هشام غصيب في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: من الثورة العربية الى الثورة العالمية


هشام غصيب
الحوار المتمدن - العدد: 3318 - 2011 / 3 / 27 - 14:42
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

أجرى الحوار: حميد كشكولي
من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا – 40 - سيكون مع الأستاذ د.هشام غصيب حول: من الثورة العربية الى الثورة العالمية.
 

1- الفارق الطبقي الظالم هو أحد أهم أسباب اندلاع ثورات الشباب في العالم العربي ، كيف تقيّم آفاق هذه الثورات؟ وكيف يمكن لقوى اليسار الاشتراك الفاعل فيها لأجل إعادة دوره الطبيعي المؤثر في المجتمعات العربية؟

الصراع الطبقي هو أساس الثورات جميعا عبر التاريخ. فالثورة هي لحظة تجلي الصراع الطبقي على سطح الأحداث. فالصراع الطبقي يظل ينخر جسد المجتمع كالدودة، حسب تعبير ماركس، من دون أن يظهر على السطح حتى يصل حد الانفجار، فيتجلى عند ذاك في كل تفصيلاته. والسؤال الملح هو: هل إن ثورتي مصر وتونس هما ثورتان برجوازيتان؟ من دون شك أنهما بدأتا برجوازيتين. لكن السؤال الأهم هو هل إنهما ستتوقفان عند هذا الحد، في ضوء التبعية والهيمنة الإمبريالية؟ هل ستبقيان برجوازيتين، في ضوء الوضع المستحيل للجماهير الشعبية؟ لقد ثارت الجماهير العربية بصورة غير مسبوقة على المافيات الأمنية الحاكمة (البرجوازية الكولونيالية وفق مهدي عامل)، تلك المافيات التي تضررت من حكمها جميع الطبقات والقطاعات الاجتماعية. وحتى الآن كانت شعارات الثورة وعناوينها وآفاقها ومطالبها وآيديولوجيتها برجوازية الطابع. لكن مطالب عمالية بدأت تطل برأسها مؤخرا في تونس ومصر. ولعل التحرك المتأخر للطبقة العاملة الصناعية في مصر تحديدا هو الذي حسم الأمر وأطاح بالرئيس. وستدرك الجماهير الشعبية قريبا أن الإصلاحات البرجوازية، على أهميتها، غير كافية، وأنها لن تتمكن من حل المشكلات الملحة للجماهير الشعبية، الأمر الذي سيدفعها إلى تخطي الأفق البرجوازي للثورة، إذا توافرت الشروط الذاتية، وفي مقدمتها حضور أحزاب ماركسية ثورية نظريا وثقافيا وجماهيريا وسعيها إلى قيادة الجماهير من أجل تحقيق شروط حل مشكلاتها الملحة. على الأحزاب الماركسية ألا تدع هذه الفرصة تفوتها، وأن تستعيد ثقتها بنفسها وجماهيرها، وأن تطهر نفسها من أوهامها الليبرالية البائسة، وأن تتغلب على خوفها من التاريخ وأحداثه الثورية، وأن تعد نفسها للمنازلة الكبرى، وأن تتحلى بروح لينين المفدامة. وهنا ينبغي التنبيه إلى أن كون آفاق الثورة العربية ما زالت برجوازية لا يعني البتة أن الذي أشعل فتيل الثورة هو ما يسمى الطبقة الوسطى. فالشباب الذين تصدروا الحراك الشعبي لا ينتمون إلى هذه الطبقة الهلامية المسدودة الآفاق التاريخية، وإنما ينتمون إلى الطبقة العاملة الجديدة، طبقة العمال الذهنيين، الذين يكدحون بمهاراتهم الذهنية. وهم مسؤولون عن خلق ثروات خيالية، ويعانون من الاستغلال الفاحش من طرف الرأسمال، ومن نسبة عالية جدا من البطالة. لذلك يمكن القول إن الثورة العربية ثورة عمالية بمضمونها، برجوازية بشكلها. وعلى القوى الماركسية أن تعي ذلك جيدا وتتهيأ للانخراط في الصراع الطبقي المحتدم وقيادة الكادحين صوب السلطة.

