إنجلترا رعت الإرهاب .. فاكتوت بناره!


أحمد بهاء الدين شعبان
الحوار المتمدن - العدد: 5537 - 2017 / 5 / 31 - 17:45
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     


اعتُصرت القلوب وانفطرت الأكباد، على ضحايا هجوم "مانشستر" الإرهابى الهمجى.
عشرات القتلى والضحايا الأبرياء، ومنهم أطفال صغار. لم يفعلوا شيئاً يُبرر قتلهم بهذه الوحشية، بل اجتمعوا فى سلام يسمعون الموسيقى، ويرددون الأغنيات، ويقضون ساعات مرحٍ هنيِّة، قبل أن يدهمهم ملك الموت، المتستر فى عباءة "داعشى" يدّعى الغيرة على دين الإسلام، فيقتل من أكرمه و آواه، ويسفك دم من أحسن وفادته، ويقدم صورة بشعة، تُسيئ أول ماتُسيئ، إلى الدين الحنيف، الذى صوروه فى نظر العالمين، باعتباره دين التحريض على القتل وسفك الدماء، هو الذى أمرنا فى قرآنه الكريم، إلى أن ندعو إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، لا بأصابع الديناميت والأحزمة الناسفة!.
عزاء واجب!
نعزى الشعب البريطانى فى مصابه الجلل، نحن الذين طالما عشنا لحظات اللوعة وفقدان الأحباء، ونحن نودع جثامينهم الطاهرة، بعد أن اغتالت يد الغدر والإرهاب أرواحهم الطاهرة!..
أمام كارثةٍ كهذه لابد أن نقف صامتين، متشحيتن بالسواد، مطأطئى الرءوس، حزناً وتعاطفاً. وهو أمرٌ طبيعى، فالمصابون بشرٌ لم يرتكبوا جُرماً يبرر هذا المصير المأساوى، ونحن، كمصريين، وعرب، أكثر شعوب الأرض قاطبةٍ شعوراً بفداحة ماحدث، فقد اكتوينا، ولازلنا، بنار الأرهاب، وسُفكت دماءنا، ولازالت، بزعم تنفيذ أوامر الرب، وقُتلنا ونُقتل بادعاء الزود عن العقيدة!.
الحق أحق أن يُتبَّع !
لكن الوقوف أمام خطب الموت، وتقدير اللهفة على المفقودين، والحزن على الأبرياء المقتولين، لا يجب أن يجعلنا نغفل عن قولة الحق، بل هو بالأحرى مايدفعنا إلى النطق بها، لأنها وحدها التى يمكنها أن تنقذ انجلترا أو غيرها من "بلاد الله"، غداً، وتمنع سقوط ضحايا آخرين، ولأن الصمت عن الجهر بمكنونها إنما يُساعد المجرم على الهرب، والقاتل على النفاذ من دفع ثمن جريمته، والاستعداد لمجزرةٍ جديدة!.
الحقيقة الغائبة !
والحقيقة التى يجب أن يعرفها العالم، ويعرفها الشعب الانجليزى فى المقام الأول، أن سياسات الإمبراطورية العجوز، منذ فتوتها وحتى الآن، هى التى صنعت مأساة "مانشستر"، على نحو ماصنعت سياسات الولايات المتحدة واقعة برجى التجارة العالمية الشهيرين، بالماضى القريب!.
فقراءة تاريخ الأمس، بوقائعه وتطوراته، وخاصةً إذا كان مكتوباً بقلم واحد من أبناء جلدتهم، أكبر مُفسِّر لما حدث اليوم، وسفر: "التاريخ السرّى لتآمر بريطانيا مع الأصوليين"، [Secret Aaffairs, Britain’s Collusion With Radical Islam]، الذى كتبه الخبير والباحث البريطانى فى "المعهــد الملكى للشئون الدوليـة"، "مـارك كورتيس"، [Mark Curttis]، يفضح، وبشكلٍ جرئ، وموضوعى، ومستند إلى آلاف الوثائق القابعة فى أضابير أجهزة المخابرات والأمن والخارجية البريطانية، ماضى بريطانيا مع جماعات وممالك العنف والتكفير، منذ أوائل القرن الماضى، وحتى الآن !.
