أحمد بهاء الدين شعبان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: مصر الثورة : التجربة والتحديات !


أحمد بهاء الدين شعبان
الحوار المتمدن - العدد: 3325 - 2011 / 4 / 3 - 13:54
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

أجرى الحوار: فواز فرحان
من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا – 42 - سيكون مع الأستاذ أحمد بهاء الدين شعبان حول: صر الثورة : التجربة والتحديات!.
 

1ــ تنبأتم في عام 2008 بحدوث ثورة في مصر وها هي تتحقق على أرض الواقع وأعتقد أنها كانت نتيجة لدراسة عكست الواقع الموضوعي للحالة الاقتصادية في مصر ، كيف ترى مسار الثورة الآن والى أين تتجه؟

على امتداد السنوات الماضية ، كان يداخلنى يقين لا ينازعه أى شك ، أن مصر مقبلة على ثورة كبرى ، وقد عبّرت عن هذا اليقين فى المئات من المقالات والندوات ، بل وحتى المظاهرات والاعتصمات ، واللقاءات التلفزيونية والمؤتمرات ، داخل مصر وخارجها ، و ضمن هذه المقالات مجموعة من الدراسات التى تناولت الواقع المصرى بالتحليل ، نشرت بعضها تباعا فى " الحوار المتمدن " ، منها مقال بعنوان " شبح الجوع يحوم فى سماء مصر المحروسة " ، نشر فى شهر مارس ( آذار ) 2008 ، انهيته بالاستشهاد بجملة من مقال لصديقى السياسى المصرى المعروف " حمدين صباحى "، ونصها : " ستنفجر مصر ... لن يبقى المواطن ، رجلا ً أو امرأة ً ، واقفاً فى طابور المذلة وامتهان الكرامة وإهدار الحقوق ، إلى الأبد .. سيخرج المذلون المهانون يوما ، أراه قريبا ً ، من الطــابور إلى الانفجــار ، وعندها لــن يصـدّ الجـيـاع فى انفــجارهــم أحد : لا الرئيس ، ولا الوريث ، ولا أحمد عز [ الملياردير ، وصاحب أكبر احتكارات حديد البناء ، وأمين تنظيم الحزب الوطنى ، ورجله القوى ! ] ، ولا " الأغلبية " البرلمانية ، ولا المحليات المزورة ، ولا صحف النفاق ، ولا الحزب الوهمى ( الحاكم ) ، ولا الحكومة الفاشلة .. لا سلطة ، ولا قوة ، ولا أمن مركزى ، ولا قوات خاصة ، ولا حرس جمهورى ، ولا جيش !! ... سيأتى الطوفان ... ويجرف كل شئ ! " .

والحقيقة أن هذا الموقف لم يكن رجما بالغيب ، ولا قراءة عشوائية لطالع البلاد ، وإنما كان موقفا مبنيا على تحليل اجتماعى ـ سياسى صارم لمجمل الأوضاع السياسية والاقتصادية فى مصر : ( وضع علاقات الإنتاج ، والملكية ، والتناقضات الطبقية ، والفقر ، والبطالة ، ومعدلات التضخم ، والديون ، ونمط الإنتاج ... إلخ )، ، على امتداد العقود الأربعة الماضية ، وبشكل أكثر تحديدا ، فى العشر سنوات الأخيرة ، ولقراءة معمّقة لأزمة النظام الرأسمالى المصرى ، المباركى ، التابع ، فى ظل تأثره المباشر بتداعيات الأزمة الرأسمالية العالمية الآخذة فى التنامى ، والتى تبدو فى جوانب منها عديدة ، عصيّة على الحل .
وقد صدرت هذه الدراسات ، منذ أيام ، فى كتاب ، بعنوان " صراع الطبقات فى مصر المعاصرة "

وقد دفعت هذه القراءة ، مجموعة من السياسيين الأصدقاء ، من مختلف الاتجاهات السياسية ، (كنت من بينهم ) ، ينتمون جميعا إلى الجيل الذى يُعرف فى مصر باسم " جيل السبعينيات " ، والذى كان له
بصمة كبيرة فى السياسة المصرية المعاصرة ، إلى السعى من أجل التدخل لتحويل مجريات الجهد الوطنى لقطاعات مهمة من الكوادر السياسية النشطة ، من التركيز شبه الكامل ، على أنشطة مساندة الشعب الفلسطينى ، والشعب العراقى ، والاحتجاج على العدوان اللصهيونى ـ الأمريكى ، وغيرها من الأنشطة المهمة التى استغرقتنا آنذاك ، إلى التوجه لمواجهة النظام الحاكم ، ومواجهة سياساته الداخلية الإجرامية ، لا تنصلا من المواقف ضد الكيان الصهيونى والإمبريالية ، وإنما بعد أن تبين لنا أن جهدنا الضخم فى هذا المجال لم يُفض إلى نتائج ملموسة ، تغير معادلات الصراع فعليا ، وتقدم للأشقاء دعما استراتيجيا حقيقيا ، لا مجرد تعاطف وجدانى محدود الأثر ، بل اكتشفنا أن السلطة المصرية كانت قد ارتاحت إلى استنزاف جهود النخبة السياسية المصرية ، فى لعن الإمبريالية والصهيونية ، وجمع أطنان من الأدوية والأغذية لنقلها إلى أشقائنا فى فلسطين أو العراق ( تحت الحصار والحرب) ، ما دام الأمر بعيدا عن التعاطى مع القهر الذى يثقل كاهل شعبنا ، وعن عمليات النهب الداخلى ، ومجمل السياسات التى عصفت بالمواطن المصرى وقصمت ظهره ، وحولت مصر الكبيرة إلى قزم تابع لأمريكا وذيل للكيان الصهيونى .. وقد كان من نتيجة هذا التوجه أن تأسست " حركة كفايه " ، التى لعبت دورا معترفا به ، فى كسر حاجز الخوف ، والنزول إلى الشارع فى تحدٍ واضح لأجهزة القمع الشرسة ، وفى رفع سقف المطالب الشعبية إلى حدود المطالبة بتغيير رأس النظام ومنع توريث السلطة ، كما فتحت "حركة كفايه" الأبواب لإطلاق حركة احتجاج سياسى واسع ، ثم شعبى وعمالى كبيرة ( شارك فيها مئات الآلاف من العمال ، وبعضها شهد صدامات دامية مع قوات القمع سقط فيها العديد من الشهداء ، مثل انتفاضة عمال شركات الغزل وانسيج فى المحلة الكبرى ، عام 2008) ، ، وقد لعب الشباب دورا مهما فى هذه الهبّات ، وبما مهد للانفجار الكبير ، فى يناير 2011 . .

