الاقتصاد المصرى والبوصلة المفقودة


أحمد بهاء الدين شعبان
الحوار المتمدن - العدد: 5076 - 2016 / 2 / 16 - 21:28
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     


مرَّت منذ أيام الذكرى الخامسة لتنحى الرئيس الأسبق المخلوع "حسنى مبارك".
كانت لحظة تاريخية بكل معانى الكلمة. فالجماهير التى خرجت بالملايين تهلل فى الشوارع، وترقص فرحاً لأنها استطاعت إسقاط رمز الاستبداد والفساد والنظام الشائخ المترهل، كانت - فى ذات اللحظة - تتطلع إلى المستقبل، وتنظر من وراء الأفق إلى غد أفضل، حلمت فيه بـ"الخبز والحرية"، أو "بالعيش والعدالة الاجتماعية"، فكلها تعبيرات متعددة لحلم واحد: أن نعيش ونحيا كبشر حقيقيين، على أرض سابتة ومنيعة، وذات إرادة وكبرياء!.
خمس سنوات حافلة بالدم والدموع!
وهاهى خمس سنوات قد مرت. خمس سنوات حافلة بالمصاعب والتضحيات، وبالدم والدموع. وبالشهداء والمصابين، لأن مصر أرادت أن تقطع طريقها باتجاه المستقبل، رغم كل الآلام والمصاعب، خمس سنوات تَحَمَّل الشعب المصرى العظيم خلالها فوق مايُحتمل، من أجل الوصول إلى هدفه المٌبتغى، فهل تحقق هذا الهدف؟ّ.. هل نقترب منه أم نبتعد؟!.. وهل نحن مطمئنون حقاً إلى أننا نسير فى الاتجاه الصحيح؟!.
هذه الأسئلة وغيرها تثيرها الآن تطورات اقتصادية متواترة شهدتها البلاد فى الفترة الأخيرة، لا يجب أن تمر مرور الكرام، دون تمحيص ومناقشة، لأن تبعاتها ستكون شديدة الوطأة على الناس، على عشرات الملايين من المواطنين، الذين ثاروا، ودفعوا الفاتورة مُقدماً، من لحمهم الحى، وينتظرون المقابل، ينتظرون أن تعود إليهم عوائد تضحياتهم التى لم تنقطع.
فهم "ملح الأرض" و"وقود الحروب" و"فحم المصانع" ... يتغنى بهم وبعطائهم الشعراء والمغنون، ثم لا شيئ يبل ريقهم، أو يكافئ تضحياتهم ومجهوداتهم، المستمرة على مدار القرون وكر الأحقاب!.
شروط إذعان!
مناسبة هذا الحديث، ماكشفه البنك الدولى عن الشروط التى فرضها على مصر، مقابل إقراضها مبلغ مليار دولار لدعم الموازنة العامة!، وهو ما نُشر يوم الأحد 31 يناير المنصرم، (جريدة المصرى اليوم)، وقالت المصادر أن البنك الدولى يفرض على الحكومة المصرية تنفيذ "حزمة" من الإجراءات حتى يوافق على منحها هذا القرض، فى مقدمتها خفض أجور الموظفين، من 8.2% من الناتج المحلى الإجمالى العام الماضى إلى 7.5% عام 2018، ورفع الضريبة على المبيعات على السلع والخدمات من 5.4% من الناتج المحلى الإجمالى العام الماضى إلى 6.7% عام 2018، وخفض دعم الطاقة من 6.6% إلى 3.3 العام الجارى، (أى بمعدل النصف!)، فضلاً عن زيادة تعريفة الكهرباء على جميع فئات المستهلكين، من 226. 0 جنيه لكل كيلو وات عام 2014، إلى 451. 0 جنيه لكل كيلو وات عام 2018، أى بمضاعفة الأسعار دُفعة واحدة!، مع فرض تقليص حصة الدولة فى الشركات القابضة للطاقة، من 92% العام الماضى، إلى 85 عام 2018، ويضاف إلى ذلك رفع نسبة ضريبة الدخل على الشركات!.
لكن الأخطر فى سلسلة شروط البنك الدولى، كان فرض إجبار الحكومة على الإفصاح عن مراجعاتها الداخلية فى جميع الهيئات والوزارات، أى فرض الوصاية الأجنبية على سير وأسرار دولاب العمل الحكومى!.
البوصلة المفقودة!
