-شاهنده مقلد- بطله من زماننا


أحمد بهاء الدين شعبان
الحوار المتمدن - العدد: 5191 - 2016 / 6 / 12 - 13:11
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     



"المعلم المتواضع يخبرنا
والجيد يشرح لنا
والمتميز يبرهن لنا
أما العظيم، فهو الذى يُلهمنا !".
عظيمة ومُلهمة:
تأسيساً على هذا المعنى، الذى عرّف من خلاله "وليام آرثر وارد" معنى المُعَلِّم العظيم، فقد كانت السيدة "شاهنده مقلد"، المناضلة الكبيرة، التى رحلت عنا يوم الخميس الموافق الثانى من يونيو 2016، مُعلِّمة وعظيمة فى آن واحد.
فهى بمواقفها المتراكمة على مدى أكثر من ستين عاماً، وبحضورها القوى فى كل أنشطة العمل السياسى العام: الفلاحى والوطنى والقومى، وبدورها فى تأسيس حركة نسائية مصرية وعربية قوية، كانت من أبرز ممثلاتها، لكنها، وهذا هو الأهم، كانت – بحياتها ذاتها- بتضحيتها، هى وزوجها، وأستاذها، ورفيق دربها، المناضل اليسارى الشهيد "صلاح حسين"، بقصة كفاحها الطويلة، بمواقفها الصلبة المشهودة، بأيام السجن وليالى الأرق والقلق على أطفالها الصغار الذين كثيراً ماكانت تتركهم يواجهون المجهول، بقرية "كمشيش" التى أصبحت مزاراً للثوار، وأنشودة للنضال، حين كان يحاصرها الأمن من كل جانب، حتى يمنع "تسلل" الوطنيين إليها، فى يوم "معلوم" من كل عام، هو يوم استشهاد "صلاح حسين"، للاحتفال به، وبها، وبأهالى القرية المكافحة ضد الإقطاع وجرائمة، وأبرزها قتل الزوج الشهيد. بتضامنها مع شعب فلسطين، وضد العدوان على شعب العراق، ومع كل المظلومين والمحرومين.... بحياة خاصة تضفّرت بحياة مصر، الوطن الغالى، الذى آمنت به، ومنحته عمرها كله، وبعلم مصر، الوطن المقدّس، الذى لف جسدها وهى تُوارى ترابه.
بهذا كله، وبغيره مما يضيق المجال عن ذكره، تحولت الراحلة الكبيرة إلى مصدر إلهام عظيم، لكل من اقترب منها، أو تعاون معها، أو تواصل معها، شأنها شأن كل العظماء الحقيقييين، الذين يخلقون حولهم هالة من الجاذبية، ودائرة من التأثير فى الوسط المحيط ، ويُلهمون كل من يتفاعل معهم، بقّيم الحق والعدل والحرية والعطاء الإنسانى والجمال.
الملحمة المستمرة:
وُلدت شاهندة منذ ثمانية وسبعين عاماً، فى الثامن عشر من شهر نوفمبر 1938، لعائلة ذات ميول وطنية وفديّة، ولأسرة مثقفة ميسورة الحال، إبنة لضابط شرطة وفدى تنقل بالأسرة وأبنائها فى مدن ومواقع عديدة، كتب لها أبوها، القائم مقام "عبد الحميد مقلد"، وهى فى مقتبل العمر، أن "دافعى عن رأيك حتى الموت"، وقد كان له ما أراد، فحياتها كلها كانت تجسيداً يتجدد كل يوم، لعذه الوصية، ملحمة مستمرة للدفاع عن كل ما آمنت به، عن حلم العدالة الذى عاشت من أجل تحقيقه، عن الفكر الاشتراكى الذى آمنت به، عن انحيازها للفقراء من فلاحى مصر وعمالها، عن المواقف القومية التى اقتنعت بصحتها، وحتى حين ارتبطت عاطفياً ووجدانيا، لم تتخل عن وصية الأب الحنون، فلم تسع للارتباط بغنى يملك الأرض والمال، وإنما بشاب من أقربائها، عرفته وآمنت بمبادئه، "صلاح حسين"، مثقف وثورى ومكافح، ينتمى لطين الأرض، ويقف مع فقرائها، ويقاوم عودة الإقطاع بضراوة، فكان أن قتلوه، فى عز معركة مصر ضد أعدائها من الاستعماريين والصهاينة، الذين كانوا يُعدون العدّة للانقضاض عليها، ويُجهزون الأمر لطى صفحة تقدمها مسيرة كفاح شعوب العرب، وقارات أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية!..
وكان "جمال عبد الناصر" يعرف أن المعركة التى دارت وتدور وقائعها على أرض الوطن، ورمزها هذه القرية النائية فى ريف مصر المسماة "كمشيش"، هى جزء من معركة كبرى، عايش ذروتها، بعد فترة وجيزة، مع وقائع عدوان 1967، ويعرف أن الذى قتل "صلاح حسي" هم "الرجعيون" من أعداء الثورة، ، فعدوان الداخل والخارج وجهان لعملة واحدة، ولذلك لم يكن مفاجئاً، أن يزور رمز الثورة العالمية "أرنستو جيفارا" قرية كمشيش، بصحبة "عبد الناصر"، وأن يصافحا "شاهنده"، وأن يزور القرية، كذلك، المفكر الفرنسى الأشهر" "جان بول سارتر"، وغيره من الشخصيات الكبيرة.
