-مبارك- براءة: حاكموا شعب مصر!*


أحمد بهاء الدين شعبان
الحوار المتمدن - العدد: 5467 - 2017 / 3 / 21 - 17:20
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

"مبارك" براءة: حاكموا شعب مصر!*



هاقد انتهت المهزلة، أو لنقل "المسخرة"، وحدث ما كان مُتوقعاً !.

فقد جرى تبرئة كل من اتُهم بجرائم نهب، وإفقار، وتعذيب، وتخريب، حياة الملايين من المصريين، على امتداد ثلاثين عاماً من حكم دولة الفساد والاستبداد، ولم يكن متبقياً إلا أن يهل علينا "البطل"، "المظلوم"، "الصابر"، الرئيس "حسنى ميارك"، "ضحية المؤامرة الدنيئة على مصر"، يوم 25 يناير2011، إياه، لا أعاده الله، فى المشهد الختامى الملحمى، "الكروشندو"، مُطلاً على الجماهير، بعد أن خرج من أغلب التهم الموجهة له، خروج "الشعرة من العجين"، لكى يحييهم، والدمع، من فرط التأثر، يكاد يطفر من العيون، والأيدى من فرط الحماسة تكاد تدمى، تصفيقاً وتحية!.

"آسفين ياريِّس"!
فقد تم تهيئة الظروف، ورسم الخطط، وتستيف الأوراق، وإجراء المناورات، وحبك المؤامرات، وصرف الملايين، حتى حدث ماحدث، وما كان يمكن أن يحدث سواه، منطقياً، فى ظل توازنات القوى المختلة بين "الثورة" وعداء الثورة، بعد أن نجحوا فى تبريدها، وامتصاص زخمها، وإدخالها فى سكك ومتاهات، كان القصد منها: إزالة أى أثر إيجابى لها فى الواقع والنفوس، ورسم صورة مختلقة، وكاذبة، بل وبشعة، لوقائعها، تجعل أصحاب المصلحة فيها، بل والصانعين لها، وكل المشاركين بها، يدفعون ثمناً باهظاً، عقوبةً رادعةً لهم، لأنهم تجرأوا وحلموا بأن يكونوا بشراً كسائر البشر، لهم الحق فى الأمل، وفى الحياة الحرة الكريمة، بل وجعلوا البعض منهم، يعض أصبع الندم على أنه فكر، مجرد تفكير، بتغيير "مبارك"، فقد كانت أيامه – قياساً لهذه الأيام النكد – أيام عز و"بغددة"، يرتع فيها عشرات الملايين من المصريين فى الوفرة والبحبوحة(!)، حتى وقعت "مؤامرة"، أو "عملية" 25 يناير، فتبخرت الأيام الجميلة... وضاع كل شيئ.. و"آسفين ياريس"!.
مبارك برئ: فمن قتل مصر إذن!

ولم يقل لنا من أوصل الأمر إلى هذه النتيجة، ولا أجاب لنا "إعلام"، أو الأصح "إعلان" الصوت الواحد، الذى طاح فى الجميع تشكيكاً واتهاماً، عن السئوال المنطقى، الذى يطرح نفسه إزاء هذه النتائج: إذا كان "مبارك" بريئاً، فمَن الذى أوصل الأمور إلى ماوصلت إليه إذن؟!.

- مَن الذى جعل من مصر الكبيرة الرائدة، وصاحبة أقدم دولة فى التاريخ، "شبه دولة"، والكلام ليس لنا، وإنما لرئيس الدولة الحالى، "عبد الفتاح السيسى"، بعد أن كانت دولة القيادة والريادة؟!.

- ومَن الذى دمّر حياة البلاد السياسية، وشرعن "كرتونية الأحزاب"، وطارد السياسيين، وسجن المفكرين، وتباهى وزيره بأن فى عصره قد تم أدخال المثقفين فى الحظيرة"، فتراجعت قوة مصر الناعمة، وتردت إلى أسفل سافلين؟!.

- ومن الذى أطعم المصريين الأطعمة التى لاتصلح للاستخدام الآدمى، ومَن الذى جرّعهم المياه الملوثة، وسرّب إليهم الأسمدة المسرطنة، واستبدل زراعاتهم الموروثة بالتقاوى الفاسدة؟!.

