عصام الخفاجي - مفكر أكاديمي وباحث في العلوم الاجتماعية - في حوار مفتوح حول : موضوعات للنقاش حول ثورات الربيع العربي وآفاقها.


عصام الخفاجي
الحوار المتمدن - العدد: 3705 - 2012 / 4 / 22 - 13:36
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا - 79 - سيكون مع الاستاذ د.عصام الخفاجي - مفكر أكاديمي وباحث في العلوم الاجتماعية - حول : موضوعات للنقاش حول ثورات الربيع العربي وآفاقها.


1. غالبا ما تبدو الثورات لمؤيديها عتبة يكفي اجتيازها حتى ندخل عصر "المدينة الفاضلة" التي بشّر بها أفلاطون ومن بعده الفارابي، أو المجتمع المثالي اللاطبقي الذي حلم به ماركس (مع أن الأخير أرسى "حلمه" إن صح القول على أسس تحليل صارمة لآليات النظام الرأسمالي ومصائره). يكفي أن نذكّر بأن قادة الثورة الفرنسية كانوا مؤمنين حقا بأن ثورتهم ستنجز بناء المجتمع اللاطبقي الذي لخّصته مفردة "المساواة" في شعار "الحرية، الأخاء، اللامساواة" (وأشير عرضا إلى أن الثورة لم تحقق حتى مبدأ الأخاء إذ أجبرت أبناء القوميات الأخرى ومعتنقي المذاهب غير الكاثوليكية على الإنصهار في جسم متجانس بإسم المواطنة).

2. أقصد مما سبق التذكير بما يسميه علماء الإجتماع ب "العواقب غير المتوقعة" للعمليات التاريخية unexpected consequences، وهي ما يتمثل في حالة الثورات بالفرق بين طموحات الثوريين وبين ما يحدث على ارض الواقع. أعرف أن كثيرا من القراء سيستنكرون استحضاري لمثال الثورة البلشفية التي كانت قادتها الأوائل مؤمنين حقا بأنهم سيحققون ماعجزت الثورة الفرنسية عن تحقيقه. ولكن بعيدا عن التفسيرات غير العلمية التي تعزو كل ما لاتمنى إلى "انحراف" عن المبادئ، علينا أن نتساءل: هل أن القادة الذين أعلنوا صراحة أن هدفهم المرحلي (الأشتراكية قبل الوصول إلى الشيوعية) طبّقوا بأمانة مبدأ "لكل حسب عمله" حين تعلق الأمر بأبنائهم ومقربيهم وأزلامهم ورجال مخابراتهم؟ وماذا عن شعار الأخاء الذي يتغنى بإقامة الجمهوريات السوفييتية خارج إطار روسيا؟ أكان بوسع أي مسؤول تولي مناصب قيادية إن لم يكن يتقن اللغة الروسية ويتشبّع بالثقافة المهيمنة؟
قناعتي تتلخص في أن طبيعة الثورات لاتتحدد بأمنيات قادتها أو بأحلامهم، مهما كانت تلك الأحلام صادقة ونبيلة، بل في مستوى تطور المجتمع الذي تنتصر فيه الثورة، وأمامنا أمثلة عدة من ادعاء قادة اليمن الجنوبية وبلدان أفريقية عدة بشروعهم ببناء الإشتراكية. ولاريب في أن هؤلاء القادة كانوا مخلصين في آمالهم، لكن العبور إلى الإشتراكية أمر لم يكن متوافرا حتى لروسيا عام 1917.