هذه الجماعات والممالك، رُسم لها دوراً وظيفياً مُحدداً فى المنطقة:
أولاً: أن تُشكِّل "حائطأ للصد أمام التوسع الروسى إلى الطريق البرى الإمبراطورى من الهند الهند البريطانية إلى مصر التى يُسيطر عليها البريطانيون"، ولاحقاً ضد توسع البلشفية الروسية بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية، التى يمر عليها هذا العام قرن كامل على تفجُّرها.
وثانياً: تأمين مصادر "النفط الذى كان قد دخل إلى الصورة، حينذاك، مع تأسيس شركة النفط الأنجلو إيرانية فى "فارس" عام 1908، واكتشاف النفط فى العراق، (والسعودية وصحراء الخليج) بعد ذلك".
وثالثاً: لحماية صنيعة الاستعمار، القاعدة الإمبريالية المتقدمة فى المنطقة: الدولة الصهيونية، ولنتذكّر، أنه سيمر، بعد بضعة أشهر، مائة عام، على صدور"وعد بلفور" البريطانى الشهير، والذى منح من لا يملك، من خلال سطوره، الحق لمن لا يستحق، (يهود الغرب والشرق)، تفويضاً بنهب أرض فلسطين، وطرد شعبها، لإنشاء "وطن قومى" لليهود، عليها!.
مؤامرات التقسيم !
وهكذا راحت القوة الاستعمارية البريطانية تنهش أحشاء المنطقة: تستغل شعوبها، وتنهب خيراتها (كحال مصر)، وتُحَرِّضُ فيها القوى والقبائل على المنافس التركى، العثمانى، "رجل العالم المريض"، وتمزق خرائطها، بالتعاون مع فرنسا، وغيرها من القوى الكبرى، وترسم خرائط النفوذ فيها، عبر اتفاقية "سايكس بيكو"، التى مر أيضاً قرنٌ بالكامل على صدورها، العام الماضى، ولم تُفضح بنودها إلا بعد أن استولى الشيوعبون الروس على السلطة، عام 1917، وأذاعوا بنودها !.
تاريخ ما أهمله التاريخ !
وفى سياق جهود الحفاظ على هذه المصالح الكبرى للإمبراطورية البريطانية، التى كانت لا تغيب عنها الشمس، اكتشفت أهمية الدين، كسلاحٍ ماضٍ فى تطويع الناس فى منطقتنا، والهيمنة على وعيهم، وباشرت، منذ وقت مبكر للغاية، استخدام هذه الوسيلة الفعَالة لتأمين مصالحها، المشار إليها، ولم تتورع عن دعم نفوذ "صنيعة بريطاني آخر، هو عبد العزيز بن سعود، وهو أمير كان يُمثّل قوة صاعدة فى وسط الجزيرة العربية"، فقدمت له السلاح والمال، خلال الحرب العالمية الأولى، ووقعت معاهدة معه فى 1915، واعترفت به حاكماً لإقليم نجد "تحت الحماية البريطانية".
التحالف مع "المتزمتون القساة"!
والأدهى، أن المسلكيات الإمبريالية الذرائعية، أو النظرة البرجماتية، الانتهازية، (الممتدة حتى الآن فى سياسات الولايات المتحدة وبريطانيا وسائر دول الغرب)، شجّعت بريطانيا على التحالف مع الحركة الوهابية المتصلبّة، رغم وصف "ونستون تشرشل"، وزير المستعمرات، عام 1921، لعناصرها، بهذا الوصف العميق البليغ: " متزمتون قُساة، ومسلحون جيداً، ومتعطشون للدماء، ويرون أن من واجبهم مثلما هو من إيمانهم، أن يقتلوا كل من لا يشاركهم آراءهم وجعل أطفالهم ونسائهم عبيداً، وقد جرى إعدام النساء فى قرى وهابية لمجرد ظهورهن فى الشوارع، وكان لبس زى من الحرير جريمة جنائية، وتم قتل الرجال لتدخينهم السجائر"!.
لقد جعلت إمبراطورية "التحضر" و"الرقى"، البريطانية، ودناً من طين، وأخرى من عجين، إزاء إغراءات المصالح، وغضّت البصر عن كل هذه الجرائم والأوصافّ، مادام بريق "الذهب الأسود" يخطف الأبصار، ويملأ الخزائن !.
