فاتح شيخ - عضو مركز الشيوعية البروليتارية في العالم العربي و سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العمالي الايراني الحكمتي - في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: الثلاثين من يونيو في مصر، سقوط وهزيمة الأخوان وآثارها.


فاتح شيخ
الحوار المتمدن - العدد: 4216 - 2013 / 9 / 15 - 12:49
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا -112 - سيكون مع الأستاذ فاتح شيخ - عضو مركز الشيوعية البروليتارية في العالم العربي و سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العمالي الإيراني الحكمتي  -  حول: الثلاثين من يونيو في مصر، سقوط وهزيمة الأخوان وآثارها.


لا شك إن الثلاثين من يونيو (حزيران) 2013 بحشده الجماهيري الغير مسبوق لأجل إسقاط حكومة مرسي و الأخوان، هو بداية موجة ثورية جديدة ضمن المرحلة الثورية المستمرة منذ الـ25 من يناير 2011. إن هذه الموجة الجديدة أصبحت أساساً لمواجهة جديدة و أكثر تعقيد بين معسكري الثورة و الثورة المضادة على صعيد المجتمع بـأسره، لتفرض في ذات الوقت أصطفافاً جديداً في معسكر الثورة المضادة للبرجوازية التي برزت في صدام حاد، واسع، عنيف و دموي بين الجيش و الأخوان. من الطبيعي أن تعقب هذه المواجهات و الأصطفافات الجديد، جدال فكري و سياسي جديد حول ماهية التحولات الراهنة و المستقبلية لثورة مصر، الجدل الذي يهدف النص التالي المساهمة الفاعلة فيه. إن تجربة ثورة مصر و تداعياتها كانت و منذ اللحظة الأولى ذات أهمية على الصعيد العالمي و بالنسبة إلى كل الحركة الثورية في العالم و منطقة الشرق الأوسط خصوصاً ، و إن فهم واستيعاب دروس هذه التجربة من الأهمية بمكان لكل الشيوعيين في منطقتنا.


1- الثلاثين من يونيو هو التأريخ الحقيقي للسقوط العملي لحكومة مرسي بفعل الإرادة الثورية للجماهير. لكن تشوش و عدم استعداد قيادة الحراك الثوري لأستلام السلطة، و أستعداد المؤسسة العسكرية في نفس الوقت لسحب الدعم من حكومة مرسي و الأخوان، أعطت الفرصة للفريق السيسي الذي يقف على رأس هذه المؤسسة القوية، أن ينظم و يدير عملية إنتقال السلطة. إن تدخل الجيش في عملية إنتقال السلطة كانت بداية المساعي الجديدة للجيش لأجل تشكيل ائتلاف جديد للثورة المضادة في صفوف الهيئة البرجوازية الحاكمة في مصر. من الواضح بأنه مع كون تدخل الجيش تم بأسم الهبة الجماهيرية في الثلاثين من يونيو و بتوازي محدودة معها، لكن عملياً و رسمياً كانت بخلاف الأهداف المعلنة للقوى التي ساهمت في تنظيم و توجيه تحرك 30 يونيو الجماهيري. هذه تناقضات تعود جذورها الواقعية إلى إنعدام حركة الثلاثين من يونيو لقيادة قادرة على تسلم السلطة السياسية.


2- لقد بدأ أول تشوش فكري و سياسي من هنا، أي من تفسير تدخل الجيش في عملية إنتقال السلطة و التي تمت بإستخدام خاطيء لمصطلحات "الإنقلاب العسكري" ، "إنقلاب عسكري ضد رئيس منتخب،" و ألأدهى " إنقلاب الجيش ضد الشعب"! لكن، الم يتخذ الجيش أزاء التحرك الثوري في الثلاثين من يونيو و تداعياتها، نفس التكتيك الذي اتخذته أزاء سقوط مبارك في 11 من فبراير (شباط) 2011؟ إذا كيف تحشدت هذه الجوقة المزيفة للحقائق من مجلة الأيكونوميست اللندنية في أقصى اليمين البرجوازي المحافظ، إلى بعض الأشتراكيين و الشيوعيين في المعسكر اليساري في العالم و في منطقتنا ليصرخوا جميعاً: يا للهول! لقد قام الجيش بإنقلاب على أول رئيس منتخب ديمقراطياً في مصر!
