظلومية" , التى تحرج النظام وتوجد لهم بالمقابل نوعا من المشروعية المبنية على التعاطف الانسانى, ومن ثم , استجلاب المزيد من الأنصار. وهذا التكتيك مارسه الخمينيون ابان الثورة الايرانية عام 1979, ومارسته ووظفته جماعة الاخوان نفسها ابان حكم مبارك.
4- الايحاء المتواصل بأن الأوضاع لم تستقر فى مصر تحت سلطة ما يسمونه ب"الانقلاب" وان العنف يتزايد, ومن ثم تهرب المشروعات وتغلق المصانع وتقطع الطرق وتتعمق الأزمة الاقتصادية, بما يؤدى الى تردى الأحوال المعيشية وزيادة الأعباء على الناس أملا فى نفاذ صبرهم وتيئيسهم من قدرة السلطة الجديد على تحقيق أى قدر من تحسين أحوالهم المعيشية التى ثاروا على الاخوان من أجلها (الى جانب عوامل أخرى بالطبع), مما قد يؤدى بالتالى الى خروجهم على السلطة الجديدة.
والآن ما العمل ؟؟
أتصور أن العامل الحاسم فى سرعة القضاء على عنف هذه الجماعات هو أن تقوم الحكومة باتخاذ اجراءات أكثر جذرية وجرأة وشجاعة فيما يتعلق بفرض سلطة الدولة وتنفيذ القانون بحزم وحسم على كل المخربين والمجرمين والتخلى عن نغمة التصالح التى تغرى الارهابيين بامكانية تحسين شروط التفاوض المحتمل. والشروع الفورى فى انجاز كل ما يتعلق بالملفات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التى تتطلبها المرحلة. وكذلك تحقيق قدر مناسب ومقنع من العدالة الاجتماعية وتخفيف المعاناة عن كاهل المواطنين, والكادحين منهم بصفة خاصة., وان تكف عن الظهور بحالة الضعف والارتعاش والتردد التى بدت عليها طوال الأشهر الماضية. وفى النهاية لابد من تحقيق قدر من السرعة فى انجاز بنود خارطة المستقبل وبناء المؤسسات الدستورية للدولة بما يجعلها قادرة على تحقيق آمال المصريين فى دولة مدنية ديمقراطية يسودها العدل والتقدم والرفاهية, قادرة على احتلال المكانة اللائقة بها وبشعبها وتاريخها بين الأمم.