رجاء بن سلامة - كاتبة ومحللة نفسية تونسية - في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: نقد الألم اللاّمشروع.


رجاء بن سلامة
الحوار المتمدن - العدد: 4346 - 2014 / 1 / 26 - 17:56
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا 122 - سيكون مع الأستاذة د. رجاء بن سلامة - كاتبة ومحللة نفسية تونسية -  حول: نقد الألم اللاّمشروع.


هذا عنوان كتاب أريد نشره منذ سنوات، وظلّ مشروعا معلّقا. لم أتمّ تأليفه ربّما بسبب الجحيم الجميل الذي نعيشه في تونس منذ 14 جانفي/يناير 2011، من أجل تحقيق المبادئ والقيم الدّيمقراطيّة، أي من أجل الحدّ من الآلام التي يسبّبها الاستبداد والفساد.

عبارة "الجحيم الجميل" ليست من باب الحذلقة الأسلوبيّة، بل هي في صميم الموضوع. من لجّة الصّراع مع نزعات الاستبداد الإسلامويّ المعادي للحرّيّة والمساواة يولد أمل بناء دولة القانون والمؤسّسات والحوكمة في تونس. ثلاث سنوات حافلة بالمعارك والاحتجاجات والخيبات والتّسويات والمناورات، شارفنا فيها على هاوية العنف والاغتيال والإرهاب، واشتدّ فيها وجع الفقراء والمهمّشين، إلى أن انتصرت السّياسة على العنف، وفشل الحزب الإسلاميّ الأغلبيّ في فرض نموذج للحياة وللتّديّن لا يمكن لأغلب التونسيّين القبول به، أو لنقل إنّه انتصر على نزعته التّدميريّة. في انتظار الأفضل للجميع. ولكنّ الأفضل قد يولد من الأسوأ، ولوحات الحياة البشريّة في غاية التّعقيد.


هذا التّعقيد نجده أيضا في الأنظمة المعياريّة. فكلّما كانت هذه الأنظمة صارمة، ازداد الفصل فيها بين الخير والشّرّ وضوحا، وانعدم هامش البينيّة-البين-بين- السّامح بإبداع أشكال جديدة للحياة والفكر والفنّ، والسّامح بانبثاق ما قد يعدّ خيرا ممّا قد يعدّ شرّا. فالتباس الخير بالشّرّ هو ما تنكره الحركات الأصوليّة والهوويّة والصّفويّة. إنّها تريد الإمعان في إيذاء الأفراد من أجل هذا الوضوح : الخير خير والشّرّ شرّ فلا يلتقيان. والخير والشّر ثابتان ولا يتغيّران. وفي الوقت نفسه : سؤال الهويّة واضح، لا غيريّة فيه. "أنا" هو أنا، أجده حيثما تركته، بل يجده آبائي حيثما تركوا أنفسهم. وهكذا يكون الزّمن عودا على بدء، فيكون طاحونة لسحق الرّغبات والآمال والإرادات الفريدة.


الألم اللاّمشروع هو الألم الذي لا ينتج عن طبيعة المنزلة البشريّة، أي عن الفراق والاعتلال والموت، بل ينجرّ عن الأذى والهيمنة والتّمييز. إنّه يلتقي مع العنف بأنواعه : إذ يمارس بين الأشخاص، أو تمارسه الدّولة على نحو مفرط أو في وجهة غير وجهة الرّدع الضّروريّ، أو يكون ناتجا عن النّظام الاقتصاديّ المتسبّب في البؤس والفاقة وانعدام العيش الكريم. ولكن هناك عنفا من نوع آخر يسبّب هذا الألم، وتدافع عنه الحركات الأصوليّة والهوويّة والصّفويّة المشار إليها. إنّه عنف القوانين التي لا تحلّ مشاكل النّاس بل تزيدها تعقيدا، لأنّها لا تعترف بحرّية الإنسان أو كرامته أو ذاتيّته. فالكثير من مصادر الألم تبقى عنفا غير معترف به في البلدان التي لا تعتمد معايير حقوق الإنسان، بل تعتمد معايير أخرى تقليديّة أو دينيّة. ضرب الزّوج زوجته ليس عنفا في بعض البلدان التي تعتمد الشّريعة مثلا. رغم أنّه متسبّب في ألم لامشروع وزائد على اللّزوم من الآلام المنجرّة عن منزلة هذا الحيوان النّاطق المائت.

