رجاء بن سلامة في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: آفاق انتفاضة الشعب التونسي، العلمانية والحركة النسوية في العالم العربي.


رجاء بن سلامة
الحوار المتمدن - العدد: 3269 - 2011 / 2 / 6 - 13:54
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

أجرت الحوار: بيان صالح

من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا – 29 - سيكون مع الأستاذة د. رجاء بن سلامة حول: آفاق انتفاضة الشعب التونسي، العلمانية والحركة النسوية في العالم العربي


إ
ذا انفتح باب المطالبة بالحقّ
انفتح أفق السّير إليه


1- كيف تقيمين أسباب و آفاق انتفاضة الشعب التونسي ضد الدكتاتورية

الانتفاضة كانت مفاجأة للجميع، كانت موضوع حلم وتوق ولكنّنا لم نكن نتوقّعها، ولم نكن نتوقّع على أيّة حال أنها ستكون وشيكة. بل كانت سيناريوهات البقاء والتّوريث محلّ تندّر مرير. أسباب الانتفاضة قديمة، وأهدافها قديمة، ناضلت من أجلها أجيال عدّة، ولكنّها لم تكن متوقّعة.
لاحظ أحد المحلّلين (فتحي بن سلامة في مقال نشره بصحيفة ليبرسيون الفرنسيّة) أنّ الكلمة التي تردّدت على الألسنة أثناء الثّورة وبعدها هي كلمة القهر. لا يتعلّق الأمر بنظام استبداديّ فحسب، ولا يتعلّق الأمر بنظام قائم على الفساد فحسب، بل بفساد فاحش وقح، لأسرة حاكمة، جشعة، لامبالية بالقانون، وتضع نفسها فوق القانون. كانت هناك فظاعة لم تعد محتملة. ثمّ لا ننسى أهمّيّة الرّموز في التّحرّكات الشّعبيّة. قبل البوعزيزي هناك شابّان حرقا نفسيهما. وهذا الانتحار الممشهد أمام مؤسسة تمثّل الدّولة له صبغة تراجيديّة، خلافا للعمليّات الانتحاريّة التي تستهدف المدنيين، ولها تبعا لذلك سمة لاأخلاقيّة. انتقلنا من الانتحار الاستشهاديّ المدان إلى الانتحار الممشهد الذي لا يمكن أن يدان.
والنّار التي احترق بها البوعزيزي كانت في الوقت نفسه النّار المطهّرة، والنّار التي تُرى وتشعّ. وقد بنيت أسطورتي الصّغيرة الخاصّة باشتعال هذه الثّورة عندما قلت إنّ النّار التي احترق بها البوعزيزي تحوّلت إلى نور أضاء السّاحة العامّة.
وبنيتُ صيغة لها صلة بالشّوق إلى الحرّيّة. الكلمة التي تردّدت في أحد أهمّ الشّعارات الثّورة هي كلمة الإرادة : "الشّعب يريد إسقاط النّظام". وهذا الشّعار الذي ردّده بعد ذلك إخواننا المصريّون في ميدان التّحرير ربّما يكون من وحي بيت الشّاعر التونسيّ أبي القاسم الشّابّي : إذا الشّعب يوما أراد الحياة فلا بدّ أن يستجيب القدر".
كتب نادر قريط إثر سقوط نظام بن علي يقول : "نم قرير العين يا أبا القاسم، فشعب تونس أزاح "إذا" وأراد الحياة، وأرغم القدر إنّ الشّعب حذف إذا."
أراد الحياة، وعبّر عن شوقه إلى الحرّيّة. نفض حمل ما لا يطاق وانتفض.


2- كيف تقييمين المعادلة التي تربط المؤسسات الدينية المختلفة بالدولة، وتأثيرها على بناء مجتمع مدني علماني؟

