جوهر الإسلام - الإسلام ليس ديناً - الفصل الأول1


كامل النجار
الحوار المتمدن - العدد: 6601 - 2020 / 6 / 24 - 13:59
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

الإسلام ليس ديناً
عرب الجزيرة في القرن السابع الميلادي وما قبله كانوا قبائل عديدة تعمل بالرعي وتمتهن الهجوم على بعضها البعض، وتغير كذلك على أطراف الإمبراطورية الرومانية الشرقية في آسيا الصغرى، وعلى أطراف الإمبراطورية الساسانية في العراق وفارس. أغلب القبائل العربية الكبيرة كانت قد احتكت بإحدى الإمبراطوريتين، وبعضها عمل في خدمة إحدى الإمبراطوريتين كحارس لحدود الإمبراطورية ولطرق القوافل، واعتنقت تلك القبائل الديانة المسيحية. جزء كبير من القبائل الصغيرة كانت وثنية تعبد الأصنام التي تقربها إلى الله (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) (الزمر 3). فالعرب كانوا يعرفون الله ويعرفون انه خلق السماء والأرض والإنسان والحيوان. بل جعلوا لله نصيباً من أموالهم (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً) (الأنعام 136).
في هذا الوسط ولد صبي في حوالي العام 570 ميلادية في "البتراء" مكة. كان والد هذا الطفل قد مات قبل أن يولد الطفل. وحسب كتب السيرة النبوية فقد تزوج عبد المطلب، جد محمد، وابنه عبد الله، والد محمد، في نفس اليوم. تزوج عبد المطلب هالة بنت وهيب، وتزوج عبد الله آمنة بنت وهب، ودخلا عليهما في ساعة واحدة. ثم سافر عبد الله في تجارة إلى المدينة وتوفي بها. وبعد تسعة أشهر ولدت هالة حمزة، عم النبي. ويقول صاحب الاستيعاب في معرفة الأصحاب أن حمزة أسن، يعني أكبر، من محمد بأربع سنوات (3) وتقول بعض الروايات انه مكث في بطن أمه أربعة أعوام، ولذلك يقول الفقه الحنبلي إن مدة الحمل بالجنين قد تمتد لأربعة أعوام. ونتج عن ذلك لغط كثير عن أبوة محمد، وبلغ ذلك مسمعه فقال "خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح؛ من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي، ولم يصبني من سفاح الجاهلية شيء") وماتت أم هذا الطفل وعمره ست سنوات، فكفله جده لأبيه عبد (2) ومات جده بعد سنتين، فكفله أفقر أعمامه، أبو طالب الذي كان يعول عدة أطفال. نشأ هذا الطفل فقيراً معدماً يرعى غنم الأسر المكية ولم يحفل به أحد، ولم يدون تاريخ ميلاده أحد رغم أن رواة السيرة يقولون إن أمه عندما وضعته خرج منها نور أضاء قصور بُصرى بالشام، وتحدث يهود المدينة أن نبياً قد ولد في العرب. وعندما كان عمره أقل من عامين جاءه ملكان وشقا صدره وأخرجا قلبه وغسلاه بماء زمزم، كما تقول السيرة النبوية. وأول ما نسمعه بعد ذلك هو زواجه من أرملة غنيه اتخذته عاملاً على تجارتها، ثم تزوجها وعمره خمسة وعشرون عاماً وعمرها أربعون. وعندما بلغ الأربعين أتاه الملك جبريل يحمل رسالةً من الله تأمره أن يقرأ بعض آيات من الرسالة التي سُميت فيما بعد بالقرآن. خاف محمد الذي كان معتكفاً في غار حراء، فركض إلى زوجته خديجة وقص عليها ما حدث. أجلسته خديجة في حضنها وسألته إن كان الملاك في الغرفة، فأجاب بالإثبات. ثم كشفت عن فخذها، فاستحى جبريل وولى هاربا. فبشرته خديجة بأن الله اختاره رسولاً للعرب وأن ذلك الملاك هو جبريل الذي كان ينزل على موسى. ويجدر بنا هنا أن نشير إلى أن جبريل الذي استحى من رؤية فخذ خديجة وولى هارباً هو نفس جبريل الذي نفخ في فرج مريم العذراء دون أي استحياء.
