أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عادل الحريري - النزعة المركزية الإسلامية رؤية الإسلام للآخر - الجزء الاول






















المزيد.....

النزعة المركزية الإسلامية رؤية الإسلام للآخر - الجزء الاول



عادل الحريري
الحوار المتمدن-العدد: 4027 - 2013 / 3 / 10 - 08:45
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


 
فهرس
           
تمهيد
            مقدمة
            الفصل الأول: عرب وعجم
            الفصل الثانى: مؤمنون و”كفار”
            الفصل الثالث: الأمة المختارة
            الفصل الرابع: الصراع بين الإيمان و"الكفر"
            الفصل الخامس: مفهوم الجهاد فى الفكر الإسلامي السائد
            الفصل السادس: من أجل سيادة الإسلام
            1 - على الصعيد العالمي
            * نشر الإسلام
            * دار الإسلام ودار الكفر
            - علاقة الحرب
            - علاقة العهد
            2- علاقة المسلمين ب"الكفار" فى دار الإسلام:
             أولا: حرية الاعتقاد
             ثانيا: الجزية
            ثالثا: العلاقات الحقوقية (القضائية)
             رابعا: حرية العبادة
            خامسا: عدم تقلد وظائف سيادية فى الدولة
            سادسا: العلاقات الشخصية بين المسلم و"الكافر" وفقا للإسلام
            سابعا: شروط نقض عهد الذمة
 
            الفصل السابع: رؤية الإسلام لحركة التاريخ ولطبيعة الصراع بين البشر
            1- نبذ العصبية
            2- الصفة الدينية للحكومة فى الإسلام
            3 - المراتبية الاجتماعية
            الفصل الثامن: الحاكمية والجاهلية
            الفصل التاسع: الدينى و"الدنيوي"
            الفصل العاشر: ادعاء التفوق المطلق للإسلام
            1- ادعاء تفوق الفكر الإسلامي
            2- التفوق العلمي
            3 - الإسلام هو المعيار المطلق
            الفصل الحادى عشر: الكيل بمكيالين
            أولا- على مستوى العقيدة
            ثانيا - على مستوى التاريخ
            ثالثا على مستوى الواقع المعاصر
            الفصل الثانى عشر: الديماجوجيا الإسلامية
            1- محاولة نفى النزعة المركزية عن الإسلام
            2- تقديم الفكر الإسلامى فى صورة فكر إنساني
            3 - تجميل صورة الممارسات الإسلامية فى الواقع والتاريخ مع تشويه الآخرين
            الفصل الثالث عشر: نظرية المؤامرة والبارانويا الإسلامية
            الفصل الرابع عشر: لماذا المركزية الإسلامية
            الفصل الخامس عشر: استنتاجات
ثبت المصادر والمراجع
 
***


تمهيد
 
            بعد11 سبتمبر 2001 قفز إلى الإعلام الغربى السؤال: لماذا يكرهوننا... يقصد المسلمين، وخصوصا العرب. وتباينت الإجابات وتعددت حسب اتجاه صاحب الإجابة... فروجت الدوائر الأكثر محافظة وخصوصا تلك المتأثرة بالرؤية الصهيونية تفسير الأمر بالحقد على الديموقراطية الغربية والتطور التكنولوجى والرفاهية فى عالم الغرب. والرأى الذى لاقى تأييدا ملموسا فى الغرب هو أن الإسلام نفسه متناقض جذريا مع الحداثة الغربية. أما القلة من المثقفين الأعرض أفقا فطرحت المسألة بشكل أكثر إنصافا للعرب - المسلمين؛ فبحثت فى تاريخ العلاقة بين الشرق والغرب محددة أسبابا موضوعية وراء تلك الموجة المتصاعدة من الكراهية للغرب وللولايات المتحدة بالذات منها القضية الفلسطينية وتأييد أنظمة ديكتاتورية... الخ، خاصة أن كراهية الولايات المتحدة تنمو فى أوربا أيضا، أما كراهية الغرب عموما فتتزايد حتى بين غير المسلمين فى أجزاء من البلدان المتخلفة. وهو رأى وجد الكثير من التأييد وسط الرأى العام الغربى. ومع ذلك لم يحدد هذا الأخير بعد تفسيرا كاملا وشافيا، ويبدو الأمر غامضا بوجه عام.
            وكما تباينت التفسيرات تباينت الحلول؛ فرأى الكثيرون أن “الحرب ضد الإرهاب” هى الحل المتاح الآن بينما نادى البعض بإيجاد حل لمشاكل الشعوب العربية والإسلامية، وحل القضية الفلسطينية بطريقة مرضية للجميع. ولكن يبدو حتى الآن أن قوى ومصالح متباينة داخل الدوائر الغربية مازالت تتصارع لتغليب وجهة نظر كل منها.
            وفى سياق “الحرب على الإرهاب”التى مازالت تواصل مسيرتها علا الصراخ ضد الإسلام والمسلمين واتهام الإسلام بالعدوانية (دون اتهام الصهيونية واليهودية بنفس التهمة!) راح البعض ينادى بتصفية الأنظمة العربية الفاسدة وتحديث نظم التعليم فى البلاد العربية... إلخ.
            وقد صوحب ذلك بحملات كراهية عنصرية غالبا ضد العرب والمسلمين فى الإعلام الغربى، وبدا العالم متجها نحو صراع حضارى طويل المدى. وقد ظهرت على السطح مشاعر كراهية شديدة للمسلمين وبالذات للعرب فى معظم البلاد الغربية. فأظهرت وسائل الإعلام صورة قبيحة لهم وراحت مظاهر التمييز والاضطهاد تنمو خصوصا فى الولايات المتحدة حيث تعرض كثير من العرب للمطاردة والاعتقال بدون تهم.. بينما راحت الطائرات الأمريكية تدك أفغانستان ثم العراق وتهدد بلادا أخرى فى الشرق العربى.
            وبينما طرح فى الغرب سؤال: لماذا يكرهوننا وقدمت إجابات مختلفة بعضها منصف للعرب جزئيا، لم يطرح نفس السؤال هنا بالجدية نفسها.. هذا لأن الإجابة محددة سلفا لدى مواطنينا والأغلبية العظمى من مثقفينا. ألا وهى طمع الغربيين فى ثروات بلادنا ونزعتهم الاستعمارية، ولا ينسى أيضا دور اللوبى اليهودى والمؤامرة اليهودية-الصليبية المزعومة ضد الإسلام والعرب. وتصل الإجابة الجاهزة سلفا لدى الإسلاميين[1] والشارع المتأثر بهم كثيرا إلى حد اعتبار “ الحقد على الإسلام” هو مربط الفرس، وينظر غلاة الإسلاميين ومعهم جمهرة شعبية ليست قليلة إلى الصراع الحالى بين الإسلام والغرب كامتداد للحروب الصليبية التى يرون أنها كانت ذات محتوى دينى. إذن طرحت الإجابات باعتبارها حقائق واضحة فقط للتذكرة، لا للنقاش الحقيقى.
            الكثير من الكتاب المسلمين يلوم الغرب على زراعة إسرائيل فى قلب العالم العربى وعلى احتلال البلاد العربية فى القرن ال19 وعلى الكثير من مظاهر النزعة المركزية الأوربية، وهذا مبرر، ولكن فى الوقت نفسه يتهم الغرب بالتآمر على العالم العربى – الإسلامى عموما بغرض قهره أو حتى إبادته، بل يبدى البعض شعوره بالمرارة لأن الغرب استرد “الأندلس” وطرد منها العرب المسلمين وحلفاءهم اليهود!.
            يتصورأغلب المفكرين الإسلاميين العرب أن عداء الغرب للعرب هو عداء مطلق غير قابل للمداواة ويتصوره الكثيرون كما لو كان عداء جينيا، أو “فطريا” حسب التعبير الإسلامى الشهير.
            النظرة السائدة هنا للغرب أنه عالم “ دنيوي” بالفطرة، حيث الحضارة المادية المجردة من القيم [2] value-free كما يزعم معظم الإسلاميين والقوميون العرب وغيرهم من أنصار الحفاظ على الهوية، مقابل الحضارة العربية الإسلامية حاملة رسالة الإسلام إلى العالمين، بما تتضمنه من الإيمان بالروحانيات والقيم الرفيعة[3].
            إن موجة الكراهية المتصاعدة فى الغرب حاليا ضد العرب والإسلام تقودنا إلى الدعوة إلى طرح السؤال: لماذا يكرهوننا؟ أو لماذا يكرهون المسلمين وخصوصا العرب؟، وعلينا - حتى نصل إلى نتائج مفيدة - أن نقدم إجابات واقعية بعيدا عن التفسيرات الغيبية وغير المبررة.
صدر هذا الكتاب على الانترنت في يونيه 2006 وهذا هو الإصدار الثانى الذي يتضمن تعديلات محدودة.            


مقدمة: النزعة المركزية
 
            النزعة المركزية ظاهرة ثقافية أبسط ما يمكن أن نعرفها به أنها نظرة إلى الآخر باعتباره ليس مجرد مختلف بل باعتباره أدنى بشكل أو بآخر. فالذات تعد هى المعيار القيمى المرجعى للآخرين.. فالآخر ليس مجرد آخر له خصوصية مبررة بفضل ظروف نشأته وتكوينه، بل هو آخر لأنه أقل شأنا. فالذات هى المثال الذى “ يجب” أن يحتذى من قبل الجميع، أما الآخر فيعتبر دائما أقل شأنا؛ بدائى.. متأخر.. متخلف.. مشوه.. منحرف.. لم ينضج بعد.. وأحيانا لا قيمة له، وفى أفضل الأحوال مرحلة فى طريقها للتحول إلى النمط المعيارى. وبالتالى يكون مطلوبا من الآخر إما أن يختفى أو يتحول إلى النموذج المثالى المفترض أو على الأقل يخضع له. وباختصار تتضمن النزعة المركزية اعتبار الذات نموذجا للعالم والآخر انحرافا عنه.
            والظاهرة ليست جديدة بل قديمة قدم النوع البشرى. وقد برزت فى عصور مختلفة لدى شعوب بعينها، نذكر أمثلة لها:
الصين القديمة:
ساد الفكر الصينى القديم نزعة تجاه الشعوب الأخرى تتسم بالشعور بالتفوق الثقافى ولكن ليس العنصرى.
الإغريق القدامى:
هناك إشارات لدى بعض فلاسفة الإغريق( خاصة أفلاطون وأرسطو )حول التفوق الطبيعى للعنصر الإغريقى بالنسبة لبقية العالم وبالتالى هم خلقوا لكى يحكموا العالم باعتبارهم يحملون أفضل سمات الجنس البشرى. وقد اعتبر أرسطو أن الإغريق نبلاء بطبيعتهم أما بقية البشر فأسماهم برابرة وأن هذا التقسيم من فعل الطبيعة التى مثلما قسمت الناس إلى ذكور وإناث وإلى سادة (يمارسون العمل الذهني) وعبيد (لا يصلحون إلا للعمل اليدوي) جعلت من البرابرة ككل عبيدا وبالتالى منحت الإغريق حقا طبيعيا فى حكم العالم واستعباده[4]. ولكن هذه الأفكار لم تصر أيديولوجيا سائدة ولم تؤثر فى علاقة الإغريق بالعالم. فبعد الفتوحات الكبرى للإسكندر الأكبر رفض الأخير أن ُتعامل شعوب البلاد المفتوحة كعبيد طبيعيين كما أوصى أرسطو.
المركزية اليهودية:
            تصور اليهودية الأورثوذكسية اليهود على أنهم “ شعب اللـه المختار”، أى الشعب الذى يفضله اللـه على بقية البشر والذى خلق العالم من أجله. إنهم أبناء “سام” المميز الذى نال بركة الرب والذى من حقه - بالتالى - أن يستعبد بقية الناس، ليس لأنه يريد ذلك بل لأن الرب قد منحه هذا الحق. فالله هو رب اليهود فقط وليس رب البشر جميعا وهذه النظرة سائدة فى الفكر اليهودى. ففى التوراه: لأنك أنت شعب مقدس للرب إلهك. إياك قد اختار الرب إلهك لتكون له شعباً أخص من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض) سفر التثنية الأصحاح السابع 6) . أنا الرب إلهكم الذى ميزكم من الشعوب. 25فتميزون بين البهائم الطاهرة والنجسة وبين الطيور النجسة والطاهرة. فلا تدنسوا نفوسكم بالبهائم والطيور ولا بكل ما يدب على الأرض مما ميزته لكم ليكون نجساً. 26وتكونون لى قديسين لأنى قدوس أنا الرب. وقد ميزتكم من الشعوب لتكونوا لى (سفر اللاويين، الأصحاح العشرون، 24- 26) . واليهودى المتدين يحمد الإله لاختياره هذا الشعب دون الشعوب الأخرى، ولمنحه التوراة علامة على التميز. وقد اعتبر التلمود فى بعض نصوصه البشر الآخرين حيوانات خلقوا فى صورة البشر لخدمة اليهود. ولذلك يقر التلمود مثلا حق اليهودى فى غش غير اليهودى وإقراضه بالربا وسرقته، بل وقتله. وضمن نصوصه إن اليهودى أحب إلى اللـه من الملائكة، “فالذى يصفع اليهودى كمن يصفع الرب”، وهذا يفسر لنا إستحقاق الوثنى وغير الوثنى الموت إذا ضرب يهوديا. كما يعتبر أموال غير اليهود ملكا لليهود ويبرر سرقتهم بأنها استرداد اليهود لأموالهم.. الخ. واختار الإله الشعب اليهودى لأنه أول شعب يعبده وحده، ويدل الاختيار على تفوق اليهود الأخلاقى، أى أنه اختار الشعب لأن الشعب اختاره. وقد جاء فى التلمود هذه الكلمات: “لماذا اختار الواحد القدوس تبارك اسمه جماعة يسرائيل، لأن... أعضاء جماعة يسرائيل اختاروا الواحد القدوس تبارك اسمه وتوراته”.
            والمركزية اليهودية الأورثوذكسية عنصرية صريحة؛ فاليهودى هو من ولد لأم يهودية، أى بالمولد وليس بالثقافة. وبالتالى اليهود – حسب هذا التعريف – يعدون شعبا وليس جماعة دينية.
            ولا تقدم اليهودية التقليدية الثقافة اليهودية و” الشعب” اليهودى كمعيارأو كنموذج يجب أن يحتذى، بل أكثر من ذلك: فاليهود هم فقط شعب اللـه.. والآخرون عبيد لهم.. ليس المطلوب هو تحويل البشر إلى اليهودية، بل ليبقوا كما هم ولكن ليخدموا اليهود. وعلى النقيض من ذلك تدعو اليهودية التبشيرية (وهى ليست السائدة فى اليهودية) إلى تهويد كل البشر وتقرر أن الشعب اليهودى هو رسول الإله إلى كل البشرية، وهو مكلف بنشر الديانة اليهودية بين عموم البشر باعتبارها الحقيقة المطلقة ودين الهدى مقابل الضلال الذى يعيش فيه غير اليهود[5].
            ومن المهم أن نلاحظ أن النزعة المركزية اليهودية ليست خاصية لثقافة كل اليهود، فهناك الكثير من اليهود غير المؤمنين بالأفكار العنصرية ولا بالتميز اليهودى المزعوم على كافة البشر.. الخ. ونقصد أن نشير إلى وجود النزعة المركزية ضمن توجهات أخرى داخل الجماعات اليهودية.
المركزية الأوربية:
            تعرضت النزعة المركزية الأوربية للكثير من محاولات الرصد والتحليل والنقد. ولكن وُجه القليل من اهتمام المثقفين لنزعات مركزية أخرى ظهرت فى التاريخ كما أشرنا. ذلك أن أوربا قد أصبحت فعليا مركز العالم الحديث وبالتالى أصبحت تقود العالم بلا منافس حتى عهد قريب، مما شكل أساسا قويا لانتشار المركزية الأوربية حتى بين مثقفين غير أوربيين. إن أحدا لا يمكنه نفى تفوق أوربا (أو الغرب عموما) على العالم عسكريا واقتصاديا وتكنولوجيا، بدليل أنها استعمرت العالم كله فى وقت ما. الا أن الأمر - على صعيد الأيديولوجيا - لم يقف عند هذا الحد. فقد ادعت الثقافة الأوربية أن هذا التفوق هو تفوق مطلق: طبيعى، تكوينى، عنصرى، غير قابل للاختراق. ليس هكذا فحسب، بل أيضا هذا التفوق كان قائما دائما اما بالقوة أو بالفعل. فتحول تاريخ العالم إلى تاريخ أوربا، بل إن كلمة العالم كثيرا ما ُيقصد بها أوربا. وأقيمت نظريات فى العلوم الاجتماعية تكرس هذه المركزية: فأوربا هى - مثلا - النموذج “ النقي” للصراع الطبقى، النموذج “ النقى “ للديموقراطية... بل إن شعوبا كثيرة قد أخرجها البعض من التاريخ العالمى أصلا، فهيجل مثلا اعتبر أفريقيا خارج التاريخ واعتبر كفاح الأفريقيين ضد الاستعمار تعبيرا عن عدم حبهم للحياه!!، ناهيك عن سخريته من الفن المصرى القديم.. ومع موجات الاستعمار تكونت نظريات تبرره بضرورة نشر الحضارة وبالتالى فهو مهمة تاريخية وليس نهبا للشعوب، بل لجأ الكثيرون ومنهم رجال دين مسيحى لتبرير الاستعمار تبريرا عنصريا صريحا. وإن تعبير بسيطا مثل “ اكتشاف العالم الجديد” يوضح لنا بجلاء معنى المركزية الأوربية ككل.
            ولجأت الثقافة الأوربية الحديثة ليس فقط للتقليل من شأن الآخرين، بل راحت كذلك تصادر منجزات شعوب أخرى وتنسبها للأوربيين. فادعت لأوربا السبق فى اختراع كل شييء مهم ودونت تاريخ الاكتشافات العلمية حسب اكتشافها أوربيا وأهملت مساهمات الشعوب الأخرى أو أنكرتها. ومن الظواهر الملفتة للنظر أنها أوربت حتى أسماء علماء ومخترعات شعوب أخرى إن لم تنسبها لعلماء أوربيين.
            لقد نشأت العلوم الاجتماعية فعليا فى أوربا كاستجابة لمشاكل أوربية وبالتالى اصطبغت بصبغة أوربية. الا أنه منذ استقلال المستعمرات بعد الحرب العالمية الثانية بدأت المركزية الأوربية تتعرض للنقد الحديث سواء من قبل مثقفين بالعالم الثالث أو مثقفين أوربيين. ذلك أن التفوق الأوربى لم يعد كاسحا وبدأت حضارات جديدة فى النهوض السريع.
            وقد ذهب البعض (سمير أمين مثلا) إلى أن المركزية الأوربية كانت نتاجا للرأسمالية وتعبيرا عنها. إلا أنه من السهل أن نلاحظ أن الفكر المناهض للرأسمالية قد تمثل النزعة نفسها. فقد لجأت المدرسة الماركسية مثلا - وكانت ذات تأثير هائل فى أوربا لمدة عقود- إلى اعتبارالتاريخ يمر بمراحل معينة هى التى مر بها التاريخ الأوربى؛ النموذج. ولجأ الكثير من مفكريها إلى تحليل المجتمعات الشرقية بنفس أدوات تحليلهم لمجتمعات أوربا. وهنا فى الشرق راح الماركسيون يمارسون الطريقة نفسها. ويمكن أن نرصد شيئا مختلفا: فالكثير من القيم الناتجة عن الرأسمالية عموما قد اعتبرتها المركزية الأوربية قيما “غربية “ بطريقة تعسفية. فالرأسمالية أنتجت قيما معينة تنتجها فى أى مكان ولكن المركزية الأوربية قد جعلتها قيما غربية. فالرأسمالية فى اليابان - مثلا - لم تنتج مركزية يابانية، بينما المركزية الصينية أو اليهودية لم تكونا نتاجا للرأسمالية.. ويمكننا أن نتصور المركزية الأوربية نتاجا لعوامل متشابكة أهمها التفوق الساحق والاستعمار الكامل تقريبا للبشرية مع موروثات ثقافية يونانية ورومانية تفاقمت واتخذت منحى عنصريا صريحا مع تحديث أوربا.
            تميزت المركزية الأوربية بعنصرية إما مستترة أو صريحة وفجة. ولنتذكر عملية استعباد الأفارقة وتصويرهم لدى الرأى العام الأوربى على أنهم ليسوا بشرا تماما؛ فهم لهم ذيول ويأكلون لحم بعضهم.. الخ، كما لم يمر بعد وقت طويل على النازية وأسسها الفلسفية.
           
المركزية الإسلامية:
            هذا الكتاب يهدف إلى تحليل جانب واحد من الثقافة الإسلامية هو النزعة المركزية فى الفكر الإسلامى. والموضوع ليس معنيا بما يُعرف ب"صحيح الدين"ولا بالإسلام ككل. أولا لأن تناول ما يُسمى بالإسلام “الصحيح” يدخلنا فى متاهات إسلامية شائعة تتعلق بمدى صحة النص ومدى صحة ودقة الروايات التاريخية ومدى صحة التفسيرات... إلخ. وثانيا لأن ظاهرة النزعة المركزية الإسلامية ليست الوحيدة فى الشارع الإسلامى رغم أنها سائدة، فمن المسلمين سواء من العامة أو المثقفين من هو مخالف للمركزية جزئيا على الأقل ويقدم أطروحات أكثر توازنا. وثالثا أن الثقافة هى التى تأخذ دورا مباشرا فى صناعة الأحداث الفعلية وليس النص المقدس فى حد ذاته، فالأهم من الناحية العملية هو ما يطرحه الناس فعلا من أفكار شاملة النص المقدس حسب فهمهم له. أما التعامل مع الأخير نفسه من حيث مدى صحة نسبه أو المعنى الذى قصد منه وقت ظهوره أو ما يُعرف ب"المعنى الصحيح"، بل وحتى تدقيق أحداث التاريخ فهى مجالات تهم الأكاديميين المتخصصين فى هذا النوع من الدراسات. ويترتب على ذلك أننا نتناول النص "المقدس" كأحد مكونات الثقافة الإسلامية لا أكثر، التى تشمل كل الإنتاج غير المادى للمجتمع من قيم وأخلاق ومثل وفن وفكر ونظم.. الخ. ف "المعنى الحقيقي" فيما نعتقد هو شيء وهمى والشيء الواقعى هو المعنى الفعلى للنص وفقا لفهم مختلف الناس فى هذا الوقت أو ذاك وهذا المكان أو ذاك شاملا الإضافة إليه وحتى احتمال تجاوز معناه الظاهر أحيانا.. باختصار هى إنتاج الناس الفكرى حتى لو زعموا أنها تنتسب للنص المقدس حسب طريقة تناولهم له. وقد ظل ذاك النص بالنسبة للثقافة الإسلامية - لأنه يعتبر مقدسا- ومهما اختلفت التفسيرات وتبدل فهمه هو المرجع الشرعى، وقد ظلت تلك الثقافة تعود فى الأغلب الأعم إلى النص المقدس باحثة عن المعنى “الصحيح”- زعما- وجاعلة من النص - حسب زعم أصحابها - سلطة مطلقة على العقل. فلا اجتهاد مع النص؛ هذه قاعدة فقهية راسخة فى الثقافة الإسلامية منذ الانتصار النهائى للأشاعرة، وتُستثنى القلة من العقلانيين قديما وحديثا الذين اعتبروا العقل مصدرا أوليا للمعرفة، مستقلا عن النص وفى أفضل الحالات إذا تناقض العقل مع النص يتم تأويل النص أو رده، وهو مذهب العقلانيين المسلمين عموما ومنهم المعتزلة وابن رشد، وهى خطوة للأمام نحو العقلنة.
            وكذلك فى التشريع، المعتمد على القرآن ثم السنة[6] ثم الإجماع[7] الذى رفضه من الأئمة السنة الأربعة أحمد ابن حنبل، ثم - لدى السنة- يأتى القياس ويضاف المصالح المرسلة وقول الصحابى والاستحسان والعرف وسدّ الذرائع، ويضيف مالك ابن أنس عمل أهل المدينة، وغيره أضاف عمل أهل الكوفة والأخذ بالأخص وغيرها... وهذا كله معتمد فى النهاية على الكتاب والسنة. وهناك من يرفض سوى القرآن والسنة فقط، وربما يدعو قليل من المعاصرين إلى استبدال الشورى بالإجماع، أى بالأخذ برأى الأغلبية فى الاجتهاد بدلا من رأى الجمهور حسب ما ذكرت د. هبة رءوف عزت[8]، وهناك رأى بلا أنصار تُذكر يضع المصالح فوق النص على أساس أنها غرض الشارع مثل رأى نجم الدين الطوفى، وهو أصلا من الحنابلة ونُسب إلى الشيعة[9]، ومن المعاصرين مثل جمال البنا من يضع العقل قبل منظومة القيم القرآنية ثم السنة ثم العرف[10]. كذلك هناك من يرفض مبدأ القياس، من الظاهرية مثل ابن حزم[11] وكذلك معظم الشيعة الإمامية الذين يحددون مصادر التشريع بالترتيب: الكتاب-السنّة- الإجماع- العقل دون القياس الفقهي[12]. وقليلون يكتفون بالقرآن فقط ويُسمون بالقرآنيين، أشهرهم فى الوقت الحالى الدكتور أحمد صبحى منصور. ومهما اجتهد المجتهدون بكافة تياراتهم ادعوا أنهم يقفون على أرضية النص المقدس الذى يدعى معظمهم أن الآخرين لم يحسنوا فهمه. أى أن الوحى: القرآن والسنة هما مصدرى التشريع عمليا.
            وللتأكيد نحن غير معنيين فى هذا المقام بالبحث عن المعنى “ الحقيقي” للنص الدينى ولا حتى بمدى صحة النص من عدمه، ولا بما ُيعرف ب”مناسبات النزول”المتنازع فيها دائما تقريبا، بل بتحليل المفاهيم التى يأخذ بها عموم المسلمين، وعلى الأخص مثقفيهم، زاعمين أنها مستمدة من النص المقدس. وسوف نستشهد بالنص المقدس بالمعانى المفهوم بها فى الثقافة الإسلامية مع الإشارة لها بغض النظر عن مدى ما يُسمى "بصحة” التفسير المعمول به أو السائد. وبالتالى سيكون النص فى هذه الدراسة معتبرا بقدر مدى قبوله والمعنى المقبول به من قبل الفقهاء و“العلماء” ذوى الاعتبار فى العالم الإسلامى وعامة المسلمين، وليس بمدى صحته أو "صحه المعني" المستخدم به فعلا.
            وسوف نتناول هنا جانبا من الثقافة الإسلامية كما تكونت لدى الشعوب العربية أساسا، فالنزعة المركزية الإسلامية توجد - كما نظن - فى أكثر أشكالها وضوحا ونقاء لدى العرب، حيث الإسلام رغم أنه دعوة عالمية إلا أنه ُقدم باللغة العربية، كما أن الإسلام قد نشأ فى بلاد العرب وجاءت نصوصه فى مناسبات تخص العرب وكانت بالتالى تعليماته مرتبطة أشد الارتباط بظروف وثقافة ذلك المجتمع. علاوة على ذلك فإن حزب الإسلام الأول؛ النبى والصحابة، تكون جل أعضائه من عرب. يضاف إلى ذلك أن بلاد العرب ظلت معقل الإسلام كفكر منذ نشأته، وحتى معظم المفكرين المسلمين الكبار من أصول غير عربية قد تعربوا، وكانت أعظم فترات الحضارة الإسلامية هى التى سيطر فيها العرب على الشرق، والتى قدمت للعالم أكثر بما لا يُقارن بما قدمته حقبة السيطرة التركية أو امبراطورية المغول الإسلامية.
            وسوف نعتمد على المصادر المقبولة من قطاعات واسعة من عامة المسلمين، مثل الفقهاء الأربعة الأكبر للسنة ومن يقابلهم من الشيعة وكبار ال”علماء” والكتاب المتمتعين بالنفوذ المعنوى لدى عامة المسلمين أو لدى قطاع عريض لا يمكن إنكاره.
            ومن المؤكد أن ثقافة الشعوب الإسلامية ليست شيئا جامدا ولم تتكون بشكل نهائى بل شهدت تحولات وتبدلات عبر التاريخ، ونحن هنا نتناول ما نعتبره بمثابة نزعة مركزية فى هذه الثقافة التى رغم تحولاتها تتضمن عناصرا ظلت ثابتة إلى حد كبير، خصوصا منذ إغلاق باب الاجتهاد فى الفقه الإسلامى فى القرن السابع الهجرى. كما أنه رغم مرور العرب بتحولات اجتماعية وثقافية عديدة خصوصا فى العصر الحديث وتكون انتلجينسيا شبه علمانية فى مرحلة ما، ظل التراث الإسلامى التقليدى جاهزا للاستدعاء وقت اللزوم ولم يتم تجاوزه أبدا بشكل نهائي[13] رغم تغيرات الخطاب الإسلامى المتتالية، ذلك أن العالم رغم التغيرات العميقة لم يتغير بشكل كامل فى كل المجالات، فمازالت هناك طبقات مثلا وكذلك حكومات واستغلال وحروب.. ومسلمون و”كفار” وغيرها الكثير. ولاشك أن هناك من المفكرين المسلمين ممن يقدموا أطروحات يعتبرونها مستمدة من النص المقدس، أكثر انفتاحا وأقل مركزية. نذكر على سبيل المثال جمال الدين الأفغانى والإمام محمد عبده ورشيد رضا وطه حسين وفى الوقت الحالى أحمد صبحى منصور وجمال البنا ومحمد سعيد العشماوى وعبد الحميد الأنصارى وغيرهم، وهناك إسلام آخر غير الذى نتناول هنا مركزيته، أكثر انفتاحا على الآخر وإنسانى النزعة يتمثل فى كثير من الاتجاهات الصوفية التى كان لها اعتبارها فى العالم العربى فى وقت ما، وتيارات من "الفلسفة الإسلامية" وغيرها... ولكن للأسف مازال التوجه السائد فى الثقافة العربية-الإسلامية هو ما نحلله فى هذا الكتاب باعتباره ذو نزعة مركزية.
            ومن نافلة القول أن الفكر الإسلامى ليس قالبا واحدا بل بالعكس تماما توجد كثير من الفرق والتيارات فى مختلف العصور اتفقت واختلفت فى أشياء كثيرة بحيث لا يستطيع المرء أن يزعم أن الإسلام هو قالب واحد. ونحن نكشف هنا عن النزعة المركزية فى الثقافة الإسلامية بوجه عام والتى نزعم أنها سائدة بدرجات متباينة لدى معظم التيارات رغم اختلافاتها. ونؤكد أخيرا أن كلمة الإسلام فى هذا الكتاب يُقصد بها الثقافة الإسلامية السائدة.
            هذا الكتاب ليس مقدما للشعوب الإسلامية بالذات بل لكل من يستخدم المنطق ويفكر بعقله وينبذ الخرافات و”المعجزات”ويتعامل مع أى نص أو فكر على أنه قابل للتحليل والنقد بالعقل البشرى.. العقل الوحيد الذى لدينا، دون بديهيات ولا منطلقات مقدسة، والذى لايرى أن هناك ما ومن هو فوق النقد أوالتحليل.
            وأغلب المراجع المذكورة متاحة على شبكة الإنترنت أو كملفات على أقراص كمبيوتر وقد أشرنا لها وأقلها كتابات مطبوعة. وعلى القاريء المدقق أو المتشكك أن يبذل بعض الجهد لمراجعة ما ورد من معطيات، خاصة أن البحث فى هذا العصر بات سهلا بالكمبيوتر.. وعلى العموم اعتمدنا على المعطيات المعروفة جيدا فى الفكر الإسلامى ولم نستخدم مصادر نادرة..
 