وها قد حدثت الثورة التى تراكمت عناصرها فى رحم الأرض المصرية ، على امتداد ثلث القرن الماضى ، منذ تم إجهاض ثورة الخبز الشعبية العارمة ، فى 18و19 يناير ( كانون الثانى) عام 1977، التى وصمها الرئيس الأسبق " أنور السادات " باسم " انتفاضة الحرامية " لكراهيته العميقة لها ، وفيها خرج الملايين من المصريين احتجاجا على رفع أسعار السلع الأساسية ، لكى يصطدموا بقوات الأمن بصورة غير مسبوقة .

لكن هذه الثورة الفريدة التى قدمت إنموذجا جديدا للثورة الشعبية المعاصرة ، ليست ثورة مكتملة ، بل ولم تحقق ، حتى الآن ، برنامجها الثورى ، والذى عبّرت عنه فى شعاراتها المحددة : " الشعب يريد إسقاط النظام " ـ " مدنية ( أى الدولة ) ... مدنية ... لا دينية ، ولا عسكرية ) ـ ( خبز ... حرية ... عدالة اجتماعية ) ، بل والأخطر أن الثورة تتعرض اليوم لتهديدات عديدة ، مرجعها التالى :

(1) بدأت شرارة الثورة ، بمبادرة مجموعات كبيرة من نشطاء الإنترنت ، ومواقع الفيس بوك ، والمدونات ، وغيرها من أشكال التعبئة والحشد والتنظيم ( الافتراضى ) ، وفى الواقع ، تحولت الدعوة للمشاركة فى مظاهرات يوم 25 يناير ، إلى ثورة شعبية فعلية بانضمام الملايين من المواطنين إلى دعوة الشباب للتظاهر ، خاصة بعد أن رأوا إجرام النظام فى مواجهة الشباب بعنفه وعدوانيتة ، ومن هنا فهذه الثورة تمت بلا قيادة فعلية ، ولم ينظمها حزب سياسى أو مجموعة أحزاب ، يشكلون قيادة محددة ، تخطط للثورة ، وتوجهها ، ويمكن التفاوض معها ، وإنما هناك جماعات متعددة ، أتمت تشكيل " ائتلاف شباب الثورة " للتنسيق فيما بينهم ، وهو ائتلاف مفتوح يقوده شباب متحمس ، لكن خبرته محدودة بألاعيب السياسة ، ودهاء الطبقات الحاكمة وتآمراتها للدفاع عن مصالحها ! .

(2) ورغم نجاح الثورة ، فإنها لم تصل إلى السلطة بعد ! .

لقد نجحت فى إزاحة رأس النظام المتسلط الفاسد ، ( حسنى مبارك ونجله وبعض رموز نظامه ) ، لكنها لم تقوض الطبقة الحاكمة ، ولا قبضت على أعنة الحكم ، ولم تقم بتصفية مراكزهيمنة الطبقة القديمة فى حزبها الساقط (الحزب الوطنى الديموقراطى ! ) ، وفى جماعات رجال الأعمال الذين نهبوا الثروة الوطنية على مدار العقود الأربعة الماضية ، ولا زالت الفلول الإجرامية لـ " جهاز مباحث أمن الدولة " ، الذى أحال حياة المصريين إلى جحيم ، حرّة تعيث فى الأرض فسادا ، ولازالت أبواق النظام السابق موجودة فى جهاز الإعلام الرسمى ، رغم تغيير جلدها بادعاء التواؤم مع الثورة ... وكل هذه العناصر وغيرها تهدد مسار الثورة ، وتبطئ من وتيرة إنجازاتها ، وتعوق محاولاتها لتحقيق أهدافها ، بل وتهدد بمخاطر أكبر على الثورة ذاتها .

(3) وحين تهاوى النظام السابق ، وفى غياب القوة الثورية الشعبية المنظمة ، تقدمت القوات المسلحة المصرية ( عبر " المجلس العسكرى الأعلى " ) للقبض على زمام الأمور ، وقد لقى هذا التصرف ترحيبا شعبيا بحكم تاريخ الجيش المصرى الوطنى ، وسمعته الشعبية ، التاريخية ، الطيبة ، وتعيش مصر الآن مرحلة انتقالية تحت حكم الجيش ، وهو الذى يصدر القرارات السيادية ، ويحدد مسار البلاد حتى يتم تسليم السلطة إلى المدنيين ، عقب إجراء انتخابات مجلسى الشعب والشورى ، وانتخاب رئيس الجمهورية القادم ، وجمعية تأسيسية لوضع الدستور الجديد للبلاد ، وهو ما يقتضى بقاء الجيش على رأس السلطة لنحو عام قادم .
(4) ومن أخطر الظواهر التى ترتبت على الثورة ، بظروفها السابق الإشارة إليها ، الدور الخطير الذى تلعبه التيارات الإسلامية الآن ، وهى ممثلة فى جماعة " الأخوان المسلمون " وانشقاقاتها ، وتلاوينها ، والتيارات الجهادية ( التى أفرج عن قياداتها مؤخرا ) ، والتيارات السلفية ( التى تربت فى حضن جهاز الأمن وكانت تستخدم ، دائما لنشر ثقافة الإذعان ، والرضا بالمقسوم، والخضوع للحاكم) .

