نصائح عبد الله جول الضائعة


أحمد بهاء الدين شعبان
الحوار المتمدن - العدد: 4124 - 2013 / 6 / 15 - 11:00
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

بعد أقل من ثلاثة أسابيع من تنحي الرئيس المخلوع، "حسني مبارك"، زار مصر، في أوائل شهر مارس 2011، الرئيس التركي "عبد الله جول"، وكان أول مسئول أجنبي يزور مصر بعد الثورة، ونستطيع أن نفهم الآن لماذ جاءت هذه الزيارة، التي ظهر أنها كانت جزءًا من سيناريو إعداد "الإخوان" للسلطة، وخطوة فى مسار تهيئتهم لحكم البلاد؟!
التقى "عبد الله جول" آنذاك قيادة الدولة، ممثلةً في المجلس العسكري، والتقى المسئولين التنفيذيين للدولة، وطلب الالتقاء والتحاور مع مجموعة متنوعة من السياسيين المصريين أيضًا.
كنت واحدًا ممن اختارتهم السفارة التركية لهذه المناسبة، وفي صباح اليوم الرابع من شهر مارس، وكان يومًا ربيعيًا مشمسًا، لكنه بارد النسمات، اتجهت إلى السفارة التركية، للمرة الأولى والأخيرة، على كورنيش نيل القاهرة، حيث موعد ومكان اللقاء.
وجدت داخل الصالون مجموعة من السياسيين المصريين قد سبقونى فى الوصول: الأستاذ "جورج إسحق"، أول منسق للحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية)، الدكتور"سيد البدوي"، رئيس حزب"الوفد"، الدكتور"أيمن نور"، رئيس حزب"الغد"، وعدد من كبار قادة جماعة "الإخوان": منهم الدكتور"محمد بديع"، المرشد العام للجماعة، والدكتور "محمد مرسي"، والدكتور "سعد الكتاتني"، والدكتور "عصام العريان".
ثم سرعان ما قدم الرئيس التركي، وحضر اللقاء إلى جانبه سفير دولته والمترجم، ووزير خارجيته المتميز والمفكر الاستراتيجي المعروف "أحمد داود أوغلو"، الذي كنت قد قرأت له سفره المهم، المعنون بـ"العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في السياحة الدولية"، وهو مُجلد كبير (670 صفحة فى ترجمته العربية)، وضع فيه "داود أوغلو" أسس السياسة التركية الجديدة، القائمة على التوازن بين "الأمن" و"الحرية" في الداخل، إلى جانب "تصفير" المشكلات مع دول الجوار، أي حلها حلًا ناجزًا، والنزول بسخونتها إلى درجة الصفر، في ظل سياسة خارجية متعددة الأبعاد، تكفل لتركيا (الجديدة)، أن تلعب دورًا مؤثرًا في بيئتها الإقليمية، وفي العالم أجمع.
رحب بنا الرئيس التركي بحرارة، وبدأ حواره بتهنئة الشعب المصري على ثورته العظيمة، التي شدّت انتباه العالم أجمع، مبديًا إعجابه الشديد بها، وبالمظهر الحضاري الرفيع الذي بدت عليه، ومعربًا عن تحمسه وتحمّس إدارته لتقديم كل أشكال المساندة للشعب المصري العظيم، حتى يستعيد عافيته، ويبرأ من جراحه، ويتحرك إلى شغل المكانة الرفيعة التي يستحقها في مقدمة صفوف دول العالم.
وبعد كلمات بروتوكولية قصيرة لكل من الحضور المصريين، الذين رحبوا بالرئيس التركي، وأشادوا بمبادرته لزيارة بلادنا كأبرز مسئول أجنبي يزور"مصر الثورة"، وتمنوا ازدهار العلاقة بين الشعبين لتحقيق مصلحتهما المشتركة، استأذن الرئيس "جول" في توجيه حديثه إلى ممثلي جماعة الإخوان الموجودين في اللقاء، وقال باللغة العربية، موجهًا حديثه إلى "د. محمد بديع": "يا فضيلة المرشد، اسمح لي أن أقول: لقد انتقلتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر!".
ثم عاد الرئيس التركي إلى الحديث بلغته الأم، الذي يقوم المترجم بنقله إلى اللغة العربية جملةً جملة!
تدفق حديث الرئيس التركي باتجاه مرشد جماعة "الإخوان" ومرافقيه.
قال لهم: "إنني هنا لكي أقدم لكم خلاصة تجربتنا في حزب"العدالة والتنمية"، وأعرض أسرار تقدمنا، وحصولنا على ثقة شعبنا، وأرجو أن يكون فيها ما يفيدكم ويفيد شعبكم".
