مرة أخرى: مصر يجب أن تقول لا !


أحمد بهاء الدين شعبان
الحوار المتمدن - العدد: 5535 - 2017 / 5 / 29 - 12:21
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     


مرة أخرى:
مصر يجب أن تقول لا !




فى وقتٍ مبكر، عقب الإعلانات الأوليّة عن نيّة الولايات المتحدة، فى عهد رئيسها الجديد، "دونالد ترامب"، دفع الدول العربية، الخليجية والكبرى، إلى الانضمام إلى "حلف "ناتو" عربى"، برعاية أمريكية، ومشاركة تركية وإسرائيلية، كتبتُ أطالب: "لمصلحة مصر ومستقبلها، ومستقبل وطننا العربى بأكمله: مصر يمكن، بل يجب، أن تقول : "لا"، بعد أن قدمت مسوغات هذا الموقف، أو المطلب، مُستعرضاً مخاطر انضواء مصر فى أحلاف استعمارية أمريكية، أو غير أمريكية، هى التى بنت سمعتها، ودورها الريادى فى المنطقة، والإقليم، والعالم، فى العصر الحديث، على مقاومتها لسياسة الأحلاف والمحاور الاستعمارية، لا لشيئ إلا لإدراكها، أن هذه المحاور والأحلاف لا تصب إلا فى مصلحة أعداء الوطن والأمة، والأخطر أن هذا الحلف بالذات، سيكون تكريساً أمريكياً ـ عربياً ـ إسرائيلياً، لنهاية القضية الفلسطينية، وتدشين عهد جديدد للـ"تطبيع" العربى ـ الصهيونى، على أنقاض الخيمة الفلسطينية!.

وقد تصاعدت وتيرة الأحداث، فى الأشهر والأسابيع الأخيرة، والتحركات ذات الدلالة، فى هذا السياق، على مستوى العالم أجمع، وعلى رأسها زيارة الرئيس "عبد الفتاح السيسى" للولايات المتحدة، والتقائه بالرئيس الأمريكى "ترامب"، ثم لقائه بالملك السعودى "سلمان"، وزياراته المكوكية لدول الخليج، وزيارة الجنرال "جيمس ماتيس"، وزير الدفاع الأمريكى إلى القاهرة، وزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلى، "بنيامين نتنياهو" إلى أمريكا، والتقاؤه مع الرئيس "ترامب"، والزيارة الأخيرة لولى عهد أبو ظبى، الشيخ "محمد بن زايد آل نهيان"، إلى أمريكا والمباحثات التى تمت بينه وبين "ترامب"، قبل جولة ترامب فى المنطقة، والتى سيزور فيها السعودية و"إسرائيل"، ويحضر اجتماعات القمة التى كان مُقرراً عقدها يوم 19 مايو الماضى، فى المملكة العربية السعودية، والتى ستشهد عقد سلسلة اجتماعات بين "ترامب" والمسؤولين السعوديين، ومع زعماء "مجلس التعاون الخليجى"، ومع مسؤولين عرب ومسلمين، وُجهّت الدعوة إلى 56 منهم، للبحث فى قضايا مهمة، على رأسها "مكافحة الإرهاب"، وتكوين "الحلف السُنى"، أو "الناتو العربى"، وهو صلب الموضوع، ولنا حولها كلام يجب ، يكون واضحاً، بل دوران!.

أولاً: أكذوبة "مكافحة الإرهاب"!
منذ نشأت ظاهرة "الإرهاب" فى بلادنا ومنطقتنا، لم تكن، بحال من الأحوال، بعيدة عن تخطيط وتصنيع وتمويل ودعم الولايات المتحدة، ودول غربية، بل وعربية أخرى!.،
ولن أتحدث عن دور أمريكا فى تكوين ورعاية الجماعات الإرهابية، وعلى رأسها جماعة "الإخوان"، فهو أمر باتت تفاصيله معروفة، أما المملكة العربية السعودية، فيكفى ذكر أنها دعمت مادياً ولوجستياً تأسيس تنظيم "القاعدة" فى أواخر سبعينيات القرن الماضى، (وأسامة بن لادن زعيمها سعودى الجنسية)، بمساندة أمريكية، لمواجهة الجيش السوفيتى فى أفغانستان، تحت مسمّى "الجهاد"، كما أن دورها، ودور دويلات نفطية خليجية أخرى، مثل "قطر"، فى تكوين والصرف على جماعات الإرهاب فى سوريا والعراق ومصر، أوضح من أن يحتاج إلى توضيح، والسئوال الذى يطرح نفسه فى هذه اللحظة: أى إرهاب الذى يتم حشد كل هذه الدول لمحاربته إذن؟!.