ظل محمد في مكة ثلاثة عشر عاماً يدعو لدينه الجديد الذي لم يكن يُعرف بالإسلام وقتها. وكان يقرأ على أهل مكة سوراً قصيره تدعو إلى توحيد الله وإلى التسامح. وسخر منه أهل مكة وقالوا له إن ما يقرؤوه عليهم هو أساطير الأولين. وقالوا له إن كان هذا الذي تدعونا إليه هو كلام الله، فاسأل الله أن يُنزل علينا كِسفاً من السماء. فرد عليهم بآية تقول (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) (الأنفال 33). ولنا أن نسأل لماذا لم يعذبهم الله بعد أن هاجر محمد من مكة إلى المدينة؟
عرب مكة كانوا يعرفون أن القس ورقة بن نوفل وبعض الأحباش المسيحيين بمكة كانوا يعلمون محمداً قصص التوراة والإنجيل، وقالوا له ذلك. فرد عليهم بقوله (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) (النحل 103). وفي واقع الأمر فإن ورقة بن نوفل كان يعّلمه الأناجيل المنحولة التي رفضتها الكنيسة. فورقة بن نوفل كان يهودياً ثم أصبح مسيحياً وترجم من العبرية إلى العربية. وقد ظهرت في تلك الفترة التاريخية فُرق دينية عديدة أخذت من اليهودية والمسيحية. أهم هذه الفرق فرقة "الأبيونيون" Ebionites التي تعني الفقراء. هذه الفرقة تكونت من اليهود الذين آمنوا بيسوع والمسيحية ولكنهم في نفس الوقت احتفظوا ببعض تعاليم اليهودية. وقد أنكروا ألوهية المسيح وصلبه، وولادته من عذراء. وقدسوا جيمس أحد أخوان يسوع. وكان لهم إنجيلهم الخاص "إنجيل الأبيونيين" الذي هو نسخة معدلة من إنجيل متى(3) . وقد نبذوا متاع الدنيا من مال وممتلكات وكان جل همهم مساعدة الفقراء. ولذلك أكثر محمد في قرآنه المكي من الآيات التي تحض على إطعام اليتيم والفقير. فنجد مثلاً (أرأيت الذي يكذب بالدين 1 فذلك الذي يدع اليتيم 2 ولا يحض على طعام المسكين 3) (الماعون). وكذلك (كلا بل لا تكرمون اليتيم 17 ولا تحضون على طعام المسكين 18 وتأكلون التراث أكلاً لما 19 وتحبون المال حباً جماً 20) (الفجر). بل وصل به الحال أن بدأ يهدد الأغنياء في قرآنه (خذوه فغلوه 30 ثم الجحيم صلوه 31 ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه 32 إنه كان لا يؤمن بالله العظيم (33 ولا يحض على طعام المسكين 34) (الحاقة).
لم تكن دعوة محمد تعرف بالإسلام أثناء حياته. أول ذكر للإسلام كان في قبة الصخرة التي شيدها عبد الملك بن مروان عام 691م. قبل ذلك، تقول باتريشيا كرونه " لا يوجد سبب معقول يدفعنا إلى الافتراض أن حاملي الهوية الديئية هذه دعوا أنفسهم «مسلمين». وأول ذكر لهذا المصطلح على نحو مبين كان في قبة الصخرة عام 691 وما بعد ولا نجده من ناحية أخرى خارج التقليد الأدبي الإسلامي حتى القرن الثامن. لكن مصادرنا تكشف عن تسمية للجماعة أكثر قدماً من السابقة، تسمية تتناسب جيداً مع سياق الأفكار التي قدمها سيبيوس. تظهر هذه التسمية في اليونانية بصيغة «ماغاريتاي Magaritai» وذلك في بردية تعود للعام 642؛ أما في السريانية فهي «ماهغري Mahgre» أو «ماهغرايه Mahgraye» والتي تظهر منذ البدايات أي من أربعينيات القرن السابع؛ والمصطلح العربي المقابل هو مهاجرون. ثمة فكرتان متضمنتان هنا. الأولى، وهي شبه مفقودة في التقليد الإسلامي، لها علاقة بعلم الأنساب: «المهغرايه»، كما يخبرنا مرجع سرياني قديم، هم المنحدرون من ابراهيم عبر هاجر لكن بجانب هذه المكانة المعزوة إليهم هنالك أيضاً مكانة محرزة والتي يحتفظ بها التقليد الإسلامي بالكامل: المهاجرون هم أولئك الذين يشاركون في هجرة. أي نفي (4).