2- كان الاتحاد السوفييتي الراحل و برجوازية الغرب يشاطر اليسار العربي التقليدي التركيز على البعد الثقافي والديني دون سواهما، وفي ذلك إشغال للعمال والكادحين العرب عن حقيقة صراعهم مع رأسماليتهم الوطنية. ألا يعني هذا أن اليسار القومي العربي قد حقق أهداف الرأسمالية الغربية؟

إني أشخص المشكلة بكيفية أخرى. لم تكن المشكلة تكمن في التركيز على البعدين الثقافي والديني، وإنما في تبني الأحزاب الشيوعية العربية العقيدة المنشفية في مقابل العقيدة البلشفية، بتأثير موسكو بالطبع. وأعني بذلك أن هذه الأحزاب كانت تعتقد أن الثورة العربية في الفترة المنصرمة كانت مرحلة الثورة البرجوازية في نقائها، وكانت تفصل تماما نين الثورتين البرجوازية والاشتراكية، ومن ثم كانت تعتقد أن دور الأحزاب الشيوعية العربية لم يأت بعد، وانه يقتصر فقط على تقديم الدعم إلى ما يسمى البرجوازية الوطنية من أجل تحقيق ثورتها الديموقراطية في مجابهة ما يسمى الإقطاع والاستعمار. بذلك همشت الشيوعية العربية نفسها ودورها التاريخي وانتهت بأن ألحقت نفسها بالدبلوماسية السوفييتية من جهة والطغم البرجوازية والبرجوازبة الصغيرة العربية هنا وهناك. والحق أن الشيوعيين العرب لم يولوا البعد الثقافي والديني الاهتمام الكافي، برغم أهميته القصوى في البيئة العربية. فما أسميه الثورة المضادة الثقافية العربية انتصرت وسيطرت منذ العصور الوسطى على الوطن العربي، وهي ما زالت مسيطرة عليه. ولم تبذل الشيوعية العربية الجهد الثقافي الكافي في تفكيك ما أسميه لاعقل الثورة الثقافية المضادة. فلم يكن نقدها الفكري جذريا بصورة كافية، برغم محاولات حسين مروة ومهدي عامل وصادق جلال العظم وطيب تيزيني وياسين الحافظ والياس مرقص وسمير أمين ومحمود أمين العالم وبو علي ياسين وأحمد صادق سعد الثرة. وبالطبع، فان تحرير الوعي العربي من هذا اللاعقل الديني، الذي يغيب الطبيعة والتاريخ والعقل، مسألة ملحة جدا في الحركة الثورية العربية.
 

3- كانت الكثير من قوى اليسار التقليدي وبتأثير -الاتحاد السوفييتي- على خصام مع اللبراليين والحداثيين العرب متهمة إياهم بالبرجزة و الانبهار بالغرب، في وقت كانت تعتبر الأنظمة و الحركات القومية الدكتاتورية والمجاهرة بمعاداتها للشيوعية، حلفاء مرحليين ،ما شهدنا عواقبه المدمرة على اليسار والفكر التقدمي في العالم العربي و كثير من بلدان ما يسمى بالعالم الثالث، كيف تفسرون هذه الظاهرة؟

