محسن ابو رمضان - كاتب وباحث بشؤون التنمية والمجتمع المدني و مدير المركز العربي للتطوير الزراعي- في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: العمل الاهلي والتيار الديمقراطي في فلسطين.


محسن ابو رمضان
الحوار المتمدن - العدد: 4819 - 2015 / 5 / 27 - 11:29
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا -157 - سيكون مع الاستاذ محسن ابو رمضان - كاتب وباحث بشؤون التنمية والمجتمع المدني و مدير المركز العربي للتطوير الزراعي-  حول: العمل الاهلي والتيار الديمقراطي في فلسطين.


أولاً : يعالج هذا المبحث " المكثف " مسيرة تطور المنظمات الأهلية ذات الوجهة الديمقراطية والتنموية بصورة رئيسية علماً بأن هناك العديد من المنظمات الأهلية المرتبطة بالحزب السياسي المسيطر على المنظمة والسلطة " فتح " وهناك منظمات تابعة لحركات الاسلام السياسي " حماس والجهاد الاسلامي " وهناك منظمات مستقلة .
وعليه فإن المبحث لا يعتبر كافة المنظمات ذات رؤية فكرية أو اجتماعية واحدة ، بما انها متعددة ، ولكنه مهتم بصورة رئيسية بدور المنظمات الأهلية بوصفها جزء من نسيج المجتمع المدني الأوسع ذات الوجهة الديمقراطية والتنويرية والتي تسعى باتجاه العدالة الاجتماعية وضمان حقوق الفقراء والمهمشين.


1. نشأة وتكوين العمل الأهلي بين الطوعية والمهنية :-

نشأت المنظمات الأهلية الحديثة في فلسطين في نهاية السبعينات من القرن الماضي حيث انبثقت من لجان العمل الطوعي التي أسستها القوى اليسارية المتعددة كوسيلة للحشد عبر التعبئة والتنظيم ، والتصدي للاحتلال، ولتعزيز العلاقة مع الفئات الاجتماعية المتضررة لإسنادهم وتعزيز صمودهم وفي المقدمة منهم المزارعين الذين كانوا وما زالو يتعرضوا لعمليات بشعة من الاحتلال باتجاه نزع علاقتهم بالأرض من خلال سياسة مصادرة الاراضي والاستيطان اضافة إلى هجمات المستوطنين عليهم في موسم قطف الزيتون وكان للجامعات ذات البعد التنويري دوراً هاماً في ارساء اسس العمل الطوعي وخاصة جامعة بيرزيت التي لعبت دوراً ريادياً في ترسيخ هذه الثقافة وتشجيعها بين الشباب بهدف تأسيس العديد من اللجان الطوعية والتي كان ينظر لها الاحتلال بقلق كانوية للتأطير والحشد الشعبي ، وقد انبثق من هذه اللجان بعض اللجان المتخصصة والتي اصبحت تعمل إلى جانب المزارعين أو في المجال الصحي أو الشبابي أو النسوي .
لقد تزامن ذلك مع سيادة مناخات بالضفة والقطاع لتعزيز العمل الجماهيري والكفاحي في مواجهة الاحتلال ومشروع الإدارة الذاتية .
أخذت هذه اللجان " المتخصصة" الطابع المؤسساتي ابان الانتفاضة الشعبية الكبرى 87 – 93 وبعد تأسيس السلطة في عام 94 أي بعد توقيع اتفاق اوسلو .
نظرت المنظمات الاهلية إلى المرحلة السياسية الجديدة بما أنها مرحلة تتداخل بها المهمات التحررية الوطنية مع المهمات الديمقراطية وبالوقت الذي كانت تمارس التنمية من اجل الصمود ابان الانتفاضة الكبرى عبر مشاريع الاقتصاد المنزلي وغيرها ، عملت بعد عام 94 تحت شعار التنمية من اجل البناء وصيانة مضمون البناء، حيث ان مرحلة تأسيس السلطة كانت بحاجة إلى بناء مؤسساتي سليم يستند إلى الحكم الديمقراطي الرشيد المبنى على الفصل بين السلطات وسيادة القانون واحترام الحريات العامة ، الأمر الذي دفع تلك المنظمات ذات الجذور الديمقراطية والتنويرية إلى العمل باتجاه توسيع المساحة الديمقراطية ومنع الانتهاكات لحقوق الانسان من جهة وباتجاه ارساء تشريعات وقوانين وسياسات مناصرة لصالح الفقراء والمهمشين والضعفاء من جهة ثانية على قاعدة تعزيز دور " الدولة " بالحماية الاجتماعية بدلاً من آليات السوق ومنهجية الخصخصة ذات الطبيعة الليبرالية الجديدة .