"يا فضيلة المرشد لقد تقدم حزبنا لأننا سعينا إلى نيل قبول مواطنينا، ولم نفرض عليه أنفسنا بالعنف، وراعينا ثقافتهم وتاريخهم، واحترمنا عاداتهم وتوجهاتهم، ولم نكرههم على اتباع ما لا يُطيقون، وإنما راعينا متطلباتهم ولبينا حاجاتهم، وتحركنا بهم ومعهم خطوة خطوة، ولم نشتد في معاملتهم، أو نجبرمه على ما لا يريدون!".
"يا فضيلة المرشد كونوا رفيقين بمن يحمل أفكارًا مغايرة، ولا تُضيّقوا عليهم أو تصطدموا بهم أو تخسروهم، لأن المجتمع يغتني بتنوعه، ويثري ويتطور بتعدد مصادر أفكاره!".
"اهتموا بالشباب فهم - وفي مصر بالذات - عصب الثورة والمضحون في سبيلها وصُنّاع بطولاتها".
"كونوا مرنين في التعامل مع الليبراليين والعناصر المثقفة في المجتمع، ولا تضيِّقوا عليهم، فهم حسّاسون لقيِّم الحرية".
"واهتموا بشركائكم في الوطن، مسيحيي مصر، فلهم أن يشعروا بالأمان في وطنهم الذي نشأوا تحت سمائه، وعاشوا فيه كل حياتهم".
... ... ... ... ... ... ... ... ...
واستمر الرئيس التركي يقدم خلاصة تجربة حزبه، حزب "العدالة والتنمية" الحاكم، التي كان يبدو منتشيًا بـ"نجاحاته"، لـ"الإخوة" من قادة "الجماعة"، مطالباً إياهم بأن يكون وجودهم بين الناس بِرًا ورحمة، وازدهارًا وتقدمًا، وخيرًا عميمًا يفيض على الجميع.
انتهى اللقاء، وما زالت صورته مطبوعة في الذاكرة، وصدى كلمات "عبد الله جول" ترن في مسامعي.
وكلما ساءني سلوك جماعة "الإخوان" التخريبي، واستفزتني تصرفاتهم البائسة، تذكرت فحوى حديث"الرئيس" لـ" المرشد"، وضحكت ساخرًا: "لقد سارت جماعة "الإخوان" بالفعل على الطريق الذى رسمه لهم "عبد الله جول".. ولكن في الاتجاه العكسي!".
وأخيرًا تذكرت هذه الكلمات البليغة وأنا أتابع باهتمام ما جرى ويجري في تركيا هذه الأيام، بعد أن انفجرت غضبة الشعب التركي في ميدان "تقسيم"، (ميدان تحرير تركيا)، ووقعت صدامات دامية بين الناس و"السلطة"، بين الشباب و"العواجيز"، بين المواطنين و"النظام".
تذكرت هذه الكلمات وتساءلت: أيكون إخوان مصر، قد نقلوا سوءات تجربتهم فى مصر إلى تركيا، بدلًا من أن ينقلوا (حسنات) تجربة "العدالة والتنمية" إلينا؟!
يبدو بالفعل أن هذا هو الذى حدث، إذ سرعان ما أسفر حكم "عبد الله جول" عن أنيابه: كنظيره المصري، رغم شاسعة الفارق بينهما.
فحزب "جول" يسعى لأن يوجد لتركيا مكانًا بين أمم المستقبل، عبر تجربة تنتمي في غالب توجهاتها للغرب، وتسعى للانتماء له ولحداثته، وتطبق سياسات "الليبرالية الجديدة"، وتحظى بقبول وتوجيه "حلف الناتو"، في حين أن "فضيلة المرشد" يسعى لإعادة البلاد إلى الخلف، مستخزيًا أمام تعليمات "صندوق النقد الدولي"، معتمدًا على "الأهل" و"العشيرة"، ومنقادًا لتوجيهات "دولة قطر العظمى"، وفكر الوهابية الصحراوية المتخلفة، البوابة الملكية للاستعمار والصهيونية فى أوطاننا وبلادنا!
ورغم أية خلافات بينهما، فهما يشربان من معين واحد، في النهاية، وكان لابد أن يحدث ما حدث، في مصر وتركيا، لكي نتأكد أن هذا "المشروع" برمِّته، هو "لا مشروع" في جوهره، وتجربة فاشلة لا تعدو مجرد إعادة إنتاج لسياسات الليبرالية الجديدة المتوحشة، التي تزيد الأغنياء غنى والفقراء فقرًا، "ليبرالية متوحشة" تنتصر للقوى على حساب الضعيف، ولـ"العولمة" على حساب "المواطنة"، "ليبرالية متوحشة" حتى وإن لبست الجلباب الأبيض، وأطلقت اللحية، ودعكت الجبهة في الأرض بقوة لكي تنطبع الزبيبة في مقدمة الجبهة!
***********
ولهذا السبب وحده فقد ضاعت نصائح "عبد الله جول" أدراج الرياح، وداستها الأقدام في شوارع القاهرة واستانبول!



تعليقات الفيسبوك