رائد فهمي - المنسق العام للدورة الحالية للتيار الديمقراطي في العراق- في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: التحديات الراهنة في بلداننا ودور القوى المدنية الديمقراطية


رائد فهمي
الحوار المتمدن - العدد: 4648 - 2014 / 11 / 30 - 18:37
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا -144 - سيكون مع الأستاذ د.رائد فهمي - المنسق العام للدورة الحالية للتيار الديمقراطي في العراق- حول: التحديات الراهنة في بلداننا ودور القوى المدنية الديمقراطية.


العراق يواجه حاليا تحديات ومخاطر كبيرة تتهدد كيانه الوطني وتماسك ووحدة نسيجه المجتمعي. فقوى الإرهاب، وعلى رأسها تنظيم دولة العراق الإسلامية (داعش)، اجتاح مدينة الموصل ، ثاني أكبر مدن العراق، واراض تبلغ مساحتها ثلث مساحة العراق، تتوزع على خمس محافظات؛ نينوى، صلاح الدين، الأنبار، ديالى وكركوك، إلى جانب قيام خلاياه النائمة في محافظة بغداد وغيرها من المحافظات بعمليات ارهابية دموية بصورة اكثف، فيما شهدت والعلاقات بين حكومة اقليم كردستان والحكومة الاتحادية شدا وتوترا شديدين طيلة عهد الحكومة السابقة نجم عنه مزيدا من الافتراق في المواقف والسياسات بينهما طال مجالات وميادين مهمة لتأمين انسجام ووحدة سياسة الحكومة الاتحادية، كالنفط والسياسة الخارجية والمالية والمناطق المتنازع عليها وعمل القوات المسلحة على الصعيد الاتحادي، ويمكن الاستطراد في ذكر ميادين أخرى ثانوية.وترافق كل ذلك بتعمق الاستقطاب الطائفي والأثني لدرجة أخذت ترتفع اصوات من شخصيات وعناصر قيادية في القوى والكتل السياسية المتنفذة الماسكة بمفاتيح السلطتين التشريعين والتنفيذية، تعلن صراحة بعدم إمكانية استمرار تعايش اطياف الشعب العراقي القومية والمذهبية في اطار الدولة العراقية كما نعرفها وتجد ان لامحالة من حدوث نوع من انواع الفرز التقسيم على اساس عرقي أو مذهبي، وإن العراق والمنطقة مقبلان، عاجلا أم آجلاً إلى إعادة رسم حدود الدول القائمة.

فما كان حتى فترة قريبة خلت مجرد احتمالات لمآلات تطور الأوضاع، أو بالأحرى تدهورها، يجري التحذير منها في حال استمرار السياسية في البلاد والمناكفات والصراع بين القوى المتنفذة المتنازعة فيما بينها على السلطة والنفوذ والمغانم، بات واقعا على الارض في بعض جوانبه، كسيطرة "داعش" على مناطق واسعة وارتكابها جرائم وفظاعات غير مسبوقة في العصر الحديث، واستشراء الفساد وسوء الادارة والاداء في الدولة الذي جسده السقوط المدوي للموصل بيد الارهابيين والانهيارات في المؤسسة العسكرية، ولاحقا تفاقم الأزمة المالية والنقدية في البلاد إلى الحد الذي جعل الحكومة الجديدة تجد صعوبة في دفع الرواتب، وهي شحة مالية شديدة لا تعود أسبابها إلى الانخفاض في اسعار النفط العالمية فقط، وإنما ترجع في جزء كبير منها إلى سوء إدارة ومخالفات وفساد.

إن حصيلة عقد أو أكثر من تجربة حكم قوى وأحزاب الطائفية السياسية في اطار نظام المحاصصة الطائفية والأثنية، اثبتت بصورة لا يرقى لها الشك، فشل المشروع، الصريح او الضمني، الذي تحمله هذه القوى في بناء وإدارة الدولة والمجتمع، وفي تحقيق الأمن والاستقرار والأعمار والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. ويمكن في ظل نظام حكم المحاصصة تحقيق بعض النجاحات للتخفيف من حدة بعض الأزمات، وتجميع القوى لمواجهة مخاطر ذات طابع وجودي للنظام السياسي الجديد برمته وللقوى التي عملت وساندت العمل من أجل تغيير النظام الدكتاتوري المباد وإقامة عراق ديمقراطي اتحادي موحد، كالتهديد الذي يمثله إرهاب "داعش"، ولكن نظام المحاصصة القائم ليس قادراً ، كما أنه غير مؤهل لأن يقيم بناء سليماً للدولة وينهض بالاقتصاد الوطني ويحارب الفساد بصورة فعّالة ويؤمن الاستقرار المنشود للبلاد.