أرى أن العقيدة المنشفية أدت هنا أيضا دورا مهما في ذلك التوجه. إذ بحثت الشيوعية العربية عبثا عن برجوازية وطنية عربية ثورية لكي تتكئ منشفيا عليها، فلم تجدها. فما كان منها سوى أن استبدلت بها قطاعات العسكريتاريا والبرجوازية الصغيرة، التي بدت ثورية وتنموية في مرحلة ما، فألحقت نفسها بها، خصوصا وأن هذه الفئات البرجوازية الصغيرة وجدت من مصلحتها آنذاك التحالف مع الاتحاد السوفييتي. لكني لا أعتقد أن هذا التوجه الشيوعي كان مستهجنا تماماً، أولا لأن الأحزاب الشيوعية العربية بتركيبتها البرجوازية الصغيرة لم تكن بأفضل حال من نظيرتها القومية، وثانيا لأن هذه الأنظمة حققت بعض الإنجازات التنموية والاستقلالية في مرحلة ما. أما من يسمون الليبراليين والحداثيين العرب، فهم ليسوا كذلك بالفعل إلا شكليا. إنهم حداثيون وديموقراطيون على الطريقة الأميركية الفجة. وهم بعيدون تماما عن الهموم اليومية والتاريخية للجماهير العربية. وهم متصالحون تماما مع واقع التخلف والتبعية والاستغلال الذي تعيشه جماهيرنا العربية. إن الواقع العربي المرير لهو في حاجة إلى ثوريين راديكاليين، لا إلى ليبراليين متصالحين معه. والذي ينبغي أن يحمل لواء الحداثة والديموقراطية بمعناهما التاريخي العميق ينبغي ان يكون الطبقة العاملة العربية بقيادة الماركسية الثورية. إن من يسمون ليبراليين وحداثيين لا يقطعون البتة مع الثورة الثقافية المضادة ولا يصادمونها في الصميم، وإنما يسعون إلى التفاهم معها في سياق إدامة واقع التبعية والتخلف. إن التحالف المطلوب هو بين قطاعات الجماهير الكادحة من عمال تقليديين وعمال ذهنيين وفلاحين وموظفين وجنود ومعلمين على قاعدة التقدم والاستقلال.
 

4- هل يمكن بروز حركة يسارية فعالة في الأردن حيث تسود العلاقات القبلية و العشائرية في المجتمع رغم حركة العمران الحديثة ونظام حكم قام بإصلاحات سياسية واقتصادية نسبية ،و ما هو برأيك الموقف الماركسي الأمثل من التراث و الدين والإسلام السياسي؟؟

إن اليسار الأردني قديم وعريق وترك أثرا ملموسا على مجمل الحياة السياسية والثقافية الأردنية، وبخاصة الشيوعيون والبعثيون. وفي وقت من الأوقات اجتاح اليسار الأردني الشارع الأردني، ولم تقف العشائرية حائلا أمامه. وفي ظل الأزمة الحالية المتفاقمة أردنيا وعربيا وعالميا، بات وجود يسار ثوري أردني ضرورة تاريخية ملحة لا مناص منها. فالصراع الطبقي محتدم في البلاد ويهدد بالانفجار في كل لحظة. إن الجماهير الشعبية، من عمال وفلاحين وموظفين وجنود ومعلمين وعمال ذهنيين، ما عادوا يتحملون حكم المافيا الأمنية الحاكمة بنهجها النيوليبرالي الفاسد، الذي يقود البلاد والعباد إلى الهاوية. وعلى الجماهير الكادحة أن تطور أطرها التنظيمية خارج الحدود العشائرية، التي حاول ويحاول النظام أن يكرسها بديلا للأطر الحديثة الفعالة لكي يتمكن من تفتيتها والسيطرة عليها وعلى حركتها. وفي هذا المقام علينا أن نشير إلى أن الذي يحكم الأردن هو ليس العشائر الأردنية، كما تزعم البرجوازية الفلسطينية، وإنما المافيا الأمنية (من شتى المنابت والأصول)، التي تحكم بتكريس شكل مروض من العشائرية وغيرها من الأطر القديمة. وبالطبع فإن هذه المافيا ترتبط عضويا بالسوق العالمية والمراكز الإمبريالية العالمية وتحكم نيابة عنها وتنهب ريعها عبر هذا الدور الخدمي الذي تؤديه.
أما فيما يتعلق بموقف الماركسية من الدين، فإني أرى أن الماركسية جاءت تتويجا لمسيرة علمنة الفكر، التي نقلت الفكر من محورية الذات الإلهية إلى محورية الذات الإنسانية بوصفها قوة اجتماعية إنتاجية، ومن ثم فهي علمانية تامة منسجمة مع نفسها بفضل ماديتها وجدليتها. وتنظر الماركسية إلى الدين نظرة مادية تاريخية بوصفه منتجا إنسانيا اجتماعيا تاريخيا يعكس ظروفا طبيعية واجتماعية معينة وبوصفه اغترابا يعكس وضعا طبقيا ومعرفيا معينا. بذلك فإن الماركسية لا تنطلق في فهم الدين والتعامل معه من منظور الدين نقسه، وإنما من منظور علم التشكيلات الاجتماعية بخاصة والعلم بعامة. إن مرجعية الماركسية هي العلم، لا الدين. كذلك الأمر بالنسبة إلى التراث. فهي لا تقدس التراث من جهة، لكنها لا ترفضه أو تدينه أو تتجاهله من جهة أخرى، وإنما تعده معطى ماديا تاريخيا صنعته أجيال من البشر تحت ظروف متنوعة. ونرى أن فهمه العلمي ضروري من أجل فهم واقعنا وآفاقه بعمق ومن أجل تحرير وعي نخبنا ووعي جماهيرنا من كثير من الأوهام الآيديولوجية القاتلة التي تكبل مسيرتنا الحضارية. وبتعبير آخر، فاننا في حاجة ماسة الى كشف المستور في تراثنا وإبراز التراث بوصفه تجليا للإنسان العربي في تاريخيته وكشف السر التاريخي للتراث وعظمته الإنسانية المهدورة من أجل تفكيك لاعقل الثورة المضادة، الذي احتكر ميدان التراث طويلا، ومن ثم تحديث الوعي الجمعي العربي.
 