و خطورة هذه الخطوة، والتى لابد وأن تستدعى إلى الأذهان مغبة الإفراط فى الاعتماد على الاستدانة من الخارج لتمويل النهم الاستهلاكى الداخلى، وماترتب عليها من أعباء مادية باهظة، فضلاً عن تهديد ذلك للاستقلال الوطنى، كما حدث فى الماضى، وهى مخاطر تتضاعف فى ظل الصورة الشاملة للاقتصاد المصرى فى المرحلة الراهنة، وفى ظل التردد وفقدان البوصلة التى تحدد الاتجاه الصحيح للدولة، والتى تشير إلى أن الحكومة تملك رؤية متكاملة للطريق الذى يقود البلاد إليه!.
الديون تتخطى حاجز التريليونين ونصف!
فعلى الرغم من أن إجمالى ديون مصر قد وصلت إلى مستوٍ غير مسبوق فى الفترة الأخيرة، وتتوقع الحكومة أن يبلغ إجمالي ديون مصر حتى نهاية 30 يونيو المقبل نحو 2.6 تريليون جنيه، بحسب موازنة العام المالي الحالي (2015- 2016)، أي مايعادل 90 % من الناتج المحلي الإجمالي، وأن يصل الدين العام الداخلي نحو 2.36 ترليون جنيه بنسبة 83.5 % من الناتج المحلي، وهو تطور غير مسبوق يهدد استقرار الوضع الاقتصادى، فقد ظلت الحكومة حتى بالأمس القريب، لاتولى هذا الأمر الاهتمام الذى يستحقه، حتى أصدرت مؤخراً قائمة بنحو خمسين سلعة غير أساسية، قابلة للزيادة، تم رفع نسبة الجمارك عليها، للحد من استنزاف احتياطى العملة الصعبة، فى وقت تواكب مع الانخفاض الحاد لأسعار النفط، حيث وصل إلى مستويات بالغة التدنى، بما يعنى، بوضوح، صعوبة الاعتماد على دعم كل من السعودية والإمارات والكويت، وهى الدول التى قدمت نحو 21 مليار دولار لمساندة مصر فى الفترة الماضية.
وعلى الرغم من أن أوضاع الطبقات الشعبية، ظلت فى تدهور مستمر، بسبب تخفيض سعر الجنيه المصرى أمام الدولار، الأمر الذى سبب موجة من التصاعد الملحوظ فى أسعار كافة السلع والخدمات، فلم تلتفت الحكومة إلا مؤخراً، إلى ضرورة تحميل الأعباء بالتناسب، بين الأغلبية العظمى من المصريين الفقراء، أو"المستورين"، الذين يكابدون الأهوال لتوفير "حد الكفاف"، وبين النخبة المترفة التى تبحث عن رفاهية غير متناسبة مع الظروف التى تمر بها البلاد، أو تلك التى تتربح أرباحاً استفزازية هائلة من استيراد وتوزيع السلع غير الضرورية، أو تلك التى يوجد لها بديلٌ محليٌ مقبولٌ، وبيعها بأثمان باهظة لمن يريدها ويقدر على دفع أثمانها، وهو مابدا من الصراع المعلن الدائر بين كتلتى رجال الأعمال (المستوردين)، ورجال الأعمال (المنتجين)، إلى الحد الذى دفع "سعيد عبد الله"، رئيس قطاع الاتفاقيات التجارية بوزارة الصناعة، إلى التصريح بأن "الوزارة ستقوم باتخاذ أى إجراءات إصلاحية خلال الفترة المقبلة لحماية الاقتصاد، بما فيها زيادة التعريفة الجمركية، أو إدخال سلع جديدة ضمن قائمة الضوابط"، مضيفاً، وفى تعبير فيه مافيه من دلالة: "البلد مش مستحملة ونحن فى حالة حلرب!". (جريدة "الوطن"، 9 فبراير 2016).
حالة حرب !
"نحن فى حالة حرب".. أخيراً نطق بها أحد المسؤلين، ولإن كان من الصف الثانى.
نحن فى حالة حرب حقيقية، نخوضها مباشرة بالسلاح، فى مسارح الحرب وعلى جبهاته الساخنة، ضد الإرهاب الداخلى والخارجى، وأيضاً نخوضها على جبهات أخرى متعددة، كجبهة الإنتاج وتقوية الاقتصاد وتثبيت أركان المجتمع، ومنع إضطراب أحواله، كما يسعى الأعداء من كل اتجاه!.
وحتى تنتصر مصر فى هذه الحرب الضروس، يجب أن يكون واضحاً للجميع أن ظهيرنا الأساسى فيها، هو جماهير الشعب المصرى، صانعة 25 يناير و30 يونيو، والتى لم تخذل الوطن أبداً.
