ثورة 14تموز 1958: حدث مؤسس أم إشكالي في تاريخ العراق الحديث ؟


رائد فهمي
الحوار المتمدن - العدد: 4161 - 2013 / 7 / 22 - 10:43
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

بالنسبة للكثيرين، وأنا منهم، لا يجدون حرجاً أوتردداً في التعبير عن قناعة راسخة بأن ما حدث صبيحة الرابع عشر من تموز 1958 على يد مجموعة من الضباط والمراتب، كان انقلابا عسكرياً ، اكتسب طابع التحول الثوري نتيجة الالتفاف الجماهيري الواسع العفوي والمنظم الذي حظيت به الحركة "الانقلابية" منذ الساعات الأولى لأسقاط النظام الملكي واعلانها قيام الجمهورية العراقية. ويسجل المؤرخون إن عديد وحدات الجيش التي شاركت في الحركة ناهز الثلاثة آلاف شخص من الضباط والمراتب، في حين قدرت اعداد الجموع الساخطة على النظام الملكي التي طافت الشوارع وهاجمت مواقعه ورموزه بمائة الف شخص، ما لعب دورا اساسياً في تعميق وتجذير مضمونه الشعبي.
ولأجل الحكم على المغزى التاريخي لما حدث في 14 تموز، يقتضي وضعه في سياقه التاريخي الطبيعي، وليس النظر اليه بمعزل عن ممهداته المتمثلة بالمحاولات الانقلابية السابقة للجيش في عامي 1936 و 1941، وسلسلة الأنتفاضات والوثبات الشعبية التي قمعت بقسوة شديدة على مدى اكثر من عقد من السنين. ومن جانب آخر، فإن المضامين السياسية والاجتماعية والاقتصادية للحركة الانقلابية التي وردت في البيانات والتصريحات الأولى لقادتها، تمت ترجمتها إلى خطوات وإحراءات سياسية وتشريعات جريئة حددت محتوى سياسيا واجتماعياً-اقتصادياً يختلف جوهريا عن النظام الملكي.
فالغاء المعاهدات الاستعمارية مع بريطانيا والخروج من حلف بغداد ومن المنطقة الاسترلينية، حقق للعراق الاستقلال السياسي الناجز والتحرر من هيمنة الاستعمار البريطاني على مقدراته، وتوفرت له الامكانية أن يرسم السياسات واتخاذ المواقف على الصعيد الدولي انطلاقا من المصالح والاعتبارات الوطنية حصراً، وتجلى ذلك في اعتماد العراق لسياسة الحياد الايجابي ودعم نضال قوى التحرر العربية. وهو ما اعتبره الغرب تهديدا خطيرا لمصالحهم الإستراتيجية يشكل مثالا قد يدفع شعوب البلدان الأخرى في المنطقة، وخصوصاً في الدول العربية النفطية إلى الحذو حذوه.
وإذا كان أهم عناصر توصيف الثورة هو تغيير طبيعة القاعدة الاجتماعية-الطبقية للسلطة والدولة ، فان تشريع قانون الاصلاح الزراعي الذي انتزع القسم الأكبر من الأراضي الزراعية من قبضة كبار الملاكين وتوزيعها على صغار الفلاحين، والغاء قانون العشائر قد سددا ضربة قاصمة إلى السلطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكبار الملاكين وشبه الاقطاع الذين كان النظام الملكي يسهر على تطمينها. ولم تستطع هذه القوى الاجتماعية والطبقية استرجاع مواقعها حتى بعد انتكاسة الثورة والارتداد عن نهجها. فاحداث 14 تموز وما تلاها خلال الاشهر اللاحقة اكدت انتقال المفاتيح الأساسية للحكم إلى يد قيادات عسكرية ومدنية تنتمي اجتماعيا إلى الفئات الوسطى، والشرائح الدنيا، وعبرت عن مصالح تلك الفئات في السياسات والمواقف التي اعتمدها الحكم الجمهوري الجديد.