 
            ملاحظة حول المراجع: المراجع غير المشار لرابطها أو ناشرها تحديدا إما أنها لا تختلف طبعاتها المختلفة (مثل القرآن) أو أنها على أقراص مضغوطة من إصدارات شركة العريس للكمبيوتر (بيروت – لبنان) ومنها صحيح البخارى ومسلم وبعض كتب الفقه وبعض كتب علوم القرآن وعلوم الحديث والقواميس غير المشار لناشرها أو رابطها. وهذه الأقراص متوفرة بكثرة هائلة فى البلاد العربية.
 
 
***
الفصل الأول: عرب وعجم
           
"جنس العرب أفضل مِن جنس العجم، وأن حب العرب من الإِيمان وبغضهم نفاق، أو كفر"
ابن تيمية
 
           
            تميز اللغة العربية بين العرب وبقية الشعوب، التى تسمى ب”العجم”. وكما ذهب نصر أبو زيد “هو من قبيل التصنيف القيمى الذى يعطى العرب مكانة التفوق، كما يعطى للغتهم مكانة(( اللغة)) بألف ولام العهد، كأن ما سواها من اللغات ليس كذلك، وكأن من يتحدثون بلغة غيرها هم بمثابة العجماوات التى لا تبين ولا تنطق”[14]، وحسب ما ذهب الجاحظ: “الفصيح هو الإنسان، والأعجم كل ذى صوت لا يفهَم إرادته إلا ما كان من جنسه... والإنسان فصيح، وإن عبر عن نفسِه بالفارسية أو بالهندية أو بالرومية، وليس العربى أسوأ فهماً لطَمطَمة الرومى من الرومى لبيانِ لسان العربى، فكل إنسانٍ من هذا الوجه يقال له فصيح، فإذا قالوا: فصيح وأعجم، فهذا هو التأويل فى قولهم أعجم، وإذا قالوا العرب والعجم ولم يلفظوا بفصيح وأعجم، فليس هذا المعنى يريدون، إنَّما يَعنُون أنه لا يتكلم بالعربية، وأن العرب لا تفهم عنه” [15]. أردنا من هذا الاستشهاد توضيح ماذا يفهم العرب من الفرق بين الفصيح والأعجم حسب ما رصده أحد أهم المفكرين العرب المسلمين وهو من كبار المعتزلة.
            ولفظ العجم يعنى: الإبهام، عدم التفصيل، عدم الفصاحة[16]. وكأن اللغات غير العربية غامضة وغير فصحى بطبيعتها وليست كذلك فقط بالنسبة للعرب. والعرب يدركون نسبية الفصاحة كما يتضح من كلام الجاحظ أعلاه ولكن استخدام لفظى عرب وعجم أو فصيح وأعجم إنما يتضمن اعتزازا خاصا بلغتهم وكأنها “اللغة”.. فالنسبى، أى الفصاحة فى هذا المقام، يُعامل كما لو كان مطلق رغم إدراك نسبيته.ويسمي العرب القاموس بالمعجم وهو يشرح معاني الألفاظ الغامضة مما يتضمن أن العجم يساوي الغموض. 
            اذن اللغة العربية هى لغة الفصاحة ويعتبرها العرب أفصح وأغنى اللغات وأهم دليل يقدمونه على ذلك هو أن اللـه قد أنزل بها القرآن. وهذا الاعتقاد مازال سائدا للغاية بين العرب عموما، فاللغة العربية ما زالت تتمتع بالقدسية وتعد فخرا لأصحابها، ليس لأنهم يعتبرونها لغة عظيمة فحسب، بل أيضا لأنها – فى عرفهم- أغنى وأجمل اللغات، فلسان العرب فى عرف أهله “أتُم الألسنة بيانا، وتمييزاً للمعانى جمعاً وفرقاً بجمع المعانى الكثيرة فى اللفظ القليل، إذا شاء المتكلم الجمع. ويميز بين كل لفظين مشتبهين بلفظٍ آخر مختصرٍ، إلى غير ذلك من خصائص اللسان العربي”[17].. ولكن بعد الإسلام صار هذا الاعتزاز مزدوجا: بلاغيا، وهو السابق على الإسلام، ودينيا باعتبارها لغة مقدسة. وهى لغة أهل الجنة حسب الحديث: عن أبى هريرة قال: قال رسولُ اللـه أنا عربى، والقرآن عربى، ولسان أهل الجنة عربى [18].        وقيل نسبا لعمر ابن الخطاب أنه قال: تعلموا العربية فإنها من دينكم[19].
            والعرب بوجه عام يعتبرون البلاغة هى المعنى وهى بالتالى الهدف من اللغة. ولذلك كان للشعراء أهمية كبيرة فى المجتمع العربى قبل الإسلام لما للشعر من تأثير كان يُقارن بتأثير السيف، وقد اهتم العرب بشعرائهم باعتبارهم من حماة القبيلة بلسانهم لما كان من تأثير كبير للأشعار سواء فى السلم أو الحرب. ومن هنا اعتبروا إعجاز القرآن لغويا. فرغم أن اللغة من إنتاج البشر إلا أن أصحاب اللغة أظهروا عجزا عن أن ينتجوا بها نصا كالقرآن من حيث البلاغة وهذا هو أهم دليل قدمه القرآن نفسه على مصدره الإلهى. وكان يكفى للعربى إذا كان ممن يناقشون ويتفكرون أن يستمع إلى عدد من آيات القرآن ليعلن إيمانه بالإسلام كله، اعتمادا على بلاغة لغة القرآن وموسيقاه التى فاقت ما كان يسمعه من الشعر. فقد كانت مجرد تلاوة القرآن وحدها كافية لتحويل بعض العرب إلى مسلمين[20]، وأما الرافضون للإسلام فرأوا فيه سحرا لما فيه من بلاغة. وما زالت البلاغة تحدث تأثيرا هاما للمستمعين العرب بحيث قد تصرفهم عن مضمون الحديث نفسه [21].
            وقد أقر القرآن نفس التمييز اللغوى بين العرب وغير العرب، فاللغات غير العربية تسمى أعجمية: ولو جعلناه قرآناً أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمى وعربى (فصلت: 44) وأهم ما يعد إعجازا للقرآن هو لغته العربية البليغة:
            وكذلك أنزلناه حكما عربيا (الرعد: 37)
            قرآناً عربيا غير ذى عوج لعلهم يتقون (الزمر: 28)
            إنا أنزلناه قرآناً عربيا لعلكم تعقلون (يوسف: 2)
            وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فَأْتُوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون اللـه إن كنتم صادقين (البقرة 23:)
            أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون اللـه إن كنتم صادقين (يونس: 38)
            فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين (الطور 34:)
            واضح من الآيات أن المقصود بعربية القرآن ليس فقط جعل فهمه ممكنا من جانب العرب: وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق فى الجنة وفريق فى السعير (الشورى: 7)، بل يقصد كذلك أن عربيته بليغة تتحدى العرب أن يقلدوه[22]. وقد خص مكة بالذكر دون باقى البلاد المعنية بالدعوة المحمدية وهى أهم مدينة عربية وقت ظهور الإسلام وهى بلد النبى محمد.
 
            والإسلام كما قدم نفسه هو دعوة عالمية وليس موجها للعرب فقط:
            وأرسلناك للناس رسولاً وكفى بالله شهيداً (النساء: 79)
            وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين (الأنبياء: 107)
            وما أرسلناك إلا كافةً للناس بشيرًا ونذيرًا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (سبأ: 28)
            النتيجة المنطقية أن غير العرب أو "العجم" لن يتبينوا إعجازه اللغوى ولن يمثل تحديا لهم. وإذا كانت الرسالة موجهة للعالمين فكيف يمكن إقناعهم بها؟. الأمر المنطقى تماما أن توصيل الرسالة ل"لعجم" لابد أن يقوم به العرب لأن القرآن جاء بلغتهم. وهنا نتذكر التشابه بين الدور الذى تدعيه اليهودية التبشيرية لليهود فى توصيل الرسالة الإلهية لكل البشر ودور العرب فى أسلمة العالم حسب افتراض الفكر الإسلامى.
            واختيار اللـه أن تكون رسالته الأخيرة للبشر باللغة العربية وأن يكون النبى عربيا لم يُعتبر من قبل العرب المسلمين أمرا اعتباطيا.. ولذلك ذهب كثير من الفقهاء والمثقفين العرب رغم اعترافهم بالمساواة بين كل المسلمين مذهبا ذو نزعة عنصرية عربية، ولنقرأ معا هذا النص القاطع لواحد من أكبر "علماء" الإسلام؛ ابن تيمية:
            “جنس العرب أفضل من جنس العجم- فإن الذى عليه أهل السنة والجماعة: اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم، عبرانيهم وسريانيهم، روميهم وفرسيهم، وغيرهم. وأن قريشاً: أفضل العرب، وأن بنى هاشم: أفضل قريش، وأن رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم أفضل بنى هاشم، فهو: أفضل الخلق نفساً، وأفضلهم نسباً. وليس فضل العرب، ثم قريش، ثم بنى هاشم لمجرد كون النبى صلى اللـه عليه وسلم منهم، وإن كان هذا من الفضل، بل هم فى أنفسهم أفضل، وبذلك يثبت لرسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم: أنه أفضل نفساً ونسباً”.
            “بغض العرب كفر أو سبب للكفر، ونفاق، وحبهم إيمان: وهذا دليل على أن بغض جنس العرب، ومعاداتهم كفر أو سبب للكفر، ومقتضاه: أنهم أفضل من غيرهم، وأن محبتهم سبب قوة الإيمان، لأنه لو كان تحريم بغضهم كتحريم بغض سائر الطوائف - لم يكن ذلك سبباً لفراق الدين، ولا لبغض الرسول، بل كان يكون نوع عدوان، فلما جعله سبباً لفراق الدين وبغض الرسول - دل على أن بغضهم أعظم من بغض غيرهم، وذلك دليل على أنهم أفضل، لأن الحب والبغض يتبع الفضل، فمن كان بغضه أعظم - دل على أنه أفضل، ودل - حينئذ على أن محبته دين، لأجل ما فيه من زيادة الفضل ولأن ذلك ضد البغض، ومن كان بغضه سبباً للعذاب بخصوصه - كان حبه سبباً للثواب، وذلك دليل على الفضل”[23].
            المفهوم من هذا الكلام أن اختيار محمد ليس سابقا على اختيار العرب لحمل الرسالة، فلم تكن عروبة محمد صدفة، بل تم اختياره لأفضلية العرب على "العجم" أصلا..
            ومما ذُكر فى التراث أن “لهم مكارمُ أخلاقٍ محمودة لا تنحصر، غريزة فى أنفسهم، وسجية لهم جُبلوا عليها، لكن كانوا قبل الإسلام طبيعةً قابلةً للخير.. ومما يدل على فضل العرب أيضاً ما رواه البزار بإسناده قال: قال سلمان - رضى اللـه عنه-: نفضلكم يا معشر العرب لتفضيل رسول اللـه –صلى اللـه عليه وآله وسلم- إياكم، لا ننكح نساءكم، ولا نؤمُكُم فى الصلاة”[24].
            وقال ابن حنبل أستاذ ابن تيمية: ” ونعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها ونحبهم لحديث النبى صلى اللـه عليه وسلم فإن حبهم إيمان وبغضهم نفاق”[25].
            ويوجد أساس فى النص المقدس لهذا التمييز للعرب، ففى الحديث:
          - إن اللـه حين خلق الخلق بعث جبريل فقسم الناس قسمين قسم العرب قسما وقسم العجم قسما وكانت خيرة اللـه فى العرب ثم قسم العرب إلى قسمين فقسم اليمن قسما وقسم مضر قسما وكانت خيرة اللـه فى مضر وقسم مضر قسمين فكانت قريش قسما وكانت خيرة اللـه فى قريش ثم أخرجنى من خيار من أنا منه[26].
            وعلى المسلم أن يحب العرب وفقا للأحاديث:
             من غش العرب لم يدخل فى شفاعتى ولم تنله مودتى (الجامع الصحيح سنن الترمذي[27]-3928) - لمن أحب العرب فبحبى أحبهم ومن أبغض العرب فببغضى أبغضهم -أحبوا العرب لثلاث لأنى عربى والقرآن عربى وكلام أهل الجنة عربي[28].
            - وفى مسند أحمد23346 جاء: ... عن سلمان قال: قال لى رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم: يا سلمان، لا تبغضنى فتفارق دينك، قال: قلت: يا رسول اللـه، وكيف أبغضك وبك هدانا الله؟ قال: تبغض العرب فتبغضنى. وذُكر الحديث نفسه فى سنن الترمذى -4096.
            والأفضل بين العرب فى الإسلام التقليدى قريش، ونلاحظ أن العشرة المبشرين بالجنة بالاسم جميعهم من قريش رغم ما قدمه الأنصار من مساهمة حاسمة وأساسية فى انتصار الإسلام[29]، يليهم أهل بدر والحديبية وأهل بيعة الرضوان ومنهم من الأنصار كثير، الذين وُعدوا بعدم دخول النار: لن يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية – مسند أحمد 26637 -لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة – مسند أحمد 14485) والواضح أن المجموعة الأولى أكثر فضلا، حيث ذُكرت بالإسم فردا فردا.
            ومن التصريحات المشهورة لمحمد أنه حين قتل عثمان ابن عبد اللـه ابن ربيعة فى معركة حنين قال: أبعده اللـه فإنه كان يبغض قريشا”[30]. كما خص محمد أهله بالأفضلية على كافة العرب: فقد جاء فى حديث آخر قال: ثم خلق الخلق فاختار من الخلق بنى آدم، واختار من بنى آدم العرب، واختار من العرب مُضر، واختار من مُضر قُريشاً، واختار من قريشٍ بنى هاشمٍ، واختارنى من بنى هاشمٍ، فأنا من خيارٍ إلى خيار، فمن أحب العرب فبحبى أحبهُم، ومن أبغض العرب فببغضى أبغضهُم[31].
             أما سبب تفضيل قريش فليس أمرا يتعلق بعنصرهم، بل بحكمتهم ومكانتهم الدينية حتى قبل الإسلام: ففى مسند الإمام أحمد جاء (16423): إن للقرشى مثلى قوة الرجل من غير قريش. فقيل للزهرى: ما عنى بذلك قال: نبل الرأي[32]، وكانوا قبل الإسلام يسمون أهل اللـه ويسمون سكان اللـه وأهل الحرمة وقطان بيت اللـه... [33]
            وفى ممارسة الشعائر أقر كثير من كبار مفكرى الإسلام أن تُفرض أيضا اللغة العربية، فقال مالك فى (المُدونة): أكره أن يدعو الرجل بالأعجمية فى الصلاة. ولدى النووى لا تجوز القراءة بالأعجمية سواء أحسن العربية أم لا سواء كان فى الصلاة أم خارجها[34] ورأى ابن حزم أن من قرأ بالأعجمية فى الصلاة فلم يقرأ القرآن بلا شك[35].
            وهذه النزعة العنصرية وجدت تأييدا من كثير من الإسلاميين فى العصر الحديث، من السنة خصوصا، ربما لا تكون مجرد ميراث أيديولوجي- مع عدم إنكار هذا العنصر- بل يُضاف إلى دوافعها العنصرية الأوربية ضد الآخرين والرغبة العربية الجامحة للتحرر والتوحد والمواجهات المستمرة بين العرب والغرب العنصرى. أما قديما فقد بلغت العنصرية قمتها فى العصر الأموى حيث اعتبر الأمويون الإسلام دين العرب فرفضوا إسلام "العجم" الذين كانوا يُسمون "الموالي" وفرضوا على من أسلم منهم الجزية ورفضوا أيه مشاركة فى الحكم لغير العرب الأقحاح بل ومنع الحجاج ابن يوسف الثقفى غير العرب من إمامة الصلاة. وقد خفت هذه النزعة كثيرا فى عصر الدولة العباسية التى شارك "العجم" فى إقامتها بل وكان كل خلفائها من أبناء الجوارى "العجم" عدا اثنين فقط.
            ومن الإسلاميين المعاصرين ذهب حسن البنا إلى تفضيل جنس العرب على غيرهم: ”ولسنا مع هذا ننكر خواص الأمم ومميزاتها الخلقية، فنحن نعلم أن لكل شعب مميزاته وقسطه من الفضيلة والخلق، ونعلم أن الشعوب فى هذا تتفاوت وتتفاضل، ونعتقد أن العروبة لها من ذلك النصيب الأوفى والأوفر”، واعتبر أن من أسباب تحلل الدولة الإسلامية انتقال السلطة والرياسة إلى غير العرب[36]. كما أقر أبو الحسن الندوى، وهو هندى، بمركزية الدور العربى تجاه الإسلام والعالم: “والعالم العربى بمواهبه وخصائصه وحسن موقعه الجغرافى وأهميته السياسية يحسن الاضطلاع برسالة الإسلام، ويستطيع أن يتقلد زعامة العالم الإسلامى، ويزاحم أوربا بعد الاستعداد الكامل، وينتصر عليها بإيمانه وقوة رسالته ونصر من اللـه، ويحول العالم من الشر إلى الخير، ومن النار والدمار إلى الهدوء والسلام”[37]. ولأن العرب هم حاملوا الرسالة، فهم حسب ما ذهب د. محمد شوقى الفنجرى أعظم الأمم لأنهم يحملون أعظم الرسالات التى تقدم الطريقة المثلى فى الحياة[38].
            ومع ذلك ليس للعرب تميزا فى الحساب والعقاب على سائر البشر، وهناك الكثير من الأحاديث التى تنفى هذا التميز، فالتميز معنوى فقط، بل وكُتب فى التراث الإسلامى ما يفيد أن غير العربى، كصهيب الرومى وسلمان الفارسى وبلال الحبشى وغيرهم، قد يكون أفضل من آلاف من العرب.. والواضح أن ميزة العرب تتلخص فى قدرتهم على حمل وتوصيل الرسالة الإلهية، وإذا لم يلتزموا بذلك فربما – وفقا للأحاديث- أن تنتقل المهمة إلى غيرهم[39]. فالأولوية تظل للدين ومهمة الدعوة له. ومع ذلك جاء من الأحاديث ما يمنح العرب الحق فى خلافة المسلمين وتمسك العرب لمدة قرون بهذه الميزة، فكانت عملية نشر الإسلام هى أيضا نشر لسلطان العرب. وقد كُلف العرب بمهمة حمل الرسالة للعالم – وفقا للتراث الإسلامي- لأنهم قد امتازوا من بين سائر الأمم بصفات أربع لم تجتمع فى التاريخ لأمة من الأمم، وتلك هى: جودة الأذهان، وقوة الحوافظ، وبساطة الحضارة والتشريع، والبعد عن الاختلاط ببقية أمم العالم.. كما أنهم أطوع للخير، وأقرب للسخاء، والحلم، والشجاعة، والوفاء... أصحاب إباء لا يعرفون التزلف والنفاق وتحمل الاستبداد.. ومما تميز به العرب الصدق، حتى الذين كانوا يحاربون الإسلام ظهر صدقهم فى أمور”[40].
            هكذا أقر الإسلام بتميز الناس إلى عرب و"عجم" دون أن يغير من معنى كلمة عجم، ثم فضل اللغة العربية مرة أخرى مبررا ذلك بأن رسالته قد جاءت بها، وبالتالى منح العرب شرف حمل وتوصيل الرسالة للآخرين، مذكرا أن مكة؛ العربية هى “أم القري”، التى هى أيضا المركزالدينى للعالم كما يفهم من سورة الشورى آية 7 سابقة الذكر. ومكة (البيت الحرام تحديدا) هى قبلة المسلمين فى الصلاة، وهى تحوى البيت الحرام؛ أول بيت وضع للناس من عهد ابراهيم، والذى وضع قواعده آدم نفسه، وتمتد هذه القواعد إلى الأرض السابعة السفلى، وهو يقع تحت عرش اللـه مباشرة ويقابله فى السماء السابعة “البيت المعمور” حيث يطوف سبعون ألفا من الملائكة يتبدلون يوميا[41]. ومن أركان الإسلام أن يحج المسلم إلى مكة مرة فى العمر ل من استطاع إليه سبيلا (آل عمران: 97) . إلى هذا الحد تعد مكة العربية التى صارت أيضا إسلامية، مقدسة. وهى تسمى مع جزيرة العرب ككل إلى الآن بالأراضى المقدسة، وقد منع القرآن "الكفار" من دخول المسجد الحرام بمكة أو مكة كلها وفقا لعديد من المفسرين: يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا (التوبة: 28) كما أوصى محمد – وهذا اعتقاد واسع الانتشار بين المسلمين- بطرد المشركين من جزيرة العرب [42]. وقد قرر الإسلام فى البداية اعتبار المسجد الأقصى بالقدس أرضا مقدسة ولكن بعد عدة سنوات تحولت القبلة إلى ما اعتبر أقدس أرض للإسلام؛مكة العربية، وفيما بعد مع ظهور فرق إسلامية عديدة اعتبرت أراض أخرى مقدسة منها غير عربية، مثل "قم" مثلا. ولكن ظلت أرض جزيرة العرب هى أقدس أراضى الإسلام، وهناك من يزعم أنهل أفضل الأرض لأنها مهد الحضارة، إذ أن أول بيت بُنى فى التاريخ هو المسجد الحرام الذى بناه آدم[43]. ورغم تغاضى السلطات حاليا عن وجود بعض "الكفار" للعمل فى بلاد الجزيرة العربية فإنها تمنع دخولهم إلى مناطق معينة فى مكة والمدينة ويكتب هذا على لافتات معلقة على الطرق، وأى تجاوز لهذا يُعد عملا خطيرا للغاية[44].
            وأضاف النص المقدس لقدسية مكة بعدا آخر؛ فإمام المسلمين كما قرر يجب أن يكون من قريش، وهذا جاء فى أحاديث “صحيحة”فى عرف علماء الإسلام العرب خصوصا، وأخذ بها الغالبية العظمى من الفقهاء والأئمة السنة الأربعة والشيعة بالطبع ولم يخالفها إلا البعض من الخوارج والمعتزلة والأشاعرة وبعض الزيدية. كما يؤمن بها الكثير من عامة المسلمين نظريا وإن كانت غير مطروقة عمليا فى العصر الراهن. وقد جاء فى صحيح البخارى - 3424: لا يزال هذا الأمر فى قريش ما بقى منهم اثنان - ‏‏قريش ولاة هذا الأمر فبر النَّاس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم [45]. وفى مسند الإمام أحمد 4376 يا معشر قريش، فإنكم أهل هذا الأمر ما لم تعصوا اللـه، فإذا عصيتموه بعث إليكم من يلحاكم كما يلحى هذا القضيب،  لقضيب فى يده  ثم لحا قضيبه فإذا هو أبيض يصلد، أى أن أولويتهم مرهونة بعدم معصيتهم للـه.
            كذلك خصت مكة بعدم فرض الخراج على أرضها[46]، رغم فتحها عنوة فى مذهب أغلب الفقهاء. ولم يخير أهلها بين الإسلام أو السيف مثلما ُخير بقية مشركى العرب[47].
            ونجد فى الفكر الإسلامى ما خص حتى "الكفار" من العرب بما يميزهم على نظرائهم من "العجم"، إذ لا رق لعربى وفقا لقسم مهم من الفقهاء منهم مالك وأبو حنيفة والشافعى فى القديم ورواية لأحمد وابن تيمية، وكذلك عمر ابن الخطاب، والبديل هو القتل ما لم يدخلوا فى الإسلام، تكريما لهم. وهذا ما اتفق عليه معظم الفقهاء عدا الشافعى فى مذهبه الجديد ورواية لأحمد، والشوكانى، باعتبار أن القتل أفضل من الاسترقاق.
            ولا نحتاج لكثير من الشرح لتبيان مدى قدسية أهل محمد وخصوصا من يعرفون ب”أهل البيت” لدى الشيعة، بل وأيضا لدى السنة. ومازال الكثير من العرب المسلمين يسمى أنفسهم ب”الأشراف” على أساس أنهم ينتسبون إلى نسب الحسين ابن على و”السادة” لمن ينتسبون إلى الحسن ابن على، ويوجدون فى مختلف البلاد العربية.
            المركزية العربية لغوية أساسا ولم تذهب مذهب المركزية الأوربية ذات النزعة العنصرية إلا فى أضيق الحدود أو فى فترات محددة كما هو مشار إليه أعلاه.. وقد سار الإسلام على نفس الدرب معتبرا اللغة العربية هى “اللغة” بألف لام التعريف، نافيا للتمييز العنصرى بين العرب و"العجم"؛ معلنا أن: لافضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى والعمل الصالح (المسند الجامع -15693) [48]، إن أكرمكم عند اللـه أتقاكم (الحجرات: 13) . وأكد على تعريف العروبة بأنها “باللسان “ أى بمعرفة “اللغة” العربية. هكذا امتدت أفضلية اللغة إلى أفضلية ذى العمل الصالح، أى – بطبيعة الحال – المسلم الحق. وبذا انتقل الإسلام بالمركزية العربية إلى مرحلة أخرى؛ فالبشر ينقسمون الآن إلى مسلمين وغير مسلمين، مع الاحتفاظ بعناصر من التقسيم السابق إلى عرب و"عجم" على أساس أن بعض أقسام البشر (قريش مثلا) اعتبرهم الأكثر حكمة، ومن الجلى أن الحكمة لا تنفصل عن الفصاحة، أى البلاغة.. أى التعبير البليغ بمعنى الواضح والمؤثر فى المستمعين. ومن الأفكار الشائعة لدى العرب اليوم أن لغة قريش هى الأكثر بلاغة بين لهجات العرب ويُضاف أن القرآن جاء بها، مما يتسق مع القول بأفضلية قريش على بقية الناس، رغم أن تفوق لغة قريش ليس مؤكدا، كما أنه ليس من المؤكد أن كل لغة القرآن هي بلسان قريش فهناك كلمات بلهجات أخري من مختلف لهجات العرب كما اختلف ثقاة الصحابة في تقرير اللغة التي كتب بها أهي لغة قريش أم مضر كما أن من المؤكد أن به الكثير من الكلمات المعربة وحتي غير المعربة وفقا لأغلب آراء المتفقهين في هذا الأمر[49].
            وقد غير الإسلام من الأساس الذى كان يحدد “ شرف” القبائل العربية قبله من القرابة إلى خدمة الكعبة مخلوطة بالنفوذ المالى إلى السبق للإسلام والتفانى فى خدمته، مع إعطاء بعض الأهمية الخاصة للمسلمين من أهل محمد.. فصارت الأولوية للأقرب إلى الرسول عقائديا واعُتبر أهله الذين أسلموا أقربهم جميعا. وبذا قام الإسلام ب”تجاوز” التقسيم إلى عرب و"عجم" دون أن ينفيه نفيا مطلقا؛ أى نفاه واحتفظ به فى نفس الوقت؛ هضمه وتجاوزه. ومنذ الآن تصبح المركزية العربية مختلطة تماما بالإسلام.. مركزية إسلامية، ويصبح أساسها ثقافيا يتضمن اللغة العربية وليس لغويا بالدرجة الأولى كما كان، وأصبحت العروبة هى جسد الإسلام. ولأن اللغة العربية أصبحت لغة النص المقدس ولغة أهل الجنة، فقد صارت لغة مقدسة.
 