وقد اتحدت هذه التيارات ـ على تناقضاتها ـ بعد الثورة ، فى محاولة لاقتناص مغانمها ، وللانقضاض على الحكم ، تحت ستار ديمقراطية الأغلبية ، مستفيدين من قوة عددية تصاعدت فى العقود الماضية ، فى ظل تجريف السياسة والوعى طوال حكم نظام مبارك ، ومن قوة مادية هائلة ، مصدرها دعم غير محدود على مدى عقود من دول الخليج النفطية ، وخاصة السعودية وقطر، فى ظل أزمة اقتصادية ضخمة وممتدة ، مع تواجد طبيعى للثقافة الدينية التقليدية ، وانتشار للغيبيات ، وارتفاع لنسبة الأمية ، فى مناطق الريف وأعلى صعيد مصر ، حيث يتعاظم تأثير هذه التيارات .

ورغم كل ما تقدم ، فإن زخم الثورة وضغط الملايين فى الشارع دفع ، ويدفع ، إلى الضغط على " المجلس العسكرى " لا تخاذ خطوات وراء خطوات لصالح الثورة ، وسلاح الجماهير الأساسى هو" المظاهرات المليونية " التى تحتل الشوارع ، وبالذات وسط المدينة ، كلما تأزمت الأمور ، ولفرض إرادة الشعب ، وإيصال صوته .


2ــ هل ترى الفرصة سانحة أمام عودة اليسار المصري الى دورهِ الطبيعي في الساحة السياسية المصرية بعد الثورة من خلال تحالف يساري واسع او حتى حزب موحد؟ أم أن هناك عوائق تقف بالضد من تحقيق هذهِ الفرصة ؟ وما هي ابرز التغييرات التي جرت في أحزابه ومنظماته بعد التغيير؟


أجهض عنف السلطة الانتفاضة الشعبية فى 18و19يناير 1977 ، التى أسلفنا الإشارة لها ، وقامت السلطة بسحق اليسار المصرى والحركة الشيوعية ، وتدمير المنظمات الشيوعية الوليدة ، التى لم يشتد عودها ، بعد اتهامها بالتحريض علي الانتفاضة ( كان لى الشرف بأن أكون أحد المتهمين فى هذه القضية ) ، وتفاقمت الأوضاع بعد سفر السادات للقدس المحتلة ، وتوقيعه لاتفاقية " كامب ديفيد" ، حتى كان اغتياله يوم 6 اكتوبر 1981 ، على يد متطرفين إسلاميين ، ثم فرضت حالة الطواريء ( لازالت مستمرة حتى الآن ) ، وسنت قوانين تجرّم العمل السياسى المعارض بكل أشكاله ، واليسارى على وجه التحديد ! .

وتواكب ذلك مع صعود متزامن لحركة الإسلام السياسى ، مستفيدة من الفراغ الناجم عن هزيمة النظام الناصرى والفكر القومى ، وتراجع مصداقيته بعد هزيمة 1967، ومن لجوء السلطة الساداتية للتحالف معه فى مواجهة اليسار والشيوعيين ، داخل الجامعات المصرية ، وخارجها ، ومع صعود الحقبة النفطية التى تركت بصماتها ، الأيديولوجية والمالية ، على الملايين من المصريين ، الذين عملوا فى خليج النفط ، وعادوا إلى مصر المتمدينة ، حاملين أفكارا محافظة ، وأموالا لا حد لها ، كانت الظهير الذى احتضن ومول ودعم ، صعود الإسلام السياسى ، فضلا عن الدعم المباشر وغير المباشر من الأنظمة اليمينية العربية ، وعلى رأسها المملكة السعودية ، والدعم الأمريكى والغربى المفتوح ، بعد اشتراك ما أصبح يطلق عليهم "الأفغان المصريين" ، ضمن المجهود الحربى الأمريكى / السعودى/ الباكستانى / المصرى ( الساداتى ) ، فى الحرب الموجهة ضد "الاتحاد السوفيتى" السابق ، فى أفغانستان ، تحت شعارات إسلامية مُزيّفة !.


لقد خرج اليسار المصرى بعامة ، والحركة الشيوعية ، بصفة خاصة ، من عقد السبعينات ، بقوى منهكة ، وإرادة مشتتة ، وأوصال ممزقة ، وهجرت أعداد غفيرة منهم العمل النضالى ، يأسا وإحباطا ، فيما صادر الحديث باسم اليسار " حزب التجمع " ورمزه " رفعت السعيد " ، فقدما أنموذجا مشوها ليسار خانع للسلطة ، يبرر لها أفعالها ، ويُستخدم أداة لمواجهة " الأخوان " بعد أن بدأ صعودهم ، مستفيدين من شهر العسل الممتد مع النظام ، يقلق السلطة ، ويثير مخاوفها .

وقد أسهم اليسار المصرى ، كأفراد وتجمعات محدودة فى جميع الأنشطة المعارضة لنظام مبارك ، كحركة " كفايه " ، التى شاركت فى تأسيسها ، وغيرها ، لكنه افتقد ، دوما البناء التنظيمى المستقل ، الذى يمنحه القدرة على التأثير والقيادة ، رغم عِظم تضحياته وجهده الفائق ، الأمر الذى بدد الكثير من جهوده ، وعظـّم من استفادة القوى الأخرى ، الدينية والليبرالية ، من الزخم الذى حدث ، وكان اليسار طرفا أصيلا فى صنعه ، دون أن يستفيد منه ! .

ورغم كل شيئ فالفرصة التاريخية الآن ، مفتوحة ، أمام اليسار للخروج من أزمته ، والانخراط فى عملية البناء والنمو ، فهناك طلب شعبى متزايد على العمل السياسى ، وهناك نهوض جماهيرى واسع ، واحتدام شديد للصراعات الاجتماعية والسياسية ، وهناك أرض مصرية عطشى لليسار ودوره الغائب ، فى الدفاع عن حقوق الطبقات الشعبية ، والمصالح الوطنية العليا .