عن أي إنقلاب يتحدثون؟ الم يتسلم "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" السلطة مباشرة و بكاملها بعد الـ11 من فبراير (شباط) 2011، لتدير بصورة مباشرة عملية إعادة البناء لمؤسسات السلطة التي تعرضت إلى ضربات الثورة؟ في حين بادر نفس الجيش في الثلاثين من يونيو لتوجيه و إدارة عملية نقل السلطة، عن طريق وضع "خارطة للطريق" تنفذها حكومة مدنية مؤقتة؟ فلماذا لم تكن الأولى إنقلاباً بينما الثانية أصبحت كذلك؟ إن هذا التشويش من جانب الايكونوميست و كل معسكر أمريكا و الغرب هو سعي لأجل إعادة عملية "الديمقراطية البرلمانية و صندوق الأنتخابات" إلى "المسار الصحيح،" لكي يتمكنوا على دفن رأس الثورة في نهاية تلك العملية. لكن فيما يتعلق باليسار، فإن قبول ذلك التشوش الفكري مرتبط جزئياً بعادة التبعية لمنطق التيار الديمقراطي، وناتج في الجزء الآخر منه إلى عدم فهم آلية عمل "الدولة في المراحل الثورية." ففي المرحلة الثورية، كل مؤسسات السلطة البرجوازية، من بينها الجيش، تعمل وفق آلية عمل غير معتادة. إن هذه الآلية الغير معتادة مهما كانت شكل تجسدها فهي معادية للثورة في جوهرها، تهدف إلى إيقاف الثورة و إخمادها، وفي النهاية إلى قمعها و التخلص من الثورة. إن الجيش المصري بوصفها العمود الفقري للدولة البرجوازية، وكأهم اداة للقمع الممارس من قبل الدولة و بوصفه أكثر الأجنحة البرجوازية المصرية قوة وتنظيماً، لعب أثناء ثورة الجماهير ضد مبارك و حكومته دوراً محايداً لكي يتسنى له الحفاظ على البنيان الأصلي للدولة من ضربات الثورة بعد فقدان مبارك. بعد رحيل مبارك، بادر المجلس العسكري "بأسم الثورة و الجماهير و الحفاظ على ثورة الجماهير" إلى الأستيلاء على السلطة بصورة كاملة، و عكس ما كان يدعيه، لم يتوانى عن فعل أي شيء لأجل قمع الثورة و المحافظة على الأجهزة القمعية للدولة من ضربات الثورة. إن المواقف "الراديكالية" الصورية و المدافعة عن "الديمقراطية" في مواجهة أفعال الجيش في المرحلة التي أعقبت الثلاثين من يونيو و تسميتها بـ"الإنقلاب" ، مواقف و تصور غير صحيح بتاتاً، قاصرة و غير متسقة. لأن الجيش كان بعد الـ25 من يناير وحتى الثلاثين من يونيو على الدوام الجناح الأكثر أصالة في معسكر الثورة المضادة، دون أن تلجأ إلى الإنقلاب العسكري.
