قراءة فلسفية لدستويفسكي


هشام غصيب
الحوار المتمدن - العدد: 4667 - 2014 / 12 / 20 - 06:16
المحور: الادب والفن     

كان من أجمل لحظات حياتي حين أتيحت لي الفرصة لقراءة رواية "الحرب والسلام" لليو تولستوي باللغة الإنجليزية وأنا في العشرين من عمري في بداية دراستي في بريطانيا.



كان من أجمل لحظات حياتي حين أتيحت لي الفرصة لقراءة رواية "الحرب والسلام" لليو تولستوي باللغة الإنجليزية وأنا في العشرين من عمري في بداية دراستي في بريطانيا. وقد سبق أن قرأت أجزاء من الرواية باللغة العربية وسبق أن شاهدت الفلم الأميركي المتعلق بهذه الرواية، والذي أدى فيه هنري فوندا دور بيير وأدى مل فيرر دور أندري وأدت أودري هيبورن دور نتاشا. لكني في حينها لم أستطع أن أدرك تميز هذه الرواية وعظمتها الاستثنائية، ربما لأني لم أكن مهيئا لذلك فكريا ووجدانيا وربما أيضا لأن الترجمة العربية والفلم الأميركي لم يرتقيا، ولو قليلا، إلى مستوى الأصل. لكن الأمر اختلف تماماً عندما أتيحت لي فرصة قراءة الترجمة الإنجليزية في بريطانيا. إذ انصبت في روحي ووجداني سحراً خالصاً وجمالاً علويا هزاني من الأعماق، وبالذات تلك الحميمية الإنسانية التي تتميز بها شخوص الرواية. وتوالت قراءاتي لتولستوي باللغة الإنجليزية لكي تشكل وعيي ووجداني بطريقتها الخاصة، فصرت أعتبر "الحرب والسلام" و "آنا كاريننا"و "البعث" و "القوقازيون" المثالات العليا للأدب والتي لا يمكن أن يرقى إليها أي عمل أدبي لأي أديب آخر. وصرت أغالي في النظر إلى الروايات الأخرى ببعض الاستخفاف والازدراء لاعتقادي أن آيا منها لن يستطيع أن يقترب من عظمة تولستوي، وأنه بعد قراءة تولستوي وهضمه لا يكون المرء في حاجة إلى قراءة غيره من الروائيين. لقد امتلأت بتولستوي ولم يبق هناك حيز في روحي لغيره. أو هذا ما اعتقدته آنذاك، إلى أن وقع بين يدي رواية "الأخوة كرامازوف" لفيودور دستويفسكي باللغة الإنجليزية أيضا. في بادئ الأمر تصفحت الرواية بشيء من الريبة والتحفظ، ثم جرأت على الخوض في محيطها الزاخر، فإذا بي أجد نفسي أمام مارد جبار لا يقل شموخا وعظمة عن تولستوي، وإن كان ذا لون ونكهة وروحية مختلفة تماما" عما نجده في تولستوي. وتوالت قراءاتي لدستويفسكي: "الجريمة والعقاب" و "ملاحظات من تحت الأرض" و " الأبله" و "الشياطين" و "التمساح" وغيرها، فعززت لدي الشعور بأني بإزاء تولستوي آو شيكسبير آخر ولكن بلون آخر. بل لقد تملكني أدب دستويفسكي تماماً آنذاك وصرت أنظر إلى العالم ونفسي عبره وعبر شخوصه البرية الغريبة وغير المألوفة إلا في المصحات العقلية، لكن النابضة بشحنة عالية من الحياة والعمق. وبلغ هذا التملك حداً جعلني أشعر بالحاجة الملحة إلى الكلام والكتابة على غرار طريقة هذه الشخوص في الكلام. لقد قرأت دستويفسكي آنذاك بوجداني وشعوري فأحدث زلزالا عاتيا فيها ما زال أثره قائما في نفسي حتى هذه اللحظة. لكني اليوم أقرأه بعقلي وفكري، فأشعر كأني أقرأه للمرة الأولى وأجد فيه كنزا لا ينضب من الأفكار والرؤى الفلسفية والسيكولوجية العميقة.