الثورة المضادة تنتصر:
وبعد تولى "أنور السادات" مقاليد السلطة، مباشرة، كان طبيعياً، وقد انقلب على فكر وتوجهات "عبد الناصر"، أن يجرى التنكيل بشاهندة وبكمشيش، حيث تم تدمير النصب التذكارى لصلاح حسين، ومُنع التواصل مع "شاهندة" وأهلها، و"شرّفت" شاهندة مرات عديدة فى سجون "الزعيم المؤمن"، بعد أن أطلق الكلاب السعرانة تتوحش وتنهش لحم الوطن، فعائلة "الفقى" الإقطاعية التى قتلت "صلاح" صارت نظاماً بأكمله، وانتشرسرطان الفساد والغدر انتشار النار فى الهشيم، وتغول حتى أصبح من العسير التخلص منه، وفى كل مرة كانت السلطة تعتقل "أيقونة الثورة"، "شاهندة مقلد"، كنا نغنى مع حادى الثورة، الشيخ "إمام عيسى"، من كلمات رفيق دربه وفنه "أحمد فؤاد نجم":
"النيل عطشان يا صبايا/ للحب والحنين/ والشط لا نور ولا نسمه/ ولا ناي ولا عود ياسمين/ يا شاهنده وخبرينا/ يا ام الصوت الحزين/ يا ام العيون جناين/ يرمح فيها الهجين/ إيش حال سجن القناطر/ إيش حال السجانين/ إيش حال الصحبة معاكي/ نَوّار البساتين"، وكانت "شاهندة" تعود إلينا، منتصرة، ببسمتها الأمومية الحانية، وعطائها الصافى المستمر.
حتى الرمق الأخير:
وحين كانت "شاهندة" تتقدم فى العمر، وتدرج إلى عامها الخامس والسبعين، كانت مصر تواجه معركة أخرى لا تقل ضراوة عن معركتها ضد الإقطاع التى راح ضحيتها "صلاح حسين"، ولا معركتها ضد العدوان الاستعمارى الصهيونى، التى راح ضحيتها الآلاف من خيرة أبناء الوطن، كانت تخوض معركة الوجود والمصير، لإزاحة حكم الاستبداد الدينى الظلامى، لجماعة "الإخوان" الإرهابية، وتوابعها.
ومرة أخرى يبرز المعدن النادر والملهم للمناضلة العتيدة والوطنية الكبيرة، "شاهندة مقلد"، التى كان جسدها المُنهك فى أشد الحاجة إلى الراحة الكاملة، بعد أن تحالف عليه المرض، والتقدم فى العمر، وأوجاع السنين.
وخرجت "شاهندة"، على وهن الجسد، إلى ساحة "قصر الاتحادية"، مع عشرات الآلاف الذين لبّوا نداء مصر، لتخليصها من حكم "الإخوان"، ولن ينسى التاريخ المشهد المشهور الذى يصور نطعاً من أنطاع الجماعات الإرهابية، وهو يمد يده لكى يعتدى على الأم والمناضلة "شاهندة"، ويحاول تكميم فمها.
لكن صوت "شاهندة" القوى، لم يخفت، ولا خفت صوت الشعب المصرى العظيم، الذى صنع معجزة كبرى، يومى 25 يناير، و 30 يونيو، سيتذكرها، ذات يوم، تاريخ العالم أجمع، حين تنقشع سحابات المعارك، وتُسجّل وقائعه بنزاهة وموضوعية، وحينها سيُكتب أن شعب مصر، ببسطائه المخلصين، مثل "شاهندة" ومن هم على شاكلتها، لم يحموا مصر وحسب، أو منطقتنا وحدها، من هجمة ظلامية عاتية، كانت ستأكل الأخضر واليابس، وإنما حموا العالم أجمع، من واحدة من أعتى الموجات الهمجية، التى لو كان - لا قدّر الله - قد كتب لها النجاح، لدفعت البشرية ثمناً باهظاً حتى يتوقف مدّها الأسود.
على سرير المرض، قبل سويعات من رحيلها، زرت برفقة زوجتى، الراحلة المناضلة الكبيرة "شاهندة مقلد".
كنت، فى أعماقى، أشعر أنها المرة الأخيرة التى أراها ، وأنه لقاء الوداع. كانت صلبة ومتماسكة وقوية كعهدنا بها دائماَ. لكن موعدها معنا كان قد آزف على الانتهاء.
دق جرس الرحيل، وكان عليها أن تلم أمتعتها وترحل. مرهوبة الجانب، مرفوعة الهامة، محاطة بقلوب كل من عرفها، وآنس لدفء عواطفها، واحترم خياراتها، وصدّقها فى انحيازاتها الفكرية، وشاركها الحلم بمصر العزيزة، الخالية من الفقر والفاقة، والجهل والأميّة، والعسف والاستبداد.. مصرالحرة الديمقراطية المتقدمة.
....................



تعليقات الفيسبوك