3. أقترح، إذن، أن ننظر إلى الثورة كعمل تدميري جبّار لبنى استغلالية متهرئة, إنها ترسي الأساس الضروري للتقدم (هي قاطرة التاريخ، حسب التعبير الرائع لماركس) لكنها لاتحدد مآل التطور الإجتماعي – السياسي اللاحق لأن ما يحدد ذلك هو مستوى التطور الإجتماعي- الإقتصادي القائم لحظة قيام الثورة لاتطلعات الثوريين مهما كان نبلها.
ولإن الثورة عمل تدميري، بالمعنى الإيجابي للكلمة، فإن عملية بناء نظام اجتماعي جديد على أنقاض ما تم تدميره لايتم بين ليلة وضحاها. ومع أن هذا القول يبدو بدهيا، إلا أن التذكير به شديد الأهمية لأننا نسمع منذ الآن عبارات الأسى من جانب ثوريين بسبب انتشار الفوضى أو صعود قوى محافظة أو إطلال رؤوس من النظام القديم ومحاولتها التسلل إلى الحياة السياسية الجديدة. فلا الثورة الفرنسية ولا الثورة البلشفية (فضلا عن ثورات أقل أهمية) حققت الأمن فورا، وتطلّب القضاء على قوى النظم القديمة حروبا أهلية طاحنة. ومن حسن حظنا أن حدوث حروب كهذه ليس مطروحا اليوم لكن الصراع مع العناصر والبنى التي أطاحت بها الثورات لابد وأن يستغرق زمنا قد يطول.


4. مع إن ثورات الربيع العربي انطلقت في آن واحد، ومع أن شعاراتها المعلنة كانت متشابهة: الحرية ومحاربة الفساد وسيادة القانون، إلا أن ما سبق يملي علينا التشديد على أن التمايز الهائل في مستويات التطور الإجتماعي/ الثقافي/ الحضاري/ الإقتصادي/ التاريخي بين بلدان المشرق يفرض، وسيفرض أجنداته على مآل تلك الثورات، وعليه دعوني أستذكر قولا مأثورا: التعميم هو الصخرة التي يستريح عندها المتعبون. في مؤتمر دولي عن الدروس التي يمكن لثورات الربيع العربي استحضارها من تجارب انتقال أوربا الشرقية إلى الديمقراطية ذكّرت بأن الحماسة أنستنا الفرق بين ماواجهته وأنتجته تحولات مولدوفا وألبانيا (أكثر البلدان تخلفا في تلك المنطقة) من جهة وألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا من جهة أخرى. وعليه فإن علينا إزاحة النظرة الإستشراقية التي تحشر منطقتنا في سلّة إسمها "العالم العربي" أو "الإسلامي" بالتذكير بأن اليمن غير مصر وسوريا، وإن الأخيرتين غير تونس من حيث معايير التطور التي أشرنا لها أعلاه، وبالتالي فإن مفاهيم الحرية ومحاربة الفساد في كل من تلك البلدان ستكون ذات مدلولات مختلفة في كل منها، كما أن طبيعة النظم التي ستقوم في كل بلد ستختلف عن بعضها بهذه الدرجة أو تلك.


5. النظم العقائدية
تعرضت لهجوم (إلى جانب إطراء أرحب بهما) من جانب قراء "الحوار المتمدن" فضلا عن مواقع وصحف أخرى لأنني حاولت التمييز بين القمع الجسدي (سجنا أو تعذيبا أو قتلا للمعارضين ومن يرتبطون بهم) وشراء الذمم من جهة وبين القمع الآيديولوجي الذي تمارسه النظم ضد مواطنيها. أقصد بالقمع الآيديولوجي غسيل الأدمغة الذي يبتدئ بالتعليم المدرسي، مرورا بالإعلام المرئي والمسموع وصولا إلى التحشيد الجماهيري الذي يشعر من لايساهم فيه بأنه مصاب بخلل ما. من هنا تتمتع الأنظمة التي تبني مشروعيتها على فكرة أو مبدأ عقائدي بدعم قطاعات من المجتمع تؤمن بتضليلها الديماغوجي.
على هذا الأساس قلت في مواضع عدة (نشرت بعضها في الحوار المتمدن) بأن النظامين المصري والتونسي يفتقدان إلى إدوات القمع الآيديولوجي بعكس النظامين الليبي والسوري (واليمني بدرجة أقل).