إن الجيش في مصر بناء على مكانته الواقعية في تركيبة الدولة و في الأصطفاف البرجوازي، سواء بوصفه العمود الفقري للدولة البرجوازية أو بوصفه مؤسسة رأسمالية تمتلك ربع أقتصاد مصر وتمثل الشريك الأكبر للرأسمال العالمي والأقليمي في هذا البلد الكبير، كان مجبراً على لعب دوره المعادي للثورة في مرحلة الثورة. إن لجيش مصر، نظراً لكلا المكانتين و الوصفين المشارة إليهما، لها مصلحة مباشرة و بنيوية للحفاظ على الأستبداد السياسي المتجذر و الحاكم في المجتمع المصري. إن الأقتصاد في مصر هو أقتصاد مستند على قوة عمل زهيدة و متكيء على الأستبداد السياسي السافر، و الجيش المصري هو القوة المسلحة الأكثر أقتداراً للقمع السلطوي و الجناح الأكثر تنظيماً من الأجنحة البرجوازية في معسكر الثورة المضادة، سواء لجأ إلى الإنقلاب العسكري أو لم يلجأ إليه و لعب دوره بأساليب أخرى. إن التجارب التأريخية في الثورات العالمية و خاصة ثورات الـ1848 و ما بعدها و كذلك المكتسبات النظرية للماركسية فيما يتعلق بفهم الثورات، توضح لنا بأنه في المراحل الثورية، الدولة (و قواه المسلحة) أما تكون في يد القوى الثورية و تسخر في خدمة توسيع رقعة الثورة و إستمرارها، أما تكون أداة لإخماد الثورة و قمعها إذا كانت في يد البرجوازية و مؤسسات الدولة السابقة ( يرجى مراجعة : الدولة فی المراحل الثوریة، مختارات منصور حکمت، من منشورات مرکز الشیوعیة البرولتاریة فی العالم العربی، آیار 2012، ص 324-291 – کذلك فی موقع منصور حکمت http://hekmat.public-archive.net/ar/2050ar.html ).


3- لقد حدثت تحولات مهمة في معسكر الثورة المضادة البرجوازية في مصر. ففي الحقيقة بعد سقوط مبارك و إستمرار الثورة ضد بقايا "النظام السابق" و ضد "حكم العسكر"، كانت الحركة الإسلامية بقيادة التيار الأقوى جذوراً و الأكثر تنظيماً، أي الأخوان المسلمين، أصبحت حاملة راية الثورة المضادة البرجوازية لأجل إخماد الثورة عن طريق قنوات "البرلمان و صندوق الأنتخابات." البرجوازية العالمية و خصوصاً أمريكا، أوروبا، السعودية، الإمارات، قطر و الكويت اللذين كانوا يرون مصالحهم الأقتصادية و السياسية في تهدئة الأوضاع و التخلص من الثورة في مصر بأسرع ما يمكن ، و كذلك البنك الدولي و صندوق النقد اللاتي كانتا متعطشتين لإعادة أوضاع مصر الأقتصادية بعد الثورة إلى حالتها العادية، السياسة المفضلة بالنسبة للجميع كان دعم هذا البديل "الأكثر ملائمة". لكن ممارسات حكومة مرسي و الأخوان أظهرت بأن هذا الجناح البرجوازي للثورة المضادة لا تستطيع أن تحد من احتجاجات العمال والجماهير المحرومة و لا أن توقف مسيرة أستمرار الثورة و أن تخمدها، ليس هذا فحسب، بل بالعكس تسببت بسياساتها الخشنة و السافرة في معادات العمال و الجماهير، بتوسيع مضطرد للتململ والأحتجاج الجماهيري العام. هذه الوقائع دفعت بأطياف من التيارات القومية و اللبرالية إلى تشكيل بديل آخر في مواجهة الأخوان. و بهذا انضم معارضة تلك التيارات لـ "أحتكارية" و "تطرف" الأخوان و ما سمي بـ"أخونة" الدولة إلى الأمواج الأحتجاج الواسع للعمال و القوى الثورية ضد الأخوان و مرسي.


