محمد بوجنال: باحث وكاتب ومناضل يساري – في حوار مفتوح مع القراء والقارئات حول : الوعي بمعنى الوجود بعبع الأنظمة العربية


محمد بوجنال
الحوار المتمدن - العدد: 4802 - 2015 / 5 / 10 - 22:47
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا -156 - سيكون مع الاستاذ  محمد بوجنال: باحث وكاتب ومناضل يساري – في حوار مفتوح مع القراء والقارئات حول : الوعي بمعنى الوجود بعبع الأنظمة العربية.




مقاربة الموضوع تقتضي منا استحضار التصدع المادي للنظام الرأسمالي الذي بدونه يستحيل فهم موضوعنا:" الوعي بمعنى الوجود بعبع الأنظمة العربية" مع طرح أهم الآليات التي تعتمدها الأنظمة تلك والتي حددناها في النظام التعليمي واللغة.

1-النظام الرأسمالي:


لقد عرفت الأنظمة الرأسمالية منذ 2008- مع استحضار ما قبلها- تصدعا اقتصاديا خاصة في المجال المالي وهو ما اقتضى تدخل الأنظمة تلك وخاصة منها الولايات المتحدة الأمريكية في شؤون وقضايا العالم العربي الذي، بفعل ثرواته المادية الثمينة،يمكن تجاوز الأزمة، ناهيك عن موقعه الجيو-سياسي. ومن هنا يفهم الرفع من تسخين السياسي بالتدخل في العراق ومصر وليبيا وسوريا واليمن، وبأشكال مؤذبة في الشؤون الداخلية لباقي الدول العربية. ومعلوم أن هذه الأنظمة الرأسمالية تستند في استغلالها ونهبها الثروات العربية لتجاوز أزماتها الاقتصادية، وخاصة منها المالية، إلى فلسفة سياسية مدروسة تنطلق من مبدأ البقاء للأقوى الذي دافع ويدافع عنه مفكروها وأيديولوجيوها. إنه منطق الضرورة، كما قال هيجل سابقا ويجسده على سبيل المثال فوكوياما حاليا أو قل أنه الضرورة العقلانية التي تقتضيها، في نظرها، قوانين السوق التي هي قوانين الطبيعة بمعنى أن هذه الأخيرة توجب، بشكل مشروع، السيطرة على الشعوب الكسولة من قبيل الشعوب العربية التي حرمتها الطبيعة من امتلاك تلك القدرة الكفيلة وحدها لبناء الحضارة. هكذا، فمقاربة النظام الرأسمالي الراهن اقتضت منا استحضار أسسها الفلسفية التي بدونها يستحيل فهم السوق الاقتصادي والبرامج السياسية للأنظمة تلك وبالتالي مختلف مؤسساتها التي تكون وتبقى محددة بفعل فلسفتها تلك. ويمكننا الإشارة بهذا الصدد إلى مواقف رئيس الولايات المتحدة الأمريكية باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري، التي تبدو في نظر قصيري بعد النظر، مواقف تتميز بالتراجع والتردد، في حين أن المواقف تلك محكومة بفلسفة سياسية مضبوطة تتمثل في الثابت الذي هو المصلحة المعقلنة والمشروعة للولايات المتحدة الأمريكية مع استدعاء واستثمار فلسفة ما بعد الحداثة المبنية على الليونة في إطار مبدأ البقاء للأقوى. ولا يفوتنا هنا تسجيل أن ضمان تحقيق تجاوز الأزمة الاقتصادية، اقتضى منها كأنظمة رأسمالية عالمية كبرى القيام بإعادة السبك الطبقي. لقد كان التقسيم الطبقي الغربي إبان مرحلة الحرب الباردة تقوده الطبقات البورجوازية الكبرى المتصارعة فيما بينها داخليا، والمتحالفة فيما بينها كلما تم تهديد مصالحها من طرف قوى المعسكر الاشتراكي؛ فكنا أمام بورجوازية كبرى أمريكية، وبورجوازية كبرى انجليزية، وبورجوازية كبرى ألمانية، وبورجوازية كبرى فرنسية؛بورجوازيات كبرى ينظم العلاقات فيما بينها قانون وقواعد الصراع. أما مرحلة ما بعد الحرب الباردة، فقد اقتضت المصلحة الاقتصادية للأنظمة الرأسمالية تلك إعادة سبك هذه الطبقات البرجوازية الكبرى في طبقة واحدة سميناها ب"البورجوازية الرأسمالية العالمية الكبرى" التي أصبحت تتكون من ثلاث فئات يحدد موقعها درجة قوتها: فداخل هذه الطبقة هناك الفئة البورجوازية الأمريكية باعتبارها الفئة المهيمنة؛ وهناك الفئة البورجوازية الانجليزية والألمانية والفرنسية باعتبارها الفئة المسيطرة؛ وهناك الفئة البورجوازية الناشئة للدول التي استقلت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي باعتبارها الفئة الوسيطة؛ أما الفئة العربية فلا يتعدى وجودها دور الوكيل. وفي مقابل هذه الطبقة البورجوازية الرأسمالية العالمية الكبرى تم التأسيس لإعادة سبك طبقي آخر تمثل في ما سميناه ب" الطبقة المقهورة العالمية الكبرى" والتي تضم كل ما تبقى من مكونات المجتمعات حيث تمت بلترة فئات الطبقة الوسطى التي لم تعد تختلف، باستثناء فئتها العليا، ماديا واجتماعيا عن غيرها من الفئات الفقيرة سوى الشكل والاستهلاك؛ وبالمجمل، اقتضت مصلحة النظام الرأسمالي إعادة السبك الطبقي الثنائي وذو الفئات المتعددة دفاعا عن مبدئه السابق الذكر: طبقة بورجوازية رأسمالية عالمية كبرى تمتلك مشروعية السيطرة على الموارد الطبيعية والبشرية، وطبقة مقهورة عالمية كبرى لا تمتلك سوى قوة عملها الجسدي والعقلي وهو تقسيم طبقي اقتضاه منطق الضرورة العقلانية في نظره كنظام رأسمالي عالمي