2. عملت المنظمات الأهلية على المحاور الوطنية عبر فضح ممارسات الاحتلال واستقطاب أوسع حملة لقوى التضامن الشعبي الدولي وتعزيز العلاقة مع تلك القوى في بلدانها، كما عملت على المحور الديمقراطي عبر دفاعها عن الحريات العامة ورفضها لمحكمة امن الدولة ولنهج الاعتقالات السياسية والاستدعاءات والقيود على حرية الراي والتعبير والحق في تكوين الجمعيات والتجمع السلمي ، وحرية العمل السياسي والنقابي .
كما ناهضت الفساد وهدر المال العام وتمركز السلطة وتشكيل النخب والاحتكارات المستفيدة من النفوذ على حساب السواد الأعظم من المواطنين وساهمت بالنقاش بصورة جادة باتجاه ضرورة تحقيق الاصلاح ووضع الانسان المناسب في المكان المناسب ، مؤمنة بأهمية أن تعطى السلطة النموذج بالحكم المبنى على الشفافية والحكم الديمقراطي الرشيد الذي تتاح به آليات المشاركة والمسائلة والمحاسبة بوصف هذا الحكم ضروري وهام إذا كان ديمقراطياً رشيداً في تعزيز الصمود وفي تمكين شعبنا لنيل حقه بالتحرر والاستقلال والعودة .
وبالوقت الذي حافظ معظم قوام العمل الأهلي على طبيعته الديمقراطية والطوعية المنحازة للفقراء إلا أنه برز به بعض المظاهر السلبية أبرزها تشكل بعض الحالات النخبوية التي تتقاضى رواتب عالية واصبحت منعزلة عن الجماهير وقطاعاتها الشعبية ، وتحتكر المؤتمرات والسفريات و علاقات النخب من الدول سواءً بالاقليم أو في بلدان العالم الأمر الذي أضعف وبهت من علاقاتها مع الجماهير وكذلك اضعف من مصداقيتها ومكانتها ، حيث ان تلك الرموز قد جعلت الشارع وأمام ماكنة التضليل الاعلامي الممارسة يضع الجميع أي " السلطة والمجتمع المدني " في دائرة واحدة عنوانها " تحقيق المنافع والنفوذ " باسم المصلحة والخير العام ، رغم ان تلك الرموز والنوعيات ليست هي الطاغية في بنية وتركيبة العمل الاهلي الذي استطاع الحفاظ على ذاته نسبياً كنموذج للحكم السليم والديمقراطي والمرتبط بصورة جدلية بحقوق الفقراء وبرسالته التحررية الوطنية ايضاً .


3. جرت الانتخابات النيابية الثانية في الضفة والقطاع والقدس في 25/ يناير/2006 ، وبدلاً من ان تكون مدخلاً باتجاه وحدة النسيج السياسي والاجتماعي واطاراً للحفاظ على التعددية السياسية ومظهراً لإدارة الاختلاف بصورة حضارية وسلمية قادت بسبب غياب الاتفاق على عقد سياسي واجتماعي ببنية النظام السياسي إلى حالة من الاحتقان ثم الاقتتال الذي ادى إلى الانقسام والذي حصل في منتصف حزيران / 2007 ، من حيث سيطرة حركة حماس على مقاليد الحكم في قطاع غزة وسيطرة حركة فتح على الحكم بالضفة الغربية .
إن تشكيل حكومتين مختلفتين وبإدارة حزبين كل منهما مختلف بالرؤية الأيديولوجية والسياسية والاجتماعية ادى إلى تقويض وحدة المؤسسة الوطنية الفلسطينية الجامعة خاصة في ظل عدم ادماج كافة القوى السياسية في تركيبة م.ت.ف التي بقيت مسيطر عليها من حركة فتح بصورة رئيسية وبمشاركة فصائل م.ت.ف ولكن دون مشاركة حركتي حماس والجهاد الاسلامي .
لقد انعكست حالة الانقسام على جميع مناحي الحياة وفي المقدمة من ذلك على الحريات العامة التي تعرضت إلى عمليات منهجية من التقويض والتبديد والتفتيت الذاتي عبر سلسلة من القوانين والقرارات التي أصدرتها حركة حماس في قطاع غزة سواءً عبر كتلة الاصلاح والتغير التابعة لها ولكن دون مشاركة باقي الكتل البرلمانية دون توقيع الرئيس عليها إلى جانب سلسلة القرارات الصادرة عن الحكومة ، أو عبر ما تم اصداره من قرارات بقوة القانون من قبل الرئيس ودون مصادرة المجلس التشريعي عليها حيث عملت كل من القرارات والقوانين على المس بالحق في تكوين الجمعيات والتجمع السلمي والتعددية السياسية والنقابية والراي والتعبير وهذا ما حدث في كل من الضفة والقطاع .