محمد لم تكن لديه فكرة واضحة عن الرسالة التي أتى بها. كان يطلب من الناس أن يقولوا "لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله". ولم يذكر كلمة "مسلمون" أو إسلام في قرآنه لتعني أتباع رسالته، وإنما خاطب أتباعه في كل السور المكية ب (يا أيها الناس). وعندما انتقل إلى يثرب أصبح الخطاب (يا أيها الذين آمنوا). أما الإسلام فكان صفة عامة أطلقها على كل أتباع الديانات السماوية. فهو يقول (وإذ أوحيتُ إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا وأشهد بأنا مسلمون) (المائدة 111). ويقول كذلك (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) (البقرة 132). (فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون) (آل عمران 52). وكذلك (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) (البقرة 136). (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون) (البقرة 133). وفي سورة الذاريات عندما أتى الملكان إلى قرية لوط ليزيلاها من الوجود، قالا لإبراهيم الذي كان يحاول أن يسترحم الملكين، قالا له (فما وجدنا فيها غير بيتٍ من المسلمين) (الذاريات 36). وها هو نوح يقول لقومه (فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين) (يونس 72). ويقول كذلك عن فرعون (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فاتبعهم فرعون وجنوده بغياً وعدواً حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين) (يونس 90). وهناك توصية للإنسان عامةً (ووصينا الإنسان بوالدية إحساناً حملته أمه كُرها ووضعته كُرهاً وحمله وفصاله ثلاثون شهراً حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنةً قال ربي أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى وألدي وأن أعمل صالحاً ترضاه واصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين) (الأحقاف 15). إذاً إبراهيم، ويعقوب وأبناؤه، والأسباط الإسرائيليون، وفرعون، كلهم كانوا مسلمين.
فرسالة محمد كانت رسالة أبيونية (نصرانية) ولم تكن إسلاما كالذي نعرفه الآن. الإسلام لم يظهر كرسالة إلا في نهاية القرن السابع وبداية القرن الثامن عندما نقّح الحجاج بن يوسف القرآن في زمن عبد الملك بن مروان. ولكي تكون الرسالة ديناً يجب أن تتوفر فيها عدة عوامل، أهمها أن تحمل الرسالة منظومة أخلاقية مجتمعية متماسكة، وأن تطمح الرسالة إلى نشرها بالتبشير السلمي دون إكراه، وألا تكون الرسالة تكراراً لما سبقها من رسالات، وأن يكون بها نوع من القوانين ينظم حياة المجتمع. فمثلاً رسالة كونفوشيس في الصين أو الرسالة البوذية. كلاهما لم يزعم أن إله السماء أرسله، ولم يسبق أيهما رسالة تحمل نفس القيم الأخلاقية، وكلاهما انتشر سلمياً ولم يكن للسيف مكان في نشر الرسالة. الإسلام لم يوفِ بأي واحد من هذه الشروط، وأتى بتسع آيات فقط تتحدث عن الحدود من مجموع أكثر من ست آلاف آية. بقية أحكام الفقه استنبطها رجال الدين على مدى عدة قرون. فهو إذاً ليس ديناً وإنما رسالة سياسية مع مزيج من الديانات الأخرى.