5 - ثمة مفكرون ماركسيون في عصرنا هذا يعتبرون إنتاج التسلح ، و التوسع الهائل في قطاع الخدمات عاملا لتغلب الرأسمالية على تناقضاتها الناتجة عن إعادة إنتاج ذاتها ، إلى أي ّ حد يصح هذا الادعاء وإلى أي مدى يمكن أن يتوافق أو لا يتوافق المسير الواقعي للاقتصاد الرأسمالي مع مثل هذه التنظيرات ، وما هي العواقب السياسية التي يمكن أن أن تنتج عنها؟

من دون شك أن الرأسمالية استطاعت أن تطيل حياتها وتعيد إنتاج ذاتها وتحد من تأثير أزماتها الخانقة بالحرب والتسليح وغيرهما من وسائل الهدر وبالعبث النقدي. وتاريخ آخر مائة عام شاهد جلي على ذلك. لكن هناك حدودا واضحة لذلك. فهذه الأساليب والطرائق تخلق تناقضاتها الحارقة وتفاقم في النهاية من تناقضات الرأسمالية. وهذا ما حصل بالفعل في الأعوام الثلاثة المنصرمة، برغم التبجحات المضحكة التي ما فتئنا نسمعها من أساطين السياسة والاقتصاد والفكر البرجوازيين حول تغلب الرأسمالية على تناقضاتها وتحولها إلى نظام عقلاني يضمن الأمن والرفاه والحرية والبيئة النظيفة لبني البشر. لقد كنت أدرك بطلان هذه المزاعم منذ مطلع تسعينيات القرن العشرين، لكن الكثيرين من الناس واليساريين وقعوا في فخ هذه الآيديولوجيا المتهافتة. أما الآن، فلم يعد ذلك ممكنا بعد أن تكشف حجم المأزق الذي تعيشه الرأسمالية وتعيشه البشرية في ظلها. إن قوانين زوال الرأسمالية تدفعها دفعا صوب استبدال الاقتصاد النقدي الوهمي بالاقتصاد الإنتاجي الحقيقي. لكن هذه العملية وصلت ذروتها، فانفجرت الفقاعة وتحولت إلى تسونامي عات عصف بالاقتصاد الرأسمالي العالمي برمته. ولا أدري كيف يمكن للرأسمالية أن تخرج من مأزقها هذا. بالفاشية والحرب العالمية؟ ربما. لكن ذلك سيعني ليس زوال الرأسمالية وحدها، وإنما زوال الأرض ومن عليها. فلنعمل إذا معا من أجل الحيلولة دون حدوث ذلك، ومن أجل تحويل المأزق من انتحار إلى ثورة اشتراكية عاتية.
 




تعليقات الفيسبوك