عملت المنظمات الأهلية على رصد هذه الانتهاكات وصياغة عدة مذكرات قانونية رفعتها لصناع القرار بالحكومتين ، كما نظمت سلسلة من ورش العمل واللقاءات المفتوحة بهدف كشف مخاطر تلك القوانين والقرارات ، وذلك بهدف التأثير بالحيز العام حتى لا يدفع المواطنين ثمن الانقسام المبنى على الفئوية السياسية والتزاحم على النفوذ والثروة في اطار الصراع على سلطة الحكم الإداري الذاتي .


4. أدركت المنظمات الأهلية طبيعة الحلقة المركزية بما اننا ما زلنا نمر في مرحلة التحرر والديمقراطي والتي تكمن في ضرورة انهاء الانقسام ليس كخيار من الخيارات ، لكن بوصفه ضرورة وطنية على طريق ليس فقط تحقيق المصالحة بل ايضاً تحقيق الوحدة الوطنية على قاعدة من الشراكة والديمقراطية والتعددية في اطار وحدة النظام السياسي الفلسطيني ، الذي من الهام ان يعاد بناءه وتطويره عبر عنوانه وبيته المعنوي المجسد ب م . ت .ف كمعبرة عن الهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة .
وعليه فقد استطاعت ان تتكتل مع القوى التي تقع خارج دائرة حركتي فتح وحماس وشكلت ائتلاف نظمت من خلاله حملة في عام 2010 اسمتها " الحملة الوطنية لانهاء الانقسام وصيانة الحريات العامة " .
ولقد لعب هذا الائتلاف دوراً مركزياً بالتوعية والتعبئة والتحشيد وعملت على تنظيم ورش العمل واللقاءات الموسعة والمؤتمرات باتجاه رفع صوت الاغلبية الواسعة والمتضررة من حالة الانقسام ، وقد كان لهذا الائتلاف الدور البارز في استنهاض الحراك الشامل الذي تم في تلك الفترة في كل من القطاع والضفة تحت شعار " الشعب يريد انهاء الانقسام " استلهاماً لتجربة الحراكات الشعبية العربية حيث عمل هذا الحراك الشعبي الذي نظم في 15/3/2010 .
رغم قدرة الحكومتين في غزة والضفة على استيعابه وتحجيمه إلا أنه ساهم في اسراع كل من حركتي فتح وحماس بتوقيع اتفاق القاهرة في 4/5/2010 والذي بلور آليات لتنفيذ المصالحة عبر تفعيل الاطار القيادي المؤقت ل .م .ت.ف، بتشكيل حكومة وفاق وطني تحضر للانتخابات وتنفذ عملية إعادة اعمار قطاع غزة الناتجة عن الحصار الاحتلالي وعن العمليات العسكرية العدوانية الواسعة التي نفذتها بحق ابناء شعبنا في اطار جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية ، إلا ان هذا الائتلاف لم يستمر للعديد من الاسباب أبرزها عدم تبلور قرار وإرادة من ذات القوى التي تقع خارج دائرة حركتي فتح وحماس بضرورة التواصل والاستمرارية إلى جانب التباينات الفئوية بين احزاب اليسار ذاتها والتي تعتبر المكون الابرز لهذا التيار بالاضافة إلى بروز بعض الاصوات من العمل الاهلي التي تردد اهمية الفرز ما بين السياسي من جهة وبينه الحقوقي او التنموي من جهة اخرى تحت شعار المهنية والذي يدعو إلى ابتعاد المنظمات الأهلية عن العمل السياسي المباشر الذي يعتبر من تخصص "الاحزاب" ، علماً بأنه لا يوجد سور صيني عظيم يفصل العمل الحقوقي والاهلي عن السياسي ، بما أن المرحلة التي يعيشها الفلسطينيين ما زالت تعتبر مرحلة تحرر وطني وديمقراطي بما يعنى استمرارية وهيمنة وتأثير البعد السياسي وقوة ثقله وهيمنته ايضاً في اطار التداخل بين المهمات الوطنية و " السياسية " من جهة و" التنموية والحقوقية والديمقراطية " من جهة ثانية .