قلنا أن فلسفة النظام الرأسمالي السابقة الذكر انبنت وتنبني على مبدأ الاصطفاء الطبيعي الذي يعطيها مشروعية نهب ثروات الشعوب التي حرمتها الطبيعة من المستوى المطلوب للتشغيل الفعال للعقل أو قل أنها شعوب تتوفر على المستوى الأدنى من قدرات العقل. فهل المجتمع العربي هو فعلا المجتمع الذي يوجد ، طبيعيا، في المستوى الأدنى من الوجود أم أن الفلسفة تلك هي محض خطاب أيديولوجي لتبرير وإعطاء المشروعية للبورجوازية الرأسمالية العالمية الكبرى لإحكام الوصاية على الشعوب العربية وبالتالي امتلاك واستغلال ثرواتها؟
لا شك أن العالم العربي يعاني من الفوضى والحروب المصطنعة والاقتتال والتخلف والجهل؛فهذا واقع لا يمكن نكرانه. إلا أن الوضع ذاك لا يفسر بفلسفة الاصطفاء الطبيعي المباشر أو المغلف أيديولوجيا بادعاءات نشر الديموقراطية وحقوق الإنسان، بقدر ما أنه يفسر بعوامل أخرى تتمثل في التبعية والتفقير والتعرض للتسلط والتجهيل والتعنيف وبالتالي تعطيل فعالية العقل العربي. توضيح ذلك يقتضي منا تفكيك وإعادة البناء الجدلي للنقط التالية: تحديد صيغة"الوعي بمعنى الوجود" لنتمكن من فهم الفلسفة السياسية، المحكومة بالخلفية الاقتصادية، لأشكال الدولة السلبية العربية وكذا أهم آليات مكرها المتمثلة في النظام التعليمي واللغة.