والآن ، بعد الثورة نشطت جهود يسارية متعددة لتجاوز هذا الوضع السلبى ، وبناء التنظيم المستقل . وهناك عدة مبادرات بدأت العمل فى هذا السياق ، منها مبادرة العديد من كوادر يسارية، وبعضهم من أعضاء " حزب التجمع " السابقين ، الذين حاولوا إصلاحه ، دون جدوى ، فغادروه ، وانضموا إلى الشكل الذى أعلن تحت اسم " ائتلاف القوى الشعبية " ، واشترك مع رفاق آخرين فى تأسيس " الحزب الاشتراكى المصرى " ، فضلا عن وجود منظمات " تروتسكية " منها "الاشتراكيين الثوريين " و" التجديد الاشتراكى " ، و" حزب العمال الديموقراطى " ، وبين أغلب هذه المجموعات علاقات نضال قديمة ، وتنسيق مستمر ، وحوارات من أجل البحث عن أفضل السبل لتوحيد الجهود .

وهناك توافق عام بين الجميع على أن نسعى مخلصين للتنسيق العالى بين جميع هذه المحاولات ، ويدور حوار متصل بينها فى ساحات النضال الحقيقى ، وفى معارك الشوارع ، ودفاعا عن حقوق العمال والفلاحين والطبقات الفقيرة فى المجتمع ، وهو ما يحقق شرط أساسى لكى تكون الوحدة المتوخاة وحدة حقيقية ، يُعَمِدُها النضال المشترك ، ويحميها الانصهار بين الكوادر المناضلة فى أنشطة الكفاح ، وحتى لا تكون وحدة شكلية ، تتم تحت وطأة الظروف الضاغطة ، ثم ينفرط عقدها بعد حين ، وهذه هى خبرة تاريخ اليسار المصرى ، وربما العربى ، الذى لم تصمد له وحدة ، لأنها ـ على الأرجح ـ تمت كلها فى الغرف المغلقة ، بعيدا عن ميادين الكفاح الفعلى .


3ــ لعبت المرأة المصرية دوراً ثورياً بارزاً في تفاصيل ثورة 25 يناير 2011 وكل من شاهد الأحداث شعر بصعوبة التمييز في الأدوار بين المرأة والرجل ، هل تتخوّف على دور المرأة المصرية بعد الثورة ؟ أم أنها رسّخت أقدامها من اجل مجتمع مدني خالي من التمييز ؟


كان مشهد المرأة المصرية ، خلال وقائع الثورة مبهجا إلى حد كبير . ومرجع ذلك يعود إلى إدراك أن مساهمتها الكبيرة فى الثورة ، جاءت برغم الحرب الضارية التى تعرضت لها ، وتعرض لها دورها ، فى المجتمع ، على مدار العقود الماضية ، وبالأخص منذ هـُزم مشروع مصر ، النهضوى ، التحررى ، فى عصر عبد الناصر ، وعلى إثر الصعود الكبير للقوى والتيارات الإسلامية ، عقب هزيمة عام 1967 .

ارتبط صعود التيارات الإسلامية فى مصر ، بإشاعة منظور متخلف للمرأة ، وكذلك لدورها ، ولوضعها فى علاقات الإنتاج القائمة ، ونـُظر إليها باعتبارها مصدرا لمتعة الرجل ، وآلة لاستيلاد الذرّية ، لا شريكا متكافئا مع الرجل فى معارك الوعى والبناء ، ووصل الأمر إلى قيام شباب الجماعات الإسلامية ، والأخوان ، بالفصل القصرى بين الجنسين ، داخل مدرجات الكليات الجامعية ، بعد عقود من اكتساب المرأة لحقوقها الاجتماعية والسياسية فى المجتمع ، ومع العلم أن المرأة نالت الحق فى شغل منصب الوزيرة منذ أكثر من من نصف قرن ! .

ومن هنا فبمشاركة المرأة المصرية فى الثورة ، تسترد حقا استلب منها ، نتيجة ً للموجة الرجعية العاتية ، التى ضربت مصر والمنطقة ، حاملة نظرة دونية للمرأة ، طفت على السطح بتأثير الثقافة السائدة فى دول الخليج النفطية ، التى دفعت سياسات السادات بعشرات ، الملايين من المصريين إلى السفر إليها طلبا للرزق ، فى أول الهجرات الكبيرة للمصريين ، المرتبطين ، تاريخيا ، بأرضهم ووطنهم ! .

والواقع أن المرأة المصرية ، رغم كل ما تقدم ، كانت شريكا للرجل فى كل المعارك السياسية والاجتماعية والثقافية ، طوال العقين الأخيرين ، ولكن على مستوى أقل ، غير أن المرأة العاملة ، بالذات ، لعبت دورا متعاظما فى النضالات الطبقية ، التى تصاعدت وتيرتها فى السنوات الأخيرة ، وفى إضرابات مدينة " المحلة الكبرى " الصناعية ، الشهيرة ، عام 2008 ، والتى كانت إحدى المحطات الفارقة التى مهدت للثورة ، لعبت العاملات دورا كبيرا ، ورياديا ، فى تفجير الهبّة ، وحمايتها ، وتقديم الدعم اللوجيستى لآلاف من العمال المضربين ، وكان الشعار الداوى : " الرجالة فين ... الستات أهم ! " ، بمثابة النداء الذى حفز العمال الذكور للانتفاض ، وفى موقع مجلسى الوزراء والشعب والشورى ، الذى احتله المعتصمون ( من العمال والعاملين ) ، قبيل الثورة ، ورفضوا مغادرته إلا بالاستجابة لمطالبهم ، كان للمرأة دورا ملحوظا فى هذه الفترات الهامة ، التى كانت إحدى مراحل التمهيد لثورة 25 يناير .