و ... ثانياً: "الخطر الشيعى" المزعوم !
أما المسوِّغ الثانى الذى يُطرح، لتجييش كل هذه الدول، وجمعها لمواجهته، فهو "الخطر الشيعى" المزعوم، وهو أمر أيضاً لا أساس فعلى ملموس له، فلم تحتل إيران دولة خليجية، ولا اعتدت على دولة عربية، وهناك خلافات بينها وبين دول خليجية حول جزر مُتنازع عليها، منذ أيام نظام الشاه المخلوع، ولإيران مطامح، أو لنقل مطامع، فى بسط هيمنها على منطقة الخليج، مثلها مثل تركيا، التى تدعم عصابات الإرهاب وفى مقدمتها جماعة "الإخوان"، ضد أمن مصر وسيادتها، ومع هذا فالتصدى لمطامح ومطامع الدول الإقليمية الكبرى فى منطقتنا، لا يكون بدق طبول الحرب على هذا النحو، وإنما بسد الثغرات فى حائط الممانعة العربى، ومنع القوى الأجنبية من اختراق أمنها، والعدوان على سيادتها، على نحو ما يحدث فى سوريا واليمن والعراق وليبيا، وبتكوين قوة عربية ذاتية، تتولى الدفاع عن أراضينا، دون أن نفرط فى أمرنا، على هذا النحو بالغ الخطورة !.

الهدف الحقيقى!
وإذا أردنا أن نتعرف على الأهداف الحقيقية من هذا الضغط الأمريكى المستمر، لجر دول ونظم المنطقة إلى "الحظيرة الأمريكية"، فيمكننا التركيز على هدفين مهمين من أهداف الأجندة الأمريكية، بهذا الصدد:
أولهما: وضع دول الخليج النفطية الغنية، تحت ضغط نفسى مستمر، ومخاوف أمنية عنيفة، تسمحان للولايات المتحدة بابتزازها، واستنزاف فوائضها المالية الضخمة، لحل المشكلات الأمريكية المترتبة على التباطؤ، والتراجع، والركود الاقتصادى الممتد، خلال الفترة الماضية، كما وعد "ترامب" ناخبيه فى حملته الانتخابية.
فالمملكة السعودية، على سبيل المثال، تحل فى المرتبة الرابعة، من حيث احتياطى النقد الأجنبى: (أكثر من 535 مليار دولار)، بعد الصين: (أكثر من ثلاثة تريليون دولار)، واليابان: ( نحو تريليون وربع التريليون دولار)، وسويسرا: (نحو 690 مليار دولار)، وهى بهذا تمثل صيداً ثميناً تسيل له لُعاب شركات صناعة السلاح والذخائر والمعدات والتجهيزات الحربية الأمريكية، لا يمكن التفريط فيه !.
وليس أقضل من تضخيم مايُسمّى بـ "الخطر الشيعى"، وإيهام حكّام الخليج بأن عدوهم هو الجار الإيرانى القوى، وافتعال التوترات الحدودية، والتأزمات السياسية، لتسعير نيران الخوف والقلق والهواجس، بينه وبينهم، حيث ستتولى هذه الحالة دفع أغنياء الخليج إلى الحضن الأمريكى بأكثر مما هم مدفوعين، وسيكون من السهولة بمكان تبرير إصدار ا"التعليمات" للبنوك الأمريكية والعالمية، التى توضع فيها هذه الملياراتالأرصدة المتراكة، لضخ المزيد من المليارات فى حسابات شركات السلاح الأمريكى والغربى، و"يادار مادخلك شر" !، ولنتذكر أن "ترامب" فى الأصل تاجر ومقاول بارع، و"التجارة شطارة"، وهى خبرته وشيمته!.