2- الوعي بمعنى الوجود


نحن هنا أمام ثلاث مفاهيم أساسية للفهم النسبي للإنسان العربي: الوعي،المعنى،الوجود. "فالوعي "هو العملية العقلية التي تحصل بفعل الإنتاج باعتباره ميزة الإنسان الطبيعية والذي بفعله تتحدد نوعية علاقة الشخص بغيره وبالطبيعة؛ وعليه يستحيل حصول الوعي في غياب العمل الإنتاجي والعلاقات الاجتماعية أو قل أن الوعي مرتبط جدليا بالمحيط حيث يتم البناء وتحويل الثروات الطبيعية والاستجابة للحاجيات التي هي بالكاد العلاقات بين مكونات المجتمع؛لذا، فالوعي نظريا وممارسة، هو نتاج مستوى التطور الإنتاجي والاجتماعي وهو ما يعني استحالة وجوده خارج بنية المجتمع ما دامت العلاقة جدلية بين الوعي والممارسة؛ فالشخص، وهو بأنشطته يغير الطبيعة والمجتمع، يقوم في الآن نفسه بتغيير ذاته. تباعا لما سبق، فوعي الشخص لا يعكس الواقع الموضوعي وحسب، بل ويساهم في خلقه إنتاجا وإبداعا. وعموما، فالوعي عملية عقلية يستحيل فصلها عن العمل والإنتاج وبالتالي عن المادة. لقد تمت عرقلة المستوى المطلوب من الوعي لذى الشعوب العربية لا بسبب غضب الطبيعة، بقدر ما أن السبب ذاك يتمثل في قهر هذه الشعوب باعتماد القوة تارة، والأساليب المؤذبة تارة أخرى أو هما معا تارة ثالثة. ففلسفة الاصطفاء الطبيعي بنهجيها الصارم واللين تتناقض وفلسفة الإمكان التي هي الفلسفة المادية التاريخية في حقيقتها التي تنطلق من مبدأ أن الإنسان هو نتاج جدلية العوامل الموضوعية والذاتية وأن لا جنس على المستوى العلمي يتفوق على غيره من الأجناس.
أما المفهوم الثاني،"المعنى" فتتحدد دلالته في العلاقة بالمادة التي تتميز بالتعدد اللانهائي: تعدد يتمثل في الإشارات كالكلمة أو الرمز أو الحركة، والظواهر الطبيعية، والبنية المجتمعية المرجعية، وكذا المتغيرات العالمية.وقد تبنينا المفهوم باعتباره كل هذه التحديدات المادية وما تفرع عنها على المستوى اللغوي والمجتمعي والعالمي باعتبارها التحديدات الحاملة لقيمة وجود الإنسان العربي التي تحاربها الأنظمة العربية بإحلال الخرافة والميتافيزيقا والوصاية محلها تجنبا لتعرية زيف خطابها.
أما مفهوم "الوجود" فيتضمن مبدئيا الإمكان والاحتمال والوجود-هنا حيث تعدد المعاني الذي يعتبر ملازما لقيمة الوجود البشري لا فرق في ذلك بين الأبيض والأسمر،الإفريقي والأمريكي، الذكر والأنثى حيث أن التقاطع كان وسيكون مبدئيا هو "العمل" الذي يعني بالكاد فكرة المساواة وإرادة الانخراط الممارسة أو قل إرادة مبدأ النضال الذي لا يمكن تصور" الوجود" منفصلا عنه؛ إنه التحديد الذي يقتضي، وبالضرورة، حصول عامل" الوعي" أو قل العقل الذي هو الإبداع والإنتاج.
والربط بين هذه المفاهيم الثلاثة هو ما يشكل البعبع المخيف للأنظمة العربية لأن الربط ذاك يحمل في ذاته فكرة التحرر وامتلاك المعرفة العقلانية بحقيقة الوجود التي طالما تم تزييفها بتوظيف خطابات مؤسساتها. وقد فضلنا التعبير عن هذه الأنظمة التي هي بالكاد أنظمة فاسدة، بصيغة:" أشكال الدولة السلبية العربية" التي تتحدد مكوناتها في الأنظمة الملكية والقومية والجمهورية والأميرية وسابقا الخلافية.