والألم اللاّمشروع بالنسبة إليّ حقل يلتقي فيه طريقان سلكتهما : الدّفاع عن حقوق الإنسان، والتّحليل النّفسيّ، رغم اختلاف الموضوع. فمجال حقوق الإنسان هو مجال ذات الحقّ، ومجال التّحليل النّفسيّ هو ذات اللاّشعور. وشتّان بين المبحثين، إلاّ أنّهما يلتقيان.

استمعت بحكم تجربتي في التّحليل النّفسيّ إلى المتألّمين أكثر من اللّزوم لأسباب نفسيّة تتعلّق ببنية الشّخصيّة، والعلاقة الأوديبيّة أو اللاّأوديبيّة، والصّيغ النّرجسيّة للعلاقة بالأبوين وغير ذلك. هذه المنطقة من الألم يصعب إخضاعها إلى القانون ويصعب ردّها إلى أنواع العنف المعروفة والموصوفة، فهي تبقى خاصّة بذات اللاّشعور. من ذلك أنّ الذّات يمكن أن تستمع بالألم، ويمكن أن تطلبه بحيث لا يمكن أن يتكفّل القانون أو الدّفاع عن الحقوق بتخليصها من هذه المتعة المؤذية، متعة المازوشيّة المعنويّة. ولكن اعترضتني منطقة أخرى يلتقي فيه الألم بالعنف، وتصطدم فيها بذات الحقّ المهدور حقّها، وأنت تنصت إلى ذات اللاّشعور. فالكثير من المتألمين في بلداننا يعود جزء هامّ من ألمهم إلى عدم مطابقة قوانين بلدانهم لمنظومة حقوق الإنسان : نساء يهينهنّ أزواجهنّ ولا يقدرن على الانفصال، ومثليّون ومثليّات مضطرّون إلى العيش في الخفاء، أو إلى التّأثّم الخانق، وأشخاص من سود البشرة يعانون ألوانا من عدم الاعتراف والاحتقار، ومسيحيّون لم يتزوّجوا المرأة التي أحبّوها لأنّها مسلمة، أو لا يستطيعون تطليق زوجاتهم بسبب رفض كنيستهم، ومسلمات حرمن من الاقتران برجال أحببنهنّ بسبب اختلاف الدّيانة، وأبناء وبنات لا يستطيعون التّحرّر من ربقة الأمّ أو الأب أو الاثنين معا. وهذا ما جعلني أزداد إيقانا بأن حقوق الإنسان ليست ترفا ولا موضة، وليست خصوصيّة حداثيّة يمكن أن نستغني عنها للحفاظ على "ثوابت" الأمّة أو المجموعة، بل هي الحلول التي وصلت إليها الحضارة للحدّ من العداء والتّسلّط والاعتباطيّة.
وتضييق مجالات الألم الزّائد على اللّزوم لا يؤدّي فحسب إلى الحدّ من العنف والقسوة، بل يؤدّي إلى توسيع أشكال الحياة على نحو مبدع وخلاّق وغير مهدّد للإنسانيّة، بل فاتح لكلّ إمكانيّات انطلاقها من مكبّلات الآلاف من السّنين. هذه الممكنات تخيف طبعا كلّ من يرى في حرّيّة المرأة خطرا على الدّين، ومن يرى في الاعتراف بالمثليين وحقّهم في الوجود والاقتران تهديدا للنّوع البشريّ، ومن يريد أن يكون وريثا وفيّا لمنظومات معياريّة عتيقة، كانت صالحة لبسط النّفوذ وفرض النّظام، ولم تعد صالحة لتوسيع ممكنات الحياة، وللحريّة.

ها أنّني أطرح فكرة "الألم اللاّمشروع" للنّقاش حتّى ألبّي الدّعوة الكريمة من "الحوار المتمدّن"، وأستفيد من الطّبيعة التّفاعليّة لهذه السّاحة العامّة الافتراضيّة التي تدهشنا دائما بقدرتها على اختراق كلّ الأسوار.




تعليقات الفيسبوك