ما هي السمات والجوانب التي تميز أدب دستويفسكي وتجعل منه مثالاً علويا لا يقل شأنا عن التراجيديا الإغريقية والدراما الشيكسبيرية وروايات تولستوي؟

أولا: إن الرواية الروسية بعامة ليست مجرد رواية تقليدية على غرار الرواية الإنجليزية والفرنسية. إنها بوتقة تنصهر فيها الرواية التقليدية والملحمة والدراما والشعر والفلسفة واللاهوت والتحريض السياسي. لذلك نشعر في كثير من الأحيان أن تولستوي أقرب إلى هوميروس منه إلى أي روائي تقليدي، وأن روايات دستويفسكي أقرب إلى مسرحيات شيكسبير منها إلى الرواية الإنجليزية أو الفرنسية النمطية. بل ذهب بعض النقاد الأدبيين ، مثل الإنجليزي جورج ستاينر، إلى اعتبار هذه الروايات مجرد مجموعة من المشاهد الدرامية المطولة التي تتخللها فترات قصيرة من السرد الوصفي. ويكمن سر نجاح دستويفسكي في تحويل الشكل الروائي إلى نوع من الدراما في الارتباط الجدلي المكين الذي يحققه ببراعة فائقة بين الإيماءة واللفظة في أعمالة.

وينعكس الطابع الملحمي لدى تولستوي والطابع الدرامي لدى دستويفسكي على موقفهما من شيكسبير، الذي استسخفه تولستوي ونفر منه في حين بجله دستويفسكي وعشق أدبه. كذلك، فقد أدرك كلاهما هذين الطابعين لأدبهما. وبصورة خاصة، فإنه لم يفت تولستوي التشابه الكبير بين رواياته وملحمات هوميروس.

ويمكن القول إن تولستوي ودستويفسكي مثلا قطبين أدبيين عملاقين يتناقضان ويتكاملان في آن: القطب الملحمي والقطب الدرامي. وهما القطبان اللذان يحددان فضاء تلك الظاهرة الروحية العظيمة، الأدب الروسي. كذلك فإن موسوعية الرواية الروسية وشمولها يجعلان منها قوة تغيير هائلة ويكسبانها مغزى فلسفيا ولاهوتيا مميزا لا نجد مثيله في أي رواية قومية أخرى. إنها تذكرنا بالنصوص الدينية، التي تهز الأعماق البشرية، وكل منها بمثابة منفستو لفلسفة عملية تحث على الفعل التاريخي. وهذا القول ينطبق على دستويفسكي أكثر من أي روائي آخر. لذلك لا عجب أن استقت الفلسفة الوجودية كثيراً من ثيماتها من روايات دستويفسكي.

ثانيا: هناك قدر من الهلامية واللاتحديد في الشعور والوجدان الإنسانيين يجعل من الصعب توصيفهما والتعبير عنهما باللغة العادية. لذلك تعجز الكثير من النصوص، الأدبية منها وغير الأدبية، عن الغوص في عالم الشعور والوجدان، وتبقى على السطح، الأمر الذي يحيلها أداة حجب، لا أداة كشف. بل إنها تعمل على مسخ الخبرة الإنسانية واختزالها إلى هياكل فقيرة. أما دستويفسكي، فهو يبتكر أساليب ولغة وألفاظا وتأثيرات درامية وإيماءات تمكنه من تملك النفس البشرية والتعبير عنها بدقة. وهو يبدع حقا في بيان هلاميتها ولاتحديديتها وبعمق قل نظيره. لذلك ، فعندما نقرأ الروايات التقليدية، التي تستخدم الأساليب واللغة المألوفة، نشعر ببون شاسع بينها وبين واقع خبرتنا الجوانية يجعل هذه الروايات غريبة عنا وبعيدة وخارج ذاتيتنا. ونعزو ذلك عادة إلى كون الرواية خيالاً في النهاية، خيالاً ممتعا يكمن جماله في بعده عن الواقع الذاتي الحي. أما روايات دستويفسكي، فهي مرآة ناصعة لأعماق نفوسنا، الأمر الذي يقودنا إلى نوع من التماهي معها والشعور بأنها تحفر حفراً في نفوسنا وبأنها تنبع من داخلنا. لذلك نرتعب إذ نقرأها بل ونشعر بالحمى تسري في أعماقنا. وقد لاحظت ذلك للمرة الأولى حين قرأت الفصول الأولى من رواية "الجريمة والعقاب" ، والتي يصف فيها دستويفسكي الحالات النفسية لبطل الرواية "راسكولينكوف" ، والتي قادته إلى الجريمة. وأدركت وقتتها قصور اللغة المألوفة في تملك أعماق الخبرة البشرية وواقعية لغة دستويفسكي المصابة بمس من الجنون. لذلك، فلا عجب أن اعتبر الفيلسوف الألماني ، "فريدريش نيتشه"، دستويفسكي السيكولوجي الوحيد الذي تعلم منه السيكولوجيا.

