درس تاريخي


أحمد بهاء الدين شعبان
الحوار المتمدن - العدد: 4265 - 2013 / 11 / 4 - 22:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

نقرأ التاريخ لكي نتّعظ من أجل المستقبل، وفي هذه الأيام الصعبة التي تخوض مصر فيها معركة ضارية ضد الإرهاب، وبالذات ذلك الذي تمارسه قطعان العنف والقتل والتخريب الدموي في كل أنحاء البلاد، ما أحوجنا إلى إلقاء نظرة، ولو عابرة، على الماضي، حتى لا ننسى، وحتى نعرف جيدًا، كيف بدأت المأساة، ولكي نستخلص الدروس الواجبة ونحن نخط معالم الأيام القادمة.

يلفت نظرنا جميعًا العدوانية، روح الكراهية والتدمير التي نراها في سلوك طلاب الإخوان، ومن لفَّ لفّهم، في الجامعات المصرية، وبالذات في جامعة الأزهر، وهو ما يثير عشرات علامات الاستفهام حول مستقبل هذه المؤسسة العريقة، التي كانت قرينة الفكر المعتدل، والوسطية، وروح التسامح والانفتاح، على مدى القرون، وهو يشير كذلك إلى التغيّر العميق الذي جرى خلال العقود الأخيرة في بنيتها الفكرية، بأثر مباشر من عناصر جماعة «الإخوان» ورموز التطرف الديني، الذين احتلوا مواقع قيادية مؤثّرة، في جامعة الأزهر، وفي وزارة الأوقاف أيضًا، مما ظهر في سلوك الكثيرين من «الدعاة» الدينيين، ووعاظ المنابر (الرسميين)!

ويُعيد ما يحدث في الجامعات الآن، الذكريات حول واحدة من أكبر الأخطاء التي ارتكبها نظام حكم الرئيس الأسبق «أنور السادات»، بإيعاز من بعض مستشاريه، الذين زيّنوا له الإقدام على تأسيس «جماعات دينية» في الجامعة، من أجل التصدّي لخصوم نظامه، من الاشتراكيين والناصريين في الجامعات ومعاهد الدرس.

كان لجوء نظام السادات إلى استخدام سلاح الدين في الصراع السياسي، بمثابة إطلاق لـ«عفريت» الإرهاب المتستر زيفًا بالدين من مكمنه، وإفلاته في المجتمع لإرهابه وترويعه، على نحو ما رأينا ونراه، بالأمس البعيد والقريب، واليوم أيضًا.

ولديّ في هذا السياق شهادات دامغة لا مجال لإنكارها أو المزايدة عليها، هذه مجرد أمثلة، منها: شهادة المهندس «وائل عثمان» (خريج هندسة القاهرة)، في كتابه المعنون «أسرار الحركة الطلابية، هندسة القاهرة: 68 - 1975»، والتي يحكي عبر صفحاته وقائع الاتصالات والاجتماعات التي جرت بين شباب ما كان يسمّى آنذاك بـ«التيار الإسلامي» وأركان النظام وأجهزة الأمن، للتخطيط من أجل تحطيم انتفاضة الطلاب، ويكفي للدلالة على هذا التوجّه الخطر ما ذكره «وائل عثمان» على لسان «سيد مرعي»، الأمين الأول لمركزية الاتحاد الاشتراكي التنظيم السياسي الأوحد، آنذاك: «إن ميزانية الشباب» تبلغ مليونًا ونصف المليون من الجنيهات، وأعتقد أنكم أولى بها، ويسعدني أن أضع كل إمكانيات الاتحاد الاشتراكي رهن إشارتكم!!

وبالطبع، فإن هذا العرض السخي يُقدّم مقابل الدور المطلوب لضرب الانتفاضة الطلابية الوطنية!

- شهادة «محمد عثمان إسماعيل»، نفسه، والتي ذكر فيها بالحرف: «بادئ ذي بدء، أقر أنني شكّلت الجماعات الإسلامية في الجامعات بالاتفاق مع المرحوم السادات"!

- شهادة اللواء «فؤاد علام» المدير السابق لمكتب النشاط الديني بمباحث أمن الدولة، التي يروي فيها جانبًا من دور «محمد عثمان إسماعيل»، والدكتور «محمود جامع» اللذين كلّفهما السادات بتشكيل تنظيمات دينية في الجامعة لمواجهة وقمع الحركة الطلابية.. وحدث اجتماع مهم في مقر الاتحاد الاشتراكي حضره المستشار «محمد إبراهيم دكروري» و«محمد عثمان إسماعيل»، واتخذ القرار السياسي بدعم نشاط الجماعات الدينية ماديًّا ومعنويًّا، واستخدمت أموال الاتحاد الاشتراكي في طبع المنشورات وتأجير السيارات وعقد المؤتمرات، وأيضًا في شراء المطاوي والجنازير التي وضعها أركان التنظيم السياسي للدولة في أيدي الجماعات الدينية في الجامعات، وبعد أن مُزّقت أجسادنا داخل الحرم الجامعي، عادت لتصبح مدافع رشاشة ومتفجرات تمزق شمل الوطن، وتضرب النظام في الصميم، بعد أن تغيّرت التحالفات، وشعرت هذه الجماعات الإرهابية أن الوقت قد حان للانقضاض على السلطة، وتحقيق أهدافها الخطيرة، المعلنة، عن تقويض الدولة الوطنية، وبناء دولتهم على أنقاضها!