تقوم فرضيتي على أن كل الأنظمة المشار إليها (فضلا عن نظام البعث العراقي الذي تميز عليها جميعا بامتياز) استخدمت وسائل القمع الجسدي والمالي، لكن النظامين المصري والتونسي عجزا عن توفير آليات قمع آيديولوجي تحشد الجمهور وراءها. يتذكر جيلي النزول العفوي لملايين المصريين لتطالب جمال عبد الناصر الذي قاد شعبه إلى هزيمة مخزية أمام إسرائيل بالعدول عن قراره بالإستقالة. بل أن الأحزاب الشيوعية العربية الرسمية تبنت موقفا ( يحاول إنقاذ ماء وجه الإتحاد السوفييتي الذي رمى بثقله وراء النظامين المهزومين في سوريا ومصر) يقول إن إسرائيل لم تحقق أهدافها من حرب 1967 لأنها أرادت إسقاط الأنظمة التقدمية العربية لكنها لم تنجح لأن تلك النظم ظلت باقية على عروشها. كل هذا وإسرائيل احتلت كامل فلسطين التاريخية وسيناء والجولان!!!
هذا ما قصدت بالقمع الآيديولوجي. ولم أقصد قطعا القول بأن تلك النظم تمثل أو تعبّر عن مصالح أو رغبات شعوبها. أعيد باختصار ما صبّ جام غضب أطراف عدة عليّ في المعارضة العراقية لصدام حسين (ولست في حاجة لتزكية من أحد لكي أفتخر بانتمائي لها) القمع الآيديولوجي أشد ضراوة من كل أشكال القمع الأخرى.
تستند الأنظمة الآيديولوجية إلى توجيه الأنظار إلى عدو خارجي واحد تصوره سبب كل المشاكل التي يواجهها الخارج: كل المجازر التي تم ارتكابها ضد الأكراد وغيرهم في العراق وضد الحمويين في سوريا وبشاعات سجن عين طرة وأبو زعبل في مصر تمت باسم الدفاع عن الوطن ضد عدو خارجي. لايهم إن كان "العدو" إمبرياليا أو فارسيا أو صهيونيا. المهم أن يكون ثمة عدو خارجي نحشد قوانا في مواجهته (وما هي النازية؟ الهجوم البربري على عدو خارجي يتمثل في كل من لاينتمي إلى "عرقنا" الآري!). هكذا يتم تصوير التخلف وانعدام الخدمات والبطالة وهيمنة العسكر وأجهزة المخابرات على المجتمعات بأنها ناتجة عن "حشد الموارد لمواجهة العدو" وكضرورة لتحقيق الإنتصار عليه، وهو ما عبر النظام الناصري بشعار "لاصوت يعلو فوق صوت المعركة" وسخر منه التقدميون بتحويله إلى "لا سوط يعلو فوق سوط المعركة"!!!
على هذا الأساس كتبت مقالات عدة عن ثوراتنا مذ كنت في الإسكندرية حين اندلعت الثورة المصرية. تخلّى النظام المصري رسميا عن الإنتماء إلى إطار عقائدي يقوم على مواجهة عدو خارجي ولم يعد إسم "حزب الإستقلال الدستوري" ذا معنى بعد ستين عاما على استقلال تونس وانحيازها الرسمي إلى جانب الغرب. كانت كل الأنظمة العربية، ولاتزال، فاسدة/ قمعية/ وحشية/ متواطئة مع أعداء شعوبهم، لكن النظم العقائدية التي ظلت تتغنى بالعداء للأجنبي لاتزال تملك رصيدا جماهيريا سنخدع أنفسنا إن عزوناه إلى القمع أو شراء الذمم فحسب، إذ إن هذا التصوير الساذج سيعيق الثوريين عن تحديد الفئات التي يمكن كسبها وتلك التي يمكن تحييدها والفئات التي لابد من محاربتها.