إذا أرادت المنظمات الأهلية " ديمقراطية التوجة " ان تعلب دوراً مؤثراً بالمسار الوطني والاجتماعي الفلسطيني فعليها العودة إلى الجذور أي إلى قيم الطوعية والتضامن والانحياز لمصالح الفقراء والمهمشين الامر الذي يعنى أهمية التحرر من النخبوية ومن تأثير فلسفة الليبرالية الجديدة على أجندة التمويل الدولية من جهة ثانية ، كما عليها الجمع بين الوطني والحقوقي .
تستطيع المنظمات الأهلية العمل على تحفيز الرياديين من القطاعات الاجتماعية المختلفة باتجاه تأسيس حركات اجتماعية ديمقراطية ، ضمن فلسفة التنمية المبنية على الحقوق وعلى قاعدة المشاركة والديمقراطية ، في مجالات الشباب والمرأة والعمال والمزارعين واصحاب الاحتياجات الخاصة حيث يتم توسيع الاطر الشعبية والديمقراطية بالوطن .
كما من الأولوية بمكان خلق الترابط العضوي ما بين المنظمات الاهلية والحركات الاجتماعية مع البعد الديمقراطي عبر الدفع باتجاه تأسيس تيار ديمقراطي تقدمي بالمجتمع يتبنى الرؤية الوطنية والرسالة التنموية البعيدة عن الخصخصة وآليات السوق والليبرالية الجديدة بل يدفع باتجاه برامج الحماية والعدالة الاجتماعية إلى جانب منع الانتهاكات لحقوق الانسان وزيادة مساحة الديمقراطية بالمجتمع .

1. دور المنظمات الاهلية في مناهضة الانقسام :-


لعبت المنظمات الاهلية العديد من الأدوار في مواجهة الانقسام إدراكاً منها أن استمراره يشكل ربحاً للاحتلال وخسارة كبيرة للفلسطينيين ،فقد تحركت تلك المنظمات بالعديد من المحاور، منها تشكيل لجان للوساطة والتفاوض والحوار بين الحزبين المتصارعين ، ومنها تشكيل مجموعات ضغط وتأثير أبرزها تجربة شبكة المنظمات الأهلية عندما قامت عام 2010 بتأسيس تحالف واسع ضم الشبكة ومنظمات حقوق الانسان والقوى السياسية التي تقع بالمنتصف ما بين حركتي فتح وحماس وقامت بتنفيذ العديد من الفاعليات والأنشطة وحلقات النقاش والاجتماعات الموسعة واصدرت العديد من المواقف والبيانات ، وكان تتويج ذلك يتجسد بتنظيمها مؤتمر شعبي في 8/3/2011 في قاعة جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في قطاع غزة تحت شعار " الشعب يريد انهاء الانقسام " توافقاً مع حالة الحراكات الشعبية العربية التي رددت جماهيرها شعار " الشعب يريد اسقاط النظام "، ولما كانت الحالة الفلسطينية لها خصوصيتها بما أن شعبنا ما زال يمر في مرحلة التحرر الوطني وهو لا يحظى بنظام سياسي مستقر اسوة بالعديد من البلدان العربية وبلدان العالم ، فقد كان الشعار الأنسب بالحالة الفلسطينية يتجسد " بالشعب يريد انهاء الانقسام " حيث ان المصالحة والوحدة هي الصخرة التي تتحطم عليها كل المؤامرات وهي قانون الانتصار للشعوب خاصة تلك التي تخوض النضال من اجل التحرير وانهاء الاحتلال كالحالة الفلسطينية .
لقد اثر المؤتمر بالتحركات الشبابية التي قامت بالتحضير لتنفيذ فاعليات شعبية واسعة يوم 15/3 تحت ذات الشعار " الشعب يريد إنهاء الانقسام " ، ورغم ان كل من حكومتي فتح " الضفة " وحماس " غزة " استطاعت تحجيم هذا الحراك إلا أنه كان لها تأثيراً كبيراً على القوتين الرئيسيتين الأمر الذي سرع من عقد اتفاق القاهرة في 4/5/2011 بالقاهرة والذي توصل إلى التالي :-


أ‌. تشكيل الإطار القيادي المؤقت ل م .ت .ف .
ب‌. تشكيل حكومة كفاءات وطنية .
ت‌. الشروع في عملية تنفيذ إعادة اعمار قطاع غزة .
ث‌. اعتماد وثيقة الوفاق الوطني كقاعدة للعمل السياسي والوطني الفلسطيني .
ج‌. عقد اجتماع للجنتي الحريات العامة والمصالحة المجتمعية وتنفيذ توصياتهما .