 


الفصل الثانى: مؤمنون و“كفار"
 
"الفلاسفة.... ولو كانت علومهم الإلهية متقنة البراهين، نقية عن التخمين، كعلومهم الحسابية، لما اختلفوا فيها، كما لم يختلفوا فى الحسابية"
أبو حامد الغزالي
 
 
          * تبدأ المركزية الإسلامية بداية تبدو بسيطة للغاية وتشترك مع بقية الأديان التوحيدية؛فالله هو الإله الوحيد فى العالم، لا يعترف بغيره أبدا وهذا ما نص عليه القرآن والحديث والفقه.. إلخ. فكل الآلهة الأخرى مزورة، وهمية، واللـه هو الإله الوحيد الموجود بالفعل. تقدم هذه كحقيقة وليس كرؤية أتى بها دعاة التوحيد وكل ما عداها يُعد – فى الإسلام – باطلا بل كفرا يستحق العقاب. وهذه عقيدة راسخة كالجبال فى الفكر الإسلامى، رغم أن ما عبده "الكفار" فى أحيان كثيرة واعتبروها "آلهة" كانت موجودة بالفعل وجسمانية غالبا مثل بعض الموجودات الطبيعية كالقمر والزهرة وبعض الحيوانات والأصنام وحتى المسيح نفسه الذى تأنسن حسب عقيدة أتباعه، أما اللـه فليس مجسدا أمام الناس ومع ذلك قرر أنصاره المسلمون إقصاء غيره. وهذه هى البداية المنطقية لإقصاء الآخر وازدرائه والتعالى عليه. ولا يعترف الإسلام بأنه يحق للناس أن تعبد ما تشاء بل يُسمى عبادة غير اللـه شركا وهو جريمة نكراء.. أكبر الكبائر، لا يُغفر أبدا، وإن كان لا ُيجبر أحد على الإيمان بالله: فمن شآء فَليؤمن ومن شآء فَليكفر (الكهف: 29) ، ولكنه لا يعتبر هذا حقا له، فهو خروج على العهد: فالله قد أخذ عهدا من كل مولود بالإيمان به: وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (الأعراف: 172) ولذا يُعد اختيار غير اللـه إلها أو إنكاره خيانة للعهد ولذا لا يتمتع باعتراف الفكر الإسلامى السائد كحق من حقوق الإنسان. واللـه هو قوة كلية الجبروت والسيطرة يعلم كل شيء وقادر على كل شيء وهو خلق العالم من العدم كما يعتقد معظم خاصة وعامة المسلمين، باستثناء بعض العقلانيين الذين رأوا أنه غير قادر على الأفعال اللامنطقية ولا يعرف الجزئيات ورأى بعض الفلاسفة المسلمين المتهمين ب"الكفر" والزندقة أنه لم يخلق العالم فعليا بل منطقيا فحسب باعتباره علته. هذه البداية المركزية المسماه بالتوحيد يعتبرها جل المسلمين حقيقة مطلقة، بدون برهان يدفع البشر عموما للاقتناع بها مثلما يقتنع كل الناس بلا استثناء، مثلا أن النار تحرق الورق!. وقد بذل الإسلاميون على مر التاريخ جهودا مضنية للبرهنة على وجود ووحدانية اللـه وعلى أنه الإله الحقيقى وليس مجرد فكرة بشرية وُكتبت آلاف الكتب والمقالات فى هذا المجال. وبالمقارنة لم يحتج إثبات أن النار تحرق الورق لكتابة أى كتاب أو مقال لأنها فعلا حقيقة واضحة!!.
          ولا يسمح الإسلام للمرء أن يغير الإله المقدس كما سمحت أديان أخرى عديدة ولا يسمح له بتقديس شيء غيره وغير ما يقدسه هو؛أى اللـه، بل يجعل المهمة الوحيدة المقبولة للإنسان أن يخضع ويطيع اللـه فقط. وهذه مجرد مقدمة لإقصاء العقائد والأفكار الأخرى. وهو يشترك فى التوحيد مع الأديان"السماوية" الأخرى ولكنه أكثر منها فى تجريده للإله وفى إبراز وحدته البسيطة والمطلقة، فلا توجد أقانيم مثل المسيحية والإله عالمى وليس قوميا مثل يهوه كما أن اللـه فى الفكر الإسلامى سلطة مطلقة على البشر وليس مجرد معين لهم ومهمتهم الوحيدة فى الوجود أن يعبدوه بالخضوع له، ولا يحق للمرء أبدا أن يعترض على أو يناقش أوامره بل عليه فقط أن ينفذها.
          وفى الممارسة حرص محمد بعد فتح مكة – وفقا للمصادر التاريخية الإسلامية -على تدمير أصنام العرب وقتل سدنتها أو دفعهم للإسلام، كما منع عبادة أية آلهة غير اللـه فى جزيرة العرب. ومن الملاحظ أن الإسلام يميز بين المشركين قاصدا من يعبد غير اللـه والملحدين وبين أهل الكتاب، المتهمين أيضا بالشرك، ولكن اعترافهم بالله منحهم وضعا خاصا فى الإسلام، فشركهم أو كفرهم بدرجة أقل من بقية "الكفار" بسبب قربهم أكثر من توحيد الألوهية أو الاعتراف بالسلطة المطلقة للـه، وسنناقش ذلك بعد.
          * يرى الإسلام السائد؛الأشعرى والسنى منذ القضاء على المعتزلة أن النص القرآنى غير مخلوق، بمعنى أنه أزلى مثل الرب تماما ورغم الإقرار بأنه كلام اللـه يُعد هذا الكلام أزليا؛ فالله متكلم منذ الأزل وكتابه مكتوب فى "لوح محفوظ" لا يتغير ولا يتبدل، رغم تناقض هذا مع فكرة الناسخ والمنسوخ فى القرآن و"مناسبات النزول"، وبالتالى فهذا النص المقدس غير متعلق بالظروف أى ليس تاريخيا وكل من يقول بخلاف ذلك يُعد كافرا من وجهة نظر الخاصة والعامة بخلاف المعتزلة الذين انقرضوا تقريبا وقليلين للغاية من الإسلاميين الأعرض أفقا مثل محمد عبده[50]. وهذا النص يحمل الحقيقة المطلقة ويحوى كل شيء. هذا الكلام الأزلى والمتعالى على الواقع وغير البشرى يقابل كل "كلام" البشر الناقص والتاريخى. وقد تشدد الإسلاميون فى مواجهة كل من تجرأ وتحدث عن تاريخية هذا النص حتى من المسلمين وكان آخر الضحايا هو نصر حامد أبو زيد. ويبرر هذا الفهم للقرآن اعتباره مناسبا لكل الأزمنة والأماكن والظروف.
          ومنذ عثمان ابن عفان صار القرآن طبعة موحدة بعد أن كان عددا من الطبعات أو "القراءات"[51].. اختفت القراءات السبع رغم أن الحديث أقر مشروعيتها. وصار أى اختلاف فى قراءته مبررا لتكفير صاحبه فأصبح للألفاظ نفسها قدسية مرعبة وأصبح المصحف الموحد سيفا. وقد كان توحيد المصحف خطوة كبرى على طريق مركزة الإسلام فصار المرجع اللفظى واحدا تماما. بل يُعد الورق والحبر المكتوب به المصحف مقدسين؛فلا يجب أن يوضع فوقه شيء ولا يجب الجلوس أو الوقوف عليه...
          * دين الفطرة: الإسلام كما قدمه محمد ويؤمن به خاصة وعامة المسلمين هو “ دين الفطرة”: فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة اللـه التى فطر الناس عليها (الروم: 30) . ويستخدم لفظ “حنيف” فى القرآن والحديث بمعنى مسلم. وأصل الكلمة فى اللغة حسب أكثر المصادر هو الانحراف والاعوجاج، واستخدمت قديما بمعنى الميل عن الدين السائد، وهو تعبير لا شك يقلل من شأن “المرتدين” عن أديان الآباء ولكن استخدم اللفظ بعد ذلك بواسطة العرب لوصف المختونين أو الحجاج أو من هم على ديانة ابراهيم الذى اعتبر فى التراث الشرقى القديم خارجا أو مفارقا لدين قومه. وفى الإسلام صار معنى الكلمة هو بالعكس؛ المائل إلى الدين المستقيم أوالمائل عن الباطل إلى الحق، وبذلك صار استخدام اللفظ يعلى من شأن الموصوف به وهو الإبراهيمى أوالمسلم ويقلل من شأن الآخرين؛المشركين، فبدلا من معنى الاعوجاج والخروج على الملة صار هو الاستقامة واتباع الملة الصحيحة[52].
           خلاصة معنى الآية السابقة أن الإنسان يولد مسلما... إنه جزء من طبيعة البشرو ليس مجرد فكر وأيديولوجيا ولا حتى دعوة أو ديانة، وليس نتاجا لواقع محدد فى المكان والزمان؛ إنه كما يؤمن بجزم كل الفقهاء والعامة صالح لكل زمان ومكان. إنه لصيق الصلة ببنية البشر ككائنات حية. وقد أكد القرآن أن اللـه قد أخذ عهدا من كل مولود بالإيمان به كما ذكرنا منذ قليل. إن كل مولود إذن يحمل ضمنا الإيمان بالله أو يعرفه “بالقوة”؛ أى يحمل إمكانية الاعتراف به حين يكبر، ولذلك ذكر القرآن أيضا: واللـه أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون (النحل: 78) . فالمرء يولد لا يعلم شيئا ولكنه حين يسأله اللـه قبل أن يتكون (إذ أخذ اللـه العهد عليهم فى أصلاب آبائهم) يجيب بالإيمان به. إنه يحمل هذه الإمكانية الوراثية للإيمان كما هو واضح فى تعبير “ ظهورهم” الذى استخدمه القرآن. وإذا كان تأويل القرآن قد اختلف من مفسر لآخر فى هذه المسألة، فقد جاء الشرح فى الحديث لما قاله القرآن. فذكر صحيح مسلم (7156) ألا إن ربى أمرنى أن أعلمكم ما جهلتم مما علمنى، يومى هٰذا. كل مال نحلته عبداً، حلال. وإنى خلقت عبادى حنفاء كلهم. وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم. وحرمت عليهم ما أحللت لهم. وأمرتهم أن يشركوا بى ما لم أنزل به سلطاناً. ومن نافلة القول أن معنى “الحنفاء” فى الإسلام يقترب من معنى “المسلمون”، فى مذهب معظم مفسرى القرآن الذين رأوا أن الحنيفية هى الإسلام على دين ابراهيم أو التوحيد للـه ونبذ الشرك.. ويمكن الاستنتاج من مجمل ما كتبه مفسرو القرآن والأحاديث أن الحنيفية هى الإسلام قبل نبوة محمد، يدل على ذلك نص القرآن: ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين (آل عمران: 67) . وفى الحديث: (صحيح البخاري6452 وغيره الكثير)  ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء، وكذلك جاء فى صحيح مسلم (6710): «ما من مولودٍ يولد إلا وهو عليٰ الملة». وفى رواية أبى بكرٍ عن أبى معاوية «إلا عليٰ هٰذه الملة، حتيٰ يبين عنه لسانه». وفى رواية: أبى كريبٍ عن أبى معاوية «ليس من مولودٍ يولد إلا عليٰ هٰذه الفطرة. حتيٰ يعبر عنه لسانه». وقد تم تناول المسألة بنفس المعنى بتفاصيل التفاصيل فى كتب شرح الأحاديث منها فتح البارى وتحفة الأحوذى وعون المعبود وغيرها[53].
          هذا الإسلام”بالقوة” يساوى بتعبير علمى حديث أنه صفة جينية؛وراثية؛ خلقة طبيعية؛ أى فطرة.
          فالإنسان يولد مسلما بالضرورة وإذا اتجه اتجاها آخر يكون إما قد “ضل” الطريق، عن خطأ غير مقصود، وهذا هو المعنى اللغوي[54] أو “غوي” بمعنى أنه ضل عن الحق وهو يعلمه[55]. فأى طريق غير الإسلام هو الطريق الخاطيء مهما بدت نية الشخص. وكل من هو غير مسلم هو “كافر” بالضرورة، لأنه يغطى ويستر الحق سواء عامدا أو “ضالا”. ويعتبر بعض الغلاة أن من الفطرة أن يكون الإنسان من فرقة معينة فى الإسلام؛ فالأصل كما يذهبون أن عامة المسلمين على عقيدة السلف بالفطرة، بلا تلقين ولا تعليم – من حيث الأصل – فكل من لم يلقنه المبتدعة بدعتهم ويدرسوه كتبهم، فليس من حق أى فرقة أن تدعيه إلا أهل السنة والجماعة[56]. ومع أن الإسلام هو الدين بوجه عام؛ سابق على رسالة محمد، أصبح بعدها هو رسالة محمد نفسها، ذلك أنها تستكمل الدين كما أن الأديان السابقة تُعد محرفة من وجهة النظر الإسلامية.. هكذا صار الإسلام هو الدعوة المحمدية، ويُشترط الإيمان بمحمد لكى يكون المرء مسلما حتى لو عمل "الصالح" وآمن بالله؛أى ظل مسلما بالمعنى العام للفظ، مثل ابراهيم وعيسى وموسى... وفقا للقرآن.
          * يلفت النظر أن تعريف المسلم والمؤمن ليس أمرا متفقا عليه بين المسلمين، والخلافات عديدة ليس هنا مجال تحليلها بالتفصيل ولكننا سنأخذ بأكثرها شيوعا وتجريدا[57]. وتتدرج معرفة المرء بالإسلام فى ثلاثة مراحل: الإسلام-الإيمان- الإحسان:
           تعريف الإسلام: أبسط وأوضح تعريف للإسلام ما جاء فى الحديث (صحيح مسلم 79): بنى الإسلام على خمسٍ. شهادة أن لا إله إلا اللـه، وأن محمدا عبده ورسوله. وإقام الصلاة. وإيتاء الزكاة. وحج البيت. وصوم رمضان. وهذا هو التعريف المعتمد لدى الشارع العربي- المسلم، ومما أجمع عليه فقهاء السنة. وشذ البعض من القائلين أن الإسلام يكفى أن يكون بالقلب فقط دون الكلام بينما رأى أغلب "علماء" الإسلام أن النطق بالشهادتين شرط للإسلام بالإضافة إلى الموافقة على بقية الشروط الخمسة، أما ممارسة الصلاة والحج ودفع الزكاة فالبعض يكفر من لا يقوم بها وآخرون يكفرون من لا يعترف بها كمبدأ، والرأى الأخير هو السائد.
          أما الإيمان فهو مرحلة تالية للإسلام وقد اختلف على تحديده مختلف الفقهاء وهو فى الحديث: أن تؤمن بالله، وملائكته، وبلقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث (البخاري-50) ، وفى حديث آخر: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره (مسند الإمام أحمد-190) و لدى أهل السنة وبتعبير أبى حنيفة “ الإقرار والتصديق”. وهو درجة أعلى من الإسلام[58]، وحسب تعبير أبى حنيفة: “هو التسليم والانقياد لأوامر اللـه تعالى”[59]. ويمكن حسب رأى عموم السنة اعتبار الإسلام هو إعلان الإيمان باللسان أما الإيمان فمحله القلب، والإيمان لدى السنة عموما يتضمن الإسلام فهو أيضا عمل، فالإيمان قول وعمل. ولا يكفى لاعتبار شخص ما من المؤمنين أن يؤمن بالله بل عليه كذلك أن يؤمن بالإسلام الذى يعترف بكل الرسل السابقين والملائكة والغيبيات عموما.. إلخ. ويأتى الإحسان بعد الإيمان: وهو ركن واحد، وهو: أن تعبد اللـه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك (البخاري-50) .
          هذه هى المعانى المستخدمة بالفعل فى الثقافة الإسلامية السائدة[60].
         
          * الكفر: الكفر فى اللغة العربية هو التغطية أو الستر [61]. وقد استخدم الإسلام اللفظ العربى بمعناه العام ولكنه أضاف إليه بعدا دينيا خاصا، ف"الكفر" هو تغطية وستر ولكن أصبح المستور فى الاستخدام الإسلامى هو “ الحق” و“نعم الله”. والمرء يغطى أو يستر شيئا موجودا أمامه، أى أنه يعلم أو يدرك الحق ويخفيه أو ينكره.. فلماذا ينكر ما هو أمامه؟ وحسب البعد الدينى الجديد للفظ لماذا ينكر الحق ونعم اللـه عليه؟. يأتى الرد بأنه ضال، منحرف، فاسد. وإن كان لا يعرف الحق فهو موجود فى “فطرته” أى متضمن فى تكوينه نفسه، فإذا لم يكتشفه لا يكون سويا، بل لا يكون عاقلا بما فيه الكفاية وقد اتهمه القرآن بالسفه: وإذا قيل لهم آمنوا كمآ آمن الناس قالوۤا أنؤمن كمآ آمن السفهآء ألاۤ إنهم هم السفهآء ولٰكن لا يعلمون (البقرة: 13) .
          والمثال الخالص للكفر فى الإسلام هو إبليس، الذى يعرف اللـه تمام المعرفة وتكلم معه وخالف أمره بالسجود لآدم، بل وتحداه علنا وقرر أمامه أن يحاربه حتى النهاية بإغواء البشر وحرفهم عن طريقه، أى تضليلهم.. فهو قطب "الكفر" بلا منازع. إنه يعرف اللـه كما يعرف أن مصيره جهنم حيث العذاب الأبدى، ومع ذلك لا يبالى ولا يخاف. إنه "الكفر" بالمعنى الدينى الخالص للفظ: يعرف الحق وينكره. والحق هنا هو نعم اللـه عليه وعلى العالمين، ولا يكتفى بتجاهلها وعدم شكر اللـه بل أيضا يحاربه. ولذلك استحق ابليس أن يكون رئيسا بلا منازع للحزب الذى كونه؛ حزب الشيطان.
          "الكفر" عكس الإيمان؛ الذى هو درجة عليا من الإسلام، وهو مرض عضال ولذلك لا يكون الإسلام كفرا بالنسبة للعقائد الأخرى، ليس فقط لأنه صحيح، بل وبالأساس لأنه فطرى؛ جينى ولذا فهو لا يُعد عقيدة سليمة فحسب وليس فقط العقيدة الوحيدة السليمة بل العقيدة التى يدرك كل البشر إدراكا فطريا أنها كذلك مالم يتعرضوا “لغسيل مخ” من قبل أولى أمرهم. وهذا هو حجر الزاوية فى الفرق بين الإيمان و"الكفر"، فالفرق ليس نسبيا وبالتالى ليس متبادلا وليس مُعتبرا فى الإسلام حكم قيمة، بل حقيقة مطلقة تحتوى عليها فطرة كل الناس سواء كانوا على وعى بها أم لا: إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون. ختم اللـه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (البقرة: 6- 7) . والبعض منهم يكفر بوعى كامل فهم يقولون على اللـه الكذب وهم يعلمون (آل عمران: 75) .
          و"الكفار" هم مفسدون بالضرورة وبغض النظر عن قناعتهم: وإذا قيل لهم لا تفسدوا فى الأرض قالوا إنما نحن مصلحون. ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (البقرة: 11- 12) . اذن "الكافر" مهما اعتقد بأنه صاحب رأى وحسن النية ولا يقصد إنكار الحق ولكنه غير مقتنع لسبب أو آخر ليس إلا فاسدا أو مريضا.. إنه ليس “مختلفا” بل عدوا بالضرورة حتى لو لم يحارب الإسلام عمليا.
           * أما الهدى والضلال فمن الله: من يهد اللـه فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً (الكهف: 17) ومن يضلل اللـه فلا هادى له ويذرهم فى طغيانهم يعمهون (الأعراف: 186) . ولو شاء اللـه لجعلكم أمةً واحدةً ولكن يضل من يشاء ويهدى من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون (النحل: 93) [62]. ويفهم معظم “علماء”الإسلام من ذلك أن اللـه هو الذى يضلل “الكافرين" ويهدى من يشاء من الناس، ضد الفكر المعتزلى الذى هُزم وسحق أنصاره بقسوة فى العصر العباسى وحديثا حين تراجع إلى الظل فكر محمد عبده المتأثر به وتلاميذه ويتم حاليا سحق أنصاره الجدد بقسوة مماثلة. ف"الكفر" ليس محض اختيار حر وليس وجهة نظر، بل قدر مكتوب على أناس بعينهم.. شيء يشبه الأمراض الخلقية، بالضبط مثلما أن الإسلام فطرى أو جينى، فقد خلق اللـه - كما ذهب سيد قطب - الناس باستعدادات متفاوتة، نسخا غير مكررة ولا معادة، وجعل نواميس للهدى والضلال، تمضى بها مشيئته فى الناس[63]. ولتأكيد الإرادة الإلهية فى ذلك يقول القرآن: لا يهدى القوم الكافرين (النحل: 107) ، لا يهدى القوم الظالمين (القصص: 50) ، إن اللـه لا يهدى من هو كاذب كفار (الزمر: 3) ، إن اللـه لا يهدى من هو مسرف كذاب (غافر: 28) ، واللـه لا يهدى القوم الفاسقين (الصف: 5) . هذه الآيات لها مناسبات معينة وكل منها يقصد فئة بعينها من "الكفار"لا يريد اللـه أن يهديها. والقرآن يكون مقبولا من “ الذين آمنوا”: قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون فى آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد (فصلت: 44) ، والخلاصة أن اللـه يريد أن يكون هناك “كفار” ومؤمنين: هوَ الذى خلقكم فمنكم كافر وَمنكم مؤمن (التغابن: 2) ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (يونس: 99) ، وعن الآية: وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم (الأعراف: 172) ذكر فى الأحاديث: إن اللـه خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون. فقال رجل: يا رسول اللـه ففيم العمل ؟ فقال: إن اللـه إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل به النار (مسند أحمد - 313) .
          والجدل فى هذه المسألة كان واسعا فى العصرين الأموى والعباسى ولكن منذ انتصر الأشاعرة لم تعد القضية مطروحة بنفس الأهمية، فالفكر الإسلامى السائد يتخذ الموقف الأشعرى القائل بأن اللـه قد منح الإنسان حرية اختيار قراره وبالتالى هو مسئول عنه رغم أن اللـه هو الذى اختار له منذ البداية الاستعداد لهذا القرار أو ذاك كما قال سيد قطب كما رأينا. فالإنسان لدى الفكر الإسلامى القديم والمعاصر السائد مخير ومسير فى الوقت نفسه، وإرادته غير مستقلة عن إرادة الله[64].
          وقد ُحدد وفقا للقرآن والحديث لكل امرء منذ البدء مصيره فى الآخرة: ففى القرآن:
          لله ما فى السموات وما فى الأرض وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللـه فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء واللـه على كل شيء قدير (البقرة: 284) [65]. أما فى الحديث: صحيح البخارى (3138): إن أحدكم يجمع خلقه فى بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث اللـه إليه ملكاً بأربع كلمات فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقى أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح فوالذى لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها. وفى مسند الإمام أحمد - 15833: يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر فى الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة فيقول يارب أشقى أو سعيد فيكتبان فيقول يا رب أذكر أو أنثى فيكتبان ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص رواه مسلم أيضا. وفى صحيح مسلم (6719) عن عائشة رضى اللـه عنها قالت دعى رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم إلى جنازة صبى من الأنصار فقلت طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه فقال: أو غير ذلك يا عائشة إن اللـه خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم فى أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم فى أصلاب آبائهم.
          والاتجاه الغالب فى الإسلام يقر أن المسلم يُحاسب يوم القيامة على أعماله لموازنة الحسنات بالسيئات، أما "الكافر" فلا يُحاسب اللهم إلا لتبيان فساده وزيادة عذابه، فبتعبير ابن تيمية: "الكافر لا حسنات له توزن بسيئاته"[66]، وكل أعماله سيئات بغض النظر عن مضمونها، لأنه "كافر" بالله مبدئيا. وهذه العقيدة غالبة وسط المسلمين. ويختلف المعتزلة والكرامية الخوارج والبراهمة فى ذلك لاعتبارهم الحسن والقبيح وصفا ذاتيا للأفعال، وبعضه مدركا بالعقل كالكذب، وبعضه بانضمام الشرع كالطهارة والصلاة. والحسن والقبح يجب معرفتهما بالعقل واعتناق الحسن واجتناب القبيح واجب كذلك‏ ويترتب على ذلك أن "الكافر" قد يقوم بأعمال حسنة. ويقبل الشيعة الإمامية بدور العقل فى تحديد الحسن والقبيح ولكن فى حدود الحدود؛ فالعقل يحدد الحسن والقبيح فى أعم القضايا التى يتفق فيها الشرع أيضا ولم يُفترض حدوث اختلاف بينهما. بينما ذهب المعتزلة إلى أنه إذا اختلف العقل مع الشرع وجب تأويل النص الدال على الشرع أو رده. ‏
          والمدرك بالعقل يساوى المحدد بمحتوى الفعل لا بأصله الشرعى، بغض النظر عن نية صاحبه، وتكون بالتالى المرجعية هنا بشرية، وهو ما تجاوزه الفكر الإسلامى قديما مع هزيمة المعتزلة وحديثا مع انحسار فكر محمد عبده. وصارت الأعمال بالنيات أو بالقصد منها وهذا هو الأساس النظرى لرفض القيم غير المستندة للشرع الإسلامى حتى لو كانت “نبيلة” وفقا للعرف البشرى فى وقت أو آخر، فالحسن ما يتم من أجل عبادة اللـه والقبيح يكون من أجل الدنيا، فهما يُحددان بالشرع، وبتعبير البزدوى "حكم الأمر موصوف بالحسن عرف ذلك بكونه مأمورا به لا بالعقل نفسه إذ العقل غير موجب بحال"[67]. فما يقوله اللـه والرسول هو الحق بغض النظر عن محتواه. وإن كان الفقهاء الذين أخذوا بالقياس قد اهتموا أشد الاهتمام بالكشف عن علل الأحكام فلم يكن غرضهم تقييم النصوص بل مجرد استخدام تلك العلل المفترضة كأساس لإصدار أحكام فقهية غير منصوص عليها مباشرة فى النص. ومن نافلة القول أن نقد أو تقييم النص المقدس من المحرمات فى الفكر الإسلامى.
           * "الكافر" مدان وليس مجرد مختلف أو صاحب رؤية أخرى، وهو أيضا ليس مجرد عدو للإسلام لأنه مخالف له، بل هو بالضبط: مدان.. منحرف.. إلى آخر مختلف أحكام القيمة التى يتعامل بها الإسلام كأحكام مطلقة.
          أما المرحلة السابقة على الدعوة المحمدية فى جزيرة العرب فتسمى فى الإسلام ب “الجاهلية”.. واللفظ مشتق من الجهل. وليست مجرد الفترة الزمنية هى المقصودة، بل العادات والأفكار التى نفاها الإسلام.. ولذلك تسمى نفس الأفكار أو العادات أو ما يشبهها بعد الإسلام بالجاهلية أيضا. لقد حقق الإسلام من وجهة نظره “قطيعة” مع “الجاهلية” وأصبح ينظر إليها كسلوك ضال ومفسد، وبالتالى مدان تماما. الأمر لم يفسر كإنتاج لعصر وملابسات موضوعية معينة أو فى سياق تاريخى ما، بل كشيء مدنس؛ كجهالة. وتصور الفترة السابقة على الإسلام فى الثقافة الإسلامية على أنها فترة مظلمة وليس بها إلا الفساد والظلم، أو على الأقل هذه هى الصورة الراسخة فى أذهان عامة المسلمين ومعظم خاصتهم.
          كل هذا منصوص عليه بوضوح ليس فقط فى النص المقدس، بل أيضا وبكثافة فى كتب التراث الإسلامى القديم والحديث والمعاصر سواء فى أعمال “المتطرفين” أو “المعتدلين” وحتى فى الخطاب الرسمى الحكومى العربى. ويلجأ البعض من حين لآخر إلى آيات من القرآن توحى بعكس ذلك، مثلا الآيات التى تمدح المسيح والرهبان... إلخ، متناسيا أنها آيات لا علاقة لها بتحديد مفهوم "الكفر" و"الكافرين" والأهم، متناسيا الكم الهائل من التراث الإسلامى المتوفر بكثافة فى وسائل الإعلام والأكثر أهمية متجاهلا قناعاته التى يعبر عنها باستمرار[68].
          * وماذا عن الأديان السابقة؟ يجيب بأنها كانت “لحظات” – اذا استعرنا التعبير من علم المنطق- من الإسلام.. فالأنبياء السابقين كانوا هم أيضا مسلمين: (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين (آل عمران: 67) - فلما أحس عيسى منهُمُ الكفر قال من أنصارى إلى اللـه قال الحواريون نحنُ أنصارُ اللـه آمنا بالله واشهد بأنا مُسلمُون (آل عمران: 52) - أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون (البقرة: 133) [69]، وجاء فى الحديث: والأنبياء إِخْوة لعَلاّتٍ أمَّهاتُهم شَتّى ودِينُهم واحد (البخارى -3370) ولكن أتباعهم قاموا بتحريف الكتب المقدسة عمدا، فالدين واحد هو الإسلام وإن اختلفت الشرائع من مرحلة لأخرى بعض الاختلاف. وقد قُتلت مسألة تحريف التوراة والإنجيل بحثا من قبل الإسلاميين واختلفوا فيها فاعتبر بعضهم أن التحريف يعنى التأويل وذهب آخرون إلى أنه يعنى تحريف النصوص. وأيا كان الأمر اتفق الجميع على أن الرسالة المحمدية هى الخاتمة وأن كل من لا يؤمن بها من أهل الكتاب يُعد "كافرا"، ويتفق جل المسلمين عامة وخاصة فى العصر الراهن على أن التوراة والإنجيل محرفان.
          وقد أرسل اللـه الرسل إلى كل الأمم ولذلك فلا حجة لأحد أنه لم يتلق الرسالة الإلهية:
          ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (يونس: 47) . وبعد أن جاء الإسلام ُأعلمت به أمم الأرض فأصبح لا حجة لأحد بعدم العلم اللهم إلا من رباه أبواه على "الكفر" ولم يسمع عن الرسالة “الحق”.
          فى البدء كان الإسلام يمدح النصارى وغيرهم: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (البقرة: 62) .
          ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذى أُنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (العنكبوت: 46)
          ولكن فى النهاية حدد موقفه بشكل قاطع، مقررا أن اليهود والنصارى كفارا ومشركين:
          وقالت اليهود عزير ابن اللـه وقالت النصارى المسيح ابن اللـه ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم اللـه أنى يؤفكون. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللـه والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (التوبة: 30 -31)
          لقد كفر الذين قالوا إن اللـه هو المسيح ابن مريم (المائدة: 72)
          لقد كفر الذين قالوا إن اللـه ثالث ثلاثة (المائدة: 73)
          ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين (آل عمران: (85)
          إن الدين عند اللـه الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ومن يكفر بآيات اللـه فإن اللـه سريع الحساب (آل عمران: 19) .
          فحتى المؤمنين بالله بطريق تخالف الإسلام لا يُعدون من المؤمنين بل "كفارا" بل ومشركين بدرجة من الدرجات.
          وقد حلل ابن تيمية تفصيلا كفر اليهود والنصارى فى كتابه: ”اقتضاء الصراط المستقيم”، معتبرا أن “كفر اليهود أصله عدم العمل بالعلم، وكفر النصارى أصله عملهم بلا علم”. وقد ذهبت الأغلبية الساحقة من الفقهاء و"العلماء" قديما وحديثا إلى تكفير اليهود والمسيحيين، سواء من المتشددين أو المعتدلين، ولم يخرج على هذا سوى أقل القليل الذين فسروا القرآن بمرونة أكثر تأويلا لمقاصده، مثل محمود شلتوت ومحمد سعيد العشماوى وأحمد صبحى منصور وآخرين من العلمانيين الإسلاميين المعاصرين، إلا أن الرأى العام المسلم لم ينظر إلى "أهل الكتاب" إلا ك"كفار" سواء فى الماضى أو فى الحاضر. وإن هذه النظرة ل"أهل الكتاب" عميقة تماما فى الثقافة الإسلامية على مدى التاريخ.
          ورغم أن الإسلام قد وصف اليهود والنصارى بالشرك كما توضح آيات سورة التوبة المذكورة آنفا، إلا أنه قد ميز بين المشركين ومن أسماهم أهل الكتاب، قاصدا اليهود والنصارى. فالأخيرون رغم أنهم مشركون إلا أن لديهم بعض القناعة بوحدانية اللـه ولديهم كتاب سماوى رغم أنه محرف فيما ذهب القرآن إلا أن هناك قناعة لديهم أنه من عند اللـه كما أن منهم من يلتزم بتعليمات كتابه قبل تحريفه.. إلخ. ويستخدم القرآن والحديث "الكفر" والشرك بنفس المعنى فى مواضع وبمعنيين مختلفين فى مواضع أخرى. وأكثر الفقهاء اجتهادا؛أبو حنيفة وتلاميذه، ذهب إلى اعتبار اليهود والنصارى “كفار” ولكن ليسوا مشركين، باعتبار الشرك بالتعريف هو اتخاذ إله آخر مع اللـه، فيما ذهب. واعتبر الإسلام "الكفار" من أهل الكتاب أفضل من غيرهم من "الكفار"لأنهم أقرب للإسلام، خاصة المسيحيين: لتجدن أشد الناس عداوةً للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون (المائدة: 82) ، وفى الحديث: من أسلم من أهل الكتاب؛ فله أجره مرتين، وله مثل الذى لنا، وعليه مثل الذى علينا، ومن أسلم من المشركين، فله أجره، وله مثل الذى لنا، وعليه مثل الذى علينا [70].
          والموقف المعادى عقائديا لأصحاب الأديان الأخرى إنما يشير إلى أن الإسلام السائد يعتبر الإيمان برسالة محمد أهم-عمليا- من الإيمان بالله، ذلك أن على المؤمنين أن يصدقوا محمد. وقد كان "الكفار" فى مكة يؤمنون بالله ودارت المعركة الرئيسية مع الإسلام حول نبوة محمد، أى سلطته عليهم؛الدينية و"الدنيوية" بالطبع لأنه شرع فى كل المجالات تقريبا. وبعد محمد صار التصديق برسالته شرطا لاعتبار المرء غير "كافر" حتى لو لم يدخل الإيمان فى قلبه وهو وصف القرآن للأعراب: قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان فى قلوبكم وإن تطيعوا اللـه ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً إِن اللـه غفور رحيم (الحجرات: 14) . ونتذكر هنا كلام ابن تيمية[71] وغيره حول "كفر" حتى من يتصف بالورع والزهد والعبادة والعلم كالأحبار والرهبان وغيرهم مهما كان خلقه ووداعته. فرغم حبه للـه وسلوكه "الإنساني" ُيعده الإسلام "كافرا" لأنه لا يؤمن بنبوة وبالتالى برسالة محمد. فالإيمان فى الفكر الإسلامى السائد يُقصد به الإيمان بطريقة الإسلام بالذات، أما الطرق الأخرى فى الإيمان فتُعد كفرا لدى مجمل المسلمين. وبكلمات ابن تيمية: " الكفر يكون بتكذيب الرسول فيما أخبر به، أو الامتناع عن متابعته مع العلم بصدقه، مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم"[72].
          * الإيمان والإسلام بالمعنى اللاحق لرسالة محمد مقابل "الكفر".. هذا هو ملخص تقسيم جل المدارس الإسلامية للبشر. والمسلمون هم فقط أصحاب الدين الحق أما غير المسلمين ف”كفار”. أما تعريفه للكفر فظل هو تعريف اللغة العربية؛ لغة القرآن، مع إضافة البعد الدينى للمعنى... وهو ما يلخص أساس علاقة الإسلام بالعالم؛ بالآخر، ومما يجدر التأكيد عليه أن الآخر هذا لدى الإسلام ليس مجرد آخر بل عدو اللـه.. المتمرد عليه "الكافر" بنعمه.. المستحق للعذاب سواء بواسطة اللـه نفسه أو المسلمين: قاتلوهم يعذبهم اللـه بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (التوبة: 14) . وهذا التعبير؛عدو اللـه يُستخدم كثيرا فى وصف "الكفار" أو المتهمين ب"الكفر".. وبالطبع يكون عدو اللـه عدوا للمسلمين، والعكس بالعكس، فعدو المسلمين هو عدو اللـه قطعا.
          وإذا كان الإيمان هو نقيض "الكفر" فالإسلام هو خروج من "الكفر" وهو اعتراف بالحق.. هدى حتى لو لم يصل المرء إلى درجة الإيمان الفعلى: قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان فى قلوبكم (الحجرات: 14) . فالمؤمن مسلم بالضرورة ولكن المسلم قد لا يكون مؤمنا حقا أو ناقص الإيمان ولكنه قرر أن يعترف بأركان الإسلام. و"الكفر" ليس إنكار الخالق بالضرورة بل يمكن أن يشمل أولئك الذين ينكرون أحد أركان الإسلام [73]، حسب الغالبية العظمى من كبار الفقهاء.
          وقد تناول الفقه قضية "الكفر" بقدر كبير من الاهتمام ومع ذلك لم يتفق الفقهاء على معناه تحديدا. فالمسلم أيضا يمكن أن يصبح "كافرا" رغم ادعائه الإسلام: بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسى كافراً، ويمسى مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا (مسلم- 273) ، كما أن منكر الدين يمكن أيضا ألا يُعتبر "كافرا" لدى قليل جدا من العلماء الأوسع أفقا مثل بعض المعتزلة كالجاحظ والعنبرى، وحديثا الشيخ شلتوت وجمال البنا..، ف"الكفر" لديهم يتطلب ليس فقط إنكار الإسلام بل أن يتم هذا بعناد واستكبار، أى بعد أن يُبلغ الدعوة الإسلامية “الصحيحة” ويدركها ثم ينكرها عندا، ويُضرب المثل فى هذا الخصوص بإبليس الذى يعرف اللـه تماما ويصر على معصيته ومحاربته، فهو أبو "الكفر" بلا منازع[74]. و"الكفر" نفسه ينقسم إلى "كفر" أصلى و"كفر" ردة والثانى أغلظ بإجماع السنة والشيعة جميعا، وهناك تقسيمات أخرى إلى "كفر" أكبريخرج من ملة الإسلام و"كفر" أصغر لا يخرج صاحبه من الملة لدى الغالبية، "كفر" قولي- فعلي-اعتقادى، "كفر" النعمة مقابل "كفر" الكِبَر، وقسمه بعض الفقهاء إلى "كفر": تكذيب - استكبار وإباء مع التصديق - إعراض - شك - نفاق، بخلاف "كفر" الردة. إلخ. وهناك من يميز بين "الكفر" والشرك لدى غير أهل الكتاب، والشرك نفسه يُقسم إلى شرك أكبر: شرك الدعوة - شرك النية والإرادة والقصد- شرك الطاعة- شرك المحبة، وشرك أصغر مثل القسم بغير اللـه أو الرياء، والشرك الخفى.
          ولكن اتفقت الغالبية العظمى من المسلمين - كحد أدني- على أن من يعلن أنه غير مسلم هو “كافر”، وهذا هو المعنى الذى سنأخذ به فى هذا الكتاب وهو ما يحقق الغرض منه.
***