6. حين دعوت، ولاأزال أدعو، إلى تدخل عسكري من جانب الناتو لدعم الثورة السورية وشل الماكنة العسكرية لنظام الأسد الدموي، تعرّضت إلى انتقادات حادة (وشتائم أترفّع عن الرد عليها) مفادها أن تدخلا كهذا سيؤدي بسوريا إلى المصير الذي وصل إليه العراق. والحال أن مقارنة كهذه تغفل، أو تتغافل، الإختلاف الشاسع بين الحالتين وبين شكل التدخل الذي أدعو إليه وأسبابها.
لايريد كثيرون التذكر بأن كل الثورات العربية بلا استثناء بدأت سلمية بما فيها حركة ينبغي أن تثير انتباهنا هي اليمن، لأن معظم القبائل تملك السلاح لكنها لم تلجأ إليه إلا خلال الشهور الأخيرة التي سبقت استسلام علي عبدالله صالح المراوغ لمبادرة قد تساعده في العودة إلى التحكم بمفاصل السلطة.
كانت هناك (ولاتزال) ثورات مستعرة في كل بلدان "الربيع العربي". فهل ثمة مجال للمقارنة بين حالتها وحالة العراق؟ جوابي هو: نعم ولا. سأبدأ با"لا". أشرت في مقالي الأخير في الحياة (وتفضل الحوار المتمدن بإعادة نشره) إن مأساة الشعب العراقي (من بين عشرات المآسي التي مر بها) إن ثورة شعبية وفقا لأي تعريف نريد اتّباعه لمعنى الثورة اندلعت إثر الهزيمة المذلة لنظام صدام حسين عام 1991، وكانت قوات التحالف (الإحتلال) تحتل سدس أراضيه، لكن تلك القوات لم تكتف بالإمتناع عن دعم الثورة فحسب، بل أنها وقفت ضدها بشراسة. أقول هذا لأذكّر أولئك العرب الذين وصفوا تلك الثورة ك"تنفيذ للمصالح الغربية واستجابة لرغبة الولايات المتحدة"، وبعض هؤلاء (ومنهم أصدقاء شخصيين لي لاأود ذكر أسمائهم) يلعب اليوم أدوارا قيادية في الثورات العربية الحالية. وهكذا تم قمع تلك الثورة حين سمحت القوات الغربية لنظام صدام حسين باستخدام آلته الحربية الوحشية ضد الثوار.
أما في عام 2003، فكان الوضع مقلوبا. أولا، لأن الحصار الذي حطم معنويات الشعب العراقي وذكريات القمع الوحشي لثورتهم شل إمكانية انطلاق ثورة جديدة، وثانيا، لأن التدخل الغربي اتخذ شكل احتلال أمريكي أشعر العراقيين عن حق بالإذلال ودمر ما تبقى من مؤسسات كان بوسعها الوقوف، وإن جزئيا، بوجه هذا الإحتلال.
ما سبق يبين رأيي في أن ثمة اختلافا جذريا بين حالة العراق وبين ثورات الربيع العربي. أما وجه الشبه فهو يكمن في أن الأنظمة التي أسميتها بالعقائدية تستخدم مبررات وجودها (الزائفة بالطبع) لكي تمارس سحقا ممنهجا ووحشيا ضد جماهير عزلاء، لايمكن لها الإنتصار من دون إسناد خارجي ليس مطلوبا منه القيام بالثورة نيابة عن الشعب، بل أن يساهم في جعل الصراع متكافئا بين تلك النظم وبين الأخير. والمثال الأكثر جلاءا هنا هو الثورة الليبية التي ما كان لها أن تنتصر، برغم أنها كانت تحظى بدعم غالبية الشعب، لولا تدخل حلف الناتو لا عبر الإحتلال بل عبر توجيه ضربات شلّت الماكنة العسكرية للنظام، وهو ما أدعو إليه في حالة سوريا.


7. تسقط النظم العقائدية مخلّفة وراءها إرثا مأساويا يتطلب التخلص منه عقودا من الزمن وسيل كثير من الدماء التي قد تدفع البعض (وأنصار النظام المنهار بالطبع) إلى التذكير بأفضلية مزعومة لتلك النظم، في الوقت الذي يتم تناسي إن تلك العواقب نجمت بالضبط عن هيمنتها المديدة على السلطة. الإرث الأول يتمثل في أن أكثر من جيل تشبّع بأفكار تلك الأنظمة وبات خطابه المعارض نسخة مقلوبة من خطاب النظام المهزوم، كالحديث عن كيفية الثأر من طوائف كان النظام ينحاز إليها لكي تصعد طائفة المنتصرين محلها، أو ممارسة شراسة وحشية غذاها النظام في أذهان مواطنيه. أما الإرث الثاني فيتمثل في إجبار من يثورون عليه على حمل السلاح حتى وإن بدأت الثورة سلمية، مما يؤدي بالضرورة إلى نشوء ميليشيات يصعب التحكم بها ودمجها في جهاز عسكري واحد من دون تقديم تنازلات لها على حساب مبادئ الثورة. أما الإرث الثالث فيتمثل في أن تلك الأنظمة تغادر المسرح من دون أن تترك مؤسسات، حتى وإن كانت شكلية، يمكن استخدامها كلبنات لبناء مؤسسات سيادة القانون مثل القضاء المتمتع بدرجة من الإستقلالية والمهنية أو مؤسسة عسكرية محترفة غير مسيّسة بالكامل، مما يعني إن على الثورة أن تبدأ من الصفر مستندة إلى وعي شوهته عقود من الإستبداد.