- ومَن الذى أوصل الفساد فى عهده "إلى الرُكَب"، كما أعلن "البرئ" أيضاً، "زكريا عزمى"، قطب النظام الكبير، حتى غرقنا فى مستنقعه، ومَن الذى فتح الأبواب الموصدة أمام نهب الأهل و"المحاسيب" لمليارات الشعب، وتهريبها إلى ينوك سويسرا والغرب، فأفقر العباد، وأشاع الخراب فى أرجاء البلاد؟!.

- ومَن الذى أشاع الاستبداد حتى أصبحت السجون مجازر، وأقسام الشرطة، التى كانت "فى خدمة الشعب" مسالخ، ومَن الذى جعل من مصر ساحة لتعذيب من تريد أمريكا أن تستنطقهم، لأن القانون لا يسمح لها بارتكاب هذه الجريمة البشعة فوق أراضيها؟!.

- ومن الذى عَزَلَ مصر عن محيطها العربى والأفريقى والإقليمى، بعد أن كانت "الشقيقة الكبرى"، والقوة الراعية، والحاضنة، والمُحفِّزة، لكل خطوة إيجابية بها، والدافعة لأى تطور إلى الأمام فيها، حتى وصلنا إلى اللحظة التى أتقوقعت فيها مصر داخل أسوارها المُخترقة، ولم يعد لها رأى ولا مهابة، حتى أصبحت فيها شَربة المياه مهددة، وشريان الحياة مُختطفاً، بفعل الغفلة والفشل، وفقدان الأهلية وحس المسئولية، الذى يصل إلى حد الإهمال والتواطؤ!.

- ومن الذى ضرب التعليم المصرى، الذى أخرج لنا علماء نوابغَ، ومبدعين أفذاذَ، فى مقتل، فتردى وضعه، وانهار مستواه، حتى وصلنا للدرك الأسفل فى جودة التعايم، على مستوى العالم كله؟!.
- ومن الذى فتح الأبواب على مصراعيها، استكمالاً لسياسات سلفه "السادات"، أمام زحف جيش الظلام الإخوانى والوهابى، فتقاسم معه السلطة والثروة، ومنحه آلاف الزوايا والمساجد والمدارس والمعاهد، ووهبه الصحف والفضائيات، يرتع فيها، وينشر من خلالها فكر الترويع والتكفير، والعنف والإرهاب، حتى اخترق نخاع الدولة والمجتمع. ومَن الذى نسّق مع "الجماعة" وأشياعها، فى الانتخابات والأنشطة، حتى دانت لها أعِنّة النقابات وأروقة البرلمان، وتطور عددها "من ألف شخص فى جيل عبد المنعم أبو الفتوح" إلى ربع مليون فى نهاية عهد "مبارك"، كما يقول الأستاذ "سامح عيد"، الكاتب، والعضو السابق فى الجماعة ‘ (المقال، 13 مارس 2016).

- ومن الذى خرّب القطاع العام، وباعه فى سوق "الكانتو" بأبخس الأسعار للأقارب والأحباب، فتراكت المليارات فى خزائن المليارديرات الجدد، من الأهل والعشيرة، وبات الشعب على الطوى، وتحولت مصر الكبيرة، المُنتجة، إلى مصر القزمة، المستوردة لكل شيئ، ولأى شيئ، فضاع استقلالنا السياسى، بعد أن فقدنا قدرتنا على تحقيق جانب من الاكتفاء الاقتصادى!؟.

- ومَن الذى أجاع المصريين، وأغلق أمام شبابهم سُبل الحياة، فأجبرهم إلى الهجرة، وأغراهم على السفر، بالملايين، إلى بلاد الغربة الروحية والبدنية، تائهاً فى بلاد النفط والوهابية والتصحر الفكرى، فعاد لنا بالنقاب على العقل والوجه، وبفكر المجتمع الريعى فى الوعى والوجدان، وبالسيف، المرفوع فى وجه الناس والوطن، وهو يقطر دماً فى اليد، يجز به الأمل والرقاب؟!.