وهى التى بنت المصانع المدمرة، وأعادت بناء الجيش وقدمت أبطال الجنود، ودفعت التكاليف دون أن تشكو أو تتذمر، وليس من العدل، ولا من الحكمة الضغط عليها وحدها، فهى التى تدفع فى كل الحالات ومن حقها أن يعود عليها جانب من العوائد.
من الذى يطرد الاستثمار؟!
وفى المقابل خفّضت الحكومة سعر الجنيه مقابل الدولار، حتى اقترب فى السوق السوداء من حاجز الجنيهات التسع، وستخفضه مرة أخرى قريباً، مثلما ألمح المسؤلون، بوهم أن هذا الأمر، حسب المصادر الحكومية، يجذب الاستثمارات الأجنبية التى هربت بعد 2011، (جريدة "المصرى اليوم، 9 فبراير 2016"، والذى يصدق هذا التفسير يتجاهل أن الاستثمار الأجنبى يبحث عن البيئة الاستثمارية المستقرة، فى المقام الأول، قبل سعر الصرف. وأن حادثاً مأساوياً كحادث مقتل طالب الدكتوراه الإيطالى الشاب "جوليو ريجينى"، أخطر ألف مرة، فى نتائجه الكارثية، التى تخيف المستثمرين، من تخفيض قيمة الجنيه المصرى، وأن الذى أوقف سيل السائحين الروس، ليس ارتفاع قيمة الجنيه المصرى البائس، وإنما جريمة تفجير الطائرة الروسية بعد إقلاعها عن "شرم الشيخ"، وأن شيوع الفساد دون مجابهة حقيقية، وتجاوزات أمناء الشرطة، مثلما حدث فى مستشفى المطرية، وغيرها، وفقدان ثقة دولة أجنبية بعد أخرى، فى نزاهة وكفاءة التحقيقات المصرية، إلى الحد الذى تُصِّرُ فيه كل دولة على أن يكون ممثلوها حاضرون فى كل التحقيقات التى تجرى على أرضنا، أخطروأشد وبالاً من قيمة العملة!.
والأكثر مأساوية أن هذه القرارات العشوائية، التى يبدو أنها تُطلق عفو الخاطر، ليس فقط لم ولن تأتى بمستثمرين حقيقيين لمصر، وإنما تطرد من هم موجودون ، بالفعل، فى السوق، ولعل اقتصاديو الحكومة قد قرأوا أن شركة "جنرال موتورز"، التى تمثل أكبر طاقة إنتاجية لتجميع السيارات فى مصر، ومصنع " L.G"للأجهزة المنزلية، ونحو 100 مصنع تتولى توريد المستلزمات، قد توقفت تماماً عن الإنتاج، وتم إخطار عدة جهات معنية بالتوقف، ومنح العمالة إجازة مدفوعة الأجر، حتى إشعار آخر، بسبب تدبير النقد الأجنبى!" (المصرى اليوم، 9 فبراير 2016)، وهكذا، فالسادة الاقتصاديون العباقرة "جم يكحلوها عموها"، على رأى المثل، وبدلاً من أن يعملوا على تشغيل آلاف المصانع المعطلة، يزيدون الطين بلة، ويقذفون بآلاف العاملين إلى شوارع العنف والبطالة!.
جزاء سنمار!
وفى ظل هذا الضباب الكثيف، وبدلاً من طمأنة الناس بأن أناتهم وصرخاتهم مسموعة، ومحل اعتبار، يخرج علينا السيد رئيس الشركة القابضة للمياه والصرف الصحى، بإعلان مستفز جديد، وكأن البلاد ناقصها عكننة، يقول فيه: "أن الزيادة فى أسعار المياه، سيتحملها المستهلكون بدءاً من فاتورة الشهر المقبل"!.
والسؤال المنطقى الذى يطرح نفسه إزاء هذا الكلام،: أيكون جزاء الشعب المصرى هو"جزاء سنمار" كما تقول الأمثال، مقابل كل ماقدمه من تضحيات وما تحملّه من عذابات؟!.
*******
يقول "صن تزو" المفكر الاستراتيجى الصينى الكبير، "إعرف عدوك تكسب نصف المعركة مُقدماً"، والذى يجب أن تعرفه الحكومة، إذا أرادت ان تكسب معركتها الشرسة القائمة، ومعاركها الأشرس القادمة، أن عدوها الذى يجب أن تعصره، أو تهصره، بإجراءاتها، ليس الشعب المصرى الصامد الصامت.
عدوها فى مكان آخر، وعليها، حتى لا تُخطئ خطأ العمر، أن تبحث عنه فى الموقع الصحيح!.
............



تعليقات الفيسبوك