إن القوى المدنية الديمقراطية العراقية ، والتي تعتبر القوى والشخصيات المؤتلفة في اطار التيار الديمقراطي جزءً أساسياً منها، تعمل وتنشط سياسيا على مختلف الصعد من أجل مشروعها البديل ، المشروع الوطني والمدني الديمقراطي. وقبل تحديد المعالم الرئيسة للمشروع السياسي والمجتمعي الذي يحمله التيار الديمقراطي، يجدر تقديم نبذة تعريفية مختصرة عنه.

انعقد المؤتمر التأسيسي للتيار الديمقراطي في بغداد بتاريخ 22/10/2011 تتويجا لعمل تحضيري استغرق قرابة العامين نوقشت خلالها وثائق سياسية وتنظيمية هدفها تجاوز حالة الانقسام والتشظي التي تعاني منها القوى الديمقراطية بمختلف اطيافها والمسؤولة عن ضعف تأثيرها في الحياة السياسية على الرغم من وجود قبول واسع نسبيا لأفكارها وللحلول التي تطرحها، وخرجت اللقاءات والحوارات التي مهدت للمؤتمر التأسيسي باتفاقات ومشتركات ارست الاسس السياسية والتنظيمية للتيار الديمقراطي. والمقصود بالتيار الديمقراطي كما ورد في نظامه الداخلي، "... التحالف بين أحزاب سياسية واتحادات جماهيرية ومهنية وشخصيات مستقلة، يتبنى الديمقراطية على قاعدة العدالة الاجتماعية ويسعى إلى توحيد الحركة الديمقراطية في العراق..." ، التيار يمثل صيغة تنظيمية متميزة للتحالفات الواسعة تتسم بالمرونة بين تنظيمات وأفراد تجمعهم أهداف ورؤى مشتركة وتضمن الاستقلالية الفكرية والسياسية والتنظيمية لكل طرف، وتوفر اطارا فاعلا لعملهم الموحد وبصورة متكافئة ، إذ يضم المكتب التنفيذي للتيار، والذي يمثل هيئة القيادية التنفيذية "... منسق اللجنة العليا وممثلي الأحزاب وعددا مساويا من الشخصيات المستقلة، اضافة إلى تمثيل الشباب والنساء..."
اما منسق اللجنة العليا للتيار، فيجري انتخابه من قبل " ممثلي الأحزاب والمنظمات والشخصيات ومندوبي الفروع ... ويتم تداول هذه المسؤولية بين أعضاء اللجنة العليا لمدة تحددها اللجنة ".

ويسعى التيار إلى المشاركة في الانتخابات في قائمة أو قوائم مشتركة. وهذا ما قام به فعلا في انتخابات مجالس المحافظات عام 2013 ونجح في ايصال ممثليه إلى مجالس خمس محافظات عراقية، بضمنها بغداد.

ويمكن استخلاص مفردات مشروع التيار الديمقراطي من برنامجه، حيث بعض أهم اهدافه على الصعيد السياسي تتمثل بالتالي :

• استكمال عملية التحول الديمقراطي على الصعيد الوطني عبر تصحيح مسار العملية السياسية وتحقيق الإصلاح السياسي على جميع الأصعدة .
• تحقيق مفهوم الدولة المدنية الديمقراطية وبناء مؤسسات الدولة كافة على أسس ديمقراطية واعتماد المواطنة والكفاءة والنزاهة أساسا لتلك المؤسسات بعيدا عن المحاصصة.
• التصدي لظاهرة الفساد السياسي والمالي والإداري، وفق برنامج وطني واعتماد الخطة الإستراتيجية الوطنية لاستئصاله.
• اعتماد المهنية ومعايير المواطنة أساسا في بناء القوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي بعيدا عن المحاصصة بمختلف إشكالها، وتعزيز مبدأ الولاء للوطن، واحترام حقوق الإنسان، وبناء منتسبي القوات المسلحة على اساس احترام المؤسسات الدستورية والديمقراطية، وحصر حمل السلاح بيد الدولة وحل المليشيات وأية مجموعات مسلحة أخرى وإنهاء أي مظهر من مظاهر التسلح غير القانوني.
• تفعيل المصالحة الوطنية وحسم ملفات منتسبي الجيش العراقي السابق والدوائر المنحلة بما يضمن تطبيق مبادئ العدالة الانتقالية وتوطيد السلم الأهلي.
 