وشهادة أخرى حديثة:

وفي وثيقة مهمة تم الكشف عنها حديثًا، نشرتها شبكة «ويكيليكس» (Wikileaks)، تحمل الرقم [1976cairo04727_b] بعنوان «الحكومة المصرية تُشجّع على ظهور يمين إسلامي»، صادرة عن السفارة الأمريكية بالقاهرة، يوم 9 أبريل عام 1976، حول قرار الحكم المصري، بقيادة الرئيس الأسبق «أنور السادات» القاضي بـ«تمويل وتأسيس كتلة يمينية تشمل جماعات التيار الديني، لتبقى على المسرح السياسي في مواجهة الكتلتين: الناصرية والماركسية، اللتين أشعلتا المشهد السياسي المصري، آنذاك،وتسببتا في نشوب حالة من الاحتقان السياسي، بسبب تردّي الأوضاع الاقتصادية، التي رأوا أن قوانين السادات الانفتاحية كانت سببًا فيها».

واستنادًا إلى حوار مع رئيس «المجلس الأعلى للشئون الإسلامية»، محمد توفيق عويضة الذي التقاه السفير الأمريكي، فإن «عويضة» ضرب مثالاً للتدليل على «بسط نفوذ اليمين الإسلامي على كلية الهندسة بجامعة القاهرة، والمعروفة بنشاط الكتلة اليسارية فيها!». تقول الوثيقة إن «رجل الأعمال المعروف بخلفيته الإخوانية»، المليونير «عثمان أحمد عثمان»، (نائب رئيس الوزراء، وصهر «السادات»)، «أغدق من ماله على الكلية، وعلى أنشطتها (المضادة لليسار)، مستعينًا بخلفيته السياسية في تعامله مع طلاب الكلية، كما تم استقدام المحاضرين من ذوي الانتماءات الدينية إلى الكلية، كان من بينهم محاضر أتى من السعودية، وآخر ينتمي إلى جماعة الإخوان ممن أخرجتهم الحكومة المصرية خارج البلاد، وشهدت الكلية جلسات منتظمة لقراءة القرآن وتفسير معانيه، كما صودرت جريدة الكلية، لأنها أجرت حوارًا مع الكاتب «محمد حسنين هيكل»!

وتقول الوثيقة إن «جهود الحكومة المصرية لدعم التيار الإسلامي لم تقتصر على الحرم الجامعي، بل امتدت لتشمل السماح بإصدار مجلة (الاعتصام) التي تصدر شهريًّا، وتم من خلالها إفساح المجال للترويج لأفكار ومواقف إسلامية متطرفة، إلى جانب إطلاق المحطات الإذاعية والقنوات التليفزيونية التي تدعو إلى العودة إلى (تقاليد الإسلام)»..!

وقد أكد الأستاذ «محمد حسنين هيكل» هذا المعنى، حين أشار إلى «السياسة الجديدة» التي فكر فيها، وأشرف على تنفيذها المهندس «عثمان أحمد عثمان» وكان مؤداها «استعمال شباب (الجماعات الإسلامية) في التصدي لجمهور الشباب القومي (والتقدمي)، في الجامعات، ومع استمرار مظاهرات الطلبة بسبب فوات (عام الحسم) (1971) -كما أسماه الرئيس (السادات)- دون حسم، فإن مطلب التصدّي تحول إلى مطلب ردع، وكان أن ظهرت العصى والجنازير وسكاكين قرون الغزال، وبالطبع فإن نزعة العنف لم تقتصر على الجامعة، وإنما تسرّبت إلى المجتمع الواسع خارجها!».

وكان ما رأيناه من أن «نزعة العنف» هذه، سرعان ما تحولت إلى رصاصات قاتلة، انطلقت من أصابع أولئك الذين راهن عليهم في معركته ضد معارضيه وخصومه السياسيين، فاغتالت «أنور السادات» نفسه، في احتفالات «ذكرى العبور العظيم» يوم 6 أكتوبر عام 1981.



إنه درس تاريخي، ويا له من درس!



تعليقات الفيسبوك