ثالثا: ونأتي إلى شخوص دستويفسكي، التي تمثل جوهر رواياته. وهي شخوص مذهلة لا نجد مثيلاً لها في الأدب العالمي. فهي شخوص غريبة وغير مألوفة بتاتاً، لكنها تصل في حيويتها وواقعيتها القمة. إنها أكثر واقعية بكثير من الشخوص النمطية التي نصادفها في الحياة اليومية والروايات التقليدية، والتي تبدو كالظلال الشاحبة الباهتة مقارنة بشخوص دستويفسكي.

كيف نصف هذه الشخوص ونحدد طبيعتها الأدبية ومغزاها ومعناها؟ نلاحظ أولاً أن هذه الشخوص لا تفهم بذاتها آو بعلائقها ببعضها بعضاً. فإذا أردنا فهم سلوكها الغريب ومغزاه ومعناه، فعلينا أن نربط هذه الشخوص بالرؤى الفلسفية والرموز الحضارية والنزعات الثقافية والحركات التاريخية. لكن علاقاتها بهذه الرؤى والرموز والأفكار ليست علاقات بسيطة، وإنما معقدة جداً ومتشعبة. إنها ليست تمثيلات بسيطة لرموز وفلسفات ومبادئ أخلاقية وجمالية وتاريخية، وإنما هي تجسيدات حية لها. بل إن هذه الأنساق لا تتحدد وتتضح إلا في سياق فعل هذه الشخوص وممارستها الكلام. والحق أن دستويفسكي يختبر الأفكار والرؤى والرموز الفلسفية والحضارية بتجسيدها شخوصاً درامية روائية. فهذه الأخيرة هي ديالكيتكه الفلسفي. فهو يبين العلاقات الجوهرية بين هذه الأنساق وحدودها وإمكاناتها وآفاقها ومآزقها ودرجات واقعيتها وحقيقتها بهذه الشخوص، بالخلق الحر لهذه الشخوص وإتاحة المجال أمامها لكي تعيش حياتها وتتفاعل بحريتها وسجيتها وبحكم طبائعها الجوهرية. لذلك نشعر بحميميتها، تماما كما في تولستوي. وهي بالتأكيد لا تعبر عن آراء دستويفسكي ومعتقداته المعلنة ، وإنما تعبر عن عمق أعماق التاريخ والفكر والنفس البشرية. بل إن أقوى الشخوص في رواياته هي تلك التي لا تنسجم البتة مع معتقداته الدينية والسياسية المعلنة. فهي تعبير عن إدراكاته الدفينة وبصيرته الثاقبة، لا عن وعيه الصريح. لذلك فهي شخوص مؤثرة وجدانيا بصورة حادة قد تدفع المرء إلى تقمصها وتمثلها. فهي شخوص تختبر الأفكار وتعيشها بكل كيانها. وهي إلى ذلك تحرر المرء من قيود المألوف ومحدودية الحياة اليومية صوب آفاق لامتناهية من الشعور الإنساني. لذلك يمكن اعتبارها أدوات بناء وعي مغاير غير نمطي، وعي ثوري يسعى إلى الرفض فالتغيير. إن أدب دستويفسكي هو أدب ثوري بامتياز، مع أن صاحبه وسم بالرجعية في زمانه. وهو أدب ديالكتيكي بامتياز. وينعكس ذلك بجلاء في ما يمكن وسمه بالتجمعات الديالكتيكية لشخوصه. انظر على سبيل المثال الوحدة الديالكتيكية القائمة بين أربع شخوص رئيسية في رواية "الشياطين": ستافروغين وفيرخوفنسكي وشاتوف وكيريلوف. إن هذه الشخوص تمثل رباعية ديالكتيكية تذكرنا برباعيات بيتهوفن الموسيقية الديالكتيكية. فهي تشكل وحدة عضوية واحدة تنبض حياة بفضل تماثلاتها وتناقضاتها. وحين تقرأ عن واحدة منها فلا بد أن يتبادر إلى ذهنك الشخوض الثلاث الأخرى. فهي تتحرك بحرية، ولكن بعلاقة عميقة ببعضها بعضا. وقل الشئ ذاته عن الأخوة كرامازوف ووالدهما، وعن شخصيتي راسكولنيكوف وسفيدريغايلوف في "الجريمة والعقاب"، وعن شخصيتي الأمير ميشكين وروغوجين في "الأبله". إن روايات دستويفسكي تزخر بالرقصات الديالكتيكية تؤديها الشخوص ضمن إطار هذه التجمعات. وهي في ذلك تذكرنا بهيغل ومنطقه وبظاهراتية الروح، وإن كانت روحية دستويفسكي أقرب إلى كيركغور منها إلى هيغل .