وعلى الصعيد الاجتماعي ، كان للتشريعات وللحريات التي اطلقت ، خاصة في العام الأول من العهد الجمهوري، دور تحرري وتحديثي تركت بصمات وآثارا عميقة على التطورات اللاحقة في المجتمع العراقي، كان ابرزها اصدار قانون الأحوال الشخصية رقم (88) لسنة 1959 والذي يعد من القوانين العصرية المتقدمة والذي تطالب الحركات النسوية الديمقراطية اليوم بالعودة اليه مع بعض التعديلات. وما هو جدير ايضاً بالتوقف مليا عند ابعاده وتاثيراته المجتمعية العميقة ، دخول وانغمار مئات الألوف من الناس البسطاء، رجالا ونساء، في مجال الفعل السياسي المباشر سواء عن طريق المشاركة في التظاهرات والاحتفالات الجماهيرية المختلفة التي عمت العراق، ام من خلال المساهمة والانتماء إلى العشرات من المنظمات والاتحادات والجمعيات الحزبية والمهنية والنقابية والجماهيرية والثقافية النقابية الي انبثقت اوظهرت للعلن بعد 14 تموز. وما كان لحدث انقلابي فوقي ان يستثير مثل هذا الحراك المجتمعي لولا ملامسته وتعبيره عن عمق عن حاجات وآمال وتطلعات اوسع قطاعات المجتمع.
أما على الصعيد الاقتصادي فقد تحقق استقلال العملة العراقية وفك ارتباطها بالجنيه الاسترليني وبسط السيطرة الوطنية على الثروة النفطية باصدار القانون رقم (80) لعام 1961 اتاح للعراق انتزاع 99.5% من الاراضي الواقعة تحت سيطرة شركات النفط العالمية بموجب عقود الامتياز، ومن ثم تشريع قانون شركة النفط الوطنية لتتولى عمليات الاستكشاف والتنقيب وتطوير الحقول النفطية فيها. وقد اجج هذا القانون الذي كان مقدمة حقيقية لتأميم النفط فيما بعد، الصراع مع شركات النفط الاحتكارية، ومن المرجح ان يكون احد الأسباب الرئيسة في تشديد وتكثيف خطط التآمر للاطاحة بحكم الزعيم عبد الكريم قاسم.
نخلص من هذا العرض المكثف والمختصر لأهم ملامح حدث 14 تموز وما تلاه من خطوات وانجازات، بأنه قضى على الملكية ونظامها شبه الاقطاعي، واحدث انتقالة جذرية في موقع ودور العراق الدولي والاقليمي وحرره من الدوران في فلك الأحلاف والاستراتيجية للدول الاستعمارية الكبرى المعادي لحركات التحرر الوطني العربية والعالمية. كما أنه اسس لاستقلال سياسي واقتصادي ناجز اعتبر منجزا ومكسبا وطنيا لم يجرؤ حتى الد اعداء الثورة من النيل منه علانية وصراحة. وإذا ما نظرنا للحدث في سياق النضال الوطني والديمقراطي للشعب العراقي منذ قيام الدولة العراقية الحديثة، فان 14 تموز 1958 يشكل نقطة فارقة في هذا المسار ، إذ حقق عددا من الأهداف الرئيسة التي ناضلت من اجلها الحركة الوطنية العراقية وفتح الطريق امام تحقيق اهداف وطنية وديمقراطية سياسية واجتماعية واقتصادية ارقى على صعيد الدولة والمجتمع. وبهذا المعنى فان الانقلاب العسكري صبيحة 14 تموز 1958 ، قد اطلق سلسلة تداعيات وتطورات أغنت وجذرت مضامينه وجعلت التغيير السياسي الفوقي يمتد إلى البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع ويحدث فيها تحولات ذات طابع ثوري.