.. واللعب مع "الإخوان"!
ومرةً أخرى، تتأكد شواهد هذه الاستراتيجية الانتهازية، الثابتة، فى التعامل البريطانى مع "جماعة الإخوان"، منذ نشأتها فى مصر، على يد "حسن البنا"، عام 1928، ولم تتوان عن دعمها، منذ التأسيس، وتمويل أنشطتها.
ففى هذه الآونة اشتد الصراع بين الحركة الوطنية والنظام الملكى المهترئ، وكما يذكر الكتاب: فقد "اعتبر الملك "فاروق" الإخوان مُعارضاً مفيداً لقوة الحزب السياسى الرئيسى فى البلاد ـ حزب الوفد الوطنى العلمانى ـ والشيوعيين"، (وهو نفس موقف "أنور السادات"، بعد ثلاثة عقود، حينما تحالف، فى أوائل السبعينيات، مع الإخوان، لمواجهة نفوذ الاشتراكيين والناصريين، فى الجامعة والمجتمع!).
وصعّدت بريطانيا من تمويل ودعم الإخوان، التى اعتبرتهم أحد أدوات " مواجهة العداء المتنامى للاستعمار فى مصر".
وحينما تفجّرت ثورة 23 يوليو، زاد اعتماد البريطانيون على الإخوان، الذين كانت الهوّة قد اتسعت بينهم وبين النظام الجديد، لشكوك الاحتلال فى نوايا الضباط الشباب الذين آلت إليهم مقاليد حكم البلاد، تجاه قبولهم باستمرار بقاء قواتهم وقواعدهم فى مصر!.
مفاوضات من وراء الظهر !
وأجرى الدبلوماسيون الانجليز "مفاوضات سرّية من وراء ظهر الثورة"، مع قادة الجماعة، من ضمنها لقاءات بالمرشد العام "حسن الهضيبى"، و"صالح أبو رقيق" عضو مكتب الإرشاد، أبلغهم فيها أنه: "إذا بحثت مصر، فى كل أرجاء العالم، عن صديق، فلن تجد سوى بريطانيا"ّ !.
وبعد تأميم قناة السويس، جُن جنون البريطانيين، ورُسمت الخطط للإطاحة بنظام الرئيس "جمال عبد الناصر"، "وانطوت واحدة على الأقل من هذه الخطط على على التآمر مع الإخوان المسلمين"، وقد جرت فى جنيف اتصالات بجماعة الإخوان"ربما انطوت على بحث تنفيذ محاولة لاغتيال عبد الناصر، وإقامة حكومة فى المنفى تحل محل عبد الناصر بعد حرب السويس"!.
لابد من اختفائه!
وحين شنّت انجلترا وفرنسا، ومعهما الدولة الصهيونية، عدوان 1956، على مصر، كان الهدف الأول الواضح: "اختفاء نظام عبد الناصر"، و"تم الاضطلاع بالغزو والبريطانيون يدركون أن الإخوان المسلمين قد يصبحون هم المستفيد الأول ويشكلون حكومة مابعد عبد الناصر"!.
ومع صعود الأيديولوجية "الناصرية"، شعرت انجلترا، التى كان نفوذها يتراجع، ومعها الولايات المتحدة الأمريكية، الوريثة الفتية لقيادة العالم الرأسمالى، بالخطر من نتامى بروز هذا التيار، وتهديده لمصالحهما الهائلة فى المنطقة، وكرّسوا الجهود "لدحر انتشار القومية (العلمانية!)، بدعم الدولة الأشد اتساماً بالطابع المحاقظ فى المنطقة: السعودية"!.
"عبد الناصر: أداة ماركسية"!
ومرةً أخرى كان "الإخوان" حاضرون فى صلب المشهد، الذين وجد الكثيرون منهم ملاذهم الآمن فى السعودية، بعد صدامهم مع "عبد الناصر"، الذى اتهمته دعايات الخصوم، (الغرب، والسعودية، والإخوان)، بأنه: "ليس مسلماً حقيقياً وإنما أداة ماركسية"!، وزاد فى متانة الروابط بين هذه الأطراف، اتحادهم فى مواجهة "العدو المشترك"!.
دور "سعيد رمضان"!