ومن جهة أخرى، فإن شخوص دستويفسكي تؤدي دور أدوات النقد الحضاري والفلسفي المعمق. إن أدب دستويفسكي هو أدب نقدي بامتياز. إنه نقدية مطلقة لا تعرف حدوداً. وعلى سبيل المثال، فإنه من الصعب أن نجد في النصوص الفلسفية نقداً للحتمية الميكانيكية أعمق من النقد الذي وجهه إليها دستويفسكي في "ملاحظات من تحت الأرض". ويؤسس دستويفسكي بهذا النقد لرؤية وجودية خالصة عمادها الحرية المطلقة للفرد الإنساني واستحالة اختزاله إلى غيره. وهذا ما لاحظه الأديب الفرنسي ألبير كامي، في كتابه "المتمرد"، بجلاء. كذلك، فإنه من الصعب أن نجد نقدا للدين أعمق مما قدمه دستويفسكي في " الأخوة كرامازوف"، وبخاصة ذلك النقد الثاقب الذي وجهه إيفان كرامازوف، أحد الإخوة كرامازوف، وذلك كله برغم تدين دستويفسكي الظاهر وتعصبه الديني وولائه للسلطات الدينية.

إن شخوص دستويفسكي ليست مجرد شخوص واقعية تحمل أفكاراً فلسفية. كلا ! إنها تجسيدات فلسفية تدخل الرؤى الفلسفية في تكوينها. لذلك فهي تعيش هذه الرؤى وتعيش من أجلها أيضا وتختبرها باستمرار. فإيفان كرامازوف يقترن بنيويا بالوجودية الإلحادية. وستافروغين يقترن بنيويا بالتمرد العدمي الانتحاري المطلق. أما سفيدريغايلوف، نظير راسكولينكوف في " الجريمة والعقاب"، فيقترن بنيويا بالملل الميتافيزيقي الانتحاري أيضاً.

إن شخوص دستويفسكي لهي بالفعل ابتكار أدبي فريد يميز أدبه كيفيا عن أدب عمالقة آخرين كتولستوي وبلزاك وديكنز وفلوبير وزولا.