الإسلام منذ البداية كان رسالة سياسية وليست دينية. السياسة واضحة في تفسير ابن جرير بسنده عن ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ فَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنَا وَيَفْعَلُ وَيَفْعَلُ وَيَقُولُ وَيَقُولُ، فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَجَاءَ النَّبِيُّ [...] فَدَخَلَ الْبَيْتَ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي طَالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رجل، قال فخشي أبو جهل إِنْ جَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَكُونَ أَرَقَّ لَهُ عَلَيْهِ فَوَثَبَ فَجَلَسَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ [...] مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ فَجَلَسَ عِنْدَ الْبَابِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ أَيِ ابن أخي ما بال قومك يشكونك ويزعمون أَنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهُمْ وَتَقُولُ وَتَقُولُ؟ قَالَ وَأَكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ وَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ [...] فَقَالَ: يَا عَمِّ إِنِّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يَقُولُونَهَا تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ. ففزعوا لكلمته ولقوله فقال القوم كَلِمَةً وَاحِدَةً نَعَمْ وَأَبِيكَ عَشْرًا فَقَالُوا وَمَا هِيَ؟ وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ وَأَيُّ كَلِمَةٍ هِيَ يا ابن أخي؟ قال لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه.
يتضح مما قاله محمد أن الغرض من رسالته ليس عبادة الله وإنما سيطرة قريش على العرب وسيطرة العرب على الموالي، وهم الأقوام غير العرب، وإجبارهم على دفع الجزية للعرب. بدأ محمد بمجرد وصوله إلى يثرب بتكوين جيش من المرتزقة همهم جمع المال وامتلاك النساء والغلمان. بدأ محمد رسالته في يثرب بالهجوم على قوافل قريش وعلى القرى المجاورة ليثرب. قاد محمد بنفسه بعض هذه الغزوات والسرايا. " قال محمد بن عمر: مغازى رسول الله معروفة مجتمع عليها ليس فيها اختلاف بين أحد فى عددها وهى سبع وعشرون غزوة. واختلف فى عدد سراياه، حدثنا محمد بن حُميد قال: حدثنا سلمة قال: حدثنى محمد بن اسحاق قال: كانت سرايا رسول الله وبعوثه – فيما بين ان قدم المدينة وبين ان قبضه الله- خمساً وثلاثين بعثا وسرية"(5) . وكان محمد يسير مع مرتزقته ليلاً ويكمن نهاراً حتى لا يشعر به أهل القرية التي يريد غزوها. وكان دائماً يهجم على القرى مع الفجر وأهلها نيام، فيسبي النساء والأطفال، ويقتل ما يتمكن منه من الرجال. وقد كان مردود هذه الغزوات مجزياً لدرجة أن رجال يثرب والمهاجرين من مكة كانوا يستدينون ما يجهزوا به أنفسهم لتلك الغزوات، وعندما يرجع الغزاة بالغنائم يبيع الرجل جزءاً من غنائمه ليرد ما استدانه. وقد أدت الغنائم إلى شجار بين الشباب المحاربين والشيوخ الذين كانوا يحرسون محمداً في غزوة بدر. روى عبادة بن الصامت قال: "خرج رسول الله-[...] الى بدر فلقوا العدو فلما هزمهم الله اتبعتهم طائفة من المسلمين: وأحدقت طائفة برسول الله واستولت طائفة على العسكر والنهب، فلما نفى الله العدو ورجع الذين طلبوهم قالوا: لنا النفل، نحن الذين طلبنا العدو وبنا نفاهم الله وهزمهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله ما انتم احق به منا نحن أحدقنا برسول الله لئلا يناله العدو، وقال الذين استولوا على العسكر والنهب ما انتم بأحق منا هو لنا نحن حويناه واستولينا عليه. هكذا حولت الانفال والغنائم والاسلاب الاخوة المتحابين الرحماء بينهم الى خصوم ألداء يوشكون ان ينقلبوا الى أعداء" (6).