ح‌. حل مشكلة الموظفين ودمجهم بالوظيفة العمومية على قاعدة تضمن حقوق الجميع .
خ‌. التحضير لإجراء الانتخابات لكل من الرئاسة والمجلس التشريعي والمجلس الوطني .
وبسبب معاناة منظمات العمل الأهلي الناتجة عن حالة تحجيم الحريات العامة بما في ذلك الحق بالرأي والتعبير والتجمع السلمي والحق في تكوين الجمعيات ، أدركت هذه المنظمات أهمية إعادة الديمقراطية المفقودة بالحقل السياسي الفلسطيني ، خاصة إذا أدركنا ان حركة حماس وحكومتها في غزة اصدرت سلسلة من القوانين والقرارات التي عملت على تحجيم الحق في تكوين الجمعيات بما ساهم بالسيطرة على العديد منها وإغلاق البعض الآخر، وبالمقابل قامت حكومة الرئيس محمود عباس بالضفة الغربية باتخاذ إجراءات مماثلة بحق الجمعيات الأهلية التابعة لكل من حركتي حماس والجهاد الاسلامي ،والتي عملت على اغلاق العديد منها إلى جانب اتباع اجراءات أمنية مثل " السلامة الأمنية " أو " حسن السير والسلوك " كشرط للدخول بالوظيفة العمومية هذا بالوقت الذي جرى التوظيف بقطاع الوظيفة العمومية بقطاع غزة على قاعدة الولاء أو الاقتراب من حركة حماس .
لقد ادى الانقسام إلى تعريض الجمعيات الاهلية لسلسلة من الاجراءات والمضايقات ، والقرارات بهدف الهيمنة على دور العمل الأهلي وتقليص مساحة الصوت الآخر الديمقراطي وتقليص حالة الحريات العامة بل اللجوء للانتهاكات من خلال ظاهرة الاعتقالات السياسية والاستدعاءات الأمر الذي خلق اجواء من السيطرة والتحكم لدى الحكومتين غزة والضفة تتنافى مع ما هو وارد بالقانون الاساسي الذي يؤكد على الحق باحترام الحريات والراي التعبير والتجمع السلمي والتعددية السياسية ، وكذلك الحق في تكوين الجمعيات والنقابات .
لقد أثرت تلك الأجواء على دور المنظمات الأهلية التي أصبح همها الرئيسي البقاء والاستمرار في مواجهة سلسلة الاجراءات والمعيقات ، حيث أن الشرط لقيام العمل الأهلي بدورة ووظائفه المحددة يكمن بتوفير مناخات من الحرية والديمقراطية الأمر الذي تراجع بصورة كبيرة وبسبب الانقسام الذي يعتبر اسوء ما أفرزه حالة التحكم والسيطرة وتقليص مساحة الديمقراطية .
وعليه فإن الأدوار التي قامت بها منظمات العمل الاهلي عبر البيانات وورش العمل والمؤتمرات وتنظيم اللقاءات وتشكيل الائتلافات كان مناسباً في ظل اجواء السيطرة والسطوة الأمنية الممارسة من قبل الحكومتين في ظل تخوفهما أي الحكومتين لقيام أنصار الطرف الآخر بتنظيم أنشطة وفاعليات قد تؤدي إلى تقويض الحكم بالمنطقة المحددة ، حيث ان السيطرة على الحكم كان المبرر وراء حالة السيطرة الأمنية والتحكم السياسي والإداري بما يقلص إلى درجة كبيرة حالة الحريات العامة واضعاف دور المجتمع المدني للقيام بدوره المنوط به خاصة في مجال التأثير بالحيز العام .