3- أشكال الدولة السلبية العربية


قلنا أن أشكال الدولة السلبية العربية هي الأنظمة العربية المتسلطة المحددة في الخلافة والملكية والقومية والجمهورية والأميرية. وكل واحدة هي بمثابة رئيس الجوقة الذي يشكل وينظم ويدبر ويسير مختلف مكونات الجوقة. إنه الوضع الذي يستجيب لأهداف أشكال الدولة السلبية العربية المتمثل في ضرورة حماية السوق بالحد والتخفيض من احتمال انفجار القوة الكامنة في المجتمعات العربية الراهنة – كما السابقة -؛ فلنتذكر التطويق المكثف للحراك العربي رغم سلبياته: فالقوة والفعل المكونين الهامين لإمكان حصول الحراك العربي، يوجدان في وضع معرقل ومراقب من طرف القوة والفعل النقيضين الماكرين.. إنها القوة التي ملكتها وتمتلكها، ونفذتها وتنفذها أشكال الدولة السلبية العربية في اتجاه تشيئ وتجميد وتهميش وقمع ومراقبة الطاقات المجتمعية العربية؛ لذا، نجدها ترفض وتكن العداء لحرية التفكير والتواصل التي تكون حتما كلما حصل أو تم التأسيس للتوازن بين السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية؛ إنه الوضع الذي ترفضه أشكال الدولة السلبية العربية التي أسست السلطات تلك باعتماد لغة مزيفة تتكلم عن الحرية والديموقراطية والتنمية في أشكالها الماكرة التي تعني، وبالكاد، التسلط والقمع والتعنيف حفاظا على احتكارها الإنتاج أو قل الاقتصاد باعتباره العامل الأساس الذي تحرص فلسفة النظام الرأسمالي تركه بعيدا عن الأنظار والصراعات التي يجب ويتم تحويلها إلى المستوى السيايسي.ومن هنا نهج أشكال الدولة السلبية العربية إدارة وتدبير الصراع على الشاكلة تلك مدعية كونها أنظمة ديموقراطية تحترم الحريات العامة وحقوق الإنسان. لذا، وتبعا لمنطق الفلسفة الرأسمالية تلك، فالمتتبع للوضع في العالم العربي، يرى مدى وحشية أشكال الدولة السلبية العربية، وحشية تتجسد في العمل على نشر وتحبيد واصطناع الفوضى وشرعنة تدخل مختلف أشكال المخابرات لتطويع وترويض مختلف مكونات المجتمع العربي مستخدمة في ذلك كل الآليات والأشكال المنومة والمتحايلة وخاصة منها الدينية والخرافية.
هكذا، فقد عملت أشكال الدولة السلبية العربية على اغتيال الإنسان العربي ممهدة لذلك بنشر الضبابية والميوعة والفوضى في المفاهيم والقيم والمواقف، والعمل على توسيع رقعة الحروب الطائفية أو التي تدار بالوكالة، وانتهاكها حقوق الإنسان، وارتفاع درجة البؤس والفقر ناهيك عن ارتفاع وتفاقم معضلة البطالة والمراقبة الدؤوبة واليقظة لعرقلة قوى اليسار. لقد سبق أن حددنا فلسفة النظام الرأسمالي المتمثلة في اعتماد مبدأ البقاء للأقوى. إنه المبدأ الفلسفي الذي تبنته أشكال الدولة السلبية العربية لتبرير مشروعية احتكار السلطة وازدياد غنى الأغنياء وبالتالي التغطية على احتكار الإنتاج أو قل الافتصاد. لذلك اعتبرت أشكال الدولة السلبية العربية أن مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية هي من اختصاص الأذكياء الذين عانوا من سلبيات اللاأذكياء – الذين سميناهم ب"الطبقة المقهورة العربية" – الذين حددت الطبيعة موقعهم في الدرجة الدنيا من الوجود؛ لذلك، فهم متخلفون ومعادون للديموقراطية وبالتالي فشعوب من هذا القبيل تقتضي الخضوع والامتثال لحكم الأرقى والأصلح لا المتواضع عقلا وإبداعا. إنه الإنكار المشرعن