4- معسكر الثورة، القوى ذات المصلحة في الدفاع عن مكتسبات الثورة و توسيعها و أستمرارها بناءاً على مكانتها الموضوعية و الأجتماعية، تشكل الغالبية العظمى من المجتمع المصري الكبير. الجماهير الغفيرة للطبقة العاملة التي خرجت من مواجهات المرحلة الثورية بعد الـ25 من يناير اكثر وعياً، تنظيماً و خبرة، و اصبحوا اليوم بمنظماتهم الواسعة و الشاملة و بدورهم القوي و المهم في الأنتاج، القوة الأساسية المدافعة عن الثورة و عن تطوير و تقوية مسار توسيعها و إستمرارها بأتجاه تحقيق مصالحها الطبقية. في المرحلة الثورية ما بعد الـ25 من يناير و سقوط مبارك، استمرت الإضرابات و الاحتجاجات العمالية في أبعاد واسعة. تنامى مستوى وعي و تنظيم الطبقة العاملة بدرجات كبيرة. تشكلت منظمات عمالية مستقلة عديدة. بتشكيل الاتحاد المصری للنقابات المستقلة" و انتخاب لجنة تنفيذية على رأسها في القاهرة و تأسيس المؤتمر الدائم لعمال الأسكندرية، غدت الطبقة العاملة و بصورة رسمية صاحبة قيادة منظمة و مجموعة من القيادات العلنية و المعروفة على مستوى المجتمع بأسره. في فترة السنة و النصف من السلطة المباشرة للمجلس العسكري، تم إعلان تجريم الاضرابات العمالية و أي "إيقاف لعجلة الانتاج" و منعها. تم محاكمة المئات من النشطاء العماليين و نساء و شباب ثوريين و تحرريين في المحاكم العسكرية و سجنهم. لكن القوانين المعادية للعمال و الاستبداد السافر التي ما برحت مستمرة خلال فترة مرسي و حكومة الاخوان أيضاً، لم تستطع أن تقف سداً امام التحركات و الاحتجاجات العمالية والجماهيرية و لم تتمكن خصوصاً في أن تفرض التراجع على الحركة المطلبية الصاعدة للطبقة العاملة. إن الحجم الهائل من الأحتجاجات العمالية و الجماهيرية في المرحلة الثورية بعد أشتعال لهيب ثورة 25 من يناير جديرة بالملاحظة لأنها بوصفها وقائع ملموسة و موثقة، تبرهن على الدور المحوري و المؤثر للنضال المداوم للطبقة العاملة و الجماهير المعدمة في مصر في الأنفجار الثوري لـ25 من يناير و كذلك في أستمرار الثورة. إن هدف الدول الغربية و ووسائل الإعلام و الأوساط الاكاديمية التابعة لهم في صياغة و إشاعة مصطلح "الربيع العربي" كان في السعي إلى تهميش حقيقة النضال الطبقي و الثوري للطبقة العاملة هذه في ثورة تونس و بعدها الثورة العظيمة في مصر، و اللاتي كانتا بإعتراف الهيئات الرسمية للحكومات الغربية، مفاجئة و مباغتة لهم. أن الطبقة العاملة في مصر هي قوة ثورية عظيمة في المجتمع المصري الثائر، تستطيع طليعتها الثورية و أستناداً على مكانتها الأجتماعية القوية إذا تغلبت على نواقصها الستراتيجية و التنظيمية المتحكمة على الأوضاع الحالية في صفوف الطبقة، أن تصبح حاملة لواء صياغة بديل بروليتاري ازاء التحولات الثورية والسياسية و طليعة أستمرار و توسيع الثورة الجارية باتجاه ثورتها العمالية و الأشتراكية.


5- إلى جانب هذه الحقيقة الطبقية و الباعثة على الامل، يتجسد واقعاً أجتماعياً آخر بالتزامن مع إستمرار الثورة. النصف النسوي للمجتمع في مصر و الحركة التحررية لهذا القسم من المجتمع، حركة مساواة المرأة و الرجل في طريقها لتكون حركة أجتماعية قوية قائمة لذاتها، اليوم تتقدم وجوه معروفة في هذه الحركة لتلعب دوراً مهماً و فاعلاً على الصعيد الأجتماعي الشامل. إن تقدم الحركة التحررية للمرأة يداً بيد مع نضال الطبقة العاملة تشكل أكبر مقاومة اجتماعية لصد ممارسات حركة الإسلام السياسي الأخواني-السلفي الرجعية حتى النخاع و كذلك ضد تسلط و أستبداد الجيش. يمثل حركة الشباب، الذين يعانون من البطالة و إنعدام الأمل الناشيء من العلاقات الرأسمالية و الأزمة الأقتصادية، قوة أجتماعية مليئة بالنشاط و العنفوان إلى جانب قوى العمال و النساء، والتي لعبت طوال سنوات ما قبل المرحلة الثورية، دوراً ثورياً و طليعاً. إن راية البديل البروليتاري الثوري في الثورة المصرية بإستطعاتها توفير أفقاً مضيئاً و باعثاً للأمل لراديكالية و كفاحية جيل الشباب الممتليء بالحماسة والتطلع. كذلك ففي المجتمع المصري هناك فئات واسعة من العلمانيين و التحرريين و المواطنين المنتمين إلى الأقلية القبطية الذين يطالبون بإنهاء التمييز على اساس الدين و التمتع بحقوق المواطنة المتساوية، هؤلاء يصطفون مع المدافعين عن أستمرار الثورة خصوصاً في مواجهة المساعي المناهضة للثورة من قبل الإسلاميين الأخوانيين و السلفيين.