كما عانت المنظمات الأهلية من حالة الانقسام وتداعياتها السلبية فيما يتعلق بالحريات العامة ولكنها عانت أيضاً من سيطرة المنظمات الدولية غير الحكومية والتي انتشرت بصورة كبيرة في قطاع غزة واصبح عددها لا يقل عن 80 منظمة خاصة به عدوان 2008 – 2009 ، واتخذت تلك المنظمات سياسة السيطرة والهيمنة وتنفيذ المشاريع بصورة مباشرة ومنافسة المنظمات الأهلية المحلية على نفس مصادر التمويل حيث اسست تلك الممارسات لسياسة الاحلال والاستبدال "Replacement Policy "، بحق المنظمات الأهلية غير الحكومية ، حيث أثر نقص التمويل الخاص بالمنظمات الأهلية على فرص عملها وفاعلياتها ، وهذا لا يلغى ان تلك المنظمات انشدت وانشغلت بأمور تسيير الذات على حساب العلاقة التي يجب أن تكون وثيقة وعضوية مع الفئات الاجتماعية المهمشة والضعيفة بما ترابط ايضاً مع تشكيل النخب من بعض من نشطاء العمل الأهلي الامر الذي خلق هوة واسعة ما بين تلك النخب التي تمتعت بامتيازات ومكتسبات مالية ومكانية، واعتيادية بما دفعها لعدم الاستعداد لخوض الصراع بصورة كبيرة جنباً إلى جنب من الفقراء والمهمشين في سبيل بناء نظام سياسي فلسطيني ديمقراطي تعددي وعقد اجتماعي مبنى على فكرة المواطنة المتساوية والمتكافئة ، علماً بأن أحد الآراء التي كانت وراء هذا التوجه " النخبوي " يتجسد بان المنظمات الأهلية ليست ذات وظيفة سياسية تعبوية بل وظيفة حقوقية واجتماعية الأمر الذي فصل العلاقة ما بين السياسي والاجتماعي أو المدني علماً بأن المسألتين مترابطتين بصورة كبيرة.
إلا أنه يبقى هذا الطرح والتساؤل مشروعاً بالعلاقة ما بين السياسي والحقوقي والمدني ، الأمر الذي يستلزم تحقيق ائتلافات مبنية على الشراكة خاصة بالقضايا الحقوقية والتنموية والديمقراطية ما بين بعض الفاعليات السياسية التي تؤمن بهذه الوجهة وما بين منظمات العمل الأهلي ذات الرؤية الديمقراطية والتنموية المبنية على الدفاع عن مصالح الفقراء .


2. رؤية المنظمات الأهلية تجاه انتهاج مسار سياسي جديد :-
لا يمكن وضع المنظمات الأهلية في سلة واحدة فهناك اختلاف في اصول ورؤى تلك المنظمات فمنها من هو مستقل وآخر له علاقة مع بعض الأحزاب السياسية اليسارية والديمقراطية والآخر يتبع حركة حماس أو الجهاد ، ولكن الاطار الأكثر تنظيماً يتجسد بشبكة المنظمات الأهلية والتي تعتبر اكبر تجمع للمنظمات الأهلية ذات الرؤية الديمقراطية والتنموية والساعية باتجاه تحقيق مجتمع مدني ديمقراطي يرتكز على سيادة القانون والفصل بين السلطات واحترام الحريات العامة كما تنص رؤيتها ورسالتها .
وبالرغم من الطابع المتبلور للشبكة إلا أنه يوجد بها تباينات ايضاً بالرؤى فيما يتعلق بالأمور السياسية المباشرة رغم اتفاقها بالقضايا التنموية والديمقراطية والحقوقية العامة على قاعدة ضمان الحكم الرشيد وسيادة القانون ، فالعمل الاهلي على تماس مع السياسة ولكن ليس له علاقة مباشرة به ، حيث أن تلك العلاقة المباشرة من اختصاص الأحزاب السياسية بصورة رئيسية ، إلا أن المنظمات الأهلية وبغض النظر عن التباينات بينها اصبحت تتشكل لديه قناعة بأهمية إجراء مراجعة لمسيرة العمل السياسي الوطني ابتداءً من اتفاق اوسلو وبروتوكول باريس الاقتصادي ، خاصة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية في 4/5/1999 والتي لم تفض إلى التحول إلى دولة ذات سيادة إلى جانب تركيز دولة الاحتلال على التعامل مع السلطة بوصفها تدير شؤون السكان وتؤدي وظيفة أمنية بالدرجة الاساسية ، الامر الذي افقد مبرر وجودها الذي كان يرمي إلى تحويلها هي ومؤسساتها التشريعية والقضائية والتنفيذية إلى دولة ذات سيادة كجزء من الحق في تقرير المصير ، كما بات واضحاً أن استمرارية الرهان على مسار المفاوضات وصل ايضاً إلى طريق مسدود حيث استغلته اسرائيل لفرض الوقائع على الأرض عبر تكثيف الاستيطان وتهويد القدس وإقامة جدار الفصل العنصري وتحويل الوطن الفلسطيني إلى معازل وبانتوستانات معزولة عن بعضها البعض إلى جانب الأمعان في عزل وحصار قطاع غزة ، الامر الذي قوض من فرص وامكانيات إقامة الدولة المستقلة .