جعل محمد هذه الغزوات واجباً دينياً على مرتزقته وأتاهم بقرآن يقول (ألا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كل شيء قدير) (التوبة 39). وعندما تخلف ثلاثة رجال عن غزوة تبوك وهم كعب بن مالك من الخزرج، ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية من الأوس، قال النبي لأصحابه لا تكلمن احداً من الثلاثة. فقاطعهم المسلمون. ويقول كعب بن مالك: حتى إذا مضت اربعون ليلة جاءني رسول من رسول الله [...] فقال: ان رسول الله [...] يأمرك ان تعتزل امراتك، فقلت أطلقها ام ماذا؟ قال: لا بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل رسول الله [...] الى صاحبيّ اي وهما هلال بن امية ومرارة بن الربيع بمثل ذلك، فقلت لامرأتي الحقي باهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الامر. وبعد مضي خمسين يوما من المقاطعة هلت الآية: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت وضاقت عليهم انفسهم وظنوا ان لا ملجأ من الله الا اليه ثم تاب عليهم ليتوبوا ان الله هو التواب الرحيم) (التوبة 118) (7). فالذي يتخلف عن الغزوات يعاقبه الله.
غزوات محمد في حياته أدت إلى قتل الرجال اليهود وسبي النساء والأطفال وبيعهم في سوق النخاسة، كما حدث مع يهود بني قريظة بالمدينة. يهود بني قينقاع استسلموا للأمر الواقع وتنازلوا لمحمد عن مزارعهم ونخيلهم ومنازلهم على أن ينزحوا إلى خيبر لينضموا إلى اليهود هناك. وأصبحت مزارع ونخيل بني النضير ملكاً خاصاً لمحمد لأن خيول المسلمين لم توجف عليها. ثم لحق باليهود في خيبر واقتحم عليهم حصونهم وقتل رجالهم وسبى نساءهم، واختار منهم صفية بنت حيي لتكون زوجته ودخل عليها في نفس اليوم الذي قتل فيه زوجها وأباها.
الغنائم التي أخذها محمد وأتباعه من خيبر (هوازن) بلغت الآلاف من الجمال والذهب والنخيل والأراضي الزراعية التي أوكل اليهود بزراعتها على أن يعطوه نصف المحاصيل. ووزع الجمال والأغنام على صناديد قريش ليؤلّف قلوبهم للإسلام، فأعطى أبا سفيان مائة بعير، كما اعطي بقية صناديد قريش. ولم يعط الأنصار ولا بعيراً واحداً وهم الذين نصروه عندما رفضته قريش، وهم الذين كونوا الغالبية العظمى من مرتزقته بالمدينة. وعندما احتج الأنصار قال لهم ألا يكفيكم أن يكون رسول الله من نصيبكم ويرجع معكم إلى المدينة. ثم بعد ثلاث وعشرين سنة من بدء دعوته دخل مكة بأكثر من اثني عشر جندياً وأخضع أهل مكة للإسلام بحد السيف، مما وفر على إله السماء أن يسقط عليهم كسفاً من السماء، كما طلبوا.
الطفل اليتيم الذي كان يرعى الغنم أصبح يملك كل أراضي ومزارع بني النضير، ونصف ريع مزارع خيبر، وخمس الغنائم من كل غزواته الكثيرة. وبعد وفاته غزا خلفاؤه مصر والعراق والشام وفارس وجلبوا أمولاً لا تُحصى لدرجة أن عمر بن الخطاب كان يكيلها كيلاً بدل حسابها. وأصبح عدد السبايا والعبيد في المدينة ومكة ربما أكثر من تعداد العرب أنفسهم. وبالطبع لم تكن هذه الغزوات من أجل نشر الرسالة لأن الهجوم على القبائل كان يحدث عند الفجر والناس نيام. ولم يكن هناك دعوة للرسالة الجديدة أو نقاش فيما يخص الدعوة. كان الغرض الأول هو المال والسبايا، وأي رجل يعترض طريقهم يقبّل السيف عنقه.