الفصل الثالث: الأمة المختارة
 
"لو كان الناس متفقين على طريقة واحدة، ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء، لم يكن فرقانًا بين الحق والباطل، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان"
سليمان ابن عبد الوهاب
 
 
          الإسلام كما ُيقدم هو كلام اللـه وهو الحقيقة المطلقة والنهائية وهو العدل المطلق والخير المطلق. وفى العالم يوجد الخير والشر، أما الخير فمن اللـه وأما الشر فمن وسوسة الشياطين. اذن يوجد حزبان فى الكون: حزب الله: لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد اللـه ورسوله… أولئك حزب اللـه ألا إن حزب اللـه هم المفلحون (المجادلة: 22) وحزب الشيطان: استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر اللـه أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون (المجادلة: 19) . والحزب الأخير هو حزب إبليس؛ وهو النموذج النقى للكفر البين كما أشرنا. إذن ينقسم العالم إلى قطبين: “مؤمنين” و“كفار” هو الذى خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن (التغابن: 2) .
          والنفس البشرية تحمل “ فجورها وتقواها” أى يمكن أن تمارس الشر أو الخير. وقد خلق اللـه البشر والجن ليعبدوه فحسب: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (الذاريات: 56) وهذه العبادة تعنى لدى جل المسلمين طاعته الكاملة، أى اتباع الدين. ولما كان “الدين” بألف لام التعريف هو الإسلام جاء فى أزمنة مختلفة وب”طبعات “مختلفة، وجب على البشر، وكذلك الجن، أن يتبعوه.
          إن القرآن ُيعد فى الإسلام آخر الكتب السماوية وهو أفضل الكتب على الإطلاق سواء الدينية أو غيرها وأفضل البشر هو من يدرس القرآن: إن خيركم من علم القرآن أو تعلمه (مسند الإمام أحمد- 414) . كذلك يحتوى القرآن على كل شيء وهذه عقيدة راسخة لدى عامة المسلمين وفقهائهم، بل وأقرها القرآن نفسه: ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء (النحل: 89) . ما فرطنا فى الكتاب من شيء (الأنعام: 38) . وبالتالى يملك المسلمون الحقيقة المطلقة ودينهم هو المعيار المطلق للخير والشر والصح والخطأ. هذه فكرة مستقرة فى الفكر الإسلامى على مدى التاريخ. وإن اختلف الإسلاميون فى حيز الاجتهاد المسموح به فوسعه البعض وضيقه البعض أيضا، فالكل يقر بأن النصوص المقدسة قدمت كل شيء أساسى وتضمنت أسس الاجتهاد نفسه. ورغم التلاعبات اللغوية بغرض البرهنة على أن الإسلام يدعو للتفكير والاجتهاد لا يستطيع أحد من جمهور الإسلاميين على مدى العصور نفى أن الإسلام يقدم الحقيقة المطلقة والنهائية والكاملة، وأنه صالح لكل زمان ومكان.. وهذا مفهوم مركزى فى المنظومة المعرفية الإسلامية بكافة مدارسها.
          ولما كان العالم ينقسم إلى مسلمين و“كافرين” صار من المنطقى أن يميز اللـه المسلمين على الحزب الآخر؛ حزب الشيطان. ولما كانت الدعوة المحمدية هى آخر الدعوات الدينية، يكون الإسلام المحمدى هو الدين النهائى؛ الحق المطلق. وبناء على ذلك يكون المسلمون وقت نزول القرآن هم حملة الحق المطلق والنهائى، لذلك هم ليسوا فقط – وهذا من نافلة القول – خير البشر، بل هم أيضا خير أمة فى التاريخ.. خير أمة أخرجت للناس (آل عمران: 110).
          وقد اختلف فى تفسير هذه الآية مختلف المفسرين قديما وحديثا فذهب بعضهم إلى أن المقصود هم من هاجروا مع محمد إلى المدينة. أما أغلبهم فرأى أن المقصود هى أمة محمد عموما، ومن هؤلاء ابن كثير: "يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم... وهكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطية العوفى وعكرمة وعطاء والربيع ابن أنس". وكذلك الشوكانى الذى قال: ” وقيل معناه: كنتم فى اللوح المحفوظ، وقيل: كنتم منذ آمنتم. وفيه دليل على أن هذه الأمة الإسلامية خير الأمم على الإطلاق”[75] ومن المحدثين سيد قطب، قال فى الظلال: ” إن التعبير بكلمة “أخرجت” المبنى لغير الفاعل، تعبير يلفت النظر. وهو يكاد يشى باليد المدبرة اللطيفة، تخرج هذه الأمة إخراجا؛ وتدفعها إلى الظهور دفعا من ظلمات الغيب، ومن وراء الستار السرمدى الذى لا يعلم ما وراءه إلا اللـه.. إنها كلمة تصور حركة خفية المسرى، لطيفة الدبيب. حركة تخرج على مسرح الوجود أمة. أمة ذات دور خاص. لها مقام خاص، ولها حساب خاص: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) .. وهذا ما ينبغى أن تدركه الأمة المسلمة؛ لتعرف حقيقتها وقيمتها، وتعرف أنها أخرجت لتكون طليعة، ولتكون لها القيادة، بما أنها هى خير أمة.. ”.
           وحين قرر القرآن ذلك لم يكن المسلمون، شاملين من هاجروا مع محمد، أكثر الشعوب علما أو صناعة، ولكن المهم أنهم الأكثر طاعة للـه. ومن أولى الأوامر الإلهية التى يجب على أمة الإسلام تنفيذها نشر الإسلام فى ربوع الأرض، فالأمة الإسلامية ليست خير أمة لإيمانها فحسب، بل لأنها مكلفة بمهمة نشر “الحق” و“العدل”: تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر (آل عمران: 110) . فهى أمة العدل وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً (البقرة: 143) ومعنى الوسط هنا هو “العدل” [76]. والعدل يُقدم كمفهوم مجرد ومطلق وكأن معناه متفق عليه بين عموم البشر.
          أما قائد هذه الأمة وخاتم النبيين (الأحزاب: 40) ، فهو سيد الخلق أجمعين، وهو معصوم من الخطأ بإجماع شبه كامل  من المسلمين فقهاء وعامة على مر العصور، وحتى أخطاؤه تُفسر غالبا على أنها مقصودة لتعليم الناس ولتبيان أنه مجرد بشر يصيب ويخطئ. وشخصية الرسول فى الإسلام شخصية محورية خاصة أن العرب كانوا يؤمنون بوجود اللـه قبل الإسلام وكان الخلاف الأساسى مع محمد هو نبوته، ولذلك مثلا رأينا أبا سفيان عند فتح المسلمين لمكة يوافق على إعلان إيمانه بالله قائلا: لا إله إلا اللـه، ولكن إعلان إيمانه بمحمد كان شاقا عليه فقال: ” أما هذه واللـه فإن فى النفس منها حتى الآن شيئاً “[77]. وكان محمد يدعو الناس للإيمان به قبل أن يقدم لهم الإسلام كاملا والذى أعلنه على مراحل امتدت عشرين سنة، أى يدعوهم لما يقول وما سيقول ويفعل فى المستقبل، أى منحه ما يشبه “شيكا على بياض”. وقد اهتم الفكر الإسلامى منذ عهود مبكرة بإبراز محورية محمد لا بالنسبة للإسلام فحسب بل بالنسبة للعالم ككل؛الوجود كله. وقد بدأ القرآن نفسه بالقول بأن محمدا مذكور فى التوراة والإنجيل والذين حرفهما اليهود والنصارى حسب قوله. وذكرت السيرة النبوية التى تفنن فى كتابتها مئات من المسلمين ما يدل على حدوث معجزات يوم ميلاد محمد منها ما ذكرته الجن لأصحابها من البشر، ومما ذُكر أن أحدهم قال”لا إله إلا الله”، وغيره أبلغ صاحبه أن النبى المنتظر قد بُعث “ من لؤى ابن غالب”.. [78]. بل قيل إن إبليس قد “رن أربع رنات‏: ‏ حين لعن، وحين أهبط، وحين ولد رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم، وحين أنزلت الفاتحة”[79]. كما علم بعض اليهود بخبر مولده كرسول المستقبل وأعلنوا ذلك[80]. هذا بخلاف ما رأه النجاشى وما حدث من إضاءة قصور الشام وارتجاس إيوان كسرى، وسقوط أربع عشرة شرفة منه، وخمدت نار فارس. كما غاضت بحيرة ساوة[81]، وذُكرت عشرات المعجزات الخرافية الأخرى الأرضية والكونية[82]. ولا شك أن محمدا يحتل فى الفكر الإسلامى مكانة تالية مباشرة للرب نفسه، وصفه محمد قطب مثلا بأنه أكمل شخصية وأعظم شخصية فى الوجود البشرى كله من بدائه إلى منتهاه[83]، وهو ما يردده منذ ظهور الإسلام كل المسلمين على وجه الأرض. ووفق للإسلام لا يكون المرء مؤمنا بمجرد إعلان إيمانه بالله، بل لابد أن يعلن أيضا إيمانه بأن “محمد رسول الله”.
          وقصة خير أمة لا تنتهى بمجرد الإعلان عنها، بل يترتب عليها أن هذه الأمة عليها واجب ولها الحق أن تقود البشرية لتحقيق خلافة اللـه على الأرض. فهى ليست خير أمة فى ذاتها، بل لأن أبناءها يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.. وهذا شرط لاعتبارها خير الأمم، والمعروف هنا ليس شيئا آخر سوى تعليمات الإسلام، أى باختصار الإسلام ذاته. فهى أمة فى مهمة مقدسة مكلفة بالنضال ضد "الكفر" وهزيمته وتحقيق السيادة لشرع الإسلام. وإذا كان من المستحيل تحقيق السيادة للإسلام دون أن يتمثل فى أمة، فمن المنطقى أن تكون السيادة المطلوبة هى سيادة المسلمين. فأمة محمد لا توجد “بالفعل” أو لا توجد “وجودا حقيقيا” - بتعبير سيد قطب - إلا أن تقوم بالمهمة المقدسة المشار إليها: ” فإما أن تقوم بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر - مع الإيمان بالله - فهى موجودة وهى مسلمة. وأما أن لا تقوم بشيء من هذا فهى غير موجودة، وغير متحققة فيها صفة الإسلام”[84]. إذن الأمة الإسلامية تظل كذلك “فى ذاتها” حتى تقوم برسالتها فتصبح “لذاتها”؛تتحقق كخير أمة أخرجت للناس. المعنى أن أمة الإسلام لم توجد لتعيش فى حياد مع الآخر، بل لتناضل من أجل تحويله إما للإسلام كعقيدة أو للإسلام كنظام حياة، أما إذا تقاعست عن مهمتها فتفقد شرط اعتبارها خير أمة.
          والمعنى يختلف تماما عن “شعب اللـه المختار”لدى اليهود.. فخير أمة بشرط أن تناضل "الكفر" وتسلسل "الكفار" كما ُذكر فى الحديث.
          ولكن كيف تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ جاء الشرح فى الحديث بنفس المعنى وبألفاظ أكثر حزما:... عن... {كنتم خير أمة أُخرجت للناس} (آل عمران: 110) - قال: خير الناس للناس، تأتونَ بهم فى السلاسل فى أعناقهم حتى يدخلوا فى الإسلام (البخاري-4439) ، فالأمر بالمعروف.. إلخ يكون ضد دار الكفر بالجهاد فى سبيل اللـه بأنفسهم وأموالهم[85]، ولكن إذا أتى يوم استضعفت فيه أمة محمد فقد منحها الإسلام وسائل متعددة للأمر بالمعروف فكان مرنا ورحيما بها: ”من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه. فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان (مسلم-140) . كما يكون الأمر بالمعروف... كذلك فى دار الإسلام وموجها للمسلمين ولذلك ذكر اليد واللسان والقلب لاختيار الأداة المناسبة لكل حالة.
          أما الكلام المنمق عن التعايش السلمى والتعاون الدولى وقبول الإسلام للآخر فلا يستند لأرضية نظرية حقيقية، خاصة أن الفقه الإسلامى لم يتغير بقدر يُذكر منذ قرون بل ولم تتغير المفاهيم التى يأخذ بها عامة المسلمين وخاصتهم ولا يستطيع أى من مفكرى الإسلام أن ينكر المعنى السائد والشائع لمفهوم “خير أمة”.. ف”الخير” و”الشر” لا يجتمعان فى الإسلام، الذى يرى الشر فى الآخر "الكافر" دائما حتى لو اتفق معه فى بعض المباديء والقيم كما، فالحزبان اللدودان: حزب اللـه وحزب الشيطان هما عدوان.
 
كراهية المسلمين لـ"الكفار":
          الفكر الإسلامى السائد حاليا وفى أوقات سابقة كذلك دعا المسلمين لكراهية "الكفار"، خصوصا أصحاب التوجهات الأرثوذكسية فى الإسلام؛الحنابلة وغيرهم. بل ودعا بعضهم إلى إظهار هذه الكراهية مالم تكن هناك ضرورة للتقية. قال ابن القيم الجوزية: " ومعلوم أن التقية ليست بموالاة ولكن لما نهاهم اللـه عن موالاة "الكفار" اقتضى ذلك معاداتهم والبراءة منهم ومجاهرتهم بالعدوان فى كل حال إلا إذا خافوا من شرهم فأباح لهم التقية، وليست التقية بموالاة"[86]. وحسب ابن تيمية "الولاية ضد العداوة وأصل الولاية المحبة والقرب وأصل العداوة البغض والبعد"[87].
          وقد لخصها شيخ حنبلى معاصر بوضوح، مقسما العداوة إلى مبدأين: الأول هو وجود العداوة: فهذا لا بد منه للمسلم، فوجود عداوة "الكفر" وأهله فى قلبه من مقتضيات الإيمان، فإذا زال وجودها فلم يبق لها أثر مطلقاً فهذا من نواقض الإيمان، والأمر الثانى: إظهار العداوة: فهذا من واجبات التوحيد، وشروط استقامة الإسلام، فإذا لم تظهر هذه العداوة على الجوارح مع وجود أصلها فى القلب فقد تكون كفراً، وقد تكون من الموالاة الصغرى غير المكفرة (من المعاصي) ، وقد تكون جائزة من باب التقية بشروطها، وكل هذا بحسب حال صاحبها، ومكانه، وعذره[88]، ويدعو شيخ حنبلى معاصر آخر لكراهية "الكفار" بلا مواربة: " فالكافر عدو للـه ولرسوله وللمؤمنين ويجب علينا أن نكرهه من كل قلوبنا"[89]. ونجد أساسا لهذه الكراهية فى النص القرآنى: قُل أطيعُوا اللـه والرسُول فإن تولوا فإن اللـه لا يُحب الكافرين (آل عمران: 32) - يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة (الممتحنة: 1) -لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد اللـه ورسوله (المجادلة: 22) . فإذا كان اللـه لا يحب "الكافرين" فكيف يحبهم العباد المؤمنون؟. فهم أعداء الإسلام بالضرورة لأنهم منحرفون وفاسدون حتى لو ظنوا أنهم على حق. ففساد خلقهم يمنعهم من الاعتراف بالحقيقة البارزة والمؤكدة لكل من يفكر، وهى أن اللـه موجود والرسالة المحمدية هى الحق من ربهم. وإذا أحب المسلم “كافرا” لشخصه - وهذا وارد حتما- يجب أن يكرهه “فى الله”، فلا حب دون كراهية لأنه لا يجب أن يحب المسلم "كافرا" بلا تحفظ، فليتذكر دائما أنه “كافر”؛عدو اللـه، فعلى حد ما ذكر ابن تيمية: "على المؤمن أن يعادى فى اللـه ويوالى فى اللـه، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه – وإن ظلمه. فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية"[90]. وأصل المسألة هو كما أشرنا أن "الكفار" أنصار إبليس الذى يقوم بإغواء البشر بالمعصية والتمرد على سلطان اللـه، فهم جميعا الحزب المعتدى على حزب المؤمنين، المحارب للـه فى الأرض، وهذه هى علة العداء الأزلى بين المسلمين و"الكفار"[91]. وتُطرح المسألة فى الفكر الإسلامى بعنوان "الولاء والبراء"، حيث يُقسم البشر إلى أولياء الرحمن وأولياء الشيطان؛حزبان متعاديان وعلاقتهما الأساسية هى العداوة والصراع. وعلى المسلمين أن يتبرأوا من "الكفار" كما تبرأ اللـه منهم فى سورة براءة ما عدا المعاهدين منهم: وأذان من اللـه ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن اللـه بريء من المشركين ورسوله (براءة: 3) . وقد سنت سورة براءة دستور العلاقة الدائمة بين المؤمنين و"الكفار" على أساس البغض والقتال والإخضاع أو القتل، فقررت فك علاقة السلام واستبدالها بالحرب ونقض العهود الدائمة والاكتفاء بعهود مؤقتة لجعل علاقة الحرب هى الأساس بين الطرفين. فالبراءة أو البراء يعنى فك العهود الدائمة وبمعنى آخر التخلص من كل مودة مع "الكفار"، فالعهد الدائم يعنى أن يُقام سلام دائم بين الحزبين فيتضمن المودة أو الولاء وهو ما قرر القرآن نقضه بلا مواربة، مستثنيا عهد الذمة بين المسلمين و"الكفار" المقيمين فى دار الإسلام فى حالة خضوعهم للمسلمين، فلا تكون علاقة سلام دائم أو مودة بل استسلام وصغار(مذلة).
          وإذا كان من المعتاد والمقبول من عموم البشر ألا يحب المرء عدوه، باستثناء بعض أفكار مسيحية، فلم يتميز الإسلام بل يطالب أهله بكراهية "الكفار"ويسميها “الكره فى الله”. لم نجد نصا إسلاميا يشبه النص التالى فى إنجيل متى: سمعتم أنه قيل: تحب قريبك وتبغض عدوك. وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم لكى تكونوا أبناء أبيكم الذى فى السماوات فإنهُ يُشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين. لأنه إن أحببتم الذين يحبونكم فأى أجر لكم؟ أليس العشارون أيضا يفعلون ذلك؟ وإن سلمتم على إخوتكُم فقط فأى فضلٍ تصنعون؟ أليس العشارون أيضاً يفعلون هكذا؟ فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذى فى السماوات هو كامل[92].
          ويحاول الإسلاميون الأكثر اعتدالا وبراجماتية تخفيف مسألة كراهية الآخر؛ فى الدعاية الرسمية (مثل القرضاوي) معلنين أن الإسلام يحض على الإخوة الإنسانية والسلام والمحبة بين الشعوب.. إلخ، دون التخلى بالطبع عن تكفير غير المسلمين. وقد أفتى القرضاوى فى هذا الشأن مرارا مكررا الكلام عن الجدال بما هو أحسن والقسط مع أهل الذمة، والأهم أنه يميز دائما بين أهل الكتاب والملحدين مفضلا الطرف الأول بدليل أن الإسلام قد سمح للمسلمين بتناول طعامهم والزواج من نسائهم. كما دعا للتحالف مع "كفار" ضد "كفار" آخرين أكثر عداء مذكرنا بنظرية التناقض الرئيسى والثانوى الماوية.. ويشارك القرضاوى فى الحوار بين الأديان بغرض التوصل إلى الحد المشترك بين الجميع وليس بغرض توحيد الأديان حسب تصريحاته[93].
          ويذهب الإسلاميون العلمانيون مذهبا أكثر انفتاحا على الآخر، رافضين مسألة الكراهية والعداء المطلق "للكفار" بل ينفى بعضهم صفة "الكفر" عن أهل الكتاب وغيرهم أحيانا.
          ورغم محاولات بعض الإسلاميين المعتدلين لنفى الدعوة لكراهية "الكفار" يسود الثقافة الإسلامية الاتجاه المتشدد والمتفق مع ظاهر النص القرآنى وأغلب تفسيراته من قبل كبار "العلماء". فمازال الصوت الأعلى والأكثر تأثيرا فى الساحة الإسلامية هو صوت الإسلاميين الأقل انفتاحا على الآخر والأكثر تعصبا[94].
***


الفصل الرابع: الصراع بين الإيمان و"الكفر"
 
إن الإنسان لا يستقيم له دين – ولو وحد اللـه وترك الشرك – إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعداوة والبغض
محمد ابن عبد الوهاب
 