6- إن إنعكاس تحولات ما بعد الثلاثين من يونيو خارج مصر أظهر أصطفافاً جديداً على صعيد العالم و المنطقة فيما يتعلق بالنهوض الثوري و مصير مرسي و الأخوان. قامت الجمهورية الإسلامية في إيران بعد الخطاب العنيد لمرسي و إصراره على "شرعيته كرئيس جمهورية منتخب،" بإعلان دعمه له فوراً و بعد عزل مرسي و حكومة الأخوان من قبل الجيش في الثلاثين من يونيو أنضمت إلى حكومة أردوغان في إعلان دفاعه عن حكومة مرسي المعزولة. لقد أظهر هذا الموقف بأن سقوط و هزيمة الأخوان هو هزيمة كبيرة لتيار الإسلام السياسي في المنطقة، بما فيه جناح الجمهورية الإسلامية الحاكم في إيران و الجناح "الإسلامي المعتدل" الأردوغاني في تركيا. لقد حاولت الجمهورية الإسلامية من طرفها منذ بداية الثورة في مصر، عن طريق تسميته ب"الصحوة الإسلامية" و بتقوية الجناح الإسلامي للثورة المضادة البرجوازية في مصر، أن تضفي على التحولات الثورية في شمال أفريقيا و الشرق الأوسط طابعاً إسلامياً و أن تستثمرها لإدامة سلطتها و لتقوية نفوذها في المنطقة. من الطبيعي أن يعني سقوط مرسي ليس تبديد أحلامها الرجعية في الصحوة الإسلامية فحسب، بل بمعنى أفول اكبر و أكثر قطعية لنفوذها في مواجهة المنافسين الأقليميين و خصوصاً تركيا و السعودية. كذلك جاء رد الفعل الغاضب لأردوغان و الحزب الإسلامي الحاكم في تركيا على هزيمة الأخوان، لتبين خوفها من أحتمال هزيمة البديل "الإسلامي المعتدل" النوع التركي في مصر و تونس وليبيا والمغرب و سوريا و بعد ذلك في تركيا نفسها. إن النهوض الأحتجاجي للجماهير المناضلة في مدن تركيا في الأشهر الماضية و أستمرارها، هو العامل الأساسي لرهبة أردوغان و حزبه و حكومته من تجربة سقوط و هزيمة الأخوان في مصر. إن وحدة المواقف للجموهورية الإسلامية في إيران و منافسه الاقليمي، أي حكومة أردوغان، أزاء النهضة الجماهيرية في يونيو و هزيمة الأخوان برهان على الضربة القاسية التي أحدثته هذا التحول المهم على الإسلام السياسي في المنطقة و كلا جناحيه الحاكمين في إيران و تركيا.