بالوقت الذي يشكل وعياً شبه جماعياً لدى نشطاء المجتمع المدني ومنظماتهم المختلفة بأهمية مغادرة مربع المفاوضات ، تشكلت قناعة مماثلة بأهمية مراجعة أشكال النضال ، لتحديد من هو المجدي والاكثر فائدة لتحقيق أهداف شعبنا بالحرية والاستقلال خاصة بعد ثلاثة عمليات عسكرية عدوانية شنتها قوات الاحتلال بحق شعبنا بالقطاع 2008 -2009 ،2012،2014 ، استشهد خلالها الآلاف وجرح الآلاف وتم تدمير البنية التحتية والمرافق الانتاجية والبنية المؤسساتية ، وتم تحويل القطاع إلى حالة اغاثية وانسانية عبر تلقي المعونة ضمن ارتفاع غير مسبوق لمعدلات الفقر والبطالة ، الأمر الذي يستلزم مراجعة مسيرة المقاومة بإيجابياتها وبدورها البطولي والتضحوي وبالنتائج السياسية ايضاً، حيث ما زال الحصار والاغلاق مستمراً بحق القطاع ، كما ما زال الاحتلال مستمراً بفرض اجراءاته القمعية في كل من الضفة والقطاع والقدس .
وبغض النظر عن السلبيات بالمشهد الفلسطيني من حيث تمدد المشروع الاحتلالي والعنصري ، وتراجع فرص تحقيق أهداف شعبنا ،فإن هناك بعض الخطوات الايجابية التي تدرك المنظمات الأهلية مدى أهميتها وجديتها ، والتي من الممكن ان تساهم في تعديل المسار على طريق تغييره ، من تلك الخطوات قبول فلسطين دولة غير عضو بالأمم المتحدة في 29/11/2012 ، والانضمام إلى المواثيق والمعاهدات الدولية ومنها التوقيع على ميثاق روما المنشأ لمحكمة الجنايات الدولية ، بالاضافة إلى تنامي حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض عقوبات على دولة الاحتلال بما سيساهم في عزل دولة الاحتلال بوصفها دولة استعمار واستيطان وتميز عنصري اسوة بنموذج دولة جنوب افريقيا، إلى جانب تنامي حدة فاعليات المقاومة الشعبية خاصة في مناطق الاحتكاك الموجودة عند جدار الفصل العنصري مثل قرى بلعين ونعلين والمعصرة أو أماكن تجمع المستوطنات ، رغم استمرار طابعها غير العميق او الواسع شعبياً .


إلا أنه لا يمكن استثمار بعض الايجابيات في ظل استمرار الانقسام وغياب تحقيق الوحدة الوطنية التي تعتبر شرطاً رئيسياً لاية حركة تحرر وطني بالعالم وخاصة بالحالة الفلسطينية للصمود والاستمرار من اجل استكمال مهام الكفاح الوطني على طريق التحرير والعودة ، فما زال هناك تهميش لمؤسسات م .ت.ف وعدم عقد الاطار القيادي المؤقت ل م.ت.ف ، حيث اصبحت مؤسسات المنظمة وخاصة اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي تستخدمان من قبل الرئيس محمود عباس لأهداف سياسية وقتية وتكتيكية .
كما تعطل المسار الديمقراطي بسبب الانقسام ، حيث اصبح المجلس التشريعي يستخدم من قبل كتلة الاصلاح والتغيير التابعة لحركة حماس لاعتماد قوانين وصلت إلى أكثر من 50 قانون دون مشاركة الكتل البرلمانية الاخرى ودون مصادقة الرئيس عليها، كما قام الرئيس باصدار قرارات بفعل القانون دون عرضها على المجلس التشريعي وصلت إلى اكثر من 70 قرار، الامر الذي خلق بنيتين تشريعيتين مختلفتين عن بعضهما البعض ، بما ساهم في تكريس الانقسام وهدد بتحويله إلى انفصال تام ، علماً بأن القوانين والقرارات بنيت على قاعدة الانقسام ولا تساهم في بلورة منظومة تشريعية موحدة وتعبر عن تطلعات وحقوق الفئات الاجتماعية المهمشة ، وكذلك فيما يتعلق بالمجال الحقوقي والديمقراطي ، حيث تعرضت المكتسبات الديمقراطية للتبديد والتراجع بل التقويض بسبب استمرار حالة الانقسام ورغبة كل طرف بالتحكم والسيطرة على مقاليد السلطة كل في منطقته .
من الهام اعادة تعريف المرحلة بما أنها مرحلة تحرر وطني وديمقراطي الأمر الذي يستلزم إعادة بناء الهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة والمجسدة ب م.ت.ف ، ومؤسساتها التمثيلية والنقابية وبهدف خلق الروابط الجمعية لمكونات الشعب الفلسطيني بهدف حشد كافة القطاعات في معركة التحرر الوطني الأمر الذي يتطلب إعادة بناء م. ت,ف على أسس من الشراكة والديمقراطية والتعددية وفق رؤية إستراتيجية متوافق عليها .