وعلى ما تقدم ، فأجدنى متفائلا بأن المرأة المصرية ، التى استأنفت رحلة تطورها التاريخى المعطلة عبر اشتراكها اللافت فى معارك الثورة، سيكون صعبا للغاية إعادتها إلى " المخزن " ، أو " المعتقل " ، الذى أجبرت على البقاء فيه طوال المرحلة الماضية ، بل على العكس ، فأنا مطمئن أنها ستطور دورها ، إلى المشاركة الإيجالبية والفعالة فى تأسيس مصر الجديدة المأمولة .


  4-  الثورات التي حدثت في عالمنا العربي في الآونة الأخيرة يصفها البعض بإنتفاضات عادية ضد عصابات في السلطة ، هل تتفق مع هذا الرأي أم أنها ثورات حقيقية إنبثقت نتيجة للصراع الطبقي في هذهِ البلدان وتأثيرات العولمة على الطبقات الفقيرة ؟ وفي ضوء ذلك كيف تقيم افاق الحركة العمالية والنقابية المصرية؟

من الخطأ النظر إلى الانفجارات الهائلة التى زلزلت العالم العربى ، مؤخرا، باعتبارها مجرد انتفاضات عادية ، فلا يمكن ، سواء بتحليل مساحة الانتشار، أو بقياس درجة العنف ، أو بالنتائج ( رغم أنها لازالت فى البدايات الأولى ) ، إلا أن نرى اختلافها الكبير ، عما سبق ... فبالمقارنة ، على سبيل المثال ، مع أكبر الانتفاضات الشعبية المصرية ، يومى 18و19 يناير ، نجد فروقا هائلة لصالح الثورة الأخيرة ، وفى ليبيا ، مثلا ، أتخذ الصراع أبعادا أخطر ، استدعى صداما بالغ العنف بين الشعب والنظام .

ربما ما يدفع إلى هذا اللبس ، هو الطبيعة المستحدثة ، نسبيا ، لهذه الثورات " النيوكلاسيكية " ، إذا جاز التعبير ! .
فهى ثورات شعبية ، كما حدث فى الكثير من نماذج الثورات الماضية ، لكنها تختلف عنها فى الكثير من سماتها الرئيسية ، وهو ما يجب أن يسعى علماء السياسة ، للنوصل إليه ، فى تحليلاتهم لها ! .

فكما نعلم من تاريخ الثورات فى العالم ، أن نماذجها الكلاسيكية ، المعروفة ، اتبعت عدة موديلات أصبحت مشهورة ، ومن أهمها :

(1) : نموذج الثورة الطبقية ( البروليتارية )، وفيها يتولى " الحزب القائد " ذو الطبيعة الطبقية ، العمل على تنظيم وقيادة الطبقة التى يستهدف إعدادها للثورة : الطبقة العاملة ، فى الثورة البلشفية الروسية ، عام 1917 ، وطبقة الفلاحين فى الصين ، بعد ذلك ، وفى نماذج أخرى ناجحة ، وأخرى فاشلة ، كان هذا هو الطريق المعروف ، والنهج المعتمد ! .

(2) : وهناك نموذج الانقلاب العسكرى ، الذى يتحول إلى "ثورة" ، بموجب التأييد الشعبلى الذى يلقاه ، وأبرز أمثلتها ثورة 23 يوليو 1952 ، فى مصر ، أو حتى نموذج الثورة المسلحة فى كوبا ، التى بموجبها استولت " الطليعة الثورية " ، أو " عصابات " من الثوريين المسلحين ، على السلطة ، وحولها الدعم الجماهيرى ، إلى ثورة لا زالت ممتدة حتى الأن .

وقد تعمم نموذج الانقلاب العسكرى الذى تحول إلى ثورة فى دول العالم الثالث ، وفى منطقتنا ، حتى لا تكاد تفلت منه دولة ، مشكلا أغلب "دول الاستقلال" ، بعد انتهاء عصر الاستعمار ! ، ثم ما لبثت هذه النظم ( الوطنية ) ، فى أغلبها الأعم [ باستثناءات محدودة ] ، أن سامت شعوبها العذاب ، وهو ما دفع هذه الشعوب للثورة عليه ، بعد أن شاخت على كراسى الحكم ، ونخرها الفساد من كل جانب ! ، وتحولت إلى نظم استبدادية وجب رحيلها.

ربما ما يربك البعض ، أن هذه الثورات الجديدة ، أتت بعيدا عن " الكتالوج " المعتمد ، أومن خارج " النموذج " المتعارف عليه ، والذى درسناه طويلا ، وحفظنا تفاصيله ! .

لكن أليست الماركسية التى علمتنا دائما أن " شجرة الحياة دائمة الاخضرار" ، وهى التى أوجبت على الثورى الحقيقى أن يكون أشد التصاقا بالواقع ، وأقدر على قراءة معطياته ، وتطوير مواقفه بحسب ما تعطيه هذه القراءة من مؤشرات !؟.

فى غياب الطبقة العاملة المنظمة ، والحزب القوى القائد للثورة ، تحركت فـئات الشباب ، فى مصر ، مثلا ، واستخدمت أحدث معطيات العصر : شبكات الإنترنت ، و" الفيس بوك " ، و" التويتر " والمدونات ، واستطاعت أن تفاجئ الجميع ، بتنظيم الدعوة للتظاهر ، يوم 25 يناير 2011 ، وهى التى أطلقت شرارة ما حدث .

وفاجأت هذه الدعوة أساسا أعتى وأشرس جهاز أمنى فى المنطقة ، يراقب حتى " دبّة النملة " ، لكن لأنه كان ـ فى النهاية ـ جهازا تقليديا ، رغم كل إمكاناته، ركّز جهده على مراقبة الكيانات الحزبية المعروفة ، والأشكال المعادية التقليدية ، التى اعتاد على التعامل معها طوال العقود المنصرمة ، لم يدرك أن واقعا جديدا يتشكل بعيدا عن إدراك " بصاصيه " ، وأن أدوات جديدة للعمل تتخلق لا يكاد يدرى شيئا عن قدراتها ... فسقط ، ومن قبله سقط القادة التقليديون للأشكال السياسية البائسة القائمة ، بعد أن شاخوا على مقاعدهم ، من نوعية " رفعت السعيد " ، الذى اكتفى بوصف هؤلاء الشباب باعتبارهم " شوية عيال لاسعين " ، ( أى مجموعة أطفال تافهين أو مجانين أو ماشابه ! ) .