 
          إذا كان الفرق بين "الكفر" والإيمان هو بالضبط الفرق بين الخير والشر؛ بين اللـه والشيطان، فلا يمكن أن يكون بينهما حب ورحمة، بل صراع إلى الأبد كما أسلفنا. والنبى لم يكتف بالإيمان بالحق، بل كان “مكلفا” حسب ما قدم نفسه للعالم بأن يوصل الرسالة. ولذلك راح يدعو للإسلام.
          ومن المعروف جيدا أن محمدا منذ هجرته للمدينة لم يكن مجرد داعية مثل أى صاحب فكر، بل كان أولا رجل دولة. والدعوة المحمدية لم تكن مجرد دعوة إلا فى بدايتها، ولكن ما أن تمكن محمد من استقطاب أهل يثرب حتى اتخذت دعوته منحى آخر. فقد كون دولة إسلامية تدين له بالولاء وصار نشر الدعوة مهمة الدولة الرئيسية لا مهمته الفردية فحسب، منها:
          - إبلاغ الإسلام إلى مختلف القبائل عن طريق سفراء ورسائل رسمية.
          - غزو قبائل وإدخالها فى طاعته.
          - الحصول على التمويل اللازم بالغزو وقطع طرق القوافل التابعة لأعدائه.
          - عقد التحالفات مع قبائل مختلفة وحتى عقد هدنة مع قريش.
          - استخدام الأموال والعطايا لجذب العرب إلى الإسلام (المؤلفة قلوبهم) .
          - - توسيع رقعة الدولة ب”الفتوحات “.
          لقد استخدم كل الوسائل التى كانت فى إمكانه لنشر الدعوة وتوسيع الدولة وبالتالى جعل “ كلمة الله” هى العليا. ولم ينضم إليه سوى القليل فى مرحلة الدعوة السلمية ولكن دخل الناس الإسلام أفواجا بعد إنشاء الدولة واتباع الوسائل الدولنية فى نشر الدعوة. ولم يكتف محمد بالحوار العقلى لنشر الإسلام بعد هجرته للمدينة وتأسيس الدولة، بل كان الترهيب والترغيب والطعن فى مخالفيه وسائل هامة وفعالة “لإقناع”هم. ولنقرأ على سبيل المثال دعوته لملك أكبر دولة فى العالم فى عصره، حسب مصادر التاريخ الإسلامية وما يظنه عموم الإسلاميين: بسم اللـه الرحمن الرحيم. من محمدٍ عبد اللـه ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإنى أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك اللـه أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم الأريسيين وقل يٰأهل الكتاب تعالوا إليٰ كلمةٍ سوآءٍ بيننا وبينكم ألا نعبد إلا اللـه ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون اللـه فإن تولوا فقولوا شهدوا بأنا مسلمون (البخاري4435) .
          هذه أيضا رسالته لكسرى: بسم اللـه الرحمن الرحيم من محمد رسول اللـه إلى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا اللـه وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أدعوك بدعاية اللـه فإنى أنا رسول اللـه إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين أسلم تسلم فإن أبيت فعليك إثم المجوس أى الذين هم أتباعك[95].
          أما رسالته لأهل اليمن فنصت على: من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلكم المسلم له ذمة اللـه وذمة رسوله ومن أبى فعليه الجزية‏[96]. ‏
          وأرسل بنفس المحتوى لأهل البحرين: أما بعد فإنكم إذا أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة ونصحتم الله ورسوله وآتيتم عشر النخل ونصف عشر الحب ولم تمجسوا أولادكم فلكم ما أسلمتم عليه غير أن بيت النار لله ورسوله وإن أبيتم فعليكم الجزية[97] ‏. ‏
          لم تسر الدعوة للإسلام فى البلاد المجاورة للمدينة بإرسال المحاورين والاكتفاء بفتح باب النقاش مع الناس، بل كانت حتى الدعوة السلمية مبطنة بالوعد والوعيد والغزوات والسرايا. وإذا تأملنا رسائل محمد السابقة إلى الملوك لوجدناها تتضمن اعتقادا “نبويا” بأن "الكفار" يعرفون أن الإسلام هو الحق وأن المسألة لا تعدو الاعتراف بهذه الحقيقة المفترضة. ولم يتصور المسلمون أن الآخرين يحتاجون لسنوات من التفكير والمقارنة حتى يدرسوا الدين الجديد قبل أن يفكروا فى تغيير أديانهم التى نشأوا عليها وساهمت فى تكوين ثقافتهم.
          إن قطع الطريق وفرض الجزية والتهديد بالحرب مع تقديم العطايا (للمؤلفة قلوبهم مثلا) لعبت دورا هاما فى نشر الإسلام. وبينما كان من المشروع لدى محمد اغتيال من ينتقد دينه والتنكيل به ونهب أمواله لم يكن يتوانى عن سب دين الآخرين واتهامهم بالضلالة والجهل بل لم يمتنع عن السخرية من أفراد بعينهم ل"كفرهم"، مثلما قام مثلا بتسمية أبى الحكم ابن هشام بأبى جهل وهو الاسم الذى يعرفه به معظم المسلمين حتى الآن.
          والآن هل تنتهى الدعوة بوفاه محمد؟ بالطبع لا.. فإن على أمة الإسلام واجبا مقدسا؛ نشر دعوة الحق فى ربوع الأرض والجهاد ضد "الكفر" أينما كان، أى بالوسائل نفسها التى استخدمها محمد: بكل من الدعوة السلمية والدولنية بالمعنى المذكور سابقا، فالدعوة للإسلام دعوتان؛دعوة بالبنان وهى القتال، ودعوة بالبيان وهو اللسان، وذلك بالتبليغ، بتعبير أبو بكر الكاشانى [98].
          ويستند هذا الصراع فى وجوده إلى العدواة المستحكمة بين المعسكرين، إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينًا (النساء: 101) ، وهذا العداء يقابله بشكل تلقائى عداء من المسلمين تجاه "الكافرين"، لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد اللـه ورسوله (المجادلة: 22) .
          نصت تعليمات القرآن والحديث على ضرورة العمل على نشر الإسلام فى عموم الأرض: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله للـه فإن انتهوا فإن اللـه بما يعملون بصير (الأنفال: 39) . فالعلاقة بين معسكر الإيمان ومعسكر "الكفر" لا يمكن أن تكون علاقة صداقة ولا سلام إلى الأبد. فمن استقراء النصوص المقدسة يتضح أن الطبيعة التى خلق اللـه عليها العلاقة بين المعسكرين هى الصراع.. الصراع فى معناه الواسع الذى لا ينحصر فى الحرب، وإنما يمتد ليشمل كل ألوان التدافع بين المؤمنين و"الكافرين"، سواء كانت فى شكل حوار فكرى أو جدال: قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذى خلقك (الكهف: 37) ، وجادلهم بالتى هى أحسن (النحل: 125) ، أو كانت فى شكل عراك وخصام بين الطرفين، فإذا هم فريقان يختصمون (النمل: 45) ، أو كانت فى شكل صراع حربى بين المعسكرين، ولا يزالون يقاتلونكم (البقرة: 217) .. الذين آمنوا يقاتلون فى سبيل اللـه والذين كفروا يقاتلون فى سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً (النساء: 76)
          ولكى تكتمل صورة الأسباب الحقيقية للصراع الموجود بين المعسكرين لابد من استحضار طبيعة العلاقة بين الحق والباطل، فالحق لابد أن يتحرك لإثبات ذاته، ولا يكون ذلك إلا بزوال الباطل، فهما شيئان متناقضان لا يوجد أحدهما إلا بانتفاء الآخر، وقل جاء الحق وزهق الباطل (الإسراء: 81) ، وحتى إذا لم يتحرك الحق فإن الباطل سوف يتحرك لأنه لا يطيق وجود غريمه بجانبه، وهذه بالذات هى طبيعة العلاقة بين المؤمنين و"الكافرين"، ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم (محمد: 3) .
          فالعداوة القائمة بين المعسكرين والطبيعة الراسخة لعلاقة الحق بالباطل هى المحركات الأساسية للصراع.
          لم توصى النصوص المقدسة بطريقة واحدة فى تعامل المسلمين مع "الكفار" ولكن الشيء الذى لا مفر منه حسب هذه النصوص هو أن يهتم المسلمون بنشر الإسلام بكل الوسائل الناجحة والممكنة، وحسب الحديث: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه. فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان (صحيح مسلم-140) .
          والقرآن به آيات ترفض الإكراه على الاعتقاد فلا إكراه فى الدين (البقرة: 256) فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب (الرعد: 40) لست عليهم بمسيطر (الغاشية: 22) [99].
          والمدخل الطبيعى لذلك هو تبليغ الدعوة ل"لكافرين" وعرض الأمر عليهم، خاصة أنه دين الفطرة جاء مصدقا لما عرفوه من قبل من كتب مقدسة وعرضها أنبياؤهم الذين أرسلهم اللـه إلى كل الأمم. ويحق ل"لكافرين" أن يرفضوا الدعوة ولكن فى هذه الحالة يجب أن يخضعوا للمسلمين:
          قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم اللـه ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (التوبة: 29) - (صاغرون = أزلاء[100]) . وفى الحديث (سبق ذكره): حدثنا محمد ابن يوسف عن سفيان عن ميسرة عن أبى حازم عن أبى هريرة رضى اللـه عنه كنتم خير أمة أخرجت للناس (آل عمران: 110) قال: خير الناس للناس، تأتون بهم فى السلاسل فى أعناقهم حتى يدخلوا فى الإسلام (البخاري- 4439) ونفس المعنى السابق فى (6773) ، (2879) . ومن الأمثلة ذات المغزى ما قاله محمد فى غزوة خيبر لأعطين هذه الراية رجلاً يحب اللـه ورسوله. يفتح اللـه على يديه». قال عمر ابن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ. قال: فتساورت لها رجاء أن أدعى لها. قال: فدعا رسول اللـه على ابن أبى طالب. فأعطاه إياها. وقال: «امش. ولا تلتفت. حتى يفتح اللـه عليك». قال: فسار على شيئاً ثم وقف ولم يلتفت. فصرخ: يا رسول اللـه على ماذا أقاتل الناس؟ قال: «قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللـه وأن محمداً رسول اللـه. فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم. إلا بحقها. وحسابهم على اللـه (صحيح مسلم- 6175) .
          والواضح مما سبق أن نشر الإسلام بدون إكراه يعنى عدم إدخال الإسلام إلى قلوب "الكفار" بالقوة.. وهذا أمر لا يحتاج إلى آيات لأنه غير ممكن أصلا!، ولكن الأمر لا يعدو أن محاولة الدعوة السلمية ضرورية فى البدء يتلوها الإجبار بالتهديد بالقتل أو دفع الجزية، وفى حالة اختيار دفع الجزية يكون "الكافر" قد خضع لدين اللـه دون أن يدخل فيه.
          ومع ذلك فمن الممكن أن يكون هناك سلام ما بين المسلمين و"الكفار" وأن يتم التعامل بينهم فى التجارة بل وأن تعقد تحالفات حربية مع بعضهم.. كل هذا نصت عليه آيات من القرآن ومارسها محمد، بل يمكن أن يصالح المسلمون "الكفار" ويدفعون لهم الجزية إذا دعت الضرورة [101]. كل هذا على نحو مؤقت كما سنرى.
          ولكن هذه الإجراءات التى تبدو متناقضة ليست متناقضة فى الحقيقة. فالمهم هو نشر الدعوة، وبعد الإبلاغ يمكن فعل كل ما يكون من شأنه إعلاء كلمة اللـه سواء بالوسائل السلمية أو العسكرية، حسب قوة المسلمين وموازين القوى عموما فى هذه اللحظة أو تلك. حتى العهود يمكن فسخها وقد رأينا ذلك بعد سورة التوبة حيث صدرت الأوامر بمنح "الكافرين" المعاهدين للمسلمين فرصة 4 شهور أو حتى انتهاء أجل العهد إذا كان محدد المدة لا يكون لهم بعدها عهد لدى المسلمين إلا إن استجار بهم أحد من المشركين:
          براءة من اللـه ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (التوبة: 1) فسيحوا فى الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزى اللـه وأن اللـه مخزى الكافرين (التوبة: 2) . إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن اللـه يحب المتقين (التوبة: 4) وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام اللـه ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (التوبة: 6) . قاتلوهم يعذبهم اللـه بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (التوبة: 14) . الخلاصة أن الدين كله يجب أن يكون للـه وتكون كلمة اللـه هى العليا، بالجدال أو التعامل السلمى أو القهر أو القتل.. الخ. إن الآخر؛ "الكافر" يصبح دمه وماله حلالا إذا ُعرض عليه الإسلام، سواء على شخصه أو بلغته الدعوة بعد أن صارت شائعة، ورفضه ورفض الإذعان للمسلمين بدفع الجزية (التوبة: 29) . أما فترات الموادعة فهى مؤقتة فى حالة عدم القدرة على رفع كلمة الله:
          لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من اللـه فى شيء إلا أن تتقوا منهم تقاةً ويحذركم اللـه نفسه وإلى اللـه المصير (آل عمران: 28)
          بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً (النساء: 138) الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة للـه جميعاً (النساء: 139) .
          يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن اللـه لا يهدى القوم الظالمين (المائدة: 51) .
          الخلاصة أن الإسلام يجب أن يسود العالم سواء بالدعوة السلمية أو القتال، لا لإجبار الناس على الإيمان، بل لإجبارهم على الخضوع لكلمة اللـه، إما بالعودة إلى رشدهم اقتناعا، أو بدفع الجزية[102] والخضوع لحكم الإسلام، أى عمليا حكم المسلمين، وإلا يقتلون. أما فى آخر الزمان فالأمر سيختلف، حين يعود المسيح ليحكم العالم ويقيم العدل فإنه لن يقبل الجزية، لا رحمة ب"الكافرين"، بل إحقاقا للحق المطلق؛ فسوف يقبل فقط الإسلام أو السيف، لأنه لن يسمح بمجرد وجود لل”كفار” على الأرض: فقد ثبت فى الصحيحين: لينزلن فيكم عيسى ابن مريم إماما عادلا وحكما مقسطا، فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام، بمعنى أنه لا يقبل من غير مسلم جزية، ولا يقبل منه إلا الإسلام أو السيف، وهذا إخبار رسول اللـه صلى اللـه عليه عما يفعله عيسى عليه السلام وتشريع وتسويغ[103]. وهذا الذى سيفعله المسيح من استئصال "الكفار"هو ما يعتبره الإسلام الوضع المثالى والحل النهائى لقضية "الكفر"، أما ما يجب فعله قبل لحظة مجيء المسيح فهو الممكن؛مجرد إخضاع "الكفار" عدا العرب منهم الذين يجب إما إجبارهم على الإسلام أواستئصالهم فى مذهب أغلب الفقهاء كما رأينا. هذا السيناريو لا يرفضه عنه سوى قلة القلة من الإسلاميين.
          وقد تناول ابن القيم الجوزية “تطور” وسائل الدعوة المحمدية التى ذكرناها أعلاه بالتفصيل فى كتابه عن السيرة النبوية[104].
          وقد قسم القرطبى (وأيده الكثيرون) الدعوة للإسلام إلى مرحلتين، المرحلة المكية والمرحلة المدينية، وذلك فى سياق تفسيره للآية 190 من سورة البقرة، فقال: ”قوله تعالى: وقاتلوا فى سبيل اللـه الذين يقاتلونكم ولا تعتدوۤا إن اللـه لا يحب المعتدين فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: وقاتلُوا هذه الآية أول آية نزلت فى الأمر بالقتال؛ ولا خلاف فى أن القتال كان محظوراً قبل الهجرة بقوله: ادفع بالتى هى أحسن وقوله: فاعف عنهم واصفح وقوله: واهجرهم هجرا جميلا وقوله: لست عليهم بمسيطرٍ وما كان مثله مما نزل بمكة. فلما هاجر إلى المدينة أُمر بالقتال فنزل: وقاتلُوا فى سبيل اللـه الذين يقاتلونكم قاله الربيع ابن أنس وغيره”. أما ابن كثيروالطبرى وغيرهما فيقسمون المرحلة المدينية أيضا إلى مرحلة قتال من يقاتل المسلمين حسب آية 190 من سورة البقرة ومرحلة قتال "الكفار" عموما لدى إعلان سورة براءة.
          وقد أجمع جل “علماء” الإسلام على أن نشر الإسلام فريضة وأن إزالة معوقات نشره ضرورة لإعلاء كلمة اللـه. وبالتالى يكون القتال ضد من يعيق انتشار الدعوة وهم أئمة "الكفر" جهادا فى سبيل اللـه. فإن على "الكفار" سواء فى بلاد الإسلام أو البلاد الأخرى إما أن يدخلوا فى الدين أو يدفعوا الجزية.
          المتفق عليه عند جل علماء الإسلام أن دار الكفر غير المعاهدة يجوز إضرارها بكافة الأضرار الممكنة، كما فعل محمد مع المحاربين حين خطف رعاياهم (مثال مع بنى عقيل) ، وقطع الطريق على قوافلهم (مثال مع قريش) ، واغتال رءوسهم (مثال كعب ابن الأشرف) ، وحرق نخلهم (مثال مع بنى النظير) ، وهدم حصونهم (مثال فى الطائف) ، دون قتل النساء والأطفال وغير المحاربين عموما كالقعيد والمجنون والشيخ الفانى المقعد، إلا اضطرارا إذا تحصن بهم "الكفار". هذه السنن مازالت تستعمل كمرجعية للإسلاميين المعاصرين وإن كانت تتم إعادة صياغة لها وتغيير الأولويات من حين لآخر حسب موازين القوى والأهداف المرحلية.
الخلاصة أن الإسلام السائد لا يعترف بالفكر الآخر من زاويتين: الأولى أنه هو الحقيقة المطلقة وماعداه باطل وزيف، والثانية أن وجود الآخر "الكافر" غير مشروع أيضا، بل لابد أن يخضع للإسلام بشكل أو بآخر. أما اعتراف الإسلام بوجود تعددية فهو فقط اعتراف بالواقع غير المشروع.. ونحن نقصد بالطبع الاتجاه الغالب فى الإسلام، يستثنى الإسلاميون العلمانيون؛وهم ندرة. ويمكن ببساطة أن نصف الفكر الإسلامى بأنه فكر شمولى ويبشر بمجتمع شمولى، وربما يسمح بالتعدد داخل الإسلام نفسه مع ملاحظة أن معظم الفرق المختلفة تنفى الإسلام عن معظم غيرها من الفرق. فالتنوع المذهبى نفسه لا يُسمح به إلا فى أضيق الحدود ولذلك يستمر تكفير الفرق لبعضها البعض منذ نشأت وحتى اللحظة الراهنة. وإذا كان الإسلام يسمح بوجود "كفار" فى دار الإسلام فهو يسمح لها فى حدود أن تكون فى الوضع الأدنى، تحت حكمه وسيادته ويقهرها بأشكال عدة سنحللها فيما بعد.
***

 
 
الفصل الخامس: مفهوم الجهاد فى الفكرالإسلامي السائد
 
بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب. وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض وضعت فى يدي
 حديث نبوي
 
 
            من أهم المفاهيم التى استخدمها الإسلام. وقد ارتبط “الجهاد” فى وعى معظم المسلمين، سواء من الخاصة أو العامة بالقتال ضد العدو؛ ضد "الكفار"، وقد استخدم اللفظ كمرادف لقتال "الكفار" كثير من كبار “علماء” الإسلام مثل الشافعى والسرخسى وابن كثير وابن تيمية[105]. بل وفى كثير من آيات القرآن وعدد كبير من الأحاديث أيضا[106]..
            والمعنى الأعرض للجهاد هو ما جاء فى تاج العروس: وحقيقة الجهاد كما قال الراغب: استفراغ الوسع والجهد فيما لا يرتضى وهو ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، والشيطان، والنفس. وتدخل الثلاثة فى قوله تعالى وجاهدوا فى اللـه حق جهاده[107]. أما فى لسان العرب فجاء التعريف التالى: وجاهد العدو مجاهدة وجهاداً: قاتله وجاهد فى سبيل اللـه، وفى الحديث: لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية؛ الجهاد محاربة الأعداء، وهو المبالغة واستفراغ ما فى الوسع والطاقة من قول أو فعل، والمراد بالنية إخلاص العمل للـه أى أنه لم يبق بعد فتح مكة هجرة لأنها قد صارت دار إسلام، وإنما هو الإخلاص فى الجهاد وقتال "الكفار". والجهاد: المبالغة واستفراغ الوسع فى الحرب أو اللسان أو ما أطاق من شيء. وفى حديث الحسن: لا يجهد الرجل ماله ثم يقعد يسأل الناس؛ قال النضر: قوله لا يجهد ماله أى يعطيه ويفرقه جميعه ههنا وهنها؛ قال الحسن ذلك فى قوله عزوجل: يسألونك ماذا ينفقون قل العفو. ابن الأعرابى: الجهاض والجهاد ثمر الأراك. وبنو جهادة: حى، واللـه أعلم[108].
            ومما يدل على أهميته البالغة أنه من الممكن تأجيل بعض العبادات لمواجهة عدوان وشيك أو لتحقيق نصر ضرورى، بل إن الجهاد أولى من الحج؛أحد أركان الإسلام: حدثنا... عن أبى هريرة «أن رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم سئل: أى العمل أفضل؟ فقال: «إيمان بالله ورسوله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد فى سبيل الله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور» (البخارى -26) وهو نفس ما جاء فى القرآن (التوبة: 19) وليس من الممكن أن يعد جهادا قتال يقوم به شخص لا يعترف بفريضة من الفرائض. فالجهاد هو عمل فى سبيل اللـه وهدفه هو إعلاء كلمة اللـه ونشر الإسلام ولا يبتغى من ورائه نفع دنيوى، لذلك يعد جهادا فقط إذا قام به مسلم حق، وفى هذه الحالة يصبح الجهاد أكثر أجرا عند اللـه من العبادات نفسها كما جاء فى الحديث: موقف ساعة فى سبيل اللـه خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود» (صحيح ابن حبان: 4513) - «لرباط يوم فى سبيل اللـه، من وراء عورة المسلمين، محتسباً، من غير شهر رمضان، أعظم أجراً من عبادة مائة سنة، صيامها وقيامها. ورباط يوم فى سبيل اللـه، من وراء عورة المسلمين، محتسباً، من شهر رمضان، أفضل عند اللـه وأعظم أجراً (أراه قال) من عبادة ألف سنة، صيامها وقيامها. فإن رده اللـه إلى أهله سالماً، لم تكتب عليه سيئة ألف سنة. وتكتب له الحسنات، ويجرى له أجر الرباط إلى يوم القيامة (سنن ابن ماجه- 2839) .، وفى مسند الإمام أحمد- 21639: رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد فى سبيل اللـه. ومن أعظم الفروض فى الإسلام الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإتمامه يكون بالجهاد حسب كلام ابن تيمية [109].
            ويعتبر البعض من أهل السنة الجهاد ضمن أعمدة الإسلام على أساس أنه فرض عين وليس فرض كفاية، وبما أنه فرض على كل مسلم يصبح من أركان الدين.. ونجد هذا المعنى مثلا فى كتاب "الفريضة الغائبة"[110] ونشرات أخرى للإسلاميين الجهاديين.
            وقد ذهب قليل من الفقهاء إلى أن القتال ليس أعلى درجات الجهاد، فالجهاد الأكبر هو جهاد النفس[111]. ولكن رفض ذلك أغلبهم، واعتبروا الحديث القائل بذلك موضوعا[112]. وممن رفض هذا مؤسس الإخوان حسن البنا الذى تبنى مفهوم الجهاد (جهاد الطلب وجهاد الدفع) بمعنى قتال "الكفار" بالسيف: “ شاع بين كثير من المسلمين أن قتال العدو هو الجهاد الأصغر وأن هناك جهاداً أكبر هو جهاد النفس، وكثير منهم يستدل لذلك بما يروى: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، قالوا: وما الجهاد الأكبر ؟ قال: جهاد القلب أو جهاد النفس) . وبعضهم يحاول بهذا أن يصرف الناس عن أهمية القتال والاستعداد له ونية الجهاد والأخذ فى سبيله. فأما هذا الأثر فليس بحديث على الصحيح، قال أمير المؤمنين فى الحديث الحافظ ابن حجر فى تسديد القوس: هو مشهور على الألسنة وهو من كلام إبراهيم ابن عبلة”. ويضيف تعليقه النهائى فى مسألة الجهاد قائلا: ”فها أنت ذا ترى من ذلك كله كيف أجمع أهل العلم مجتهدين ومقلدين، سلفيين وخلفيين، على أن الجهاد فرض كفاية على الأمة الإسلامية، لنشر الدعوة، وفرض عين لدفع هجوم "الكفار" عليها”[113]. كذلك ذهب مرشد الإخوان مصطفى مشهور[114].
            وقد نصت عشرات الأحاديث على فضل الجهاد بالسيف، مثلما جاء فى مسند أحمد-16702 ... قال رجل: يا رسول اللـه ما الإسلام؟ قال: أن يسلم قلبك للـه عز وجل، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك، قال: فأى الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان، قال: وما الإيمان؟ قال: تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، قال: فأى الإيمان أفضل؟ قال: الهجرة، قال: فما الهجرة؟ قال: تهجر السوء، قال: فأى الهجرة أفضل؟ قال: الجهاد، قال: وما الجهاد؟ قال: أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم، قال: فأى الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده وأهريق دمه، قال رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم: ثم عملان هما أفضل الأعمال إلا من عمل بمثلهما، حجة مبرورة أو عمرة.
            أما الجهاد بالنسبة للنساء فهو الحج: ... عن عائشة أم المؤمنين رضى اللـه عنها قالت: استأذنت النبى صلى اللـه عليه وسلم فى الجهاد فقال: جهادكن الحج (البخاري- 2810) ، أى ليس فرضا ولكنه ليس ممنوعا كذلك[115] وفى البخارى ما يدل على أن جهادهن إذا حضرن مواقف الجهاد سقى الماء ومداواة المرضى ومناولة السهام[116]. ولكن فى السنة العملية يوجد ما يدل على إمكانية أن تشارك النساء فى القتال إذا أردن؛ففى عهد محمد حاربت بعض النساء فى معركتى خيبر وهوازن ومن النساء المذكورات بالاسم نسيبة أم عمارة التى حاربت فى أحد وبقية الغزوات وفقدت ذراعها فى الحرب ضد مسيلمة. وشاركت أم سليم فى جيش المسلمين الذى قام بغزو قبرص[117]. وحاربت غالية البقمية مع الوهابيين ضد جيش محمد علي[118].
            وتستثنى المرحلة المكية من دعوة محمد، إذ حدد القرآن مفهوم الجهاد بمعنى سلمى: ففى سورة الفرقان: 52 جاء: ولو شئنا لبعثنا فى كل قريةٍ نذيراً * فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً. وقد فسرالمفسرون مفهوم الجهاد هنا بأنه الجهاد بالقرآن أو جهاد النفس واحتمال أذى "الكفار"[119].
            يشمل الجهاد أعمالا متعددة ابتداء من الدعوة السلمية إلى الإسلام، مرورا بإقامة الشعائر إلى القتال ضد العدو. وهذا الأمر الأخير قد حظى بكثير من الإهابة والمديح فى القرآن والأحاديث ويعد فضيلة راسخة فى وعى أغلب المسلمين. ويشمل القتال أو الجهاد فى سبيل اللـه الجهاد بالمال والنفس وحتى بالكلمة[120].. المهم المشاركة فى المعركة بين الإسلام و"الكفر" حتى يعبد اللـه وحده بلا شريك. وهو ُيعد فرضا على المسلمين منذ هجرة النبى إلى المدينة بعد أن كان مباحا فقط[121]. وحسب عرض ابن رشد للفقه ينقسم الجهاد إلي”جهاد بالقلب أن يجاهد الشيطان والنفس عن الشهوات المحرمات، وجهاد باللسان أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وجهاد باليد أن يزجر ذوو الأمر أهل المناكر عن المنكر بالأدب والضرب على ما يؤدى إليه الاجتهاد فى ذلك ومن ذلك إقامتهم الحدود، وجهاد بالسيف قتال المشركين على الدين. فكل من أتعب نفسه فى ذات اللـه فقد جاهد فى سبيله إلا أن الجهاد إذا أطلق لا يقع إلا على مجاهدة الكفار بالسيف، وإنما يقاتل الكفار على الدين ليدخلوا من الكفر إلى الإسلام لا على الغلبة”[122] (التشديد من عندنا) .
            وترادف كلمة الجهاد فى كتب الفقهاء السنة كلمة القتال لا نكاد نميز بينهما. ويعرف الأحناف الجهاد “ الدعاء إلى الدين الحق، والقتال، مع من امتنع عن القبول، بالمال والنفس”[123]. ولدى المالكية: “الجهاد فى أهم جهةٍ كل سنةٍ، وإن خاف محارباً: كزيارة الكعبة: فرض كفايةٍ، ولو مع والٍ جائرٍ: على كل حر ذكرٍ مكلفٍ قادرٍ”[124]. ولدى الحنابلة: “ هو فرض كفايةٍ، إلا إذا حضره أو حصره أو بلده عدو، أو كان النفير عامًا ففرض عينٍ، ولا يتطوع به من أحد أبويه حر مسلم إلا بإذنه. وسن رباط (لزوم الثغر لإخافة العدو، والثغر موضع المخافة من حصن أو غيره من أطراف البلاد) وأقله ساعة، وتمامه أربعون يومًا. وعلى الإمام منع ُمَخِّذل (بضم الميم، وفتح الخاء المنقوطة، وتشديد الذال المنقوطة وكسرها: الذى ينفر عن القتال، والمرجف بسكون الراء وكسر الجيم: الذى يحدث بقوة الأعداء ويمهد للجيش ظفر العدو به) ومرجفٍ، وعلى الجيش طاعته والصبر معه"[125]. وفى فقه الشافعية: “أحكام الجهاد: أى القتال فى سبيل اللـه وما يتعلق ببعض أحكامه والأصل فيه قبل الإجماع آيات كقوله تعالى: كتب عليكم القتال وقوله تعالى: وقاتلوا المشركين كافةً وقوله تعالى: واقتلوهم حيث وجدتموهم وأخبار كخبر الصحيحين: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللـه وخبر مسلم: لغدوة أو روحة فى سبيل اللـه خير من الدنيا وما فيها[126].
            وذكر ابن رشد: ” كتاب الجهاد: والقول المحيط بأصول هذا الباب ينحصر فى جملتين: الجملة الأولى: فى معرفة أركان الحرب. الثانية: فى أحكام أموال المحاربين إذا تملكها المسلمون”[127].
            الخلاصة أن الجهاد الإسلامى يفترض إسلام الشخص قبل أى شيء آخر ثم أن يكون جهاده فى سبيل اللـه، أى لجعل كلمة اللـه هى العليا وليس لغرض "دنيوي". وذروة سنام الإسلام هى جهاد "الكفار" بالسيف رغم أهمية الجهاد باللسان والمال. والجهاد ليس محكوما بزمن معين بل وفقا للحديث: الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة. ولكن عمليا يعنى الجهاد فى الفكر الإسلامى قتال "الكفار" بالسيف، أى بالقوة المسلحة، وهذا هو المعنى المستخدم به اللفظ لدى الفقهاء ذوى الحيثية وفى الشارع الإسلامى عموما قديما وحديثا. ولا يخفى المغزى الدينى لكلمة جهاد التى تعنى القتال الدينى وليس القتال بمعنى الحرب ذات الأغراض “الدنيوية".. فالجهاد لابد أن يكون ضد "الكفار" وبغرض نصرة الإسلام دون أية أهداف من قبيل الاستيلاء على الأرض أو المال.. إلخ، هذا هو المعنى الذى يُقدم به نظريا فى الإسلام.
            والجهاد بهذا المعنى قُسم قديما إلى نوعين: جهاد الدفع أو الدفاع وجهاد الطلب؛
            أما جهاد الدفع فهو إذا نزل "الكفار" ببلاد المسلمين واستولوا عليها، أو تجهزوا لقتال المسلمين فإنه يجب على المسلمين قتالهم حتى يندفع شرهم، ويرد كيدهم. وجهاد الدفع فرض عين على المسلمين بإجماع "العلماء "، فوجب على أهل البلاد المعنية أن يردوه، هم ومن حولهم حتى تتسع الدائرة إلى من هو أبعد منهم ممن لديه القدرة عليه. وهو ما يقول قليل من المعتدلين من دعاة الإسلام أو الذين يحاولون عصرنة الإسلام من أهل السنة إنه الجهاد الإسلامى الوحيد.
            وأما جهاد الدعوة أو جهاد الطلب: فكما تناول الموضوع أحد الشيوخ المعاصرين: الشيخ الدكتور سفر ابن عبدالرحمن الحوالى؛”فهو أفضل الجهاد كما جاهد النبى صلى اللـه عليه وسلم، وهو أن ندعو وأن نقيم دين اللـه فى أنفسنا، ونقيمه فى مجتمعنا، ثم نخرج ونغزو الأمم ونفتح البلاد لتدين بدين الإسلام وتخضع له وتنقاد لأحكامه. بعد أن نكون قد حققنا الإيمان والتوحيد، ودعونا إلى اللـه وانتصرنا على أنفسنا ثم ننتصر بإذن اللـه على أعدائنا، فهذان جهادان يجب علينا الآن فى كل بلد من بلاد المسلمين أن نسعى إلى جهاد الدعوة، ونبدأ بالدعوة إلى اللـه وننتهى بقتال الكفار وفتح بلادهم. هذا كله يسمى جهاد الدعوة، وهذا الذى كان عليه النبى صلى اللـه عليه وسلم.. ”[128]
            وشرعية هذا الجهاد أو الغزو جاءت صراحة ًفى "صحيح" الحديث: من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات عليٰ شعبة من نفاق». قال ابن سهم: قال عبد اللـه ابن المبارك: فنريٰ أن ذٰلك كان عليٰ عهد رسول اللـه (صحيح مسلم-4887)  زُويت لى الأرض حتى رأيتُ مشارقها ومغاربها. وأُعطيتُ الكنزين: الأصفر أو الأحمر والأبيض يعنى الذهب والفضة (سنن ابن ماجة- 4038) اغزوا بسم اللـه فى سبيل اللـه، قاتلوا من كفر بالله، أغزوا ولاتغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا (مسند أحمد- 17754) وهذا النوع من الجهاد هو فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين يسقط عن الباقين[129].
            ويرى أغلب فقهاء الشيعة الإمامية أن جهاد الطلب مشروط بحضور الإمام المعصوم. الغائب منذ عام 932 م، واسمه محمد المهدى ابن الحسن العسكرى. وعندما يظهر، فهو الوحيد الذى له صلاحية إصدار الأمر بجهاد الطلب. ولذلك لم يسمى الإيرانيون حربهم ضد العراق بالجهاد، وإنما الحرب المفروضة، وهو تعبير يرادف فى رأينا جهاد الدفع.
            أما كبار فقهاء السنة فقد أجمعوا على شرعية جهاد الطلب، أو الغزو ولم يكتف أحد منهم بالدفاع فقط.
            يقول الشافعى على سبيل المثال: “‏ فإذا أحكم هذا فى المسلمين وجب عليه أن يدخل المسلمين بلاد المشركين فى الأوقات التى لا يغرر بالمسلمين فيها ويرجو أن ينال الظفر من العدو فإن كانت بالمسلمين قوة لم أر أن يأتى عليه عام إلا وله جيش أو غارة فى بلاد المشركين الذين يلون المسلمين من كل ناحية عامة، وإن كان يمكنه فى السنة بلا تغرير بالمسلمين أحببت له أن لا يدع ذلك كلما أمكنه وأقل ما يجب عليه أن لا يأتى عليه عام إلا وله فيه غزو حتى لا يكون الجهاد معطلاً فى عام إلا من عذر،، وإذا غزا عامًا قابلاً غزا بلدًا غيره، ولا يتأتى الغزو على بلد ويعطل من بلاد المشركين غيره إلا أن يختلف حال أهل البلدان فيتابع الغزو على من يخاف نكايته، أو من يرجو غلبة المسلمين على بلاده فيكون تتابعه على ذلك وعطل غيره بمعنى ليس فى غيره مثله‏. ‏ قال‏: ‏ وإنما قلت بما وصفت أن رسول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- لم يخل من حين فرض عليه الجهاد من أن غزا بنفسه، أو غيره فى عام من غزوة، أو غزوتين، أو سرايا، وقد كان يأتى عليه الوقت لا يغزو فيه، ولا يسرى سريةً، وقد يمكنه، ولكنه يستجم ويجم له ويدعو ويظاهر الحجج على من دعاه‏. ‏
            ويجب على أهل الإمام أن يغزوا أهل الفيء يغزوا كل قوم إلى من يليهم من المشركين، ولا يكلف الرجل البلاد البعيدة وله مجاهد أقرب منها إلا أن يختلف حال المجاهدين فيزيد عن القريب عن أن يكفيهم فإن عجز القريب عن كفايتهم كلفهم أقرب أهل الفيء بهم”[130]. ‏
            أما رأى الأحناف فلم يختلف: ” وأما بيان ما يجب على الغزاة: الافتتاح به حالة الوقعة ولقاء العدو فنقول وبالله التوفيق: إن الأمر فيه لا يخلو من أحد وجهين: إما إن كانت الدعوة قد بلغتهم، وإما إن كانت لم تبلغهم، فإن كانت الدعوة لم تبلغهم فعليهم الافتتاح بالدعوة إلى الإسلام باللسان لقول اللـه تبارك وتعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن ولا يجوز لهم القتال قبل الدعوة لأن الإيمان وإن وجب عليهم قبل بلوغ الدعوة بمجرد العقل فاستحقوا القتل بالامتناع لكن اللـه تبارك وتعالى حرم قتالهم قبل بعث الرسول عليه الصلاة والسلام وبلوغ الدعوة إياهم فضلاً منه ومنة قطعاً لمعذرتهم بالكلية، وإن كان لا عذر لهم فى الحقيقة لما أقام سبحانه وتعالى من الدلائل العقلية التى لو تأملوها حق التأمل ونظروا فيها لعرفوا حق اللـه تبارك وتعالى عليهم، لكن تفضل عليهم بإرسال الرسل صلوات اللـه وسلامه عليهم أجمعين لئلا يبقى لهم شبهة عذر فيقولون ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك وإن لم يكن لهم أن يقولوا ذلك فى الحقيقة لما بينا، ولأن القتال ما فرض لعينه بل للدعوة إلى الإسلام، والدعوة دعوتان: دعوة بالبنان وهى القتال ودعوة بالبيان وهو اللسان وذلك بالتبليغ والثانية أهون من الأولى، لأن فى القتال مخاطرة الروح والنفس والمال وليس فى دعوة التبليغ شيء من ذلك، فإذا احتمل حصول المقصود بأهون الدعوتين لزم الافتتاح بها.
            هذا إذا كانت الدعوة لم تبلغهم، فإن كانت قد بلغتهم جاز لهم أن يفتتحوا القتال من غير تجديد الدعوة لما بينا أن الحجة لازمة والعذر فى الحقيقة منقطع وشبهة العذر انقطعت بالتبليغ مرة لكن مع هذا الأفضل أن لا يفتتحوا القتال إلا بعد تجديد الدعوة لرجاء الإجابة فى الجملة”[131].
            وتدور من حين لآخر معارك فكرية بين “المعتدلين” و“المتشددين” حول تفاصيل الجهاد منها متى يكون فرض عين ومدى أهمية موافقة الوالدين، مما لا يعنينا هنا. فالأمر المتفق عليه هو فضل قتال "الكفار" عموما. وسواء كان "الكفار" هم البادئين بالهجوم أم المسلمين فالأمر فى الحالتين هو دفاع عن الدين. ذلك أن إقامة "الكفر" هو فى حد ذاته عدوان من قبل "الكافرين" على اللـه. فالعدوان قد لا يكون مسلحا دائما ويمكن أن يتخذ شكل التشهير بالدين ومهاجمة الشريعة فى وسائل الإعلام وفى النهاية إقامة أنظمة حكم واتباع ملل وتقاليد “جاهلية”، مما يُعد عدوانا على سلطة اللـه واغتصابا للحق الإلهى فى حكم العالم حسب تعبير استخدمه سيد قطب. وإن وجود “كفار” أحرار بعيدين عن أيدى المسلمين وخارجين عن حاكمية اللـه يتضمن بالضرورة حالة عدوان من جانبهم على المؤمنين فهم أعداء بالضرورة: إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبيناً (النساء: 101) .
            وبعد أن بلغت الدعوة الإسلامية وأصبحت شائعة صار عدم إسلام "الكفار" بمثابة رفض لدين اللـه وتمرد عليه واتباع للشيطان، ومن هنا وجب الجهاد سواء بالدعوة أو ببذل المال أو بالقتال لفرض الجزية أو قتل "الكافرين" الذين يرفضون الإسلام أو الخضوع للمسلمين. ففى الحديث: بعثت بين يدى الساعة بالسيف حتى يعبد اللـه وحده لا شريك له، وجعل رزقى تحت ظل رمحى، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمرى (مسند الإمام أحمد-5107) . وقد دعا القرآن لقتال "الكفار" الأقرب إلى المسلمين: يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظةً واعلموا أن اللـه مع المتقين (التوبة: 123) . وقد أجمع معظم المفسرين على أن معنى “من يلونكم” الأقرب فالأبعد دارا) أو دارا ونسبا كما ذهب البغوى مثلا) [132]. كما كان القرآن واضحا فى تحديد هدف الدعوة الإسلامية: هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (الصف: 9) . أما الرأى القائل بأن الجهاد الإسلامى هو فقط للدفاع عن دار الإسلام ضد عدوان "الكفار"، أى ما ينفى جهاد الطلب، فلا يتمتع بتأييد يذكر وسط الفقهاء والدعاة. وقد تصدى كثير من الإسلاميين حتى من المعتدلين لهذا الاتجاه بالنقد والتجريح فى أحيان كثيرة. وعلى سبيل المثال انتقد حسن البنا هذا الرأى بقسوة مدافعا بقوة عن الحق الأصيل للإسلام فى إقامة نظامه الخاص ليشمل البشرية كلها مسلمين وغير مسلمين، عن طريق الجهاد، قاصدا الغزو.. قال حرفيا: ” يتعمد بعض الصليبيين والصهيونيين مثلا أن يتهم الإسلام بأنه دين السيف وأنه انتشر بحد السيف فيقوم منا مدافعون عن الإسلام يدفعون عنه هذا “الاتهام”! وبينما هم مشتطون فى حماسة “الدفاع “ يسقطون قيمة الجهاد فى الإسلام ويضيقون نطاقه ويعتذرون عن كل حركة من حركاته بأنها كانت لمجرد “الدفاع” !- بمعناه الاصطلاحى الحاضر الضيق!- وينسون أن للإسلام - بوصفه المنهج الإلهى الأخير للبشرية- حقه الأصيل فى أن يقيم “نظامه” الخاص فى الأرض لتستمتع البشرية كلها بخيرات هذا النظام، ويستمتع كل فرد – فى داخل هذا النظام- بحرية العقيدة التى يختارها حيث لا إكراه فى الدين من ناحية العقيدة.. أما إقامة النظام الإسلامى ليظلل البشرية كلها ممن يعتنقون عقيدة الإسلام وممن لا يعتقنونها، فتقتضى الجهاد لإقامة هذا النظام وصيانته”[133]، كما استشهد بالحديث القائل: من مات ولم يغز ولم ينو الغزو مات ميتة جاهلية، فى معرض تناوله لمفهوم الجهاد كما يفهمه[134]. وفعل الشيء نفسه مصطفى مشهور: ” ليس الجهاد لدفع الأذى فقط... ولكن لإقامة الدولة المسلمة أيضًا وليكن معلومًا أن الجهاد والإعداد له ليسا لمجرد دفع الاعتداء والإيذاء اللْذين يتعرض لهما المسلمون من أعداء اللـه، ولكن الجهاد والإعداد له أيضًا لإتمام المهمة العظيمة وهى إقامة دولة الإسلام والتمكين لهذا الدين ونشره فى ربوع العالمين، وبقدر عظم المهمة يكون الإعداد لها، وما يحتاج إليه هذا الإعداد من وقت وجهد، والوقت هنا لا يقاس بأعمار الأفراد ولكن بأعمار الأمم والدعوات”... ” سيظل الصراع بين الحق والباطل: تتسع ميادينه وترتفع رايات الجهاد، ويتنزل نصر اللـه على عباده المؤمنين ويتخذ اللـه شهداء حتى يتنزل نصر اللـه، ويمكن لدين اللـه فى الأرض بإذن الله”[135]. ومن الشعارات الأساسية للإخوان المسلمين: اللـه غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت فى سبيل اللـه أسمى أمانينا. ويذهب المذهب نفسه المودودى وسيد قطب وبالطبع كافة لتيارات "الثورية" فى الإسلام.
            ونتصور أن جهاد الدفع أو الدفاع عن بلاد الإسلام لا يتطلب نصوصا مقدسة أو تشجيعا وإغراءات بالجنة... ببساطة لأن الدفاع عن النفس هو أمر غريزى ويتم بشكل عفوى. أما التحفيز وكيل المديح للمجاهدين فالأقرب لمنطق الحياة العادى أن يكون تشجيعا للغزو ومهاجمة "الكفار"، فالجهاد – عمليا – هو الغزو. فالحرب الدفاعية أو جهاد الدفع ليس جهادا لأنه ليس تكليفا وهو يحدث بالغريزة أما الغزو فهو التكليف وهو المهمة الدينية لإعلاء كلمة الإسلام،وإذا كان المسلمون مكلفون بالغزو فمن البديهى أن الغزاة يدافعون عن أنفسهم أيضا. وعلى حد تعبير للشيخ سلمان العودة فى مقال ما وهو داعية سعودى متشدد: "إن الحيوانات تدافع عن نفسها فهل يحتاج الدفاع عن النفس إلى تشريع".
            ويكاد يجمع الفقهاء و“العلماء” والدعاة من مناضلين وغيرهم على كل الألوان على الأهمية القصوى للجهاد بمعنى القتال لنشر الإسلام والرأى الأكثر اعتدالا يزعم أن القتال يكون مشروعا فقط بعد بذل كل المحاولات لتبليغ الدعوة سلميا، فقد ذكر الماوردى مثلا بصراحة تامة: “ والمشركون فى دار الحرب صنفان: صنف منهم بلغتهم دعوة الإسلام فامتنعوا منها وتابوا عليها، فأمير الجيش مخير فى قتالهم بين أمرين يفعل منهما ما علم أنه الأصلح للمسلمين وأنكاً للمشركين من بياتهم ليلاً ونهاراً بالقتال والتحريق، وأن ينذرهم بالحرب ويصافهم بالقتال. والصنف الثانى: لم تبلغهم دعوة الإسلام، وقل أن يكونوا اليوم لما قد أظهر اللـه من دعوة رسوله، إلا أن يكون قوم من وراء من يقابلنا من الترك والروم فى مبادى المشرق وأقاصى المغرب لا نعرفهم فيحرم علينا الإقدام على قتالهم غرة وبياتاً بالقتل والتحريق وأن نبدأهم بالقتل قبل إظهار دعوة الإسلام لهم وإعلامهم من معجزات النبوة وإظهار الحجة بما يقودهم إلى الإجابة، فإن قاموا على "الكفر" بعد ظهورها لهم حاربهم وصاروا فيه كمن بلغتهم الدعوة، قال اللـه تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن [136]. وأشارعرض ابن رشد للشيء نفسه[137]. وأن الغرض منه إزالة المعوقات التى يضعها "الكفار" أمام انتشار الإسلام [138].
            وكان ابن القيم الجوزية شديد الوضوح والصراحة فى تقرير دور الجهاد بالسيف، معتبرا أن الجدال بالحجج ضرورى ومقنع للعقلاء أما الذين لا يستجيبون للحجج فالسيف أولى بهم.. قال بالنص: “وقد أمر اللـه بمجادلة "الكفار" بعد دعوتهم إقامة للحجة وإزاحة للعذر ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حى عن بينة. والسيف إنما جاء منفذا للحجة مقوما للمعاند، وحدا للجاحد، قال تعالى.. فدين الإسلام قام بالكتاب الهادى ونفذه السيف.
            فما هو الا الوحى او حد مرهف يقيم ضباه اخدعى كل مائل
            فهذا شفاء الداء من كل عاقل وهذا دواء الداء من كل جاهل”[139]
            ويعلو جهاد أهل الكتاب على جهاد المشركين وفقا للحديث النبوى: جاء فى سنن أبى داود (2489): حدثنا... قال: جاءت امرأة إلى النبى صلى اللـه عليه وسلم يقال لها أم خلادٍ وهى منتقبة تسأل عن ابنها وهو مقتول، فقال لها بعض أصحاب النبى صلى اللـه عليه وسلم: جئت تسألين عن ابنك وأنت منتقبة؟ فقالت: إن أرزأ ابنى فلن أرزأ حيائى، فقال رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم: ابنك له أجر شهيدين، قالت: ولم ذاك يارسول الله؟ قال: لأنه قتله أهل الكتاب.. وقد علق حسن البنا على هذا الحديث بالقول: ”وفى هذا الحديث إشارة إلى وجوب قتال أهل الكتاب، وأن اللـه يضاعف أجر من قاتلهم، فليس القتال للمشركين فقط ولكنه لكل من لم يسلم”[140].
            ولا يحرم الفقه الإسلامى عموما أشياء مثل الاستيلاء على الأراضى أو نهب الأموال، إذا كان الهدف هو تقوية الدعوة ودفع انتشار "دين الحق"، أى فى سياق غزو أرض "الكفار" لضمها إلى دار الإسلام وهو ليس فقط رأى الفقهاء المتشددين بل الأكثر اعتدالا أيضا؛ فلدى الأحناف ُذكر أن الجهاد فى الشريعة قتل "الكفار" ونحوه من ضربهم ونهب أموالهم وهدم معابدهم وكسر أصنامهم، والمراد الاجتهاد فى تقوية الدين بنحو قتال الحربيين، والذميين، والمرتدين.. والباغين... ببدئهم بالقتال بعد بلوغ الدعوة، وإن لم يقاتلوا المسلمين فيجب على الإمام أن يبعث سرية إلى دار الحرب كل سنة مرة أو مرتين وعلى الرعية إعانته إلا إذا أخذ الخراج، فإن أخذ فلم يبعث كان كل الأثم عليه وبين معنى كونه على الكفاية بقوله[141].
            وفى التراث الإسلامى كان “الجهاد” مفضلا على أى عمل آخر واعتبر الدخل الآتى من الغنائم والفيء أشرف من الدخل الناجم عن العمل المنتج. وقد ألمح الحديث سابق الذكر إلى ذلك (بعثت بالسيف...) وقد شُرح فى فتح البارى هكذا: “وفى الحديث إشارة إلى فضل الرمح، وإلى حل الغنائم لهذه الأمة وإلى أن رزق النبى صلى اللـه عليه وسلم جعل فيها لا فى غيرها من المكاسب، ولهذا قال بعض العلماء أنها أفضل المكاسب، والمراد بالصغار وهو بفتح المهملة وبالمعجمة بذل الجزية”[142]. وجاء فى حديث آخر: لئن أنتم اتبعتم أذناب البقر، وتبايعتم بالعينة، وتركتم الجهاد فى سبيل اللـه، ليلزمنكم اللـه مذلةً فى أعناقكم، ثم لا تنزع منكم حتى ترجعوا إلى ما كنتم عليه، وتتوبوا إلى اللـه (مسند أحمد- 5553) . ولهذا كره الصحابة الدخول فى أرض الخراج للزراعة لأنها تشغل عن الجهاد. وسجل فى التاريخ أن عمر ابن الخطاب قد منع أن يعمل الغزاة المسلمون فى الزراعة حتى لا يتراخوا فى طلب الجهاد[143].
            الدعوة الإسلامية هى إذن عملية نضالية وليست مجرد إبداء للنصح والإرشاد، فلا تقف عند حدود الدعوة، بل تتعدى ذلك إلى إزالة معوقاتها بكل الوسائل بما فيها القوة والسيطرة على البلاد غير المسلمة وفرض الجزية على "الكفار" وإزالة الحكومات “الكافرة” والقضاء على كل من يهاجم الإسلام سواء بالكلمة أو بالقوة. فالإسلام لا يستطيع أن يتعايش مع المجتمع "الكافر" وقيم ومباديء "الكفار"، بل عليه أن يغيرها، والمسلم الحق لا يعيش فى انسجام مع واقع "الكفر" بل يعيش فى نضال ضده ولا يتصالح مع الواقع إلا بعد تغييره إلى واقع إسلامى.. هذا ما يقدمه الفكر الإسلامى قديما وحديثا.
            ومع ذلك نشير إلى وجود اتجاهات حديثة تحاول تجاوز فكرة جهاد الطلب؛الغزو، لصالح التعايش مع "الكفار". ولكن أغلب دعاة هذا الكلام يعيدون فقط ترتيب الأولويات، منهم القرضاوى وحتى الجماعة الإسلامية المصرية التى أصدرت مبادرة لوقف العنف عام 1997 لأسباب تكتيكية تتعلق بما اعتبرته مصالح مرسلة كما هو واضح فى محتوى المبادرة وبقية كتب المراجعة التى أصدرتها الجماعة[144]، وقد صرح كرم زهدى أحد أهم قادة الجماعة الإسلامية المصرية أكثرمن مرة أن القتال ليس غاية فى حد ذاته وإذا ثبت فشله فى تحقيق الأهداف تعين العدول عنه إلى غيره من الوسائل. بينما توجد قلة من المفكرين الأكثر استنارة وعلمانية يدعون إلى تجاوز تلك القصة من حيث المبدأ، مثل العلمانيين وبعض التنويريين الإسلاميين وهم قلة بلا جمهور كبير. وعلى العموم مشاريع الغزو نفسها لا تتمتع فى الوقت الراهن ومنذ عقود عديدة بشعبية تُذكر فى الشارع الإسلامى رغم دعاية الإخوان المسلمين وشيوخ الجهاد، والأمر يتعلق بالحالة الفعلية لموازين القوى الدولية والمشكلات الواقعية التى تواجهها الشعوب الإسلامية والإغراق فى مشاكل الحياة اليومية. ولا نتصور أن من يدعو للقيام بغزو "الكفار" اليوم عمليا سيتمتع من قبل الشارع الإسلامى سوى بالسخرية. ومع ذلك تترسخ فى الثقافة الإسلامية الفكرة القائلة بأن الغزو عمل من الأعمال العظيمة وإخضاع "الكفار" واجب دينى مقدس ولذلك مازالت الشعوب الإسلامية تفخر بالماضى السعيد “للفتوحات” الواسعة التى قامت بها أمة الإسلام قديما وماتزال تجل حتى النخاع القادة الغزاة الذين “فتحوا”بلاد "الكفار" مثل خالد ابن الوليد، وكذلك الخلفاء الذين وسعوا حدود دار الإسلام مثل عمر وعثمان وغيرهم.
            ونلاحظ التحول الكبير فى استخدام مفهوم الجهاد حديثا من معنى الغزو إلى معنى الدفاع عن ديار الإسلام البعيدة والقريبة. وأيضا الجهاد ضد الحكومات "الكافرة"؛التى لا تطبق الشريعة فى البلاد الإسلامية. فقد تغيرت أولوية الجهاد، ففى عصر ازدهار الإسلام كان جهاد الغزو هو موضوع الساعة وكانت توجد دولة إسلامية واحدة أو أكثر ولكن مع تفتت الدولة وتعرض ديار الإسلام للغزو قديما والاستعمارالحديث بعد ذلك صار الدفاع عن أرض الإسلام فى مختلف الدول الإسلامية جهادا يتمتع بالأولوية كالجهاد فى فلسطين والشيشان وأفغانستان...
            كما صارت حديثا فكرة الجهاد ضد الحكام المسلمين الذين لا يلتزمون بالشريعة تثير اهتمام الإسلاميين الجهاديين خصوصا، وكذلك المعتدلين. ولهم فى هذا أسوة بسابقة فتاوى ابن تيمية حول الجهاد ضد التتار المسلمين والذين شكك فى إسلامهم لعدم التزامهم بالفرائض ولا بتطبيق الشريعة رغم نطقهم بالشهادتين ودعا للقتال ضدهم بعد أن احتلوا الكثير من أرض الإسلام[145]. ولذلك تحتل مسألة تكفير الحكومات وأحيانا مجتمعات إسلامية بالكامل أهمية فى فكر الإسلاميين المتشددين وهو ما يذكرنا بفكر الخوارج الذى يحكم ب"الكفر" على مرتكب الكبيرة مما برر قتالهم الحكام المسلمين، ولذلك يُتهم الجهاديون حاليا بالانتماء لفكر الخوارج.
            ورغم هذا التحول لم تحدث قطيعة معرفية مع فكرة الغزو من قبل الإسلاميين حتى المعتدلين الذين يعلنون كثيرا أنهم إنما يعيدون ترتيب الأولويات، ويُستثنى الإسلاميون العلمانيون،الذين يعتبروم أن الجهاد إنما هو للدفاع فقط.
 