ولعب دوراً مهما فى هذا المسار ، "سعيد رمضان"، الإخوانى العتيد، والذى كان، فضلاً عن دوره فى قيادة العمل الإخوانى الخارجى: "ومن بين أمور أخرى، عميلاً للمخابرات الانجليزية والأمريكية" وقد "حولت له وكالة المخابرات الأمريكية عشرات الملايين من الدولارات فى الستينيات"، كما يرصد الكتاب بالوثائق الدامغة!.

"جهاد" مُزيَّف !
وهكذا فقد تراكت الخطوات التى رسّخت العلاقة الثلاثية بين أطراف هذا الحلف المعادى لمصر، ولنظامها الوطنى، وللاتحاد السوفيتى، والذى انضم إليه "أنور السادات"، بعد رحيل الرئيس "عبد الناصر"، وظهرت ملامحه جليّة بعد أن حدث التدخل السوفيتى العسكرى فى أفغانستان، واستُخدم سلاح الدين، مجدداً، لجمع وتجييش المقاتلين، ومنهم مصريون، تحت رايات "الجهاد" المُزيّف، وتحت رعاية كبار تجّار الأفيون والحشيش من "أمراء الحرب"، وبمساندة، ولخدمة، الولايات المتحدة والغرب والسعودية.
و"القاعدة" ... أيضاً !
ومجدداً يبرز الدور الإخوانى، ودور جماعات التكفير والقتل والترويع، عبر المشاركة فى تأسيس معسكرات تنظيم "القاعدة"، وشن العمليات الحربية ضد الجيش السوفيتى، والتى مثّلت مصدراً هائلاً للتدريب والخبرة، وأفرخت، فيما بعد، شبكة عنقودية ضخمة، منشرة فى أرجاء المعمورة، من الإرهابين المحنكين، روّعت، ولا تزال، بلادنا، ومناطق أخرى فى العالم.
.. ثم "داعش" و"النُصرة"!
ثم تكررت نفس المسارات الدامية، فى تخليق ونشر جماعات "الإرهاب المعولم"، مثل "داعش" و"النصرة"، وغيرهما، واستخدامها كأداة لتفتيت الدول، على نحو ماجرى ويجرى فى العراق وسوريا واليمن وليبيا، وبالطبع كانت جماعة الإخوان حاضرة بقوة فى صدارة المشهد!.
الطعام المسموم!
ومن هنا كان من الطبيعى، آخيراً، أن تصل تداعيات الموجات الإرهابية إلى بريطانيا ذاتها، فما كان للطبّاخ إلا أن يذوق ماصنعه من طعامٍ مسموم!.
فبرغم فتح السلطة البريطانية الأبواب لرموز وحركات ومنظمات الإرهاب، وإسباغ الحماية عليها، ورفضها اعتبارالإخوان "جماعة إرهابية"، وإتاحتها، فى أغسطس الماضى، طلب اللجوء السياسى للمملكة، أمام أعضاء الجماعة، لم يحمها كل هذا من التعرض للدغة الإرهابية المميتة، على نحو ماحصل فى الساعلات الأخيرة، فى هجوم "مانشستر" الإرهابى الهمجى!.
لدغة الثعبان!
فها قد امتدت أنياب الذئاب الضارية، لكى تنهش اليد التى قامت على ولادتها، وأرضعتها لبنها، وأطعمتها، ورعتها حتى شبّت عن الطوق... فتتوحّشت، وباتت تُشكّل خطراً عليها، كما مثّلت على أطراف أخرى بالأمس القريب!.
لقد ظنت بريطانيا، المملكة الاستعمارية العجوز، صانعة المشايخ والسلاطين والملوك والرؤساء والدول والمماك، فى منطقتنا، وصاحبة الباع الطويل فى إدارة شؤونها وتسيير أمورها، أنها بمأمن من لدغة الثعبان الغادرة، حتى فاجأها الموت فى عقر دارها، لكى يؤكد من جديد أهمية الدرس القائل بأنه ليس للإرهاب صديق، ولا للغدر من مأمن!.
إنه، وياللعجب دهاء، أو مكر، أو لؤم التاريخ، الذى يُصرُّ دائماً على أن يُذكِّرنا أن من لم تعلمه الكتب، ستعلمه التجارب.
والعاقل من اتعظ!.



تعليقات الفيسبوك