8. ماذا يريد التقدميون من الغرب؟ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى سقوط جدار برلين، كان التقدميون العرب (وفي العالم الثالث عموما) يحددون مواقفهم بشكل ردات فعل يكون للغرب اليد الطولى فيها، بمعنى أنهم لم يعرفوا مايريدون بل كانوا يرون مايريده الغرب فيتخذون موقفا معاكسا، مما أدى إلى وقوعهم في أخطاء مخجلة (ومشينة). فحين كان الغرب يعادي نظام سلفادور الليندي الديمقراطي الإشتراكي ونظام الساندينيستا المماثل في نيكاراغوا كانوا يتبنون مواقف شديدة الحماس دفاعا عن الديمقراطية. أما حين يعادي الغرب نظما وحشية مثل نظام منغستو هيلاري مريام في أثيوبيا، فكانوا يهاجمون الغرب "لإستهدافه" النظم الثورية. وحتى في الفترة التالية لعام 1990، ظل التقدميون مترددين في اتخاذ مواقف شجاعة تنطلق من قناعات ثابثة: هل ندعم صدام حسين (مع علمنا بطبيعته الدكتاتورية) لأنه يجابه الغرب؟ وهل نقف إلى جانب صربيا في حربها العدائية ضد الشعب البوسني لأن الغرب تبنى مبدأ حق تقرير المصير للأخير؟ وهل أن الشعب الكردي "أداة" في يد إسرائيل والولايات المتحدة لأنه يناضل من أجل حقه في تقرير مصيره؟ وينطبق الحال هنا على الثورات العربية التي يبدو موقف التقدميين منها مثيرا للإستغراب. فإن لم يتدخل الغرب في دعم ثورتي تونس ومصر، قيل من باب الإتهام إنه يدافع عن نظامين حليفين (وهو أمر صحيح). وإن لم يتدخل في دعم الثورة السورية، قيل أن هذا تخاذلا من جانبه. وإن تدخل في ليبيا قيل أنه طامع في ثروتها النفطية. وقد أدت هذه المواقف المرتبكة (وهي ليست عفوية) إلى القول الشائع (والصحيح في رأيي) بأن اليسار (ولنضف إليه الإسلاميين) يقف مع الديمقراطية حين تخدم مصالحه ويعاديها إن لم تكن كذلك.


9. أخيرا، لنتناول موضوعة الإسلام السياسي ولعلها كانت القضية الأكثر إشغالا للتقدميين العرب. أشرت في مقال سابق في الحوار المتمدن إلى أن الحركات الإسلامية مارست هي الأخرى أشكالا من القمع الآيديولوجي القائم على غسيل الدماغ. لكن هذا القمع لم يكن لينجح لو لم تستفد تلك الحركات من الفقر والبطالة المستشريين لتوفر وسائل العيش والخدمات لمن يواليها حتى أنها أنشأت مجتمعا موازيا، لاسلطة موازية فقط، في مواجهة الأنظمة الحاكمة. فمن الطبيعي إذن أن تحصل (في المراحل الأولى التالية للثورات على الأقل) على مواقع قيادية في الأجهزة التشريعية المنتخبة وتترك بصماتها على الحياة السياسية بمجملها. وذكرت بأن تلك الحركات كانت أقرب إلى نبض الشارع من اليسار في كثير من البلدان، مما دفع كثيرا من القراء إلى تحدي زعمي هذا. إذن عليّ أن أتساءل مع القارئ عن الدور المشين الذي لعبه الحزب الشيوعي السوري، لافي الحركة الثورية المستعرة الآن فحسب، بل طوال اربعين سنة من تحالفه مع النظام البعثي القمعي باسم "مجابهة الإمبريالية والصهيونية"، ودور حزب التجمع المصري الذي حاول أن يضفي مصداقية على نظام مبارك من خلال مشاركته في مهازله الإنتخابية المزورة مقابل حصوله على فتات من الأمتيازات. أليس من حق البسطاء أن يروا في هؤلاء "اليساريين" الذين يتغنون بتمثيل البروليتاريا ويسكنون في أحياء المعادي والمزّة أعداءا لهم وجزءا من النظام الذي يحقدون عليه؟