وعلى الصعيد التشريعي تتمثل اهم اهدافه بتفعيل الدور التشريعي والرقابي لمجلس النواب والمؤسسات التشريعية الأخرى , وتعزيز دور الرقابة الجماهيرية واعتماد مبدأ الشفافية، و تعديل الدستور بما يحقق القيم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وصيانة كرامته ، وستكمال تشريع القوانين المنظمة والمفسرة لعمل الدستور وخصوصا قانون الأحزاب وقانون انتخابات بما يضمن تمثيلاً حقيقياَ لابناء الشعب العراقي في البرلمان.
وتحقيقا لاهداف التيار الديمقراطي في ارساء الديمقراطية ببعدها الأجتماعي، يعمل من أجل الاسراع في تشريع قوانين الضمان الاجتماعي، وقانون جديد للعمل وفق المعايير الدولية، بما يحقق للطبقة العاملة ما تصبو إليه في مجال رفع مستواها المعيشي وحقوقها في تنظيم نقاباتها واتحاداتها المستقلة .

وفي شقه الاقتصادي يدعو ويعمل التيار من أجل إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني بوضع إستراتيجية تنمية اقتصادية اجتماعية شاملة ومستدامة، ومعالجة ظاهرة البطالة والفقر، بما يحقق مساهمة قطاع الدولة والقطاع الخاص والمختلط والتعاوني في تفعيل قطاعات الصناعة والزراعة والتجارة والسياحة والاتصالات والخدمات الاخري، وتخليص العراق من الاقتصاد الريعي الأحادي الجانب وتنمية القطاعات الانتاجية غير النفطية ، وبما يؤمن العدالة والرفاه الاجتماعي .

ومن أجل توطيد وترسيخ البناء الديمقراطي للبلاد وتوسيع دائرة المشاركة الشعبية في الحياة السياسية العامة وممارسة نوعا من الرقابة المجتمعية على عمل الدولة ومؤسساتها يدعم التيار الديمقراطي منظمات المجتمع المدني في العراق وتفعيل دورها في توجيه الرأي العام وتصويب سياسات الدولة في مختلف مناحي الحياة، من أجل تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والخدمي في البلاد، كما يحظى باهتمام خاص في عمل التيار العمل على تحقيق التمكين والمساواة التامة للمرأة وتفعيل دورها ودور الشباب في إدارة الشأن العام وإطلاق وتنمية وتوظيف طاقاتهم الكامنة في الإبداع والعطاء والبناء.

كما يشجع ويعمل التيار الديمقراطي على صيانة الحريات العامة وخصوصا حرية التعبير والتظاهر والاحتجاج والنشر وحرية الحصول على المعلومات وتداولها، ورفض التعصب والتطرف بكافة إشكاله، ويدعو إلى اعتماد مشروع ثقافي وطني ديمقراطي منفتح ومتطور ومنسجم مع روح العصر وتحقيق التنمية الثقافية والعلمية والمعرفية العامة، وتفعيل دور الجامعات والمؤسسات الأكاديمية واحترام الحريات الأكاديمية والعمل بمبدأ استقلالية الجامعة وترسيخ ثقافة احترام الرأي الأخر، وتحديث النظم والمناهج التعليمية، وتطبيق مبدأ إلزامية التعليم.

ولعب التيار الديمقراطي دوراً اساسيا في تشكيل التحالف المدني الديمقراطي، الذي يضم القوى والاحزاب المشاركة في التيار الديمقراطي إضافة إلى قوى وشخصيات سياسية أخرى ، وشارك في انتخابات مجلس النواب الأخيرة في آذار 2014 وفاز في الانتخابات ثلاثة من مرشحي قائمة التحالف المدني الديمقراطي في بغداد.

وللتيار الديمقراطي مواقف وتحليلات واضحة لآخر التطورات التي تشهدها البلاد. فهو يعتبر المواجهة مع داعش وقوى الارهاب ومشروعها الدموي الظلامي وتوفير شروط افشال المخططات السوداء لداعش ومن ورائها والتي تستهدف العراق وشعبه بجميع اطيافه القومية والدينية والمذهبية والثقافية والفكرية تمثل، في الظرف الراهن، المهمة الأولى والتحدي الأكبر أمام البلاد وقواعه السياسية المشاركة والداعمة لعملية الانتقال والتحول الديمقراطي في العراق.