المؤسّسات الدّينيّة تشمل مؤسّسة الإفتاء ووزارة الشّؤون الدّينيّة، ودور العبادة. مؤسّسة الإفتاء منذ زمن بورقيبة كانت محيّدة عن السياسة والتشريع، واقتصرت قرارراتها على مسألة العبادات. هناك مفت رسميّ في تونس، لا نراه إلاّ في المناسبات الدّينيّة ولا يكاد يطلع على النّاس في التلفزة إلاّ ليعلن عن موعد عيد الفطر. وهذا أمر يخدم علمانيّة الدّولة. يجب أن تبقى دور العبادة بعيدة عن السّياسة، ويجب أن يبقى الإفتاء مقتصرا على شؤون العبادة.
ثورة تونس كانت "علمانيّة" على نحو ما من حيث الشّعارات التي رفعت فيها، ومن حيث توقيت حلقاتها. لم تتمّ الدّعوة إلى التّظاهر مثلا إثر صلاة الجمعة كما كان الشّأن في مصر، ولم يصلّ المتظاهرون المعتصمون أمام مقرّ وزارة الدّاخليّة عندما طالبوا بتنحّي الرّئيس. ويجب أن نحفظ وأن نرسّخ الطّابع المحايد العلمانيّ لكلّ الفضاءات والمجالات السّياسيّة.
3. تطرقت إلى مفهوم - العبودية المختارة - ومنها عبودية و إخضاع الإنسان العربي للأنظمة و السلطة الحاكمة، هل لك أن توضحي أكثر عن العبودية المختارة؟
تحدّثت عن عبوديّات مختلفة منها العبوديّة للأنظمة الحاكمة والعبوديّة للمنظومات الدّينيّة وحرّاسها. الفرنسيّ لابواسي صاحب كتاب "في العبوديّة المختارة" يقول إنّ "الطّغاة ليسوا عظماء إلاّ لأنّنا سجود أمامهم". وقد تبيّنت راهنيّة هذا الكتاب البديع إثر سقوط نظام بن علي : فنحن كنّا نتوهم أنّ الطّاغية قويّ في حدّ ذاته، وتبيّن لنا مجدّدا أنّه ليس قويّا إلاّ بخضوع الآخرين له، بل إنّه صنيعة خضوع الآخرين.. سقط النّظام الأمنيّ العتيد في بضعة أيّام، وتبيّن وهنه، لأنّ الشّعب قرّر أن يترك وضعيّة العبوديّة.

3. تتعرضين كثيرا لحملات و ضغوطات كبيرة في الصحافة التونسية وذلك بسبب أرائك وأبحاثك حول الإسلام السياسي ,وأصدرت فتاوي ضدك من قبل مجموعات إسلامية متطرفة! , كيف تواجهين ذلك؟

لا أشعر بأنّني مضطهدة. فمن الطّبيعيّ أن يتعرّض كلّ من جاهر بآرائه النّقديّة إلى الهجوم. الهجوم، وهو غير النّقد، كنت أواجهه بمبدأين. المبدأ الأوّل أخلاقيّ أو بالأحرى إيطيقيّ، ويتمثّل في رفض لعب دور الضّحيّة ورفض تسويق صورتي على أنّني ضحيّة. فضّلت الكتابة ومواصلة العمل بعيدا عن البهرج الإعلاميّ.
والمبدأ الثّاني معرفيّ. ويتمثّل في أنّني أتعامل مع الشأن الدّينيّ تعاملا لادينيّا علمانيّا. دعوت، وأدعو إلى تديّن جديد، أي إلى بناء علاقة أخرى بالدّين، تنسجم مع مبادئ التّعدّديّة وحقوق الإنسان، لكنّني لم أنصّب نفسي يوما مجتهدة أو مفتية أو مصلحة دينيّة. كتبت ما كتبته من خارج المنظومة الدّينيّة، من باب تسمية الأشياء بأسمائها وعدم الرّكون إلى نظرة ثراثيّة للتّراث، أو إلى أوهام صفاء الأصل وتجانسه. ومن باب الانسجام مع نفسي أيضا، فأنا لا أومن بالمعتقدات الدّينيّة، وإن كنت أدعو إلى احترام المؤمنين، كما أدعو إلى احترام غير المؤمنين بعقيدة دينيّة.
وقد اخترت هذا الموقع أيضا لغاية سياسيّة، هي إثبات حريّة الاعتقاد وحرّيّة عدم الاعتقاد في أيّ دين. وسأواصل هذا النّهج، الآن وقد انفتحت أبواب حرّيّة التّعبير، وقد فتحت أمامنا أبواب التلفزة الوطنية التي كنا نساهم في تمويلها بصفتنا دافعي ضرائب وكانت موصودة أمام كلّ مثقف مستقلّ.

