درب العلم


هشام غصيب
الحوار المتمدن - العدد: 3621 - 2012 / 1 / 28 - 09:26
المحور: الطب , والعلوم     

درب الإبداع في العلم درب شديد الوعورة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى درب استيعاب المفهومات العلمية وفهمها. فاستيعاب الأفكار العلمية، التي في جلها تتخطى المألوف والمعتاد، يستلزم اهتماماً وتركيزين متواصلين وتدرجاً في تقديم المفهومات وبنائها، والأهم من ذلك كله، صبراً كبيراً في تدبّر الأفكار وتحليلها واختبارها وتطبيقها، وتواضعاً جماً في الجزم بصحة هذه الفكرة أو تلك، وتأنيا متناهيا في إطلاق الأحكام والحسم، وتفادي الاستهانة بالأفكار واختزالها وإفراغها من محتواها وتضخيم بعضها على حساب بعضها الآخر. فهناك من يصيبه الغرور المعرفي الذي يولد استهانة بالعلم وأفكاره، فتراه “يدحض” داروين في صفحة أو صفحتين، كما يفعل دعاة الفكر الديني (مثلاً، البوطي). وهناك من يدفعه حماسه لمعتقد ما إلى اختصار الطريق، والظن بأنه ختم العلم واستوعبه لمجرد أنه قرأ كتابا علميا مبسطا أو كتابين، والتسرع في الحسم وإصدار الأحكام انطلاقاً من فهمه المتواضع غير الدقيق للأفكار العلمية (كما يفعل مثلاً سعيد حوى). فالدعاة الدينيون عادة لا ينشدون الدقة في فهم الأفكار العلمية وعرضها ولا يبتغون الحقيقة في تشعبها وتعقدها. إنهم غير معنيين بالحقائق في حدّ ذاتها. أما ما يبتغونه حقاً فهو الأخذ من سطح العلم ما يساعدهم في ترسيخ معتقدات معينة على اعتبار أن الوسيلة تبرر الغاية، وهم بذلك إنما يشوهون العلم ومعتقداتهم النبيلة في آن. بل إن هذه المعتقدات ذاتها تحث على معرفة الحقيقة والالتزام بها، بل والموت في سبيلها. فالمشكلة إذاً لا تكمن في هذه المعتقدات في حدّ ذاتها، وإنما في أولئك الدعاة الذين يخدمون مصالح اجتماعية معينة وينفذون أهدافاً آيديولوجية معينة باسم هذه المعتقدات النبيلة. وهذا بالضبط ما حاول أن يبينه المفكر المصري المعروف نصر حامد أبو زيد، فكان أن انهالت عليه الضربات والهجمات الظلامية من كل حدب وصوب وتعرّض لحصار ظلامي حاقد من قبل المؤسسات اللاهوتية ودعاتها، لا لشيء إلا لأنه حاول أن يجسد معتقداته في ممارسة موضوعية تلتزم بالعلم وقيمه وشرائطه التزاما تاما حيال أي موضوع، بما في ذلك دراسة النص المقدّس.



وإني لأورد هذه الأفكار مقدّمة لسلسة من المقالات أنوي كتابتها عن علم الكون (الكوزمولوجي) والتطورات المذهلة التي شهدها في العقود الأربعة الأخيرة. وقد ارتأيت ضرورة إيراد هذه المقدّمة، التي تؤكد قيم الصبر والأناة والتدرج، بالنظر إلى ما يزخر به هذا الموضوع من إثارة قد تدفع القارىء إلى الرغبة الجامحة بالوصول إلى النتائج المذهلة من دون أن يكون مستعداً لمجابهتها ومجهزاً بالأدوات الفكرية اللازمة لذلك. فلا سبيل لاستيعاب هذه النتائج ومغزاها الإنساني والكوني من دون استيعاب تدريجي لأفكار تجريدية متعلقة بالمكان والزمان والمادة والهندسة الرياضية والحركة تجد تجسيدها في النظريات الأساسية في الفيزياء: ميكانيك نيوتن، وكهرمغناطيسية ماكسويل، ونسبية آينشتاين، ونظرية الكم. لذلك، فإننا نناشد القارىء أن يتحلى بالصبر، ويقرأ ما سأكتبه في هذه السلسلة بعناية وروية ودقة، ويبذل من الجهد الفكري ما يمكنه من استيعاب الأفكار المطروحة، ويتدرج في فهم هذه الأفكار فيمتنع عن حرق مراحل الفهم، إذا أراد أن يصل إلى فهم حقيقي لأفكار علم الكون ومصّ رحيقه والتمتع الفعلي والعميق باستيعاب نتائجه المثيرة. فبقدر ما يبذل من مجهود جدي، بقدر ما سيشعر بمتعة استيعاب المعرفة العلمية ونتائجها المذهلة بحق.