أول الغيث !
و"أول الغيث"، كما يقولون، فى هذا السياق، "قطرة"، فإذا كان سيف "الخطر الشيعى" المُبالغ فيه، المُسلّط على رؤوس الخليجيين، قد نجح فى إفساح المجال، أمام الشركات الأمريكية الحربية، فى عهد الرئيس الأمريكى السابق، "باراك أوباما"، لعقد صفقة أسلحة وطائرات حربية، مع المملكة السعودية، بمقدار 130 مليار دولار، فها هو "ترامب"، فى أول "خبطة"، ينجح فى إبرام عقد آخر كبير، بتوريد أسلحة جديدة للسعودية، بمبلغ قدره 100 مليار دولار، كجزء من صفقة كبرى، قيمتها نحو 300 مليار دولار، على امتداد عشر سنوات قادمة، تشمل أسلحة أمريكية وسفناً وأعمال صيانة ووسائل للدفاع الجوى الصاروخى، والأمن البحرى، والهدف، كما جاء على لسان "مسؤول أمريكى كبير" فى "البيت الأبيض": "بناء قدرات من أجل (مقاومة) التهديدات التى يواجهونها (الخليجيون)، وهو أمر طيب للاقتصاد الأمريكى !".
كما وقّعت دولة الإمارات العربية المتحدة، صفقة أخرى قيمتها مليارى دولار، لشراء صواريخ "باتريوت" من طراز (3 ـ PAC)، إنتاج "لوكهيد مارتن"، وصواريخ (T ـ GEM)، من إنتاج شركة "رايثون"، أشار لها تقرير الأستاذة "حنان البدرى"، من واشنطن، فى العدد الماضى من مجلة "روز اليوسف"، بهدف: "تعزيز قدرة الإمارات العربية المتحدة على مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية للطائرات والصواريخ، حيث ستستخدم دولة الإمارات هذه القدرة كرادع للتهديدات الإقليمية، وتعزيز دفاعها عن الوطن"، حسب بيان صادر عن الخارجية الأمريكية !.

إنهاء "قضية فلسطين"!
أما ثانى هذه الأهداف، فهو المتمثل فى "إنهاء القضية الفلسطينية"، لصالح الدولة الصهيونية العنصرية المغتصبة، ودمج "إسرائيل" فى المنطقة، رسمياً، وإتمام عملية "التطبيع" الكاملة، بينها وبين سائر النظم العربية، التى لم توقع بعد على اتفاقيات للـ"صلح"، و"تطبيع" العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية معها، على غرار ماحدث مع مصر، (اتفاقية كامب ديفيد)، والأردن (اتفاقية وادى عربة)!.
وهذا الهدف لم يخفه الطرف الأمريكى، بل عبّرعنه كبار قادته، بما فيهم "ترامب"، وأكثر من ذلك فإن رئيس الوزراء الصهيونى، "بنيامين نتنياهو"، أجاب على سئوال لمراسل قناة "سى بى إس" الأمريكية، فى أوائل هذا العام، حول إمكانية تشكيل السعودية و"إسرائيل"، تحالفاً ضد إيران، فى "الشرق الوسط"، بقوله: "هذا التحالف قائم"، وأن حكومته "ارتقت بالعلاقات مع السعودية إلى درجة لافتة للنظر !"، وأن "تبادل المعلومات" مستمر بين "إسرائيل" والدول العربية، مضيفاً أن "موقف "إسرائيل" تجاه الدول العربية "قد تغيّر"، "لأنهم لم يعودوا ينظرون إلى "إسرائيل" كعدو، بل يرونها حليفة لهم"!.
وإذا ماوضعنا، إلى جانب ماتقدم، ماتسرّب من وقائع زيارة "نتنياهو" الأخيرة لأمريكا، ومباحثاته مع "ترامب"، وتصريحاته إلى شبكة "فوكس" الأمريكية، بعد عودته إلى الدولة الصهيونية، والتى قال فيها أن "احتفاظ "إسرائيل" بالسيطرة الأمنية غرب نهر الأردن، شرط ضرورى لتحقيق "السلام" بين "إسرائيل" والفلسطينيين"، وأنه "يتعيّن على الفلسطينيين الاعتراف بدولة "إسرائيل" كدولة للشعب اليهودى، بغض النظر عن مسألة الحدود"، وأن "قضية الاستيطان لا تُشكِّلُ لُب "النزاع" مع الفلسطينيين"، والتى فسّرها المحللون بإنها إعلان وفاة لحل "الدولتين"، لأدركنا أن الولايات المتحدة تقود الدول العربية، عبر التورط فى هذا "الحلف السُنّى"، معها ومع "إسرائيل"، إلى مستنقع لا مخرج منه، الداخل إليه مفقود، والمتحرر من الانزلاق إلى مياهه الآسنة مولود !.

مصر يجب أن تقول: لا !
ومن هنا‘، فإن أمام مصر، التى لم تتورط أبداً فى حروب إقليمية مشبوهة، وكانت دائماً فى مقدمة الدول التى قاومت جرّ المنطقة إلى الأحلاف الاستعمارية، واحتفظت لجيشها بطهارة تاريخه وسلاحه، مهمة مقدسة، هى أن لا تنزلق إلى المشاركة فى مشروع هذا الحلف غير المقدّس.
فالآن، ومرةً ثانيةً: "لمصلحة مصر ومستقبلها، ومستقبل وطننا العربى بأكمله: مصر يمكن، بل يجب، أن تقول : "لا".
..........
*مهندس، وكاتب، وسياسى مصرى. الأمين العام لـ "الحزب الاشتراكى المصرى".



تعليقات الفيسبوك