10. حيم كتبت ما سبق لم أكن غافلا عن الإمكانات المالية الهائلة والدعم السياسي الإقليمي الذي تمتعت وتتمتع به خركات الإسلام السياسي. إذ لايمكن فصل صعود حركات الإسلام السياسي عن الصراع الإقليمي وتحديدا الصراع القطري- السعودي على زعامة المنطقة برغم ما تنطوي عليه المقارنة بين البلدين من مفارقة حين نقارن حجم كل من الدولتين وموقعهما الإقليمي والدور التاريخي لكل منهما في دعم الحركات الرجعية والظلامية لافي العالم العربي فحسب بل في العالم الإسلامي بل وخارجه (موّلت السعودية، بالإتفاق من الإدارة الأمريكية في عهد رونالد ريغان، حركة الكونتراز التي قاتلت نظام الساندينيين التقدمي في نيكاراغوا).
لكن المفارقة تزول حين نتذكّر أن السعودية تبدو مقيّدة الحركة أمام التغيرات الجارية، فهي لاتخفي عداءها التاريخي لحركة الإخوان المسلمين التي تتبنى فلسفة تهدد التفسير الوهابي السلفي للإسلام، وتهدد بالتالي ادعاءها بأنها تمثل الإسلام "الحقيقي". وصعود الأخوان إلى السلطة، لاسيما في مصر يشكل ضربة قد تكون قاصمة لنفوذها الذي كان قائما على الدعم المستميت لنظام حسني مبارك الذي لم يتخّذ نظامه إجراءات قمعية بحق السلفيين الذين قاموا بالمقابل بإصدار فتاوي الدعم له وإعلان عزوفهم عن ممارسة العمل السياسي. أما الأخوان فقد رمت قطر بكل ثقلها وراءهم لكي تستند إلى ثقلهم السياسي في مجابهة السعودية ومنافستها، إذ أنها تدرك إن أموالها لا تكفي لوحدها لتأخيلها لعب دور قيادي في المنطقة. وهكذا فإن سيطرة الأخوان على السلطة السياسية في البلد الأكثر ثقلا في العالم العربي، والذي نشأت الحركة على أرضه، سيعنى انتقال مركز الإسلام إليه ويقضي على الشرعية التي استمدت منها السعودية أسس حكمها.
لاعجب إذن أن يعلن السلفيون فجأة ممارستهم العمل السياسي "الدنيوي" بعدما حرّموه باعتباره ينقل سلطة التشريع من الله إلى البشر. ولاعجب أيضا أن تتوصل لجنة لتقصي مصادر تمويل مؤسسات المجتمع المدني شكلتها وزارة العدل المصرية إلى أن الجماعات الدينية تسلّمت مبلغ خمسين مليون دولار خلال الأشهر الستة الأخيرة من عام 1911، ذهب ثلاثون مليونا منها إلى الجماعات السلفية. وكان مصدر التمويل بلدين خليجيين لم تكشف اللجنة عن اسميهما لكن ليس من الصعب معرفة إنهما السعودية وقطر, وفي المقابل أعلنت اللجنة أن المنظمات العلمانية لم تتسلم أي مساعدات خارجية برغم كل الحملات الشرسة التي تعرضت لها بسبب اعتمادها على "التمويل من مصادر مشبوهة".




تعليقات الفيسبوك