والمقنن لتحريم الإنسان العربي من امتلاك "الوعي بمعنى الوجود" حيث أن حصول ذلك يفرز حتما حرمان مكونات أشكال الدولة السلبية العربية من مختلف امتيازاتها وتعرية أيديولوجية خطاباتها؛ وهذا هو البعبع الذي تهابه أو قل أن حصول" الوعي بمعنى الوجود" يلغي مبدأ الاصطفاء والبقاء للأقوى والأكثر غنى لصالح التبادلية كمبدأ أساسي يتميز بالتعدد اللانهائي المتخلص من أي شكل من أشكال التسلط والاستعلاء والعنصرية واحتكار الثروات والقوة ومختلف أشكال الوصايات .ف"المعنى" ذاك هو الحرية، هو الوجود الجماهيري العربي بحقوقه وواجباته؛ وفيما عدا ذلك لن نكون سوى أمام ما يسمى تحايلا بإصلاح الهياكل والعلاقات الذي هو إصلاح لا يعني، في حقيقته، سوى الزيادة من إحكام القبضة الحديدية على هذه الجماهير البعبع للزيادة من تسليعها لكي تتجنب وتتقي شر تهديد سلطتها ومصالحها. فالوعي ذاك هو ما تقوم أشكال السلطة السلبية العربية بمحاربة شروط تواجده؛ لذا، نقول أن الجماهير العربية، فاقدة "الوعي بمعنى وجودها"، تعيش وتوجد معتقلة في سجون ذات أشكال مختلقة أو قل ، بلغة ميشال فوكو، محتفظ بها في سجون مختلف مؤسسات أشكال الدولة السلبية العربية كالأسرة والمدرسة والمستشفى والإنتاج والزواج والسجون والشارع والإعلام والأغنية...الخ. فالجماهير ،في نظرها،لها من الاستعداد الفطري ما يمكنها من أن تنقلب إلى جماهير مجرمة؛ ومن هنا نفهم اهتمامها بالزيادة من مؤسسات الاستخبارات والأمن وبناء السجون والمستشفيات لاتقاء شر الغباء والضعف العقلي للجماهير تلك. فحصول "الوعي بمعنى الوجود" هو وضع يتناقض وطبيعة أشكال الدولة السلبية العربية ومن ورائها الأنظمة الرأسمالية الكبرى، التي تركزت فلسفتها السياسية على ضرورة استغلال طاقات وقدرات هذه الجماهير لتحقيق الأرباح المتصاعدة من جهة،والاحتفاظ بوضعية هذه الجماهير البعبع في أدنى مراتب الإنسانية حرصا على تجنب يقظتها ووعيها. وفي هذا الاتجاه، تجدر الإشارة أو التأكيد على أن أشكال الدولة السلبية العربية تلك تثقن المراوغة وتحسن استخدام الحيل والمكر الذين بفعلهم تتظاهر باحترامها كرامتهم واستجابتها لمختلف حاجياتهم والمدافعة عن حرياتهم. وهذا النوع من المكر والخداع هو ما سماه ماركس بالأيديولوجيا.
انطلاقا مما سبق نقول أن حصول "الوعي بمعنى الوجود" كعملية صراع مع أشكال الدولة السلبية العربية يقتضي تحضير شروط إنجاح الصراع ذاك وفق برنامج ذو بنية زمنية مدروسة. ف"المعنى" فلسفيا لا "يكون" منفصلا عن "الوجود"، بل هو الفعل والفاعل والواقع الذي يستحق أن يمارس ويعاش. إنه الوضع الذي تعمل أشكال الدولة السلبية العربية على إلغائه على الدوام أو قل أنه الوضع البعبع بالنسبة لها. فكلما حصل وعي الجماهير العربية بمعنى بوجودها كلما حصل رحيل أشكال الدولة السلبية العربية لصالح النظام البديل الذي ما زال كامنا في منطق الإمكان. يقول سابين حرغوس في أحد كتبه ما معناه أن الجماهير بعبع على الدوام: إما أن تكون بعبع ذاتها عندما تكون فاقدة الوعي بمعنى وجودها، وإما أن تكون بعبع الدولة المتسلطة عندما تتمكن من الوعي بمعنى وجودها. ومن أهم الآليات التي تعتمدها أشكال الدولة السلبية العربية لصرف نظر الجماهير عن امتلاك " الوعي بمعنى وجودها" نجد النظام التعليمي واللغة الماكرة.