7- خلال الشهرين المنصرمين طرحت أسئلة في الاجواء السياسية الناشئة عن حركة الثلاثين من يونيو و التحولات الدموية التي حدثت بعدها حول تدخل الجيش في مسار إنتقال السلطة، و المواجهات الدموية بين الجيش و الأخوان، هل نتج عن ذلك دفع مسار حركة الثلاثين من يونيو و الثورة المصرية نحو المجهول والنهاية؟ هل إندلعت عوضاً عن الثورة، "الحرب الأهلية" في المجتمع؟ الرد على تلك الأسئلة بنظري هو كلا. هؤلاء الذين ينذرون بنهاية الثورة في مصر و "يتنبأون" بنهايتها، هم في الغالب أولئك الذين يقفون خارج مضمار الثورة والسعي لأجل التقدم بها وهم في الواقع يعبرون عن أعيائهم المعنوي و إحباطهم من تعقيد المواجهات بين الثورة و الثورة المضادة و يسعون إلى تنظير حالتهم المعنوية. إن تجربة الشهرين المنصرمين قد بينت بأن اجواء الشعور بالأنتصار على حكومة مرسي و الأخوان و فرض الهزيمة على الرجعية الإسلامية الأخوانية ما زالت تتصاعد و على الرغم من المواجهات الدامية بين الأخوان و الجيش لم تتراجع هذه الأجواء الثورية بل إنها ما زالت تتفاعل. لم يستطع الجيش تضييق الأجواء السياسية المفتوحة بعد سقوط مرسي على الناس. إن تجربة إعتقال الناشط الأشتراكي هيثم محمدين من قبل الجيش في الأيام الأخيرة، قيام التجمعات الاحتجاجية ضد هجمة الجيش هذه فوراً، و التراجع المسرع للجيش و إخلاء سبيله دليل واضح على أستمرار الأجواء الثورية للثلاثين من يونيو و كذلك كان حدثاً نموذجياً لتعقيدات المواجهة بين القوى الثورية و الثورة المضادة في الأوضاع الراهنة في مصر. لم يكن هناك مناص في مواجهة الجيش مع الأخوان أثناء فض الأعتصامين في ميدان رابعة العدوية و ميدان النهضة. إن الاخوان بوصفهم جناح للثورة مضادة أسقطتها الحركة الثورية للثلاثين من يونيو، لم يواصلوا بأعتصامهم تحدي و مقاومة الجماهير الثورية فحسب، بل إنهم كانوا يديمون حكمهم الرجعي في بعض أحياء القاهرة و يستمرون بمضايقة و تعذيب الناس. هذه التحركات المعادية للثورة كان من الضروري صده و إنهائه. إن المدافعين عن الأخوان بأسم الدفاع عن حرية التجمع، هم في أحسن الأحوال غير قادرين على فهم الخصوصيات الملموسة و المعقدة لمواجهة الثورة و الثورة المضادة الأخوانية في مرحلة الثورة ما بعد الثلاثين من يونيو أو إنهم بكل بساطة يرون الاخوان يستحقون الدفاع لأنهم أصبحوا في موضع "المظلومين". إن سقوط مرسي و الاخوان و هزيمتهم لم يكن تحولاً مهماً في مسار تقدم ثورة مصر فحسب، بل كانت ضربة قوية على الإسلام السياسي في المنطقة و العالم. الوجه الآخر للأوضاع المعقدة الحالية هي إن الجيش أيضاً لم يبغي فض أعتصام الأخوان، بل هاجم الأعتصام لأجل إرتكاب مجزرة و إحداث الرعب. إن طرفي هذا الصراع الدامي، هما جناحين للثورة المضادة البرجوازية في مصر اللذان في صراعهما لأجل نصيبهما من السلطة لا يعطون أي قيمة لحياة الأنسان. هل إن "الحرب الأهلية" محتملة؟ نظراً للهزيمة التي فرضتها حشود الثلاثين من يونيو على الإخوان، من المحتمل لجؤهم إلى الإرهاب ولكن حرب أهلية واسعة على الصعيد المجتمع غير محتملة. فيما يتعلق بهذا فمهمة الثوار في هذه المرحلة الثورية الجديدة التي أعقبت الثلاثين من يونيو، تتمثل بالدرجة الاولى في الإستمرار في ضرب و دحر و عزل الثورة المضادة المهزومة للأخوان بالتزامن مع مواجهة عنجهية و قمع الجيش و صد سلطتها القمعية على المجتمع.




تعليقات الفيسبوك