 
 


الفصل السادس: من أجل سيادة الإسلام
 
".. أننا متفقون مع أشد الناس غلوا فى الوطنية فى حب الخير للبلاد والجهاد فى سبيل تخليصها وخيرها وارتقائها، ونعمل ونؤيد كل من يسعى فى ذلك بإخلاص، بل أحب أن تعلم أن مهمتهم إن كانت تنتهى بتحرير الوطن واسترداد مجده فإن ذلك عند الإخوان المسلمين بعض الطريق فقط أو مرحلة منه واحدة ويبقى بعد ذلك أن يعملوا لترفع راية الوطن الإسلامى على كل بقاع الأرض ويخفق لواء المصحف فى كل مكان"
حسن البنا
 
 
 
            النصر النهائى للإسلام محتم ليس فقط حسب ما جاء فى النص المقدس، بل كذلك يوقن كل المسلمين قديما وحديثا بصحة وحتمية هذه النبوءة، وبالوعد “الإلهي”: هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (الصف: 9) والمسألة مسألة وقت فحسب.
            كما ثبت فى صحيح مسلم (7207): إن اللـه زوى لى الأرض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لى منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض “. بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب. وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض وضعت فى يدى (البخاري6861) ، صحيح ابن حبان (6254) . وفى مسند الإمام أحمد-22726: إنه ستفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها وإن عمالها فى النار إلا من اتقى اللـه وأدى الأمانة. وفى مسند الإمام أحمد-16632: ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك اللـه بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزا يعز اللـه به الإسلام وذلا يذل اللـه به الكفر. وفى نفس المسند (23429): لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا دخلته كلمة الإسلام بعز عزيز أو بذل ذليل إما يعزهم اللـه فيجعلهم من أهلها وإما يذلهم فيدينون لها. وتواتر نفس الحديث فى صحيح ابن حبان (6585) و غيره.
            طرح نبى الإسلام فى بدء دعوته – حسب اعتقاد المسلمين- على قريش أن تتبعه، واعدا إياهم بمكاسب هائلة:... لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش منهم أبو جهل فقالوا: يا أبا طالب ابن أخيك يشتم آلهتنا ويقول ويفعل ويفعل فأرسل إليه فانهه، قال: فأرسل إليه أبو طالب وكان قرب أبى طالب موضع رجل فخشى إن دخل النبى صلى اللـه عليه وسلم على عمه أن يكون أرق له عليه فوثب فجلس فى ذلك المجلس فلما دخل النبى صلى اللـه عليه وسلم لم يجد مجلساً إلا عند الباب فجلس، فقال أبو طالب: يا ابن أخى إن قومك يشكونك يزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول وتفعل وتفعل فقال: يا عم إنى إنما أريدهم على كلمة واحدة تدين لهم بها العرب وتؤدى إليهم بها العجم الجزية قالوا: وما هى ؟ نعم وأبيك عشراً، قال: لا إله إلا اللـه قال: فقاموا وهم ينفضون ثيابهم وهم يقولون: أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب قال: ثم قرأ حتى بلغ لما يذوقوا عذاب (مسند أحمد- 3417) .
            البداية اذن – حسب اعتقاد العامة والخاصة - كانت بإغراء قريش بالسيطرة على العالم وتطورت إلى هيمنة المسلمين. بعد تأسيس دولة المدينة تم تجاوز فكرة هيمنة قريش وبدأ الإغراء يوجه للمسلمين بغض النظر عن أصلهم العرقى. فالعالم فى ظل الإسلام لم يعد ينقسم إلى عرب و"عجم"، بل إلى مسلمين و“كفار”. وقد قرر الإسلام أن يسيطر المسلمون على العالم، لا بغرض “دنيوي”، بل – زعما - لتكون كلمة اللـه هى العليا. وحتى الأموال التى تجبى من الآخرين يجب أن تنفق فى سبيل اللـه ووفقا لشريعته. هذه هى الغاية التى يقدمها الإسلام، فالوسيلة؛الاستيلاء على الأموال والممتلكات وقهر "الكفار" ليست هدفا فى ذاته بل لغاية نبيلة هى تحقيق سيادة الإسلام؛متمثلة عمليا بلا شك فى سيادة المسلمين.
            المسلمون وفقا للقرآن هم الأعلون (آل عمران: 139، محمد: 35) . ولأنهم خير أمة أخرجت للناس فمن واجبهم ومن حقهم أيضا أن يكونوا الأعز وأن تكون لهم بالتالى اليد الطولى، سواء فى بلاد الإسلام أم على مستوى العالم. فسيادة الإسلام لا تنفصل عن سيادة المسلمين، بل لا تتحقق إلا بها.
            يمكن تلخيص العلاقة “الشرعية” بين المسلمين و"الكفار" كالآتى:
           