أ- النظام التعليمي


من القواعد المعروفة أن طبيعة أشكال الدولة السلبية العربية، كما رأينا، لن تفرز سوى نظاما تعليميا يستجيب لفلسفتها الاستعلائية والتسلطية، نظاما يقوم ببرمجة الطفل والتلميذ والطالب بالشكل الذي يجعلهم معادين للفكر العقلاني أو قل معادين لعملية"الوعي بمعنى الوجود" لصالح الجمود والتواكل والميتافيزيقا وبالتالي العجز عن إعادة البناء المفهومي للواقع وهو ما يعني أن هناك قطيعة مقصودة بينهم وبين الواقع الذي يلقن كخليط ضبابي من الخرافة وتجميد العقل وترويض الطموح وتكفير السؤال وتجريم الإبداع. لقد أخذ النظام التعليمي ذاك، كما أرادته أشكال الدولة السلبية العربية، أشكالا سطحية وأوهاما مرجعياتها الأموات؛ لذلك فهو نظام يلقن الأجيال المعرفة التواكلية والاستسلامية والاستهلاكية بناء على منهاج الحفظ وتقديس معرفة الأموات والتقاليد والعادات. إنه نظام تعليمي يتميز بالدوغمائية والأجوبة القاطعة الميتافيزيقية التي يصبح الإبداع وفقها سلوكا خارجا عن دائرة الأخلاق، ناهيك عن تعليم الطفل والتلميذ والطالب قواعد العداء للآخر ورفض الإنصات إليه والتواصل معه. إنه نظام تعليمي انطوائي يستنجد بالرجوع إلى الأجداد وإعطاء الأمثلة السلبية بقوى اليسار باعتبارها القوى المهددة لمصالح أشكال الدولة السلبية العربية. وعموما، فهو تظام يهدف، وبإلحاح، اغتيال العقل العربي على مستويي المستوى والفاعلين على السواء: على مستوى المحتوى نجد الغموض والعموميات التي تعني كل شيء وفي نفس الآن لا تعني شيئا ليكون بمثابة المحتوى المؤهل والقادر على خلق الإنسان العربي المستسلم والضبابي الذي يكن العداء للتفكير والعقلنة وهو الهدف الأساس لأشكال الدولة السلبية العربية؛ أما على مستوى الفاعلين فنهج التكوين الماكر واللامبالاة هو الأسلوب السائد حيث أننا أصبحنا أمام كتلة ذات تكوين ضعيف ومواطنية شبه منعدمة.إنها السلبيات التي تتبناها وترعاها أشكال الدولة السلبية العربية كما قررتها في البرامج التعليمية حيث يتم تلقين مصطلحات الجمود والتقاعس والسلبية وقبول التبعية و الوصاية والطبقية والدونية والعنترية والاستهانة بالحوار وإقصاء العقل تجنبا لعدم المفاجأة بحصول مناعتهم التي هي بالكاد حصول " الوعي بمعنى الوجود" باعتباره الوضع القادر على تهديد المصالح المادية والسيطرة السياسية لأشكال الدولة السلبية العربية.فالتلميذ والطالب العربي، قوى إنتاج المستقبل، يحرمون منذ البداية من معرفة حقهم في الحرية والديموقراطية وواجباتهم تجاههما أو قل التمييز بين الديموقراطية العلمية والديموقراطية الزائفة ليبقوا في حقيقة وجودهم سجناء، معتقدين أنهم أحرارا، في حين أنهم يساقون إلى صناديق الاقتراع كالقطيع، مشرعنين مصداقية مشروعية ودمقرطة تلك الأنظمة. إنه الوضع الذي يخفي احتكار أشكال الدولة السلبية العربية الثروات الاقتصادية وسوء توزيعها أو قل أن النظام التعليمي العربي نظام تقتصر برامجه على تكوين الشخص الذي لا يجب أن تتجاوز قدراته المعرفية الفعلية مستوى السطح دون الوعي بما تخفيه من حقائق اقتصادية؛ وقد صدق بيل كلينتون حين صاح في وجه أحد مستشاريه الذي احتار في تعليل أحد القضايا قائلا له: "إنه الاقتصاد يا غبي". هكذا ،فالمناهج التعليمية تتميز بطغيان اللاعقلانية التي أفرزت وتفرز لنا الفكر والتمسلكات الظلامية المحتشمة منها أو المعتدلة أو المتطرفة منذ التعليم الأولي إلى التعليم العالي حيث يتشكل تفكير تلامذتنا وطلبتنا بشكل غيبي وتائه ومنشغل بنقاشات ميتافيزيقية كحيل الشيطان وعذاب القبر وعدمية المادة وبالتالي الانفصال عن قضايا ومشاكل الواقع المعيش. وفي كل هذا تستثمر أشكال الدولة السلبية العربية عامل " اللغة " التي بها يتم تمرير المعلومة الماكرة للطفل والتلميذ والطالب ورجل الشارع أو قل تجميدهم وتسطيحهم وضمان استسلامهم وتنظيم علاقتهم بالموتى والتقاليد والعادات.