رابعاً: لقد أدرجت أدب دستويفسكي فيما أسميته أدب الاستغراب. لماذا أنعته أدب الاستغراب؟ إن الاستغراب (نقيض الاستشراق لفظيا) هو سعي الوعي المفوّت إلى تملك الحداثة؛ تلك الثورة الثقافية التي أحرزها الغرب في سياق انتقاله من نمط الإنتاج الإقطاعي إلى نمط الإنتاج الرأسمالي. ومحور الحداثة هو مادية الطبيعة وتاريخية الإنسان في سياق اللانهاية الفعلية. فهي لا تنطلق من الغائب، وإنما من الشاهد بلانهائيته. وهي لا ترتكز إلى ذات علوية خالقة، وإنما إلى الذات الإنسانية في اشتباكها مع الواقع المادي بلانهائيته. أما الوعي المفوت فهو من مخلفات ما قبل الحداثة. إنه الوعي الذي فاته التاريخ، الوعي السائد في الأمم المفوّتة، كالأمة العربية في عصرنا والأمة الروسية في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. ويشعر الوعي المفوت بالاستفزاز بإزاء الحداثة وبالحاجة الملحة إلى تملكها نقديا ومقارعتها. وهذا ما أدعوه الاستغراب. والاستغراب هو الآلية الثقافية الرئيسية لتحديث الوعي المفوت وتحويله قوة ثورية تنموية من أجل تغيير واقعه. وهو مغامرة كبيرة في حد ذاته. ذلك أن الوعي المفوت الذي يمارس الاستغراب آو يتعرض إليه يعرض نفسه باستمرار للدمار والتكسير والتفتت. إنه يدمر ذاته على صخرة الحداثة. والحالة المرجوة هي أن يلملم ذاته ويعيد إنتاجها على أسس أكثر حداثة وصلابة. وهذا هو في النهاية هدف الاستغراب. لكنه ليس هناك ضمانة لتحقيق هذه الحالة. إذ إن الاستغراب قد يقود إلى يأس مطلق وعدمية حالكة واضطراب روحي عنيف.

وبهذا المعنى، فإن أدب دستويفسكي هو أدب استغراب. بل إنه المثال الأكبر والأنصع على أدب الاستعراب. إذ شكلت مشكلة الحداثة وتحديها للوعي المفوّت المشكلة الرئيسية والمحورية في أدبه. ولعل النقد الذي وجهه دستويفسكي صوب الحداثة الغربية هو الأبلغ والأشد. لكن هذا لا يعني أنه رفض الحداثة وأدار ظهره لها على غرار ما يفعله الظلاميون في بلادنا اليوم. كلا! فقد فرضت الحداثة نفسها عليه، الأمر الذي استلزم مجابهتها بجدية قل نظيرها. وكانت نتيجة هذه المجابهة المصيرية التأسيس لما بعد الحداثة من جهة وتملك الحداثة نقديا ورفع الحداثة نفسها إلى مستوى أعلى من التعبير. كذلك فقد برع دستويفسكي في بيان الأثر الارتدادي للاستغراب على نفس المستغرب. إن شخوصه الرئيسية تئن تحت وطأة الاستغراب وتعاني اضطرابات نفسية عنيفة. ألم يدفع تأكيد الحداثة وأخذها إلى نهايتها المنطقية، ألم يدفع ذلك إيفان كرامازوف إلى الجريمة المعنوية فالهذيان فالجنون ؟ وألم يدفع راسكولنيكوف إلى الجريمة الفعلية، وسفيدريغايلوف وكيريلوف إلى الانتحار، وستافروغين إلى اغتصاب قاصر ودفعها إلى الانتحار وإلى جملة من الأفعال الجنونية، والأمير ميشكين إلى الخبل؟ ولا ننسى أن نذكر أن هذه الشخوص جميعاً عاشت في أوروبا الغربية ردحاً من الزمن وعانت حداثتها قبل أحداث الرواية في روسيا. وهذا لا شك يدعم تأويلنا أدب دستويفسكي على أنه أدب استغراب.

لقد كان دستويفسكي صاحب مشروع خلاصي للفرد ولأمته وللعالم. وهو بذلك سار على خطى سلفه العظيم، نيكولاي غوغول. لقد شعر بمأزق الحضارة الحديثة ومحنة الإنسان الحديث بعمق قل نظيره، وانبرى للبحث بفنه الرفيع عن مخرج حقيقي. إنه لم يجده بالطبع، ولكن من ذا الذي وجده حقاً؟!



هناك بالطبع جوانب عديدة لأدب دستويفسكي جديرة بالدراسة والبحث. وقد كتب عنه الكثيرون أمثال توماس مان ولوكاتش وباختين وأندري جيد والبيركامي وجورج ستاينر. وترك أثراً كبيراً على أدب القرن العشرين وفكره. وما قلته اليوم في دستويفسكي لا يتعدى بضع ومضات، تمس هذا الجانب أو ذاك من جوانبه العديدة. أرجو أن تكون قد أضاءت مساراً أو أكثر صوب هذا العملاق الأدبي، وحثت بعضكم على الدخول في تجربة قراءة رواياته العظيمة.