خطب عمر بن الخطاب في أهل يثرب فقال لهم "أنتم مستخلفون في الارض، قاهرون لأهلها، نصر الله دينكم، فلم تصبح أمة مخالفة لدينكم الا أمتان، أمة مستعبدة للإسلام واهله، يجزون لكم، يُستصفون معايشهم وكدائحهم ورشح جباهم، عليهم المؤونة ولكم المنفعة، وامة تنتظر وقائع الله وسطواته في كل يوم وليلة، قد ملأ الله قلوبهم رعبا، فليس لهم معقل يلجؤون اليه، ولا مهرب يتقون به."(8)
وكنتيجة للغزوات جمع الصحابة أموالاً لا تُحصى. ففي طبقات ابن سعد وهو أحد أوثق المصادر في تاريخ صدر الإسلام، بلغت ثروة الزبير بن العوام اثنين وخمسين مليون درهم من النقد وكانت له أملاك في مصر والإسكندرية والكوفة والبصرة والمدينة. وكان لعثمان عند خازنه يوم قتل ثلاثين مليون درهم ومائة وخمسين ألف دينار. وترك عبد الرحمن بن عوف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومائة حصان ومزرعة تسقى بعشرين ناضح ( دابة لسقي المزارع) وذهب مصبوب في سبائك يقول المسعودي إنه أخرج بعد وفاته إلى مجلس عثمان وكوم على الأرض فحال بين الجالسين لارتفاعه عليهم. وكانت غلة طلحة من العراق وحده ألف درهم في اليوم وقد ترك من الأموال والعقار ثلاثين مليون درهم (9). فمحمد كان حاقداً على قريش التي لم تعيره أي اعتبار عندما كان صبياً يتيماً معدماً، فكان انتقامه منهم بقطع الطرق على قوافلهم ونهبها، وقتل رجالات قريش. فهذا حتماً ليس تصرف رسول بعثه إله السماء برسالة لتعريف الناس بالخالق. محمد أتى بمهمة سياسية تجعله وقبيلة قريش أسياد العرب والعجم، وتدر عليه الأموال التي حُرم منها صغيراً.
السحر
السِحر مصطلح عام يستعمل لوصف فعالية تقوم بتغيير حالة شيء ما أو شخص ما في نطاق التغيير الذي يمكن للشيء أو الشخص أن يتعرض له دون خرق لقوانين الطبيعة و الفيزياء. ويعتقد البعض أن بإمكان هذه الفعاليات خرق قوانين الفيزياء في بعض الحالات، وهناك على الأغلب التباس بين السحر وخفة اليد والشعوذة وتستعمل كلمة السحر كمرادف لجميع هذه المصطلحات التي تختلف عن بعضها البعض. الساحر يعتمد على الإيحاء للمشاهد أو السامع بإمكانية حدوث ما ينوي الساحر القيام به. قابلية الإيحاء تختلف من شخص إلى أخر. هناك أناس لديهم قابلية للإيحاء أكثر من غيرهم وهؤلاء هم من يؤثر فيهم السحر.
الإسلام يعتمد اعتماداً كلياً على الغيب، ويقول في وصف المؤمنين (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) (البقرة 3). ومنذ بداية ادعائه النبوة اعتمد على السحر ليستدر عطف من حوله وزعم ان يهودياً عمل له سحراُ ليقتله. وقد ذُكر في الصحيحين عن عائشة أن النبي كانت تأتيه حالة يُخيل إليه فيها أنه يأتي نساءه ولا يأتيهن، أي انه كانت تعتريه حالة يستمني فيها دون أن يأتي النساء. وذلك أشد ما يكون السحر. 12 ومن المعروف أن محمداً كان يعاني من داء الصرع الذ يجعل بعض المرضى يستمنون أو يتبولون أثناء نوبة الصرع. وكالعادة أتى جبريل ليخبر محمداً أنه قد سُحر. . ‏‏َقَالَ محمد مخاطباً زوجته عائشة: يَا ‏عَائِشَةُ: ‏‏أَعَلِمْتِ ‏أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِى فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ، أَتَانِى ‏‏رَجُلانِ ‏‏فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِى، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَى، فَقَالَ الَّذِى عِنْدَ رَأْسِى لِلآخَرِ: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ (أي مسحور). ‏‏قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: ‏لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ؛ ‏‏رَجُلٌ مِنْ ‏بَنِى زُرَيْقٍ، ‏‏حَلِيفٌ ‏لِيَهُودَ ‏‏كَانَ مُنَافِقًا. قَالَ: وَفِيمَ؟ قَالَ: فِى مُشْطٍ ‏‏وَمُشَاقَةٍ. قَالَ: وَأَيْنَ؟ قَالَ: فِى جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، تَحْتَ رَاعُوفَةٍ، فِى ‏بِئْرِ ذَرْوَانَ. قَالَتْ: فَأَتَى النَّبِى ‏‏[...]‏ ‏الْبِئْرَ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ. فَقَالَ: هَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِى أُرِيتُهَا، وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ. قَالَ: فَاسْتُخْرِجَ. قَالَتْ: فَقُلْتُ أَفَلا تَنَشَّرْتَ؟ فَقَالَ: أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ شَفَانِى، وَأَكْرَهُ أن أُثِيرَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ شَرًّا. (أخرجه البخاري في: 76-كتاب الطب: 49 – باب هل يستخرج السحر).