ب- اللغة

للغة دلالة انطولوجية حيث تكون متخلصة من التسلط والتزييف والطبقية؛ إنها الإمكان الدلالي المتعدد واللانهائي. والتحقق الدلالي ليس هو اللغة في انطولوجيتها بقدر ما أنه اللغة في التاريخ وبالتاريخ الذي هو الإنتاج وعلاقات الإنتاج. ومن هنا القول أن الفكر، سواء منه الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي هو بنية لغوية أو قل الوجود كدوال ومدلولات أفرزها ويفرزها مجتمع محدد في فترة تاريخية محددة. ومن هنا التحقق الدلالي للغة التي يمكن أن تكون استعمارية أو طائفية أو قبلية أو طبقية أو عادلة وديموقراطية علما بأن هذه الأخيرة هي ما رفضته وترفضه مختلف الأنظمة التي راهنها النظام الرأسمالي وحليفته أشكال الدولة السلبية العربية. وعليه، ففكر أشكال الدولة السلبية العربية الذي هو اللغة لا يمكن منطقيا أن يستثنى من هذه القاعدة؛ فقد وظفت اللغة بإفراغها من وجودها البناء الذي أحلت محله، وفق فلسفتها السابقة الذكر، دلالات مزيفة أو قل أننا أصبحنا أمام أخطاء تم تصريفها لغويا على أنها حقائق. وللتوضيح أكثر، نرى اعتماد أشكال الدولة السلبية العربية كمرجعية، الدلالة الدينية للغة التي ليست في حقيقتها سوى طبيعة سلطتها المبنية على قوتها وسيطرتها الاقتصادية أو قل أن استمرار سلطتها مشروط بقوتها الاقتصادية وتفوقها السياسي الذي تعتبر اللغة كأحد آليات وقوة شرعنتها. والمتتبع لقضايا اللغة في عالمنا العربي، يرى أنها تتحدد في مستويين: فعلى المستوى السطحي تفهم بأنها لغة المقدس، وعلى المستوى الآخر، تعتبر التعبير الموضوعي عن أهداف ومصالح الخليفة أو الملك أو الرئيس أو الأمير. وهذا النهج في التعامل مع اللغة حصل منذ المرحلة الأولى من تشكيل المجتمع العربي حيث كان تدوين وتقعيد اللغة قد تم تحت سلطة الخليفة وبفعل وإشراف مثقفي البلاط الذين أعطوه صبغة القدسية التي هي قدسية النص القرآني باعتباره المرجعية اللغوية، في حين أن القدسية تلك ليست، في حقيقتها، سوى قدسية الخليفة. إنها المرجعية اللغوية التي تبناها الخلفاء عبر العصور وهو واقع حال الملوك والرؤساء والأمراء في المرحلة الراهنة. وطبيعي ،وفق هذا الوضع، أن اللغة العربية ليست سوى الحامل لمرجعية المقدس التي ليست سوى مصلحة الخليفة أو الملك أو الرئيس أو الأمير معتمدين العديد من الأساليب التي أغلبها القمع والعنف. إنها الدلالة اللغوية كما تقررها أشكال الدولة السلبية العربية: الدين والمقدس على مستوى السطح، والمصلحة وشرعنة التسلط والعنف في وجه الخارجين عن طاعة الخليفة أو الملك أو الرئيس أو الأمير. إنها الدلالة اللغوية التي تعمل على تجذيرها المؤسسات العربية خاصة منها النظام التعليمي خدمة لشرعنة سلطة وتسلط أشكال الدولة السلبية العربية التي تتماهى في اللغة مع المقدس؛ فكل تحوير لدلالة اللغة تلك هو تحوير، في نظرها، لقدسية المقدس الذي هو القرآن. فتباعا لذلك نستنتج أن الطبقة المقهورة في العالم العربي – الطبقة المتوسطة والعمال والفلاحون والفقراء- قد بقيت تتلقى اللغة، حسب مستويات فئات الطبقة تلك، كما حددتها أرادتها أشكال الدولة السلبية العربية؛ بل يمكن القول أنها لم تمنعها أو تحرمها فقط من ضبط حقيقة اللغة كعدالة ومساواة، بل وحتى من الدلالة السطحية لتلك اللغة التي قدمت لها في شكل ثالث آخر تمت تسميته ب "اللغة الشعبية" مع الاحتفاظ بثوابتها كشرعنة العنف وطاعة الأوامر كما هو وارد في المقدس باعتباره المرجعية المطلقة. هكذا، فكلما حصلت الأزمة،كلما أرجعتها أشكال الدولة السلبية العربية إلى الابتعاد عن المقدس الذي ليس ،في حقيقته، سوى سلطة الخليفة أو الملك أو الرئيس أو الأمير. وقد نتج عن هذا التقديس للغة الاهتمام المفرط بقدسية مادة ولغة النص الذي وازاه في الجانب الآخر اللامبالاة بقضايا ومشاكل المجتمع.إنه التصور الذي ألغى العقل والإبداع وكذا المشاكل اليومية التي ليست، في نظر أشكال الدولة السلبية العربية، سوى انحرافا وتشويها للمطلق الذي تحمله وتحافظ عليه اللغة السرمدية. انطلاقا مما سبق تعتبر اللغة الآلية والمادة التي تحمل دلالة أن الأعلى يحكم الأدنى على الدوام: الله يحكم العالم، والخليفة أو الملك أو الرئيس أو الأمير يحكم الشعب ؛ وبمعنى آخر، فلفضح عنف ومكر اللغة نقول أن الخليفة أو الملك أو الرئيس أو الأمير هو خليفة الله المطلق، على الشعب طاعته وإلا فهو خارج المقدس. هكذا نسجل عزوف اللغة وانفصالها عن عن قضايا المجتمعات العربية؛ وبلغة اللسانيات نقول أنه في عالم من هذا القبيل ينفصل الدال عن المدلول، أو الكلمة عن الشئ. وفيما عدا التقديس، ستعطي أشكال الدولة السلبية العربية اللغة صبغة الغموض والتغميض الذي به يحصل التلقين والكتابة والمشاهدة أو قل أنه النهج والتكوين التغميضي والتضبيبي الذي به يتم رؤية وفهم لغة الشاشة والكتاب والفن والواقع والواصل؛ إنه التغميض والتضبيب اللغوي الذي به تم تشكيل الرأي العام العربي. من هنا نستحضر الفكرة الماركسية القائلة بأن الرأسمالية لا تقوم بامتلاك قوى الإنتاج البشري وحسب،بل وبالمثل،بامتلاك اللغة تزييفا وتغميضا. وهذا الأخير يعني ، وبوضوح، إرغام اللغة على الانفصال عن واقعها وعدم الانخراط في قضاياها المجتمعية وبالتالي فهي لغة تعادي التغيير والمسؤولية لتكون لغة تحمل شرعنة القمع والتسلط والرضا بالاستغلال والقناعة والعدوان والحروب والتخلف أو قل أنها اللغة التي تحمل المعلومة والصورة المزيفة والغامضة. بهكذا لغة عملت وتعمل أشكال الدولة السلبية العربية على تزييف وتسليع الشعوب العربية لضمان نجاح توجيهها والتحكم فيها وبالتالي ضمان نجاح منعها من مسكنها الأصلي الذي هو اللغة الذي أحلت محله الأنظمة تلك نقيضه كما أرادته وحددته في البعد التواكلي والانتظاري والخرافي. فوفق هذا التصور اللغوي، نلاحظ اليوم الاختفاء التدريجي للخلاف بين قاموس ولغة أشكال الدولة السلبية العربية: بين الملكية والجمهورية والأميرية، بين الثيوقراطية والديموقراطية. وبطبعة الحال لا يمكن فصل ذلك عن فلسفة النظام الرأسمالي العالمي حيث أن لغة بناء وصياغة القوانين الدولية ليست سوى البناء والصياغة اللغوية الماكرة لتلك القوانين.
وبالمجمل، فاللغة بشقيها التقديسي والتغميضي ليست سوى اللغة التي نكن العداء للعقل والتحرر والحرية، وفي الآن نفسه تحمل دلالة احتكار الثروات الاقتصادية والمناعة السياسية؛ وفي كلتا الحالتين نكون أمام العقل والإبداع أو قل محاربة النمو والتنمية.