ولأجل افشال خطط داعش وإلحاق الهزيمة بها ينبغي مراكمة عناصر القوة لدى الشعب عبر اتخاذ حزمة من الإجراءات العاجلة، أهمها؛ الاستناد إلى رؤية وطنية شاملة (سياسية، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، عسكرية) في محاربة الإرهاب، والتأكيد علي الطابع الوطني لهذه المعركة المصيرية وابعادها عن محاولات تغليب البعد الطائفي عليها، والسعي لبناء وتعزيز ارادة وطنية موحدة صلبة في الحرب ضد الارهاب، والتوجه الجاد نحواستنهاض الروح الايجابية عند الشعب العراقي، وتفعيل مشاركة المواطنين في هذه المعركة ضمن خطة وطنية، تنفذ من خلال اطر الدولة ومؤسساتها الرسمية والمدنية، وبالتعاون مع القوى السياسية الوطنية ومنظمات المجتمع المدني، ومع كل مواطن توّاق للعيش بسلام في عراق آمن موحد يحتضن جميع اطياف شعبنا.

وتستلزم الادارة الناجحة للحرب ضد داعش التحرك على ثلاثة محاور اساسية بصورة متزامنة وسريعة؛ تسوية المشاكل بين الحكومة الاتحادية والأقليم وإزالة معوقات المشاركة الفاعلة للأقليم في الحكومة الاتحادية وفي الجهد العسكري، ومن جانب آخر ، العمل من أجل تجفيف حواضن الارهاب وتفعيل مشروع المصالحة الوطنية وترجمته على صعيد الاجراءات العملية والخطاب والممارسة السياسيين، اما المحور الثالث فهو العمل على تطوير التعاون بين القوات المسلحة والحشد الشعبي والبيشمركة والتنسيق بين عملياتهم .

ولأجل تخليص الحشد الشعبي من الآثار السلبية للتسلل المليشياوي إليه وما يحمله من بعد طائفي ، تبرز ضرورة تنظيم الحشد الشعبي ووضعه تحت اشراف مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية.
ولا يجد التيار الديمقراطي مبررا للدعوة إلى استقدام قوات برية اجنبية الى الاراضي العراقية، والذي يمكن أن يشكل تهديدا نوعياً للسيادة الوطنية، ويؤدي إلى تداعيات جيو- استراتيجية في المنطقة ويستثير ردود افعال سياسية وتوترات من جانب دولها،.

وإذ يتخذ التيار موقفا ايجابيا من التوجهات السياسية المعلنة لحكومة الدكتور العبادي، إلا انه ينظر بصورة واقعية الى ما يمكن أن تقدمه، فتشكيلة الحكومة الجديدة تحمل تغييرا جزئيا يعكس التوازنات التي افرزتها الانتخابات البرلمانية.، ولم تخرج عملية تشكيلها عن آليات المحاصصة المعتمدة في تشكيلة الحكومات السابقة، فهي لا تمتلك المواصفات التي سعى التيار لأن تتوفر فيها، كي تتمكن من احداث التغيير المنشود. اعلن التيار الديمقراطي أنه سيتخذ موقفا ايجابيا من كل خطوة تستجيب لمطالب الناس وتلبي حاجاتهم.

ومن وجهة نظري، والتي يشاركنى فيها زملائي في التيار الديمقراطي، أن الحل الجذري لمشاكل البلاد يمر عبر نبذ نهج المحاصصة الطائفية والسياسية واعتماد مبدأ المواطنة والمساواة والعدالة والاستناد إليها لبناء الدولة المدنية الديمقراطية، واذ لا تزال موازين القوى السياسية الراهنة وبنية المجتمع والوعي السائد في صالح القوى السياسية المتنفذة ذات المصلحة في اعادة انتاج وديمومة نظام المحاصصة، هناك ما يؤشر وجود إمكانيات وحاجة حقيقية لتحرك نشيط ومبادر لقوى التيار الديمقراطي والقوى المدنية الديمقراطية بصورة أعم، وتوسيع دائرة نشاطاتها، والتفاعل وتوثيق الصلة مع مختلف اشكال الحراك الشعبي والفعاليات والمبادرات الجماهيرية والحملات الشعبية ذات المطالب المشروعة من اجل الضغط على القوى الماسكة بمفاتيح السلطة والقرار لتحقيق هذه المطالب ولاستنهاض المزيد من القوى والشرائح والأوساط الاجتماعية، والشعبية منها على وجه الخصوص نحو المشاركة والفعل السياسيين.




تعليقات الفيسبوك