على الصعيد العالمى:
            * نشر الإسلام:
             تتضمن فكرة الجهاد سابقة الذكر الدفاع عن أرض الإسلام ضد أى هجوم أو تهديد خارجى، وكذلك العمل بهمة على نشر الإسلام فى أرض "الكفر" بمختلف الوسائل دون إكراه الناس على الإيمان، ويكفى إزالة المعوقات أمام انتشار الدعوة، ولو بالقوة. لذلك تحتل فكرة غزو بلاد "الكفر" مكانة هامة فى الثقافة الإسلامية. ومهما حاول “المعتدلون” إنكار ذلك تضج النصوص المقدسة وكتب الفقه القديم والحديث ومختلف كتابات الإسلاميين بل والكتب المدرسية وخطب المشايخ بمدح فكرة غزو بلاد "الكفار" والفخر بالماضى السعيد للامبراطورية الإسلامية التى امتدت من أوربا حتى الصين وأخذت الجزية من معظم دول العالم المعروفة للمسلمين فى عصر ازدهارها. وترتفع نبرة هذه الدعوة حين يشتد عود الإسلاميين ولكن يجنح البعض للبس ثوب الحمائم حين يشتد هجوم "الكفار". لم نسمع سوى ما ندر من النقد من قبل بعض الإسلاميين المتهم معظمهم من العموم بالزندقة و"الكفر" ولا يميل أبدا الرأى العام فى العالم الإسلامى لتقبل أى نقد بصدد “الغزوات” المذكورة للدولة الإسلامية أيام عزها، رغم أنه لا ينادى بالغزو حاليا كمشروع للعمل الآن.
            ولنقرأ مع الاختصار ما قرره حسن البنا مؤسس تنظيم الإخوان المسلمين ومفكرهم الأول حول أهداف الحرب فى الإسلام[146]:
            أ- رد العدوان والدفاع عن الأهل والنفس والمال والوطن والدين.
            ب- تأمين حرية الدين والاعتقاد للمؤمنين الذين يحاول “الكافرون" أن يفتنوهم عن دينهم.
             ج- حماية الدعوة حتى تبلغ الناس جميعا ويتحدد موقفهم منها تحديدا واضحا وذلك أن الإسلام رسالة اجتماعية إصلاحية شاملة تنطوى على أفضل مبادئ الحق والخير والعدل وتوجه إلى الناس... فلابد أن تزول من طريقها كل عقبة تمنع من إبلاغها ولابد أن يعرف موقف كل فرد وكل أمة بعد هذا البلاغ، وعلى ضوء هذا التحديد تكون معاملة الإسلام وأهله للناس، فالمؤمنون إخوانهم والمعاهدون لهم عهدهم وأهل الذمة يوفى لهم بذمتهم والأعداء المحاربون ومن تخشى خيانتهم ينبذ إليهم فإن عدلوا عن خصومتهم فيها وإلا حوربوا جزاء اعتدائهم حتى لا يكونوا عقبة فى طريق دعوة الحق أو مصدر تهديد وخيانة لأهلها لا إكراها لهم على قبول الدعوة ولا محاولة لكسب إيمانهم بالقوة.
            د- تأديب ناكثى العهد من المعاهدين أو الفئة الباغية على جماعة المؤمنين التى تتمرد على أمر اللـه وتأبى حكم العدل والإصلاح.
            هـ- إغاثة المظلومين من المؤمنين أينما كانوا والانتصار لهم من الظالمين.
            كما أيد بشكل مباشر فكرة غزو بلاد "الكفار" واحتلالها: ” وإن كانوا يريدون بالوطنية فتح البلاد وسيادة الأرض فقد فرض ذلك الإسلام ووجه الفاتحين إلى أفضل استعمار وأبرك فتح، فذلك قوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين للـه (سورة البقرة: 193) ”[147]. وقد حدد فى رسائله الشهيرة أن الهدف النهائى لدعوته هو الوحدة العالمية على أساس مباديء الإسلام بالطبع، ودعا بوضوح لغزو العالم واستعادة المستعمرات الإسلامية[148]، بل والمستعمرات المصرية فى إريتريا وزيلع وهرر ومصوع[149].
            وذهب نفس المذهب مصطفى السباعى (إخوان سوريا) ؛ فالحرب معركة يخوضها الإسلام لتحرير الأمة من العدوان الخارجى، ولتأمين الحرية الدينية والعدالة الاجتماعية لجميع الشعوب[150].
            ويجمع “علماء” الإسلام على أن سورة التوبة هى آخر سور القرآن وأن آياتها قد نسخت آيات سابقة أو استكملت أحكامها حسب رأى آخرممن يرفضون فكرة النسخ (من القدامى اثنان فقط هما أبو مسلم الأصفهانى والفخر الرازى، ومن المحدثين محمد الغزالى – محمود الخضري- محمد البهى وغيرهم) ، يضاف إليها آية 281 من سورة البقرة وآخر أية فى سورة النساء[151]. وبغض النظر عن مدى صحة ذلك تاريخيا فإن هذه الفكرة راسخة تماما فى الثقافة الإسلامية: فسورة براءة أو التوبة تسمى أيضا: المقشقشة- المبعثرة –المشردة- المخزية- الفاضحة- المثيرة- الحافرة –المنكلة- المدمدمة - سورة العذاب.. وكل من هذه الأسماء يحمل معنى قهر الإسلام ل"لكفار" بطريقة أو بأخرى حسب أقوال مختلف “العلماء”. وهى السورة التى طالبت المسلمين بفسخ العهود ومقاتلة "الكفار" فى كل مكان لإجبارهم على الدخول فى طاعتهم إما بالإيمان أو بدفع الجزية. ونلاحظ أن معظم محاولات الإسلاميين “ المعتدلين” المعاصرين للرد على من يتهمون الإسلام بالعدوانية وكراهية الآخر.. الخ يتفادون الاستشهاد بسورة براءة ويلجأون إلى السور والأحاديث التى تعد فى التراث الإسلامى إما سابقة تاريخيا أو منسوخة أو جزئية الأحكام استكملتها سورة التوبة أو تناسب ظروف الاستضعاف، لدى المتحفظين أو الرافضين لفكرة نسخ الأحكام فى القرآن[152]، والتى تتضمن آيات وأحاديثا – سبقت الإشارة إلى بعضها- تدعو للسلم والتعايش مع الآخرين والجدال بالتى هى أحسن وتمنح البشر حرية الاعتقاد وتوصى بالنصارى وأهل الكتاب عموما وحتى ببقية "الكفار" الذين لم يعتدوا على المسلمين. وهى بالطبع محاولة للتأقلم مع الظروف الدولية المعاصرة. وبالتالى يكون الجهاديون أكثر صدقا وأكثر اتساقا[153]. ومن الأمثلة ذات الدلالة أن هناك اليوم من يدعو إلى قصر الجهاد على جهاد الدفع وتأجيل جهاد الطلب بسبب ضعف المسلمين كما تم إنتاج ما يُسمى ب”فقه الأولويات”للمواءمة بين ضعف المسلمين الحالى وأهدافهم فى جعل الإسلام الكلمة العليا فى العالم[154].
            ولقد ذهب أغلب المفسرين فى تفسير آية السيف: فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصدٍ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن اللـه غفور رحيم (التوبة: 5) إلى أنها نسخت كل موادعة بين المسلمين و"الكفار": منهم ابن كثير الذى قال: وهذه الآية الكريمة هى آية السيف التى قال فيها الضحاك ابن مزاحم: إنها نسخت كل عهد بين النبى صلى اللـه عليه وسلم وبين أحد من المشركين وكل عهد وكل مدة، وقال العوفى: عن ابن عباس فى هذه الآية لم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة منذ نزلت براءة. أما الرافضين لفكرة النسخ فمنهم من رأى أن “كل آية يمكن أن تعمل ولكن الحكيم هو الذى يعرف الظروف التى يمكن أن تعمل فيها الآية”[155]. وذهب مثل ابن كثير معظم المفسرين، منهم القرطبى والطبرى والبيضاوى والألوسى، إلا أن البعض قصر الأمر على مشركى مكة، مثل ابن العربي[156]. وفى هذه الآية ما يدل على أن الجزية لا تقبل من المشركين فهم مخيرون بين الإسلام أو القتل. وفى التاريخ لم يمارس المسلمون الفاتحون أعمال إبادة جماعية بشكل تلقائى ضد المشركين بل مورست أساسا ضد من قاوموا الغزو بقوة، مما يدل على أنهم اعتبروا أن آية السيف تنطبق على مشركى العرب فقط، أما بقية المشركين فعوملوا معاملة أهل الكتاب وأخذت منهم الجزية. وعلة ذلك أن مشركى العرب هم فى الأصل على دين الحنيفية؛الإسلام، ولكنهم ارتدوا وعبدوا الأصنام [157]، فيعاملون على أنهم مرتدين وليسوا فقط مشركين، فيُطبق عليهم حد الردة. ولنفس السبب رأى البعض ألا تؤخذ منهم (أي مشركي غير العرب)الجزية، بل يخيرون بين الإسلام أو السيف، وهو مالم يحظ برأى الأغلبية.
            وقد تناول سيد قطب بكل وضوح وجرأة التكتيك الإسلامى فى التعامل مع "الكفار": ”إن تلك الأحكام المرحلية ليست منسوخة بحيث لا يجوز العمل بها فى أى ظرف من ظروف الأمة المسلمة بعد نزول الأحكام الأخيرة فى سورة التوبة. ذلك أن الحركة والواقع الذى تواجهه فى شتى الظروف والأمكنة والأزمنة هى التى تحدد- عن طريق الاجتهاد المطلق - أى الأحكام هو أنسب للأخذ به فى ظرف من الظروف، فى زمان من الأزمنة. فى مكان من الأمكنة ! مع عدم نسيان الأحكام الأخيرة التى يجب أن يصار إليها، متى أصبحت الأمة المسلمة فى الحال التى تمكنها من تنفيذ هذه الأحكام؛ كما كان حالها عند نزول سورة التوبة، وما بعد ذلك أيام الفتوحات الإسلامية التى قامت على أساس من هذه الأحكام الأخيرة النهائية. سواء فى معاملة المشركين أو أهل الكتاب [158]“.
            إذن رغم التغيرات التاريخية مازالت فكرة الفتح تتمتع بالاحترام فى وعى الإسلاميين ولكن ينصب الاهتمام فى الخطاب الإسلامى الحالى على جهاد الدفع وليس جهاد الطلب وهو ما يناسب حالة الضعف التى يعانى منها الإسلام حاليا وحالة العدوان من جانب "الكفار"، وحتى أفكار الغزو تُطرح فى سياق دفاعى. ومع ذلك تظل فى الخلفية فكرة الغزو و”تحرير”الشعوب فى الفكر الإسلامى وتُعلن الفكرة من حين لآخر وغالبا على استحياء فى كتابات الإسلاميين كل حسب جرأته والأهم هو رفضهم مع الرأى العام إدانة تاريخ الغزو والاعتراف بالطابع الاستعمارى الاستغلالى للفتوحات الإسلامية.
***
            * دار الإسلام ودار الكفر:
            مثلما يقسم الإسلام البشر إلى مؤمنين و“كفار” وإلى حزب اللـه وحزب الشيطان، يقسم الأرض إلى “دار الإسلام” و”دار الكفر. فكل أرض لا يسودها المسلمون ولا تعد جزءا من الدولة الإسلامية يعدها دار كفر.
            لا يوجد فى النصوص المقدسة تعريف محدد لدار الإسلام ودار الكفر. كذلك لم يحدد الفقه بشكل قاطع ومتفق عليه بين الفقهاء معنى كل منهما.. وقد تعددت التقسيمات واختلفت التعريفات. وبعيدا عن الاختلافات المعتادة يهمنا هنا أن نشير إلى أنه من الثابت فى الفقه الإسلامى والراسخ فى الثقافة الإسلامية منذ قرون أن العالم ينقسم إلى أرض إسلام وأرض "كفر"، والمعنى الظاهر لهذا التقسيم هو أن انقسام البشر دينيا هو التميز الرئيسى فى الفكر الإسلامى (مقابل التقسيم الطبقى مثلا فى الفكر الماركسي) . وبالتالى فالدين هو المحدد الأول لهوية الناس ولانتمائهم. ورغم انقسام "دار الإسلام" نفسها منذ قيام الدولة العباسية إلى دول عديدة ووجود قوميات شتى بين المسلمين منذ عهد مبكر، ظل الاعتقاد بأن الدين هو الهوية الأساسية سائدا. وحتى رغم الحروب التى نشأت بين المسلمين دولا وجماعات وظهور معسكرات دولية يضم كل منها مسلمين أفرادا ودولا، لم يتغير هذا الاعتقاد. على هذا الأساس يجب – من وجهة النظر الإسلامية – أن يجاهد المسلمون فى دار الحرب بجانب المسلمين فى دار الإسلام ولو ضد البلد الذى يقيمون فيه. والمعنى أنهم طابور خامس فى بلدهم لصالح دار الإسلام.. مما لا يُعتبر وفقا للفكر الإسلامى السائد خيانة وطنية بل تعد عملا جهاديا حيث الجنسية الأهم فى الإسلام هى “الجنسية” الإسلامية. ويصر الإسلاميون المتشددون، وبعض “المعتدلين”أيضا خصوصا من غير العرب، على معاداة الفكرة القومية؛ العربية وغيرها ويعتبرها أغلبهم من ضمن المؤامرة الغربية على الإسلام.
            أعرض تعريف لدار الإسلام بأنها كل بقعة تكون فيها أحكام الإسلام ظاهرة أو كل أرض تظهر فيها أحكام الإسلام. وبالرغم من أن الأمر يبدو نسبيا، حيث أن التكفير كان دوما من أسهل ما يمكن واسُتخدم من قبل مسلمين ضد بعضهم وضد دولهم أيضا، إلا أن هذا التعريف هو ما اتفق عليه مجمل فقهاء الإسلام التقليديين. وأكثرهم تساهلا بوجه عام هم الأحناف الذين قالوا أن دار الإسلام تنتهى عند سيطرة التشريع الغير الإسلامى، مثل عدم معاقبة ما يعتبره الإسلام من الجرائم كالزنا والربا وشرب الخمر، وكذلك تواجد بلد غير إسلامى حائل بين بلدين إسلاميين، أو إذا منع المسلمون من الإقامة أو رفض الأمان لهم.
            كما يعتبر أقلهم البلد دار إسلام إذا استطاع فيه المسلمون إقامة شعائرهم وتطبيق شريعتهم وإن لم ُيحكم ككل بشرع الإسلام. إلا أن بعض الفقهاء اشترط أن يكون الحاكم مسلماً، وآخرون اشترطوا أن يكون القاضى مسلما أو انتخبه المسلمون[159]. والنادر جدا من الإسلاميين الأكثر تفتحا يكتفى لاعتبار الدار دار إسلام أن يستطيع المسلمون فيها ممارسة عباداتهم والدعوة للإسلام دون إعاقة وبناء على ذلك اعتبروا البلاد الغربية حاليا من ديار الإسلام.
            ودار الإسلام وفقا لهذه التعريفات جميعا ليست ثابتة بالضرورة، بل تشمل كل أرض تنطبق عليها الشروط بما فيها الأراضى المفتوحة، وبذا تتحدد دار الإسلام بآخر نقطة يطبق فيها الإسلام[160].
            ويعتبر الجهاديون والمتشددون الإسلاميون عموما دار الإسلام “هى تلك التى تقوم فيها الدولة المسلمة، فتهيمن عليها شريعة اللـه، وتقام فيها حدوده، ويتولى المسلمون فيها بعضهم بعضا، وما عداها فهو دار حرب، علاقة المسلم بها إما القتال، وإما المهادنة على عهد أمان، ولكنها ليست دار إسلام”[161].
             أما التعريف الأوسع قبولا لدار الكفر فهى كل بقعة تكون فيها أحكام "الكفر" ظاهرة حتى لو بها مسلمين كثير أو قليل. ونظرا لتباين التحديدات لمفهوم دار الإسلام تكون دار الكفر هى كل مالا يعد دار إسلام[162].
            ويضيف الفقهاء ما يُسمونه بدار البغى وهى أصلا من ديار المسلمين الذين تمرد أهلها على الإمام. كما ذُكر ما سُمى بدار الردة وهى دار إسلام فى الأصل ارتد أهلها[163].
            وتنقسم دار الكفر بدورها إلى أقسام متعددة، وحسب ابن القيم: (وهذا مقبول من جمهور الفقهاء): "الكفار" إما أهل حرب وإما أهل عهد وأهل العهد ثلاثة أصناف: 1- أهل ذمة 2- أهل هدنة 3- أهل أمان.
            وقد عقد الفقهاء لكل صنف بابا فقالوا باب الهدنة باب الأمان باب عقد الذمة. ولفظ الذمة والعهد يتناول هؤلاء كلهم فى الأصل. وكذلك لفظ الصلح فإن الذمة من جنس لفظ العهد والعقد. وقولهم هذا فى ذمة فلان أصله من هذا أى فى عهده وعقده أى فألزمه بالعقد والميثاق ثم صار يستعمل فى كل ما يمكن أخذ الحق من جهته سواء وجب بعقده أو بغير عقده كبدل المتلف فإنه يقال هو فى ذمته وسواء وجب بفعله أو بفعل وليه أو وكيله كولى الصبى والمجنون وولى بيت المال والوقف فإن بيت المال والوقف يثبت له حق وعليه حق كما يثبت للصبى والمجنون ويطالب وليه الذى له أن يقبض له ويقبض ما عليه[164].
            ويمكن تلخيص أصناف "الكفار" بوضوح أكثر كالتالى:
            القسم الأول: أهل الحرب:
            وهم "الكفار" الذين لم يدخلوا فى عقد الذمة، ولا يتمتعون بأمان المسلمين، ولا عهدهم، وهذا القسم حلال الدم والمال، فيجوز ويشرع للمسلم قتل "الكافر" المحارب وأخذ ماله، وقد دلت السنة النبوية على هذا الحكم، وقد مارس هذا محمد فى غزواته مع المشركين. ولفظ المحارب هنا لا يعنى الذى يقاتل بالفعل بل القادر على القتال من أهل دار الحرب حتى لو لم يبدأوا مهاجمة المسلمين. ف"الكفار" غير المعاهدين للمسلمين أهل حرب حتى لو أرادوا العيش فى سلام.
القسم الثانى: أهل عهد
1- أهل الذمة
            وهم "الكفار" الذين أُقروا فى دار الإسلام على كفرهم، بالتزام الجزية ونفوذ أحكام الإسلام فيهم، وهذا القسم معصوم الدم والمال، فلا يجوز لأحد من المسلمين الاعتداء عليهم، لأنهم فى ذمة المسلمين وحمايتهم.
2- “كفار” هدنة:
            وهم "الكفار" الذين صالحهم المسلمون على إنهاء الحرب مدة محددة لمصلحة يراها الإمام، ولا يجوز أن يكون الصلح إلى الأبد، لأن فى هذا تعطيلاً لأصل الجهاد، وإنما يعاهدهم المسلمون فى حالة الاستضعاف. وهذا القسم معصوم الدم والمال فى وقت العهد والصلح، فما دام الصلح قائماً فإنه يحرم على المسلمين الاعتداء عليهم؛ لأن فى ذلك نقضاً للعهد والمواثيق، وذلك محرم: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود (المائدة: 1) ، وإذا انتهى الصلح فإن حكمهم حينئذ يكون حكم المحاربين، فتحل دماؤهم وأموالهم. فالهدنة خدعة من خدع الحرب بتعبير منسوب لأبى حامد الغزالى.
3- أهل الأمان:
وهم "الكفار" الذين يدخلون فى دار الإسلام بأمان كرجال الأعمال والتجار وأصحاب الصناعة والمهن التى يحتاج إليها المسلمون، وكذلك الرسل المبعوثون من الدول الأخرى واللاجئون طالبوا الأمان. وهذا القسم من "الكفار" معصوم الدم والمال ما داموا ملتزمين بالشروط المبرمة بينهم وبين المسلمين. ومع ذلك يمنح الفقه الإسلامى لكل من الدولة الإسلامية وأفرادها حق استجارة "الكفار"، ولكن هذا الحق يستثنى منه "الكفار" من أتباع الدولة الإسلامية؛أهل الذمة ويقصر على المسلمين فقط[165]، مما يعنى انتقاصا من مكانة وحقوق “الكافر” حامل الجنسية الإسلامية وتعنى مباشرة أنه مجرد ضيف فى بلده وليس صاحب البلد، حيث لا يستطيع استضافة “كفار” مثله بينما يملك المسلم هذا الحق.
            يمكن إذن أن نميز العلاقة بين دار الإسلام ودور الكفر إلى:
             1- - علاقة حرب حيث لا توجد معاهدات ولا اتفاقيات
             2- علاقة عهد
             3-علاقة مركبة كما ذهب ابن تيمية مثلا، حيث توجد دار بين الاثنين لا هى بدار الحرب ولا بدار الإسلام[166]. وهذه الحالة الأخيرة لجأ إليها بعض المتشددين المعاصرين لوصف البلاد الإسلامية التى لا تلتزم حكوماتها بتطبيق الشريعة بأنها لا دار إسلام ولا دار كفر[167].
           
علاقة الحرب:
            * الرأى السائد فى الإسلام أن دار الكفر هى بالضرورة دار حرب مالم تكن غير ذلك، أى مالم تكن تربطها بدار الإسلام معاهدة ما. فالأصل بين الإسلام و"الكفر" هو الحرب لنشر دين اللـه وجعل كلمة اللـه هى العليا[168]. فمالم تكن هناك معاهدة سلام تكون دار الكفر دار حرب مستباحة من قبل المسلمين. ف”الحربى الذى لا ذمة له ولا عهد” حسب تعريف الشوكاني[169]. كما أن” دم الكافر لا يتقوم إلا بالأمان”[170]، ففى غياب العهد يحل دمه تلقائيا، والمعنى أن دمه حلال فى الأصل ولا يمنعه إلا وجود عهد مع المسلمين.
            وقد ذهب جمهور الفقهاء قديماً وحديثاً مذهب القول‏ بأن الأصل فى العلاقة بين دار الإسلام ودار الحرب هو الحرب ولا يكون السلام إلا مؤقتا وبالتالى استثنائيا.. ويقوم هذا المذهب على قاعدة راسخة فى الفكر الإسلامى هى أن السيادة على العالم حق طبيعى للإسلام وحده وما دام هناك من يكفر بهذا الحق الشرعى، فمن الطبيعى أن يعتبره الإسلام كائناغير شرعى، بل ومعتد على سلطان اللـه فتكون الحرب بينهما حتى يحكم الإسلام الأرض ومن عليها، وهناك من الأحاديث كثير مما يدعم هذه الفكرة.
            ومع ذلك هناك من مفكرى الإسلام أقلية ترى العكس، أى أن الأصل فى العلاقة بين دار الإسلام ودار الحرب هو السلم، منهم محمد رشيد رضا[171] وعباس محمود العقاد[172]، والدكتور أحمد صبحى منصور[173] والدكتور وهبة الزحيلى [174]. ويرى الزحيلى أن الجهاد نوع مما يسمى الآن بمقتضيات "الدفاع الوقائي" وأنه وسيلة فى يد ولى الأمر لحماية نشر الدعوة أو للدفاع عن المسلمين (ص 125) . وأن الفتح أجيز بشرط أن تكون الدولة المفتوحة قد اعتدت على الإسلام أو ثبت لدى المسلمين أنها تأخذ الأهبة للاعتداء، فليست المسألة حقاً طبيعياً فى الاتساع والسيادة يمارسه الإسلام كلما مس ظرفاً مؤاتياً، وإنما مسألة دفاع وقائى. ثم يصل إلى القول "يرى فقهاء المذاهب السنية والشيعية فى عصر الاجتهاد الفقهى فى القرن الثانى الهجرى أن الأصل فى علاقة المسلمين بغيرهم هو الحرب جريا على أساس تقسيم الدنيا إلى دارين، وبناء على ما فهموه من آيات القرآن على ظاهرها وإطلاقها دون محاولة الجمع والتوفيق بينها (ص 130) . وهو ما ينفيه معتبرا أن علة القتال فى الإسلام هو الحرابة لا الكفر (ص131-132) ويقرر فى النهاية أن رأى الفقهاء فى أن الأصل هو الحرب ليس حجة على أحد، فهى حكم زمانى. ورغم هذا لم يستطع الزحيلى أن يصل للنهاية مثل صبحى منصور؛فنراه يعتبر أن الدفاع الوقائى يتضمن "حالة الاعتداء على الدعاة... بمصادرة حرية التبليغ الإيجابية أو وقوع الفتنة فى الدين" (ص 93) أى يشترط للسلام حرية المسلمين فى التبشير ولم يناد بحق مماثل "للكفار". كما نراه لا يعترض على الخصال الثلاث؛الإسلام أو الجزية أو السيف (ص 98) مكتفيا بنفى أن السلام يسود حين تتبع شريعة محمد (ص 97) ، وهو هنا يتفق ضمنا مع الفقهاء الذين ينتقدهم فى أن السلام يسود حين يسود الإسلام كمنهاج وليس كدين، أى بخضوع الكفار للمسلمين، خاصة أنه يتحدث عن العهود الدائمة على أنها عقد الذمة وليست العهود الأخرى المؤقتة فى مجمل الفقه الإسلامى. ولم يقل العقاد من قبل خلاف ذلك ولكن باستحياء حيث أشار بسرعة إلى حق الإسلام فى الدعوة كشرط للسلام (ص 23 من المرجع السابق) .
            ونحن لا نهتم بما يسمى حقيقة الإسلام كما هو موضوع الحوار بين الطرفين سابقى الذكر وإنما نهتم بكشف (حتى من خلال كلام الزحيلي) أن جل الفقهاء رأوا أن الحرب هى الأصل بين الإسلام و"الكفر".
            ويستند القائلون بأن السلم هو الأصل فى العلاقة بين دار الإسلام ودار الكفر، وهم القلة القليلة من الفقهاء و”العلماء” والدعاة، إلى بعض الآيات والأحاديث التى تدعو إلى السلم مع غير المعتدين من "الكفار" وإلى عدم البدء بشن الحرب إلا إذا بدأ الآخرون أو وقع منهم ما يدل على نيتهم فى شن الحرب. ومع ذلك لم ينكر أحد أن نشر الإسلام هدف ثابت للمسلمين وذهبت الأغلبية إلى أن ذلك لا يكون بالسيف ولكن يجمع جل الإسلاميين من كل اتجاه على أن ضمن أهداف إعداد القوة و”من رباط الخيل” تأمين وصول الدعوة الالهية إلى كل بنى البشر. وإن الصمت الذى يلتزمه بعضهم بعد هذه العبارة لا يحمل فى طياته سوى الرغبة فى طمس القضية إعلاميا. ف”تأمين وصول الدعوة الالهية إلى كل بنى البشر” يتضمن إجبار الدول "الكافرة" على فتح أبوابها لدعاة الإسلام وإلا..، وهو أيضا رأى أكثر الإسلاميين التقليديين بما فيهم أغلب المتشددين. هذا طبعا فى الوقت الذى يأبى فيه الجميع تقريبا أن تُفتح حدود الدول الإسلامية للدعاة من الأديان والملل الأخرى بل يُمنع بالقوة أى نشاط محلى مضاد للإسلام، وفقا لكافة أحكام الشريعة التى يقبلها حتى الرأى العام المسلم ككل فى هذا الصدد. ويعزز معظم الإسلاميين الكلام عن الطابع الدفاعى للحرب فى الإسلام بالزعم بأن الفتوحات لم تكن تهدف إلى تحقيق منافع دنيوية، بل للدعوة إلى الإسلام، وكأن الهجوم لفرض نظام الإسلام وتوصيل دعوته ليس هجوما!.
            إلا أن الحجة غير كافية على الإطلاق، فالبدء بالدعوة السلمية لا يكون هو آخر ما لدى الإسلام، بل يلى ذلك الحرب إذا امتنع "الكفار" عن قبول الدعوة أو دفع الجزية. وفى أفضل الحالات يُطالب المسلمون "الكفار" بعدم الوقوف فى طريق الدعوة لا عسكريا ولا سياسيا، بمنع المسلمين من الدعوة لدينهم فى دار الكفر بحرية وممارسة مسلمى دار الكفر لشعائرهم، فإذا أبوا ذلك حل القتال. فالقول بأن السلم هو الأصل هو مجرد ادعاء لا يقوم على أساس، لأن مجرد تخيير "الكفار" بين الإسلام أو الجزية أو السيف يعنى أن عليهم أن يخضعوا سلما (وهو الخيار الأفضل فى الإسلام) أو قتالا وهو القرار المحتم إذا رفضوا الخضوع سلميا. وفى هذا لا يختلف القائلون من الفقهاء أن أصل العلاقة هو الحرب، فالإسلام لا يبدأ بالحرب لدى الأغلبية العظمى من ال”علماء” دون إنذار بقبول الإسلام، بينما ترى القلة أن مجرد إعلان الرسالة على العالم بعد أن انتشر الإسلام يُعد إنذارا للجميع. وهو مالا ينفى أن الحرب هى الأصل، حيث أن التهديد بالخضوع هو عمل من أعمال الحرب. وإذا عدنا إلى رسالتى محمد إلى كسرى وقيصر والتى سبق ذكر نصهما لوجدنا التهديد بالحرب مبطن فيهما مع الدعوة للإسلام دون عرض لحوار أو نقاش عام. وكان من الممكن إذا كان السلم هو الأصل أن يُرسل الدعاة إلى بلاد العالم للدعوة وكانت حرية الانتقال متوفرة فى تلك الأيام، ولكن فضل المسلمون التهديد.
            وإذا كان السلم هو الأصل لكان على الإسلام أن يعترف بعقائد "الكفر" كتوجهات مشروعة لأصحابها وأن يمتنع عن التهديد بالجزية أو القتال لمن امتنع عن الإسلام وكان عليه أن يمتنع عن غزو البلاد الأخرى وأن يكتفى برد العدوان. ولكن ما يأخذ به كل عامة وخاصة المسلمين تقريبا أن سيادة الإسلام على العالم هو تكليف إلهى للمسلمين. وقد لخص سيد قطب مفهوم السلام الذى يريده الإسلام فى رأيه بطريقة واضحة: “فالإسلام حين يسعى إلى السلم، لا يقصد تلك السلم الرخيصة، وهى مجرد أن يؤمن الرقعة الخاصة التى يعتنق أهلها العقيدة الإسلامية. إنما هو يريد السلم التى يكون فيها الدين كله للـه. أى تكون عبودية الناس كلهم فيها للـه، والتى لا يتخذ فيها الناس بعضهم بعضا أربابا من دون الله“[175]. وهو رأى لا يخص المتشددين الإسلاميين فحسب بل جل “الأمة” الإسلامية.
            وإن الخلاف الدائم بين الفقهاء عن أصل العلاقة بين دار الإسلام ودار الكفر ليعنى وجود توجهات شتى فى قراءة النصوص وفى تحليل السنة النبوية العملية. وغالب الأمر أن جل القائلين بالسلم كأصل للعلاقة يقصدون أن الحرب يسبقها الإنذار والدعوة وأن هذا أفضل من الحرب وهو قول كما أسلفنا لايعتبر التهديد مرحلة من مراحل الحرب. وجدير بالملاحظة أن القائلين بالسلم هم القلة فى المعسكر الإسلامي[176]، أما القائلين بالسلم بشرط عدم اعتداء "الكفار" فقلة القة بالإضافة إلى الإسلاميين العلمانيين القلائل للغاية.
            وهناك من يقر أن التقسيم التقليدى إلى دار إسلام ودار كفر أو دار حرب يستحق الإهمال حاليا ليس لأنه لا يتفق مع الإسلام، بل لأن المسلمين حاليا فى حالة من الضعف تتطلب منهم المهادنة، وهو نهج براجماتى صريح. وقد رأى أحد الدعاة على سبيل المثال أن الغرب المعاصر هو “دار دعوة” وليس "دار حرب “، أو “ دارإسلام “، “لأننا إن قلنا إننا فى “ دارحرب “ فلسنا قادرين على ممارسة الحرب، وإن قلنا إننا فى دار إسلام فمعنى ذلك أننا نرضى بكل القوانين التى تحكم هذه البلاد: التى نحن فيها”![177].
            إن التراجع على صعيد الدعاية والشعارات لا يعنى تغيير الفكر أو القناعات، بل إعادة ترتيب االأولويات وتفادى الصدام مع "الكفار" الأكثر قوة. ولذا يجب أن نميز بين الثقافة والدعاية الانتخابية أو الخطابة الديماجوجية فى المحافل الدولية، وما يدل على وجود هذه الفجوة أن نفس الإسلاميين أصحاب الدعاية “الإنسانية” يكشفون عن قناعاتهم وما تؤمن به قواعدهم وأنصارهم من وقت لآخر وعلنا.
            أما معاهدات السلام فمؤقتة دائما وفقا للفقه الإسلامى، فهى تمثل فترات هدنة من الحرب الدائمة ضد "الكفار". وإن فضائل الغزو فى الإسلام كثيرة كما سبق أن رأينا (من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من نفاق) . فمن غير المقبول فى الإسلام عموما أن تبقى دار الإسلام ودار الكفر فى حالة سلام أبدى، وللضرورة أحكام ولكن الهدف الثابت للمسلمين يجب أن يكون تحقيق السيادة للإسلام، سلما أو قتالا كما سبق وتحدثنا فى مفهوم جهاد الطلب. أما قبول وجود "الكفار" فى سلام وبلا خضوع للإسلام بشكل أو بآخر كمبدأ، أى إلى أجل غير مسمى فيناقض الإسلام السائد تماما. وقد حدد الماوردى 10 مهمات لخليفة الإسلام، منها “جهاد من عائد الإسلام بعد الدعوة حتى ويدخل فى الذمة ليقام بحق اللـه تعالى فى إظهاره على الدين كله “[178]. وإن موادعة "الكفار" وحتى التحالف مع بعضهم ضد الآخر أحيانا أمر مقبول ولكن على نحو مؤقت وتحت وطأة الظروف غير المواتية. ذلك أن مصلحة الإسلام قد تتطلب بعض المرونة فى أوقات الأزمات وفترات الضعف. والكلام هنا بوضوح عن السلام بالمفهوم العسكرى وليس الفكرى، فالصراع العسكرى بين الإسلام و"الكفر" هو الأصل من وجهة النظر الإسلامية السائدة. أما فى فترات الضعف فيمكن للمسلمين استدعاء أحكام المرحلة المكية، ونقصد بها استدعاء وسائل الدعوة المحمدية حين كان مستضعفا فى مكة، فلجأ إلى الحوار والتسامح واللين فى الدعوة للإسلام. ويمكن أن نضرب مثالا على وجود هذا التوجه فى الفكر الإسلامى:
            فالقول بأن الإسلام هو دين السلام يقصد بها فى الفقه الإسلامى أن يقام السلام، لا بين أكفاء، وإنما فى ظل سيادة الإسلام على "الكفار"، فيجب على المسلمين غزو دار الكفر وأن يهزمونها أو يحتلونها أو يفرضوا الجزية على أهلها لتكون الهيمنة للمسلمين.. أو للإسلام لا فرق من الناحية العملية.
            ولنقرأ الآية التالية فى سورة محمد (آية: 35): فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون واللـه معكم ولن يتركم أعمالكم. وقد فسرها ابن كثير كالآتى: “أى لا تضعفوا عن الأعداء وتدعوا إلى السلم أى المهادنة والمسالمة ووضع القتال بينكم وبين "الكفار" فى حال قوتكم وكثرة عددكم وعددكم ،.. ولهذا قال: فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون أى فى حال علوكم على عدوكم.. فأما إذا كان "الكفار" فيهم قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام فى المهادنة، والمعاهدة مصلحة فله أن يفعل ذلك”[179].
            أما القرطبى فتناول أيضا علاقة الآية بالآية المناقضة لها شكلا: “واختلف العلماء فى حكمها؛ فقيل: إنها ناسخة لقوله تعالى: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها (الأنفال: 16) ؛ لأن اللـه تعالى منع من الميل إلى الصلح إذا لم يكن بالمسلمين حاجة إلى الصلح. وقيل: منسوخة بقوله تعالى: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها (الأنفال: 16) . وقيل: هى محكمة. والآيتان نزلتا فى وقتين مختلفى الحال. وقيل: إن قوله: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها مخصوص فى قوم بأعيانهم، والأخرى عامة. فلا يجوز مهادنة "الكفار" إلا عند الضرورة؛ وذلك إذا عجزنا عن مقاومتهم لضعف المسلمين. وقد مضى هذا المعنى مستوفى “. وقد ذهب معظم المفسرين نفس المذهب. بينما حدد الشوكانى احتمالات من بينها أن الآية تدعو إلى عدم البدء بالدعوة للسلم ولكنها لا تمنع قبوله إذا دعا إليه "الكفار" وبهذا تكون غير ناسخة ولا منسوخة بالآية 16 من الأنفال سابقة الذكر[180]. والأمر الأكثر قبولا فى الفكر الإسلامى هو القول الأول. وكثير من الإسلاميين يعلن صراحة هذا المنطق؛أى المهادنة فى حالة الضعف والهجوم فى حالة القوة: "ولا يعنى هذا عند من يفهم شيئاً من دين اللـه عز وجل أن المسلمين فى حال ضعفهم مفروض عليهم أن يعلنوا الحرب على الناس جميعاً من أول وهلة، ولكن السياسة الشرعية تقتضيهم أن يعملوا بكل نص حسب ظروفه ومقتضياته وأحواله دون إلغاء لما سواه من النصوص"، [181]، وهذا من ضمن قواعد فقه الأولويات.
            وقد نص الحديث بوضوح على “منطق”الحرب الإسلامية ضد "الكفار" كالآتى: اغزوا باسم اللـه، وفى سبيل اللـه. قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً. وإذا أنت لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحديٰ ثلاث خلالٍ، أو خصالٍ. فأيتهن أجابوك إليها، فاقبل منهم وكف عنهم. ادعهم إلى الإسلام. فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين. وأخبرهم، إن فعلوا ذٰلك، أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين، وإن أبوا فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجرى عليهم حكم اللـه الذى يجرى على المؤمنين. ولا يكون لهم فى الفيء والغنيمة شيء. إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. فإن هم أبوا أن يدخلوا فى الإسلام، فسلهم إعطاء الجزية. فإن فعلوا فاقبل منهم وكف عنهم. فإن هم أبوا، فاستعن بالله عليهم وقاتلهم- سنن ابن ماجة (2929) .
             فعلى المسلمين دعوة "الكفار" إلى الإسلام فإن رضوا كان بها وإن أبوا أصبح لزاما إما القتال وإما الصلح على شروط منها دفع الجزية مثلا. وإذا كان من نافلة القول أن الدعوة الإسلامية قد صارت شائعة وسمع بها كافة البشر تقريبا، أصبح القتال واجبا دون إنذار. وفى السنة النبوية ما يفيد ذلك، ف”المبالغة فى الإنذار قد تنفع وإن تركوا ذلك فحسن أيضاً لأنهم ربما لا يقوون عليهم إذا قدموا الإنذار والدعاء ولا بأس أن يغيروا عليهم ليلاً أو نهاراً بغير دعوة لما روى أن النبى  أغار على بنى المصطلق، وهم غارون غافلون ويعمهم على اولا بأس بأن يحرقوا حصونهم ويغرقوها ويخربوا البنيان ويقطعوا الأشجار”[182].
            وحتى لو وجه إنذار بالإسلام فهو إنذار بالقتال مالم يستسلم "الكفار" ويتخلوا عن عقيدتهم أو يدفعوا الزكاة بدلا من الجزية ويخضعوا بالتالى للخليفة المسلم. السلام بهذا المعنى هو الاستسلام بشكل أو بآخر. أما الوصول إلى حلول وسط وشروط غير منصفة للمسلمين فليس مرفوضا فى الفكر الإسلامى وفقا للسنة النبوية (مثال صلح الحديبية المجحف للمسلمين) ، ولكن ليس هذا هو الخيار النهائى، بل يكون اتفاقا مؤقتا، ويصبح من الواجب حين تصبح الظروف مواتية تطبيق سورة التوبة التى ألغت العهود مع "الكفار" ودعت للقتال والقتل.
            وإذا كان مبرر الحرب الإسلامية المستهدفة على الصعيد الاستراتيجى ضد "الكفر" هو "الكفر" فى حد ذاته، فقد استخدم التكفير طوال تاريخ الفكر الإسلامى كمبرر للقتال ضد فئات مختلفة منها من يعلنون أنهم مسلمون. واستخدم التكفير كل من الدولة والمعارضة. ومن أمثلة ذلك ما نقل عن محمد ابن موسى الحنفى قاضى دمشق المتوفى سنة 556 ه قوله: "لو كان لى من الأمر شيء لأخذت على الشافعية الجزية". كما ينقل عن أبى حامد الطوسى المتوفى سنة 567 ه قوله: "لو كان لى أمر لوضعت على الحنابلة الجزية "، كما نودى فى دمشق وغيرها: من كان على دين ابن تيميه حل ماله ودمه. وقال حاتم الحنبلى: "من لم يكن حنبلياً فليس بمسلم ". بينما ذهب الشيخ أبو بكر المقرى الواعظ فى جوامع بغداد إلى تكفير الحنابلة. وابن القشيرى الشافعى عندما ورد بغداد سنة 469 ه أخذ يذم الحنابلة وهجم أصحابه على زعيم الحنابلة عبد الخالق ابن عيسى، ووقع قتال بين الطرفين. واستفك الخليفة الواثق من الروم أربعة آلاف من الأسرى، ولكنه اشترط أن من قال القرآن مخلوق يخلى من الأسر، ويعطى دينارين ومن امتنع عن ذلك فيترك فى الأسر ولا يفك، بمعنى انه رتب آثار "الكفر" على من لم يقل بخلق القرآن، كما قتل نفس الخليفة أحمد ابن نصر لقوله بعدم خلق القرآن[183].
            وقد استخدم النص المقدس فى هذه المعارك، من ذلك – كمثال- حديث: والذى نفس محمد بيده لتفترقن أمتى على ثلاث وسبعين فرقة. واحدة فى الجنة وثنتان وسبعون فى النار- قيل: يا رسول اللـه من هم؟ قال: «الجماعة» (سنن ابن ماجة -4078) .
            وهناك من المثقفين الإسلاميين – فى العصر الحالي- من يزعم فى الإعلام أن كل معارك الإسلام كانت للدفاع عن النفس ويستشهد بالآيات التى تدعو لنبذ العدوان.. مما سبق سورة التوبة التى نسخت ما قبلها أو التى نقضت العهود مع "الكفار"، فالنتيجة واحدة. وهؤلاء يتناسون أولا أن الإسلام لا يعترف بالأديان الأخرى إلا باعتبارها تزويرا للإسلام الذى جاء فى كتب "سماوية" سابقة، وبالتالى هى أديان "الكفار" وثانيا ينفى سعى الإسلام إلى السيادة على العالم. كما أن نفى سعى المسلمين على مدى التاريخ إلى غزو الآخرين تنفيه وقائع التاريخ المدونة. ويكفينا أن الشعوب الإسلامية تفخر بتوسع الدولة الإسلامية قديما وتتحسر على انحسارالإسلام وضعف دوله وتحلم بإعادة الأيام الخوالى. كما لم يقدم سوى القليلين اعتذارا على “الفتوحات “ الإسلامية فى الماضى شاملة “الفتوحات” العثمانية التى لم تخل من البشاعة والقسوة والتى لا توجد أية شبهة فى تحقيقها بالعدوان على الدول والشعوب الأخرى بما فيها شعوب مسلمة. وإن إنكار “جهاد الطلب” من قبل بعض الإسلاميين “المعتدلين”.. هو لمجرد إرضاء الغرب.. ونحن لا نقصد هنا إذا ما كان هذا الإنكار هو إنكار للشريعة، بل إنكار لوجود هذه الفكرة فى الفقه الإسلامى منذ قرون طويلة ورسوخها فى الثقافة الإسلامية بقوة. أما إذا أراد البعض إعادة تفسير النص المقدس بحيث لا يتضمن فكرة العدوان على الآخرين وعدم ضرورة سيادة الإسلام فهذا شيء آخر؛ محاولة جيدة لتطوير الثقافة الإسلامية بتخليصها من النزعة التوسعية والعدوانية والرغبة المحمومة فى السيطرة على العالم.. وبالتالى مناهضة نزعتها المركزية[184]، وهو أمر يحاول القيام به بعض المفكرين الإسلاميين ذوى التوجه الإسلامي- العلماني[185]، الذين أدانهم وأهانهم المتشددون مثل سيد قطب: “أما محاولة إيجاد مبررات دفاعية للجهاد الإسلامى بالمعنى الضيق للمفهوم العصرى للحرب الدفاعية؛ ومحاولة البحث عن أسانيد لإثبات أن وقائع الجهاد الإسلامى كانت لمجرد صد العدوان من القوى المجاورة على “الوطن الإسلامى ! “ وهو فى عرف بعضهم جزيرة العرب - فهى محاولة تنم عن قلة إدراك لطبيعة هذا الدين، ولطبيعة الدور الذى جاء ليقوم به فى الأرض. كما أنها تشى بالهزيمة أمام ضغط الواقع الحاضر؛ وأمام الهجوم الاستشراقى الماكر على الجهاد الإسلامى !”[186].
           