لقد كانت واحدة من عناصر القوة لدى تيار الاسلام السياسي يكمن بقدرته على نشر مجموعة واسعة من المنظمات والجمعيات الخيرية التابعه له ، والتي استطاع عبرها من تقديم الخدمة للفئات الاجتماعية الواسعة و التأثير عليها وتأطيرها ليصب جهدها سواء التنموي أو الخدماتي في رفد الحركة السياسية الأم بالعناصر عبر حشدها وتأطيرها لصالح تيار الاسلام السياسي ولكن لا تستطيع المنظمات الأهلية المساهمة في بلورة التيار الديمقراطي دون قدرتها على اعطاء نموذج بالحكم الرشيد وبالمشاركة وبإعادة التواصل والترابط مع الفئات الاجتماعية المهمشة ، وكذلك بقدرتها على التأثير بأجندة الممولين لتصبح منسجمة مع الأولوية التنموية الوطنية وبرفض ومناهضة التمويل المشروط وبرامج التطبيع وغيرها من المشاريع الضارة بحقوق شعبنا وغير المنحازة لثوابته الوطنية ، وكذلك بقدرتها على تنظيم العلاقة وتعزيزها مع قوى التضامن الشعبي الدولي وانخراطها في حركة المقاطعة BDS وتحقيق التمويل التضامني في اطار توثيق العلاقة مع قوى التضامن الشعبي الدولي والعمل على استنهاضها في مواجهة الاحتلال بدلاً من التمويل الرسمي ذو الأهداف السياسية .
لقد اشارت التجربة بان الابتعاد المتبادل بين العمل الاهلي و الأحزاب اليسارية والديمقراطية كان ضاراً بالطرفين ، وإن خلق علاقة تنسيق على طريق بناء تيار ديمقراطي يشكل الأولوية في هذه المرحلة ، حتى يساهم هذا التيار بوضع حد للاستقطاب الحاد بين الحركتين الرئيسيتين فتح وحماس ، وينهج منهجاً جديداً يجدد الأمل للاجيال القادمة باتجاه مستقبل واعد لوطن حر وشعب سعيد .
وكما هو مطلوباً من المنظمات الأهلية " ديمقراطية التوجه " العديد من الإجراءات والخطوات باتجاه العودة للجذور وتعزيز روح العمل الطوعي وتمكين العلاقة مع الفئات الاجتماعية المهمشة والضعيفة والابتعاد عن أجندة الليبرالية الجديدة وترسيخ التمويل التضامني ، فإنه مطلوباً ايضاً من احزاب اليسار العديد من الخطوات أبرزها خلق مسافة مع البنية البيروقراطية والإدارية للسلطة وتعزيز الاستقلالية الإدارية والمالية عنها والبحث عن التمويل التضامني من القوى اليسارية العالمية وتجاوز الحالة الوظيفية والروتينية للأعضاء والانتقال للحالة الطوعية والعمل بروح الفريق والابتعاد عن الذاتية والفئوية وتجاوز الارث القديم المبنى على المنافسة وكشف عيوب الآخر من اليسار بدلاً من البحث عن القواسم المشتركة وتعزيزها معه.
إن الاستقلالية لمنظمات المجتمع المدني سواءً كانت أحزاباً أو نقابات أو منظمات أهلية تشكل شرطاً ضرورياً لا غنى عنه من أجل القدرة على انتهاج سياسة مستقلة بعيدة عن الهيمنة والتاثير من السلطة أو من جهات التمويل ، فتعزيز الاستقلالية ضرورة موضوعية لكي يتحقق التكامل ما بين العمل الأهلي والسياسي ليصب في مجرى واحد باتجاه تشكيل تيار ديمقراطي واسع وعريض ممكن اذا أخذ بعين الاعتبار الملاحظات الواردة في هذا المبحث ان يعمل على أن يشكل تياراً جديداً بدلاً لحالة الاستقطاب الحاد الذي يشهده المجتمع الفلسطينيين ما بين حركتي فتح وحماس وممكن ان يضغط على الطرفين باتجاه انهاء الانقسام وتحقيق المصالحة والوحدة الوطنية وفق رؤية سياسية كفاحية متوافق عليها تضمن حقوق شعبنا في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة ، كما تضمن تحقيق مرتكزات التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية .




تعليقات الفيسبوك