لكنى أتمنى على كل الرفاق أن يعكفوا على دراسة هذا النمط الجديد من الثورات الشعبية ، التى تبدو بلا قيادة واحدة معترف بها ومنظمة ، وحتى بلا برنامج محدد بدقة ، لكنها تتجذر يوميا فى الواقع ، بفعل دخول الجماهير الغفيرة إلى ساحة الصراع ، وفى مقدمتها الطبقات الأكثر راديكالية ، وممثليها السياسيين ، فتمنحها ، يوما بعد يوم ، إصرارا أشد ، وعمقا أكبر .

فالثورة المصرية بدأت بدعوة لمظاهرة ، يوم عيد الشرطة ، لإبراز التناقض بين تاريخ هذا الجهاز الوطنى ، وحاضره المقيت ، حيث يُحتفل بيوم 25 يناير ، كذكرى لمعركة بطولية دارت بين الشرطة المصرية وجنود الاحتلال البريطانى عام 1951 ، ولكن مع التصدى الهمجى من قوات الأمن لتظاهرة الشباب السلمية ، انطلق هدير الشباب ، ومن انضم إليهم من الجماهير ، المستفزة من العدوانية والضراوة التى قوبلت بها المظاهرات الشبابية ، وارتفع سقف الشعار الحاكم للمواجهة ، إلى " الشعب يريد إسقاط مبارك " ، ثم إلى سقف أعلى : " الشعب يريد إسقاط النظام " ، ثم بالدعوة للاعتصام حتى تنفيذ هذه المطالب ، ومع كل خطوة تصعيد لعنف النظام ، كانت سقف مطالب الثائرين يرتفع ، ويحقق مكسبا أعظم ، على النحو الذى شاهده العالم أجمع ! .

بل أنى أعتقد أن هذا النمط من الثورات قد يكون الإسهامة الأكبر لشعوبنا العربية ، فى تاريخ ثورات شعوب العالم ، وعلى اليسار الحقيقى ألا يتأخر أبدا فى التفاعل مع إرهاصاتها ، والارتباط الحميم بها ، ومساعدتها على النجاح فى مواجهة أعدائها ... والأكثر أهمية ، فى الاستفادة من تفجراتها لتجديد دمائه ، والانفتاح العقلى والتنظيمى على شبابها ، وعلى العالم الجديد للتكنولوجيا الحديثة واستخداماتها النضالية ! .



أما فيما يخص الحركة العمالية والنقابية المصرية ، فمن الضرورى الإشارة إلى أن حركتيهما ، قد استولت عليها السلطة الرسمية ( الناصرية ـ الساداتية ـ المباركية ) ، وجندتهما لخدمة السلطان وللتسبيح بحمده ، وللسيطرة على الطبقة العاملة المصرية ، وضمان خضوعها للسلطة ! ، مستخدمة فى ذلك بعضا من النقابيين العملاء ، الذين انحصرت مهمتهم فى منع أى حركة ثورية عمالية ، وإجهاض أى تحرك نقابى أو سياسى للطبقة العاملة ، مقابل امتيازات ومزايا ، وتغاض عن سرقات ، ومظاهر واضحة للتكسب والفساد ... إلخ .

وقد تصاعدت وتيرة النقمة على هذا النوع من المرتزقة النقابيين ، وعلى اشكالهم البيروقراطية التابعة للنظام ، خاصة مع ازدياد تدهور أوضاع العمال المصريين ، بعد تنفيذ سياسات " التكييف الهيكلى " و " الخصخصة " و " التحرير الاقتصادى " ، وباقى حزمة السياسات الاقتصادية " النيوليبرالية " ، التى أدت إلى الإفقار الرهيب للطبقة العاملة والفلاحين وصغار المستخدمين ، بل وحتى لقطاعات من الطبقة الوسطى ( المستورة ، حسب التعبير المصرى الدارج ) .

دفع هذا الوضع إلى انطلاق الدعوة لتأسيس نقابات مستقلة للطبقة العاملة والعاملين والمستخدمين ، فتكونت " النقابة المستقلة للعاملين فى الضرائب العقارية " كأول نقابة مستقلة ، ثم سرعان ما انفتح المجال أمام العشرات من النقابات المستقلة ، تحت التأسيس ، لكى تدشن أكبر حركة خروج جماعى على بيروقراطية التنظيم النقابى ، وأوسع مسعى نحو بناء الحركة النقابية الجديدة ، المستقلة عن البنيان البيروقراطى التسلطى للنظام ، والتى لا تدين بالولاء إلا للطبقة العاملة وأهدافها ، وحسب .

ولا شك أن مناخ الثورة أتى بدفعة جبارة إلى هذا التوجه ، الذى ينتظر من خلاله ، أن تولد مجددا حركة نقابية عمالية جديدة ، أكثر ثورية وارتباطا بقواعدها العمالية الحقيقية ، وتعبيرا عن أشواقها لتحقيق التقدم الاجتماعى والسياسى .



5 ــ تحاول القوى الكبرى في صراعها إستقطاب جماعة الإخوان المسلمين والغرب يريد توجه اسلامي معتدل منهم على غرار النموذج التركي حتى يسمح بتوليهم مقاليد الحكم ، هل تعتقد بأن الشعب المصري سيسمح للإسلام السياسي بقطف ثمار ثورتهم أم أنهم سيمضون نحو ديمقراطية علمانية حديثة ؟ .