- ومن الذى حول مصر إلى أداة تابعة، ومطيِّة طيِّعة، للسيد الأمريكى، تأمر فيقال لها: سمعاً وطاعةً، وتنهى فننتهى، وتشير فنقبل، وتُخطط فنُنفذ؟!.

- ومن الذى وصفه "بنيامين بن أليعازر"، الوزير الصهيونى العتيد: "أنه كنز إسرائيل الاستراتيجى"، تعبيراً عن الامتنان لما قدمه لإسرائيل من أيادٍ بيضاء، وخدمات جليلة؟!.

أسئلة الضرورة!
لكن، وقبل كل هذه الأسئلة، وبعدها: إذا كان "مبارك" وزبانيته أبرياء من قتل وإصابة المئات من المتظاهرين السلميين، فى 25 يناير، فمن، إذن، الذى قام بهذا الفعل الدنيئ؟!.

ولماذا لم تُقدم الأجهزة المعنية، بعد مرور أكثر من ست سنوات، من ارتكب هذه الحرائم الشنيعة إلى (العدالة) لكى تقتص منه ؟!، ومن صاحب المصلحة فى تمييع هذه القضية، و"لفلفة" ملفاتها؟!
ومرة أخرى، والكلام واضح: إذا كان "مبارك" برئ، و"حبيب العادلى"، وزير داخليته، وضباط أمنه أبرياء، فمن قتل الشهداء، وضرب المصابين ؟!، ومن هم "القنّاصة" الذين "لبدوا" فى أعالى عمارات "ميدان التحرير"، واصطادوا من هذه الارتفاعات الشاهقة ضحاياهم الأبرياء؟!.

وإذا كانوا، كما يتردد، من "حماس" و"الإخوان"، وأغلب قيادات "الجماعة" فى السجون، فلماذا لم تعلن الأسماء والحقائق؟!.

هذه الأسئلة وغيرها، كان يجب، ولازال من المُحتّم، أن يُجاب عليها، وعلى العشرات من الأسئلة المماثلة غيرها، قبل محاولة إغلاق الملف، وطى صفحة الماضى، لأنها أسئلة البداهة والضرورة، أسئلة الحسم والحتم، ومالم يُجب عليها، وإذا ما تُركت معلقة فى فضاء البلاد، ستعاود الإطلالة بالرأس، وفرض نفسها على الواقع، من يوم لآخر، حتى يأتى يوم "تترد فيه المظالم"، كما قال "ابن عروس"، ومن السذاجة المُفرطة تصور أن حكم براءة "مبارك"، ومن قبله أحكام براءة زبانيته، ستسدل ستائر النسيان على تاريخه، وستُبيِّض ثوبه الملوث بالدم والفساد.

إن إغلاق الملف على هذا النحو المُستَفز، الذى يستخف بالعقول، يعنى ضمناً القول بأن المجرم الحقيقى هو الشعب المصرى (النمرود)، بعد أن تمرد على حكم الرجل "الوديع"، "الطيب"، و"الوطنى"، "المخلص"، و"النبيل": "مبارك"، الذى ظُلم ظُلماً بيناً، ولا يتوق إلا إلى مغادرة محبسه إلى سكناه البسيط، وهو استخفاف بالغ الخطر، ردد نغماته، بألحان متباينه، العديد من الأبواق والأزلام، وصدرت أصداءه من فضائيات تخريب الوعى، التى تملأ سماوات المحروسة، بهدف "الغلوشة" على حقيقة القضية، وطمس ملامحها، وتشويه جوهرها الواضح، وهو أمر بالغ الحساسية، وسيكون له، حتماً، نتائجه الوخيمة، إذا لم يكن اليوم ... فالمؤكد غداً !.

وأخيراً، فمن المرفوض أن يتذرع البعض بذريعة "الحرب على الإرهاب"، وهى حرب وجود ومصير فعلية، تخوضها مصر، ولابد لها من الانتصار النهائى فيها، كمبرر يدفع لتجاهل خطورة هذا الجرح المفتوح، الذى ينز صديداً، ويملأ الجو بالقيح والنتن، لأن الإرهاب ونظام الفساد والاستبداد، وجهان لعملة واحدة، ولن نهزم أحدهما إلا إذا هزمنا الآخر.



تعليقات الفيسبوك