وقرأن محمد يزعم أن الله أرسل ملكين، هاروت وماروت، إلى بابل ليعلما الناس السحر. (واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق) (البقرة 102).
أله الإسلام يرسل ملكين إلى بابل ليعلما الناس السحر، وكيف يتسنى لهم أن يفرقوا بين المرء وزوجته وكيف يضرون الأخرين ليثبت أن أعراض محمد من استمناء وغيره كانت بسبب السحر الذي دسه اليهودي في البئر لمحمد. ويبدو أن إله الإسلام قبل أن يرسل الملكين إلى بابل أجرى تجربة سحرية على موسى وقال له ألقى عصاك فاهتزت العصا كأنها مارد شيطان (وأن الق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبراً ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين) (القصص 31).
وحتى يؤكد لنا إله القرآن أن السحر شيء حقيقي، أجرى تجربة أخرى مع موسى عندما رأى ناراً وقال لأهله أمكثوا هنا حتى أرى ما هذه النار فربما آتيكم منها بقبسٍ. ولما وصل مكان النار اكتشف أنه في الوادي المقدس طوى، فسأله رب القرآن عما يحمل في يمينه فقال هي عصاي. قال له ألقها، فألقاها (فإذا هي حيةٌ تسعى) (طه 20).
فالسحر الإلهي هنا كان في منتهى الإتقان لدرجة أن موسى اعتقد جازماً أن عصاه أصبحت عفريتاً من الجن وقامت تطارده. والرسالة هنا واضحة أن السحر يقوم به الشيطان والجن وإبليس. وتأكيداً لذلك الفهم يقول لنا القرآن (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر). ويبدو كذلك أن الشياطين لا يضرون أحداً بسحرهم إلا بإذن الله. فالله شريك في السحر. ولكن كيف سمح الله أو أذن لليهودي ابن الأعصم وشياطينه أن يضروا محمداً ويجعلوه يستمني على ثيابه. ثم أن آيات القرآن تعارض بعضها، فمرة يقول إن الله أرسل الملكين هاروت وماروت ليعلما الناس السحر، وفي الآية أعلاه يقول إن الشياطين يعلمون الناس السحر (يتبع)

(3) السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون، علي بن برهان الدين الحلبي، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 86
(4) محمد ناصر الدين الألباني، صحيح السيرة النبوية، الطبعة الأولى، المكتبة الأردنية، باب ذكر نسبه الشريف
https://en.wikipedia.org/wiki/Ebionites(5)
(6) الهاجريون Hagarism بتريشيا كرونه ومايكل كوك، ترجمة نبيل فياض، الطبعة الأولى 1999ـ مطبعة كامبردج، ص 18
(7) تاريخ الرسل والملوك للطبري، دار الكتب العلمية، بيروت، ج2، ص 207
8) خليل عبد الكريم، النص المؤسس ومجتمعه، منشورات الجمل، دار مصر المجروسة، القاهرة عام 2002، ص 130
(9) السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق د. محمد فهمي السرجاني، الجزء الرابع الطبعة الأولى، عام 1978، المكتبة التوفيقية، مصر، ص 127
(10 تاريخ الرسل والملوك، الطبري، مصدر سابق، ج 2، ص 574
(11) من قاموس التراث، هادي العلوي، الطبعة الثالثة، الأهالي، دمشق، 1988، ص 24
(12) ابن قيم الجوزية، الطب النبوي، ص 147