فاين تكمن الإشكالية إذاً؟ لا شك في المآل الماساوي للثورة وللضربات الدموية الجسيمة التي لحقت بالقوى والحركات الوطنية والديمقراطية في اعقاب انقلاب 8 شباط الأسود، وانهيار العديد من منجزات اثورة، وتوالي الانظمة العسكرية وشبه العسكرية الاستبدادية على حكم العراق حتى 2003 وما سببته من مآس ومعاناة لشعبنا ومن تراجع وارتداد على مختلف الصعد، يكاد يمثل تراجعا حضاريا. وثمة من يقيم علاقة سببية بين "انقلاب" 14 تموز والمسار اللاحق للاحداث والتطورات، ويخلص إلى الاستنتاج بان العسكر ربما اجهضوا امكانية التطور السلمي نحو ملكية دستورية ديمقراطية، وتعقد المقارنات مع تجربة الملكية في الاردن والمغرب. وهناك من يؤاخذ مؤيدي ثورة تموز على المبالغة في تقييم انجازاتها غير الراسخة، وفي التقليل من اهمية اقامة المؤسسات الدستورية الديمقراطية الضامنة للحريات، وأن سمة التفرد في الحكم والتضييق على حريات التنظيم السياسي والنقابي والمهني وحرية التعبير شكلت ملمحاً رئيسا لحكم عبد الكريم القاسم.
لا اختلاف في حقيقة الظواهر والأحداث المؤشرة، ولكنها لا تنزع صفة الثورة عن الحدث .لا شك ان قيادة الثورة شاب مسيرتها ومواقفها التردد ، وتنامت لديها النزعة الفردية والاستئثار بالحكم والميل إلى استثمار تناقضات وصراعات الاحزاب الوطنية ، دون الانتقاص من مسؤولية القوى التي اختارت التعاون والتنسيق مع اعداء الثورة في الداخل والخارج. ولكن ثمة حقائق لا يمكن اغفالها، منها العزلة الشعبية للنظام الملكي، وحالة الفقر والبؤس التي تعيشها غالبية الشعب، وخصوصا الفلاحين الذين يمثلون اكثر من 70% من السكان . فهم يخضعون إلى علاقة استرقاقية مع الملاكين ، ويعاني المجتمع من استقطاب اجتماعي وطبقي وتفاوت شديد في الثروة ، وخاصة في الريف حيث يملك 88% من الفلاحين اقل من 6.5% من الأراضي ، والجزء الأعظم من المتبقي تستحوذ عليه حفنة صغيرة من كبار الملاكين ورؤساء العشائر. كما تسود الامية والجهل، حيث قدرت نسبة الأمية بحوالي 96% في المدينة وساحقة في الريف.
وتجدر الاشارة ايضا إلى: ان احتمالات التطور الوطني الديمقراطي السلمي في ظل الملكية قد انحسرت مع غياب الملك فيصل ، ولاحقا مع استعانة الملكية بالقوات البريطانية للقضاء على حركة 1941. اضافة إلى ذلك، فان القمع الشديد لأي شكل من أشكال المعارضة، والتزييف السافر للانتخابات النيابية والتضييق على مساحات وفضاءات الحرية والتعددية، اقصى عمليا امكانية التغيير السلمي، إذ سادت فترات الاحكام العرفية معظم مرحلة الحكم الملكي .
من جانب آخر، ليس غريبا في التاريخ ان يعقب تغييرا ثوريا مراحل من عدم الاستقرار والتراجع وعودة قوى مناهضة للثورة دون ان يلغي ذلك المنحى العام للتطور التاريخي نحو التكريس الحقوقي والمؤسسي للاهداف الرئيسة للتغيير. وغالبا ما تتم الاشارة إلى الثورة الفرنسية التي استغرقت عملية تحقيق اهدافها في اقامة نظام ديمقراطي يحترم مبادئ الحرية والاخاء والمساواة حوالي ثمانية عقود.



تعليقات الفيسبوك