أشرت فى الإجابة على السؤال الأول [ فقرة (4) ] ، إلى جانب من الإجابة على هذا التساؤل ، وأكمل فأشير إلى أن :
1ـ البيئة الدينية المحافظة ، التى ارتبطت تاريخيا بثقافة المجتمعات الزراعية ، والنهرية الرتيبة بالذات ، هى بيئة مواتية للدعاية الدينية .

2ـ التيارات الإسلامية ، وفى مقدمتها جماعة الأخوان المسلمين ، والتى يمتد تاريخها بلا انقطاع من عام 1927 وحتى الآن ، هى الأقوى تنظيما ، والأكثر من ناحية العدد ، والأكبر ( بما لا يقارن ) من ناحية الإمكانات المالية ، وقد قدمت لها الدول العربية المحافظة ، مساعدات سياسية ومادية ضخمة ، وتوج هذاعلاقة تاريخية وطيدة بين السعودية وجماعة الأخوان ، حيث جمعهما كراهية "جمال عبد الناصر " ومساره التحررى ، واستمر التعاون طوال حكم السادات ، ولفترة طويلة فلى ظل مبارك ! .

3ـ جاء انهيار المشروع القومى بمدد ضخم للتيارات الأصولية ، التى كانت تخوض صراعا داميا مع النظام الناصرى ، واعتبرت هزيمته عام 1967 نصرا لها من الله على من وسمته بالكفر ! ، وبدأ بحدوثها طورا جديدا من أطوار حركتها التى تستهدف : " أسلمة مصر " ، وجعلها دولة إسلامية يخضع الجميع فيها لشروط وفروض هذه الدولة .

4ـ تعاونت سلطة الرئيس السادات مع " الأخوان المسلمين " ، فى مواجهة خصومه من الشيوعيين واليساريين ، فى الجامعات المصرية وخارجها ، ودام " شهر العسل " ، طويلا ، خاصة مع دخول الولايات المتحدة على الخط ، وبدء تنفيذ خطة نقل كميات كبيرة من الأفراد المصريين إلى باكستان لتدريبهم عسكريا ، ثم إلى أفغانستان لمقاتلة القوات السوفيتية ، أواخر السبعينيات الماضية ، وقد مولت الأسرة الحاكمة السعودية هذه العملية ، ورعتها المخابرات الأمريكية ، وهذا أمر ثابت وموثق .

5ـ مع تطور أوضاع الأخوان ، وسعيهم للسيطرة على مجلس الشعب ، والمواقع الرخوة فى النقابات المهنية الأساسية ( أطباء ـ مهندسين ، محامين ... إلخ ) ، انزعجت السلطة السابقة من خطورة المنافسة ، وسعت إلى تحييد تأثيرهم عن طريق تملق الشعور الدينى الشعبى والإسلاميين من ناحية ، وإلى اللعب بسلاح الدين ، لعزل الأخوان ، ولنشر الزعم بأن السلطة هى راعية الدين من ناحية أخرى ، كما تبنت بعضا من " مشايخ السلطان " ، من الجماعات السلفية ، فتحت لهم الأبواب ، وساعدت على تحقيق الانتشار الواسع لهم ، لتبنيهم خطاب غير معادى للسلطة ، وسمحت لهم بمساحات واسعة ، عبر الفضائيات والإذاعات والمطبوعات ، التى انتشرت فى العقود الأخيرة ، للتأثير المباشر على المجتمع ، الذى يخضع للأمية ، والفقر ، والثقافة التواكلية والفكر المحافظ ، وبالذات فى مناطق الأرياف الفلاحية ، و" الصعيد الجوانى " ، حيث القطاع الأكثر محافظة وتأخرا .

5ـ مع انطلاقة الثورة تحفظت جماعة الأخوان فى البداية ، حتى تأكدت من نجاحها فشاركت فيها ، وخلال تطورها قبلت دعوة النظام للتحاور مع نائب الرئيس السابق ، عمر سليمان ، ثم تراجعت لما لمست الاستياء العام ، وداخل صفوفها من هذه الخطوة ، وبعد رحيل مبارك تواصلت مع " المجلس العسكرى الأعلى" ، ثم كانت الهيئة السياسية الوحيدة الممثلة فى لجنة إعداد التعديلات الدستورية ، التى رأسها القاضى ذى الميول الإسلامية ، الأستاذ طارق البشرى ! .

6ـ بنهاية أحداث الثورة ، يوم تنحى مبارك ( 11 فبراير 2011) ، انفك الاصطفاف التكتيكى الذى جمع كل أطياف القوى السياسية : اليسارية والقومية والليبرالية والإسلامية ، فى مواجهة الديكتاتورية ، ومع الاستفتاء الذى تم على تعديلات دستورية طفيفة ، أم دستور جديد كامل عكس الشرعية الثورية الجديدة ، انحازت جماعة الأخوان ، كعادتها ضد حركة الثورة ، ووقفوا فى مواجهة كل أنصار الدولة المدنية والمجتمع المدنى والديموقراطية والمواطنة .

وجندت جماعة الأخوان ـ مع غيرها من التيارات الجهادية والسلفية ـ المساجد والدعاة ، لحض جموع " المسلمين " على رفض المطالبة بالدستور الجديد ، بحجة أن المطالبة به خروج على الشرع (!) ، وتمكين المسيحيين من حكم البلاد ! ، وتم تكفير المطالبين بدستور يليق بالثورة ويعكس إرادة الشعب ، بزعم أنهم يريدون إلغاء المادة الثانية من الدستور ، التى بثها السادات ( قبيل اغتياله ) بين ثنايا دستور عام 1971، واستفتى الشعب عليها ، مع مادة أخرى تتيح للرئيس الحكم لـ " مدد " غير محددة (!) ، وهى تقول بأن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع ، بعد أن كانت الشريعة الإسلامية مصدرا رئيسيا للتشريع ، فى الدستور السابق ! .