5. كما هو معلوم لك مفهوم في الجدال مع الإسلاميين من اجل التراكم المعرفي وخلق تدين مختلف عن تدين الأصوليين. إلى ماذا يستند هذا الجدال و ما هي النتائج المرجوه منه ؟

لست معنيّة بالعبادات والعقائد، بل بالمساواة والحرّيّة، وقد "جادلت" أهل الإسلام السياسي من هذا المنطلق. لا تهمّني العقائد الدّينيّة إلاّ بقدرما تتناقض مع مقتضيات العيش معا، أي مقتضيات السّياسيّ. وعلينا أن نطرح على المعتدلين من الإسلاميّين أسئلة دقيقة عن الحرّيّة والمساواة، حتّى لا يقتصر الحوار على مجاملات وإعلانات للنوايا الطّيّبة. زعيم حركة النّهضة بتونس أقرّ مثلا بأنّ مجلّة الأحوال الشّخصيّة مكسب وطنيّ يجب المحافظة عليه، وهذا أمر جيّد له دلالة على تطوّر هذه الحركة وخروجها من دائرة "تطبيق الشّريعة". لكنّ ما موقف هذه الحركة من مطلب المساواة في الإرث بين النّساء والرّجال مثلا؟ وما موقفها من منع زواج المسلمة من غير المسلم، وهو منع يتناقض مع حقّ الإنسان في اختيار قرينه بقطع النّظر عن الدّين والمعتقد؟

6. ما هو رأيك بمحتوى الخطاب الموجه للذكور في المجتمع والتي يتم إقصاء النساء منها وخاصة في مجالي الإعلام و الدعاية؟

في المشهد الإعلاميّ العربيّ، تسود صورتان للمرأة : الأمّ الطّاهرة المطمئنة، والأنثى الفاتنة والمخيفة في الوقت نفسه. هناك اتّجار بالأنثى وصورها في الإعلام التّرفيهيّ وفي الإشهار، وهناك تسويق لصورة الأمّ الطّاهرة المصونة. عندما أقول الأمّ، أقصد المرأة من حيث أنّها ممنوعة محرّمة. إذن السّائد هو المرأة المرغوب فيها أو المحرّمة. الغائب الأكبر هو المرأة باعتبارها ذاتا راغبة، ذات رغبة. المرأة التي تكون أنثى وإنسانا في الوقت نفسه، أو أنثى ومواطنة في الوقت نفسه. المرأة من حيث هي مختلفة عن الرّجل ومساوية له.

7. كيف تنظرين إلى أفاق الحركة النسوية في العالم العربي ؟ وهل هناك أمل للمزيد من الحقوق في ظل قوة الأفكار الدينية و الذكورية المعادية للمرأة؟

أهمّ فاعل في التّاريخ، وأهمّ مصلح دينيّ هو الواقع، بما يفرضه من معطيات اجتماعيّة جديدة : النّساء محجّبات وغير محجّبات خرجن إلى الحياة العامّة ولن يعدن إلى مقاصرهنّ، ولن يرضين بعدم المساواة. المسألة مسألة وقت. والماضي على أيّة حال لا يمكن أن يعود. فرغم المشهد الإعلاميّ المحافظ، ورغم تراكم الفتاوى المناهضة أرى حركة التّاريخ تسير في اتّجاه إثبات مبدإ المساواة، والدّليل على ذلك مثلا حصول الكويتيّات على حقوقهنّ المدنيّة والسّياسيّة، وسير السّعوديّات على خطاهنّ. الدّليل على ذلك أيضا الثّورة التّونسيّة التي ساهمت فيها النّساء بمختلف أعمارهنّ، وربّما سمّيت "ثورة الياسمين" لذلك. هذه الثّورة ستفتح باب الانتفاض ضدّ الاستبداد، وستفتح أفقا جديدا لتجذير المطالبة بحقوق الإنسان التي منها حقوق النّساء. فقد اتّخذت الحكومة التّونسيّة مؤخّرا قرارات منها إلغاء عقوبة الإعدام والانضمام إلى نظام المحكمة الجنائيّة الدّوليّة والانضمام إلى نظام المحكمة الجنائية الدولية انضمام تونس إلى البروتوكول الاختياري المتعلّق باتّفاقيّة لمناهضة التعذيب وكل أشكال المعاملة المهينة والقاسية، والنّظر في رفع التّحفّظات على اتّفاقيّة مناهضة جميع أشكال التّمييز ضدّ النّساء. كلّ هذه المعطيات تدلّ على أنّ الأصوات المكبّلة لانطلاقة المرأة ومساواتها بالرّجل هي ردود فعل محافظة تجدّف ضدّ التّاريخ. إذا انفتح باب المطالبة بالحقّ، انفتح أفق السّير إليه.




تعليقات الفيسبوك