3- وماذا بعد؟


انطلاقا من هذه المقاربة، يطرح علينا التساؤل: وماذا بعد؟ نستنتج من الوارد أعلاه أن الشعوب العربية توجد تحت سلطة وسيطرة أشكال الدولة السلبية العربية التي تعتبر حصول الشعوب تلك على مستوى " الوعي بمعنى الوجود " تهديدا وخرابا للصالح العام. وقد سبق أن رأينا أنها سلطة تبنت الفلسفة الرأسمالية التي عليها تقيس مدى صدق أو عدم صدق برامجها السياسية، وفي نفس الآن سلطة تبنت ثقافة الانغلاق والتكرار لغة وفكرا تمكنت بها من اغتيال العقل العربي باعتباره البعبع المخيف. فالتخلص من هذا الوضع عملية ليست بالسهلة؛ لكن قانون الصيرورة لا يعترف بالاستسلام وهو ما يقتضي الانتقال من الفلسفة الرأسمالية كما هي واردة في صيغة: " الثبات/الاختلاف " إلى فلسفة الإمكان باعتبارها التعدد اللانهائي أو قل الفلسفة المادية الجدلية التاريخية المفهومة بمعنى الفلسفة الخلاقة المتمثلة في صيغة: " الحياة/العدالة ". إنها المهمة والإنجاز الذي يتطلب قوى نقيضة لأشكال الدولة السلبية العربية، والحاملة لمبدأ أن التجاوز الخلاق يقتضي ، وبالضرورة ،حصول مستوى " الوعي بمعنى الوجود "؛ إنها قوى اليسار التي لها قدرة تحرير الشعوب العربية من تسلط تلك الأنظمة وذلك وفق التكتل في جبهة تتبنى أسلوب التجاوز بالخلق الذي هو ثمرة حصول مستوى " الوعي بمعنى الوجود " الذي عند حصوله يتم فعليا الانتقال من طبيعة سلطة أشكال الدولة السلبية العربية إلى نقيضها أو قل الانتقال من أنظمة تتبنى فلسفة الاصطفاء الطبيعي المغلف بالمكر اللغوي من قبيل الديموقراطية وحقوق الإنسان إلى أنظمة تتبنى فلسفة الإمكان التي تتناقض واللغتين: الماكرة والخشبية على السواء. لكل ذلك، تعتبر أشكال الدولة السلبية العربية امتلاك الشعوب العربية " الوعي بمعنى الوجود " هو البعبع المهدد لمصالحها المادية وسيطرتها السياسية.




تعليقات الفيسبوك