7ـ واكب هذه التطورات سلسلة من التحركات الخطيرة ، استهدفت ترويع المجتمع بإشاعة الفوضى والذعر فى البلاد ،عن طريق إطلاق المجرمين من السجون ، والدفع بالبلطجية لممارسة الإجرام عيانا بيانا ، فى ظل الانسحاب الخطير لقوات الأمن من الشوارع ، وبدأ السلفيون فى إثارة الأحقاد الطائفية ، فثلموا آذان أحد المسيحيين فى مدينة قنا ، وقتلوا مواطن لم يؤد الصلاة ! ، وطاردوا فتيات غير محجبات ، وهددوا المجتمع بالويل والثبور ، وبطرد من طالب بالدستور الجديد خارج البلاد ، وبدا تنسيقهم واضحا مع الأخوان ( أعداء الأمس ! ) ، فى تصريحات قيادييهم بأنهم سيدعمون الأخوان فى انتخابات مجلس الشعب القادم ، وطالبوهم للتنافس عل انتخابات الرئاسة التالية !.

8ـ مع تباطؤ إجراءات المجلس العسكرى ، والوزارة الجديدة ، فى مواجهة رموز النظام الفاسد السابق ، وناهبى المال العام ، ومفسدى الحياة السياسية ، نظمت قوى الثورة مظاهرة حاشدة بميدان التحرير ، يوم الجمعة 2 أبريل الماضى ، سميت " جمعة إنقاذ الثورة " مما يحاك ضدها من مؤامرات ، رفضت جماعة الأخوان المشاركة فيها
، إعلانا كاملا عن انفصالها عن مشروع الثورة ، وتواطؤها الواضح لحساب مصالحها الضيقة ، ومصالح الفصائل المتاجرة بالدين ، التى تهدد وحدة الوطن ومستقبل الثورة .

9ـ فى غضون ذلك أطلق مسؤلون أمريكيون أكثر من تصريح ، لايعارضون فيه مشاركة الأخوان فى الحكم ، ويثنون فيه على التغير فى مواقفها ، والتى كان أبرزها إعلان الدكتور عصام العريان ، أحد أبرز رموزها ، عن أن جماعة الأخوان لا تعارض فى استمرار اتفاقية الصلح مع إسرائيل ، اتفاقية " كامب ديفيد " ، لطمئنة الولايات المتحدة والغرب ، على ألا داع للتخوف إذا ما وصلت للسلطة ! .

10ـ تستعد الجماعة لخوض انتخابات مجلس الشعب ومجلس الشورى ، والجمعية التأسيسية للدستور الجديد وانتخابات الرئاسة ، وكلها ستتم فى خلال بضعة أشهر قليلة قادمة ، فى ظل إصدار السلطة الحاكمة ( وبمباركة الأخوان ) ، قوانين صارمة تـُجرِّم التظاهر والاعتصام ، وتفرض عدد خمسة آلاف عضو ، كشرط أوّلى ، تعجيزى ، لتكوين أى حزب جديد !، وبما يعنى أن التيارات الإسلامية ، وفى مقدمتها جماعة الأخوان ، مع فلول الحزب الوطنى ( حزب سلطة مبارك ، والذى لم يحل حتى الآن ! ) ، والذى يعيد تجميع صفوفه ، ويملك ـ مثله مثل الأخوان ـ إمكانات مادية هائلة ، سُرقت من قوت الشعب ، سيسعيان لاقتسام السلطة القادمة ، كما كانا يتصرعان عليها فى الماضى !!! .

11ـ وبمقارنة سريعة يبدو " حزب العدالة والتنمية " التركى ، أكثر انفتاحا وتطورا وقبولا بآليات الصراع الديموقراطى ، من جماعة الأخوان ( التى ترفض ترشيح المرأة أو المسيحى لمنصب رئيس الدولة ، وتطالب فى برنامجها بلجنة رقابة على البرلمان والدولة مكونة من مشايخ الجماعة لها الحل والربط ! ) ، وطبعا لا يمكن مقارنة الوضع فى تركيا بانحيازات التيارات الجهادية والسلفية المصرية ، المغرقة فى الجمود والتصلب والانغلاق ومعاداة التعددية والسناحة الفكرية ، ومع هذا فالرهان ربما يكون على انفتاح تيارات الشباب فى الأخوان ، التى طورتها المشاركة فى المعارك ، كما حدث فى وقت الثورة ، وتفتحت مداركها ، مؤخرا ، مع احتكاكها بغيرها من التيارات المدنية ، وهى على مشارف التمرد على القيادات الجامدة للجماعة ، وتريد للجماعة أن تتحول إلى إطار ديموقراطى مفتوح ، وشفاف ، وخاضع للمساءلة والتقييم .

وأخيرا يبدو الصراع من أجل حماية الديموقراطية الوليدة فى مصر، أمرا بالغ الصعوبة والكلفة ، لكن يقينى أن الشعب الذى أنجز معجزة الثورة المصرية الأخيرة ، قادر على حمايتها ، وكما تصدى لجيش الأمن المركزى (مليون ونصف المليون جندى ، مدجج بأعتى الأسلحة ) ، وجحافل جهاز " مباحث أمن الدولة " الرهيب ، و" الحزب الوطنى " ، حزب " مبارك " ، البالغ تعداده ثلاثة ملايين عضوا ، فأحالهم إلى هباء منثور ، فى بضعة ساعات ، قادر وحده على ردع كل من تسول له نفسه سرقة الثورة العظيمة ، أو القفز عليها لانتهاب مسيرتها ...

ألم يقل شاعر شعبنا العظيم ، " أحمد فؤاد نجم " وأنشد منشدها الخالد " الشيخ إمام " :

" الشعب هو الباقى حى

هو اللى راح

هو اللى جى

طوفان شديد

لكن رشيد

يقدر يعيد

صنع الحياه ! " ؟! .


أحمد بهاء الدين شعبان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القاهــرة فى : 2/4/2011
 




تعليقات الفيسبوك