* طرد "الكفار" من جزيرة العرب:
            قبل الإسلام فى البداية وجود “كفار” من أهل الكتاب فى جزيرة العرب وأخذ محمد الجزية منهم وتبعه فى ذلك أبو بكر وعمر، ثم قرر الأخير تطهير الجزيرة العربية منهم مستندا لأقوال منسوبة لمحمد فى هذا الشأن والتى لم ينكرها أحد يذكر من كبار الفقهاء ويتقبلها الرأى العام المسلم إلى حد كبير. وقد تم طرد يهود فدك[187] وخيبر سنة 20 هجرية[188] ثم أجلى نصارى نجران إلى النجرانية [189].
            ومن هذه الأحاديث ما ذكر فى صحيح البخاري- 2986: هجر رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم. قال: دعونى، فالذى أنا فيه خير مما تدعونى إليه. وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، ونسيت الثالثة.
            وفى صحيح مسلم: 4548: لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أدع إلا مسلماً.
            أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب، أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب (صحيح الجامع الصغير للألباني-232، 233 [190])
            وكاستثناء سمح قبل بعض الفقهاء بدخول "الكفار" إلى الحجاز للتجارة، منهم ابن حنبل[191]، لأيام معدودة. والوحيد الذى قبل دخول الذميين الحرم هو أبو حنيفة.
            وما تزال الفكرة حية رغم تغير الظروف، فلا تسمح السعودية بدخول "الكفار" أماكن بعينها، بينما تتساهل فى دخولهم ليس للحياة الدائمة بل للعمل (ويُعتبرون من أهل الأمان) دون السماح لهم بإقامة أماكن للعبادة أو ممارسة عباداتهم علنا.، وضمن شعارات تنظيم “القاعدة” طرد الجيوش "الكافرة" من الأراضى المقدسة.
 
***
* قواعد الحرب فى الإسلام:
            - الدعوة للإسلام قبل الغزو: كما سبق وأوضحنا ونؤكد مرة أخرى أن هذه القاعدة قد اتبعت فى الغزوات المبكرة للدولة الإسلامية ولكن لم تتمسك بها الدولة إلا لفترة محدودة ثم راحت تشن الغارات وأعمال الغزو دون إنذار أو عرض إحدى الثلاثة خيارات، ومثال ذلك عملية احتلال الأندلس التى اُعد لها بعناية لمدة سنوات[192]. وكما أشرنا من قبل أقر الفقه إمكانية القيام بالغزو دون إنذار على أساس أن الدعوة الإسلامية صارت شائعة ولم يعد من الضرورى توجيه الإنذار بالإسلام أو الجزية.
            - العهود:
            أمر القرآن المسلمين بالوفاء بالعقود وبالعهود فى أكثر من آية: يا أيها الذين آمنوا اوفوا بالعقود (المائدة: 1) ، وأوفوا بعهد اللـه إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها (النحل: 91) ، وكان عهد اللـه مسؤولاً (الاحزاب: 15) ، وأوفوا بالعهد ان العهد كان مسؤولاً (الاسراء: 34) وفى آيات أخرى. ولكنه فى سورة براءة أخذ منحى آخر؛ براءة من اللـه ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) فسيحوا فى الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزى اللـه وأن اللـه مخزى الكافرين (2) . إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن اللـه يحب المتقين (4) . حيث أحل فسخ العهود غير المحددة المدة بعد 4 شهور واستكمال العهود المؤقتة. وبذلك لم يأمر بفسخ العهود غدرا بل أعطى إنذارا لمدة أربعة أشهر لأصحاب العهود غير المحددة المدة. وأحد أسماء السورة (براءة) إنما يدل على براءة محمد من العهود مع "الكفار". ومن المفيد أن نشير إلى أن لجنة مفسرين بالأزهر ذهبت إلى أن القرآن فى هذه الآية يقصد فسخ عهود "الكفار" الخائنين الذين لم يلتزموا بعهودهم[193]، وهو رأى غير منتشر وليس من السهل تبريره حيث أن الخيانة تستلزم الفسخ الفورى للعهد وليس منح الخائنين أربعة أشهر وهو ما يتسق مع آراء جل المفسرين. ومع ذلك نعتقد أنها محاولة رائعة من الأزهريين لتخفيف حدة الفكر الإسلامى تجاه "الكفار".
            أما الحديث فكان أكثر “مرونة”. ففى سنن أبى داود 2613 جاء: إذا نزلتم بأهل حصنٍ أو مدينةٍ أرادوا أن تنزلوهم على حكم اللـه تعالى فلا تفعلوا، فإنكم لا تدرون أتوافقون حكم اللـه تعاليٰ فيهم أم لا، ولكن أنزلوهم على حكمكم، ثم اقضوا فيهم ما شئتم، فإذا سألوكم أن تعطوهم ذمة اللـه عز وجل وذمة رسوله فلا تعطوهم ذمة اللـه ولا ذمة رسوله ولكن أعطوهم ذمتكم، فإن تخفروا ذمتكم أهون من أن تخفروا ذمة اللـه وذمة رسوله. ومعنى “تخفروا” هو تنقضوا العهد. وقد شرح السرخسى (من الأحناف) بالتفصيل هذا الأمر، مقرا إمكانية نقض العهد إذا رأى أمراء الجيوش مصلحة فى ذلك[194]. وعلى ذلك يلتزم المسلمون بالعهود فى الحرب إذا تمت باسم اللـه أو رسوله، أما غير ذلك فيمكن لهم نقضها حسب المصلحة وفقا للأحناف كما رأينا. فالحرب خدعة حسب السنة (صحيح مسلم4494-) وذكر فى مواضع أخرى عديدة.
            أما فى السنة العملية فقد نقض الإسلام عهدا كان ساريا فى جزيرة العرب وهو عدم القتال فى الأشهر الحرام: ففى رجب التالى لغزوة بدر الأولى أرسل محمد عبد اللـه ابن جحش مع ثمانية من المهاجرين، وكتب له كتاباً وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه. فلما فتح الكتاب وجد فيه: “ اذا نظرت فى كتابى فامض حتى تنزل نخلةً بين مكة والطائف فترصد بها قريشاً وتعلم لنا من أخبارهم”. ولم يأمرهم بقتال، وساروا حتى نزلوا نخلة، فمرت عير لقريش وتشاور أصحاب محمد فقالوا: ”والله لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن به منكم، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم فى الشهر الحرام، فاجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم واخذ ما معهم، فحلقوا رأس احدهم ليطمئن القرشيون أصحاب العير أنهم من عمار بيت اللـه الحرام”.
            وعندما اطمأن القرشيون ووضعوا سلاحهم قتل المسلمون بعضهم وأسروا اثنين. وقد رفض محمد والصحابة ما فعله عبد اللـه ابن جحش من انتهاك لحرمة الأشهر الحرام، كما شنعت قريش على المسلمين لغدرهم.. ولكن اللـه أيد ابن جحش ضد النبى والصحابة بالآية: يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير، وصد عن سبيل اللـه وكفر به، والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه أكبر عند اللـه (البقرة: 217) [195].
            كما نقض محمد العهد مع القبيلة اليهودية “بنى قينقاع” متعللا بنشوب اشتباك بين بعض أفرادها وبين أحد المسلمين فحاصرهم وأسرهم وقرر قتلهم إلا أنه اضطر للاكتفاء بطردهم بعد ضغط من عبد اللـه ابن أبى سلول. وتدعى المصادر الإسلامية أنهم هم الذين نقضوا العهد ولكن القصة كما رواها ابن هشام تدحض زعمه بأن بنى قينقاع أول من نقض عهد محمد، وقد رواها كالآتى: “ كان من أمر بنى قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها، فباعته بسوق بنى قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها، فصاحت ‏‏. ‏‏ فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بنى قينقاع “[196].
            ثم شرح تفاصيل حصارهم وقرار قتل رجالهم لولا تدخل عنيف من حليفهم فى الماضى عبد اللـه ابن أبى سلول فتم الاكتفاء بطردهم من المدينة بما تحمله الإبل ومصادرة بقية ممتلكاتهم، فكان عقابا جماعيا على تصرف أفراد قليلين من القبيلة، ونقض لعهد قبيلة بأكملها ردا على طيش أفراد منها ضد فرد مسلم واحد لا ضد عموم المسلمين.
            كما نقض محمد عهد الحديبية الشهير بآية من القرآن: يا أيها الذين آمنوا إذا جآءكم المؤمنات مهاجراتٍ فامتحنوهن اللـه أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمناتٍ فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن (الممتحنة: 10) حيث نصت المعاهدة ضمن نصوصها على أن يعيد المسلمون من يأتى لهم من المكيين إلى قومه وقد التزموا بهذا فيما يخص الرجال ولكن حين حضرت لهم امرأة أمر القرآن بما يفيد نقض العهد. وهذا ما ذكره المفسرون بصريح العبارة أحيانا، مثل ابن كثير الذى قال حرفيا: “تقدم فى سورة الفتح فى ذكر صلح الحديبية الذى وقع بين رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم وبين كفار قريش فكان فيه: على أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وفى رواية: على أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا... فعلى هذه الرواية تكون هذه الآية مخصصة للسنة، وهذا من أحسن أمثلة ذلك وعلى طريقة بعض السلف ناسخة، فإن اللـه عز وجل أمر عباده المؤمنين إذا جاءهم النساء مهاجرات أن يمتحنوهن، فإن علموهن مؤمنات فلا يرجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن... هاجرت أم كلثوم بنت عقبة ابن أبى معيط فى الهجرة فخرج أخواها عمارة والوليد حتى قدما على رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم، فكلماه فيها أن يردها إليهما فنقض اللـه العهد بينه وبين المشركين فى النساء خاصة، فمنعهم أن يردوهن إلى المشركين وأنزل اللـه آيات الامتحان”(التشديد من عندنا) ، وأقر القرطبى أن الآية نسخت ما ورد فى المعاهدة من رد النساء[197]. أما الطبرى فذكر أن الامتحان المقصود فى الآية لتبين ما إذا كان الغضب أتى بها فترد، وإن كان الإسلام أتى بها فلا ترد وأن الآية نسخت رد النساء وفق للمعاهدة[198]. ومع الإطالة فى التقديم –ربما شعورا بالورطة- أقر سيد قطب نفس الشيء دون أن ينسى وصف هذا التصرف بتضمنه أعدل قاعدة تتحرى العدل فى ذاته[199]!. ونلاحظ أن نقض العهد فى هذه الواقعة قد ميز بين المسلمات و” الكافرات"، فلا تعاد  المسلمة إلى “كفار” مكة ولكن يلتزم بالعهد مع “الكافرات" فتُعاد. فلا التزام بالعهد ولا مساواة بين النساء بل تمييز دينى صريح.
 
            - اغتصاب نساء أهل الحرب:
            درج العرب وقبائل أخرى مثل العبرانيين وشعوب سامية أخرى منذ قديم الزمان على سبى نساء وأطفال العدو فى الحرب. وحين جاء الإسلام لم يوقف هذه السنة بل مارسها نبى الإسلام ومن تبعه من الخلفاء من العرب وغير العرب (العثمانيون وغيرهم) . ويمنح الإسلام مثلما الحال قبله مقاتليه حق وطأ، أى مضاجعة السبى من النساء. وبطبيعة الحال لا يتم ذلك بالرضا والقبول بل تحت ذل الأسر وقوة السلاح، فهو بالتأكيد اغتصاب ولاسبيل للجدل فى ذلك... ومن الوقائع شائعة الصيت أن المسلمين فى غزوة بنى المصطلق سبوا نساء كثيرات وأرادوا مضاجعتهن بدون أن يحملن فيما يعرف بالعزل coitus interuptus ولكن محمد منحهم حق مضاجعتهن بالطريقة العادية. ذكرت هذا كتب السيرة والأهم منها البخارى ومسلم. فذكر البخارى (4049) ... خرجنا مع رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم فى غزوة بنى المصطلق، فأصبنا سبياً من سبى العرب، فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة وأحببنا العزل، فأردنا أن نعزل، وقلنا نعزل ورسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم بين أظهرنا قبل أن نسأله؟ فسألناه عن ذلك فقال: ما عليكم أن لاتفعلوا، ما من نسمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامة إلا وهى كائنة. وتكرر المعنى نفسه فى صحيح مسلم-3499:... غزونا مع رسول اللـه غزوة بالمصطلق، فسبينا كرائم العرب، فطالت علينا العزبة ورغبنا فى الفداء، فأردنا أن نستمتع ونعزل. فقلنا: نفعل ورسول اللـه بين أظهرنا لا نسأله فسألنا رسول اللـه فقال: «لا عليكم أن لا تفعلوا، ما كتب اللـه خلق نسمةٍ هى كائنة إلى يوم القيامة، إلا ستكون.
            إذن السنة النبوية أقرت اغتصاب نساء أهل الحرب. وأقر ذلك كبار الفقهاء، مثل الشافعى: وإذا قسم الإمامُ الفىء فى دار الحرب ودفع إلى رجل فى سهمه جاريةً، فاستبرأها، فلا بأس أن يطأها[200]. كما ذكر ابن القيم الجوزية أن النبى كان يسترق سبايا عبدة الأوثان ويجِّوز لساداتهن وطأهن بعد انقضاء عدتهن كما فى حديث أبى سعيد الخدري[201] وقد درج المسلمون فى الحرب أيام عز الإسلام على قتل الرجال المقاتلين واسترقاق النساء والأطفال كفيء لهم؛ كأموال، يمكن بيعهم ووطأ النساء أو بالتعبير العصرى اغتصابهن. حدث هذا فى عصر محمد (بنو قريظة مثال) وبعده كثيرا. وقد كانت جزيرة العرب مكتظة بنساء وأطفال مصر والشام وغيرهما فى عهود الخلفاء ومنهم “الراشدين” وتحفل كتب التراث الإسلامى بهذه الأخبار متناولة إياها فى غرور وفخر.
            وقد ُطبق ذلك على نطاق واسع فى الفتوحات الإسلامية فى الأراضى التى فتحت عنوة فى معظم مناطق مصر والشام وآسيا الوسطى. بل ومارس المسلمون نفس الجريمة تجاه بعضهم أحيانا؛مثال ذلك اجتياح جيش يزيد ابن معاوية المدينة فقتل الرجال واغتصب النساء[202].
            وتكمن حكمة الإسلام فى إباحة اغتصاب نساء الحربيين فى أن النص المقدس يبيح وطأ ملك اليمين؛الجوارى: وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا (النساء: 3) حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم … (النساء: 23) والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم (النساء: 24) . ولم يشذ أى مفسر فى تفسير معنى ما ملكت أيمانكم، فهن الجوارى السرارى بتعبير ابن كثير فى تفسيره للآية. ولم يستخدمها أحد بمعنى آخر وإن بألفاظ مختلفة. وقد أنجب محمد ولده إبراهيم من جاريته مارية القبطية[203]، وكانت عنده جارية أخرى هى ريحانة ابنة عمرو ابن حذافة لم ينجب منها[204].
            فإذا كان الإسلام يبيح امتلاك ووطأ الجوارى كما أباح سبى واسترقاق نساء المحاربين، أى جاعلا منهن جوارى، يكون من المنطقى أن يسمح بوطأ أو اغتصاب نساء "الكفار" المحاربين وهو ما حدث على طول التاريخ فى معارك المسلمين ضد "الكفار" حين كانوا يستطيعون تحقيق الانتصارات. وقد اتفق الفقهاء وفقا للسنة النبوية على جواز تقسيم الغنائم إما بعد العودة إلى دار الإسلام أو فى دار الحرب، وبناء على ذلك يمكن اغتصاب نساء "الكفار" بعد تقسيمهن باعتبارهن أموالا فى دار الحرب، لأنهن سلع قابلة للتبادل فى السوق يتم تقسيمهن مثل أية أموال. ومن الممكن للمسلم كذلك أن يحسن معاملة السبية بما فى ذلك أن يعتقها أو يتزوجها أو الإثنين معا، كما يجب عليه حسن معاملتها عموما مثل أى عبيد يمتلكهم. وفى مسألة الاغتصاب نضيف ملاحظة أنه مهما كانت حسن المعاملة اليومية يتضمن وطأ الجارية عنصر الإكراه، فهى ليست بأفضل من الزوجة التى أقر الإسلام أنها لا تستطيع رفض مواقعة زوجها وفقا للسنة:... إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت أن تجيء، لعنتها الملائكة حتى تصبح (صحيح البخاري- 5072) . وهذا الحديث الذى تكرر كثيرا فى كتب الحديث يعرفه أغلب النساء والرجال فى عموم دور الإسلام. والاغتصاب فى هذه الحالة يبدو كمفهوم معاصر وقد كان الأمر مقبولا فى عصر سيادة الإسلام فيما يبدو، ولكن هذا لا يغير شيئا، فالإسلام لم يغير هذه العادة فى الحروب، وإذا كان القاصى والدانى فى عموم دور الإسلام يظن أنه صالح لكل زمان ومكان كما يصر رجال الدين يكون اغتصاب النساء فى الحرب حقا أقره الدين. ونرى أنه من الواجب أن نشير إلى أن هناك إشارات قليلة فى كتب التراث إلى أن محمدا فى مرحلة متأخرة؛فى غزوة خيبر عام 7 من الهجرة، قد اشترط لوطأ السبى أن تبرأ أولا:... من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يطأ جارية من السبى حتى يستبرئها بحيضة‏‏، كذلك روى أبو سعيد أن النبى -صلى اللـه عليه وسلم- ‏‏نهى عام أوطاس أن توطأ حامل حتى تضع‏، ‏ ولا غير حامل حتى تحيض‏) ‏ رواه أحمد فى المسند [205]. ولكن هناك من القرائن ما يفيد عدم تقيد المسلمين بهذه القاعدة دوما حتى مع سبايا المسلمين فى حروبهم الأهلية.
            وإذا كان من حق المسلم أن يطأ نساء أهل الحرب فإذا كانت المرأة متزوجة وزوجها فى دار الحرب انفصم عقد زواجها، فلا يعتبر وطأها من قبل المسلم بمثابة الزنا. أما إذا سبيت وأُسر زوجها معها فقد اختلف فيه الفقهاء[206].
            * تحرم بعض النصوص المقدسة وغيرها قتل النساء والشيوخ والأطفال فى الحرب سواء من المسلمين أو "الكفار"، بالإضافة إلى الرهبان المعزولين والذين لا يساعدون بقية "الكفار" ضد المسلمين، والعميان والمعوقين عموما إذا كانوا لا يقاتلون. وهناك كثير من الأحاديث التى تنص على ذلك يعرفها عامة المسلمين. ولكن هذا المنع ليس مطلقا، فمصلحة الدولة تقف فوق كل اعتبار. لذلك نجد أحاديثا مضادة: فجاء فى صحيح البخارى 2945 بخصوص قتل النساء والأطفال:: حدثنا... قال: مر بى النبى صلى اللـه عليه وسلم بالأبواء  أو بودان  فسئل عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم، قال: هم منهم. وسمعته يقول: لا حمى إلا للـه ولرسوله صلى اللـه عليه وسلم. وفى شرح المسألة بالتفصيل ذهب السرخسى إلى أن عدم قتل النساء والأطفال إنما يعلل بانعدام علة القتل وليس لوجود ما يعصمهم من القتل، أى ليس لحرمة قتلهم: “من قتل أحداً من هؤلاء قبل وجود القتال منه فلا كفارة عليه ولا دية لأن وجوبهما باعتبار العصمة والتقوم فى المحل وذلك بالدين أو بالدار ولم يوجد واحد منهما وإنما حرم قتلهم لتوفير المنفعة على المسلمين أو لانعدام العلة الموجبة للقتل وهى المحاربة لا لوجود عاصم أو مقوم فى نفسه فلهذا لا يجب على القاتل الكفارة والدية وإلى هذا أشار رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم فى حديث بقوله‏: ‏ هم منهم يعنى أن ذرارى المشركين منهم فى أنه لا عصمة لهم ولا قيمة لذمتهم‏”. ‏ ووفقا له ذكر محمد: لا تقتلن ذرية ولا عسيفاً ولأن "الكفر" وإن كان من أعظم الجنايات فهو بين العبد وبين ربه جل وعلا وجزاء مثل هذه الجناية يؤخر إلى دار الجزاء فأما ما عجل فى الدنيا فهو مشروع لمنفعة تعود إلى العباد وذلك دفع فتنة القتال وينعدم ذلك فى حق من لا يقاتل بل منفعة المسلمين فى إبقائهم ليكونوا أرقاء للمسلمين[207]. هذا بينما ذهب البعض مذهبا أكثر اتساقا مع بقية أحكام الفقه الأكثر انتشارا، فيعلل عدم قتل النساء والأطفال بأنهم أموال للمسلمين[208]، فهم سبايا تقدر قيمتهم بالمال ويمكن بيعهم كعبيد، وبالتالى ليس من المعقول أن يدمر المرء أمواله بنفسه. واختلف الفقهاء فى أهل الصوامع والعميان والشيوخ الذين لا يقاتلون والمعتوه والحراث (المزارعين) والعسيف (أى الأجير أو العبد) ، ” فقال مالك‏: ‏ لا يقتل الأعمى ولا المعتوه ولا أصحاب الصوامع، ويترك لهم من أموالهم بقدر ما يعيشون به وتُغنم بقية الأموال، وكذلك لا يقتل الشيخ الفانى عنده، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه‏. ‏ وقال الثورى والأوزاعى: ‏ لا تقتل الشيوخ فقط‏. ‏ وقال الأوزاعى: ‏ لا تقتل الحراث‏. ‏ وقال الشافعى فى الأصح عنه تقتل جميع هذه الأصناف”[209]‏. ‏ ورأى ابن تيمية أنه يجوز ضرب العدو بالمنجنيق وإن أدى ذلك لقتل النساء والأطفال[210]. وهذه الآراء استند لها الجهاديون فى تأييدهم لعملية 11 سبتمبر[211] وغيرها.
            والمتفق عليه أنه لا يجوز قتل رسل الأعداء.
            *أما حرق الأشجار وتدمير اقتصاد العدو فمن السنة النبوية فى الحرب ضد "الكفار"، فإذا كانت فيه مصلحة المسلمين لكسب الحرب جاز. وقد أمر محمد بقطع نخيل بنى النضير فقطعت، فنادوه‏: ‏ “ يا أبا القاسم قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه فما بال قطع النخل وتحريقها أى وفى رواية ما هذا الفساد وفى لفظ قالوا يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح أفمن الصلاح قطع النخل وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك بالفساد فى الأرض وقالوا للمؤمنين إنكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون وحينئذ وقع فى نفوس بعض المسلمين من ذلك شيء”[212]، “وفى رواية‏ أخرى: ‏ نادى اليهود من فوق الحصون‏: ‏ تزعمون أنكم مسلمون لا تفسدون وأنتم تعقرون النخل واللـه ما أمر بهذا فاتركوها لمن يغلب من الفريقين فقال بعض المسلمين‏: ‏ صدقوا وقال بعضهم‏: ‏ بل نعقرها كبتاً وغيظاً لهم. وجاء القرآن مؤيدا لكلا الفريقين المسلمين‏ ‏ما قطعتم من لينةٍ أو تركتموها قائمةً على أصولها فبإذن اللـه وليخزى الفاسقين‏‏ ‏ (‏الحشر‏: ‏ 5‏) ‏‏. ‏ وفى تفسير القرطبى للآية: ”يا محمد، ألست تزعم أنك نبى تريد الصلاح، أفمن الصلاح قطع النخل وحرق الشجر؟ وهل وجدت فيما أنزل اللـه عليك إباحة الفساد فى الأرض ٰ؟ فشق ذلك على النبى صلى اللـه عليه وسلم. ووجد المؤمنون فى أنفسهم حتى اختلفوا؛ فقال بعضهم: لا تقطعوا مما أفاء اللـه علينا. وقال بعضهم: اقطعوا لنغيظهم بذلك. فنزلت الآية بتصديق من نهى عن القطع وتحليل من قطع من الإثم، وأخبر أن قطعه وتركه بإذن الله” ‏. ‏وقد ذكر صحيح البخاري2954 واقعة حرق نخل بنى النضير: حرق النبى صلى اللـه عليه وسلم نخل بنى النضير، كما ذكرها أيضا صحيح مسلم 4508.
            وأمر بحرق زرع قرية “أبني”: قال عروة..: «بعثنى رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم إلى قرية يقال لها أبنى، فقال ائت أبنى صباحاً ثم حرق».. أغر: (أمر من الإغارة) على أبنى صباحاً أى حال غفلتهم، وفجاءة نبهتهم، وعدم أهبتهم وحرق... زروعهم وأشجارهم وديارهم”[213].
            وفى الطائف أمر أن يحرق قصر مالك ابن عوف النصرى ثم أمر بكرومهم أن تقطع. كما أمر بقطع نخيل خيبر حتى مر عمر ابن الخطاب بالذين يقطعون فهم أن يمنعهم فقالوا أمر به رسول اللـه عليه السلام فأتاه عمر فقال‏: ‏ أنت أمرت بقطع النخيل قال‏: ‏ نعم قال‏: ‏ أليس وعدك اللـه خيبر قال‏: ‏ بلى فقال عمر‏: ‏ إذا تقطع نخيلك ونخيل أصحابك فإمر منادياً ينادى فيهم بالنهى عن قطع النخيل ‏[214]. ‏ وإذا كان أبو بكر فيما ذكر أمر الجيش المتجه لفتح الشام بعدم قطع النخيل فإنما كان ذلك- حسب ما ذكر السرخسي- لحكمة وليس لحرمته. ذلك أنه كان يعتقد أن الشام سيكون ملكا للمسلمين فلم يحب أن يخرب ما سيكون ملكه[215]، بالضبط مثلما حدث فى خيبر كما أشرنا من قبل. ‏ ‏وقد اتفق “العلماء” على جواز قطع الشجر، وتخريب العامر عند الحاجة إليه‏ وقد علل ذلك ابن تيمية بأنه “ليس ذلك بأولى من قتل النفوس”[216]‏.

            - طرق القتل:
            يمتنع على المسلمين التمثيل بالقتلى لقول محمد: لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا (مسند أحمد-22648) ، كذلك منع التشويه البدنى والتمثيل: إذا ضرب أحدكم فليتجنب الوجه (مسند أحمد-7392) ، ويقول أيضاً: إن اللـه كتب الإحسان فى كل شى فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة (مسند أحمد- 16812) . وقيل إن القتل بالتحريق محرم وفقا للحديث ولكن المعروف جيدا فى كتب التاريخ الإسلامى أن أبو بكر أمر بحرق "المرتدين" ومانعى الزكاة وكذلك أمر على ابن أبى طالب بحرق الزنادقة[217]. وأقر البعض فكرة تحريق "الكفار" بالنار ورميهم بها وهو قول عمر‏‏ ويروى عن مالك، وسفيان الثورى، وقال بعضهم‏: ‏ إن ابتدأ العدو بذلك جاز وإلا فلا[218]‏. أما قتل الجرحى فأجازه معظم الفقهاء فى حروب البغاة[219]. وفى وقعة بدر أجهز المسلمون على الجريح عتبة ابن ربيعة فى المبارزة التى قامت بين ثلاثة منهم وثلاثة من "الكفار" كما قُتل أبو الحكم ابن هشام وهو جريح لا يقدر على الحراك[220]، وقتل المسلمون الجرحى فى الحروب التالية حتى فى حروبهم الأهلية[221].
           
-الإسراف فى القتل: حسب النص القرآنى: فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب، حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء (محمد: 4) . فالحرب تبدأ بضرب الرقاب -أى بالقتل المسرف الذى يراد به إثخان العدو أوإضعافه حتى إذا ظهر ضعف العدو يبدأ الأسر (شد الوثاق) فلا أسر إذن قبل الإثخان وفقا لسورة الأنفال وما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا واللـه يريد الآخرة واللـه عزيز حكيم (الأنفال: 67) . والإثخان هو الإسراف فى القتل لإضعاف العدو[222]. وقد عاتب القرآن محمدا بعد وقعة بدر لأنه وافق على فداء الأسرى بالآية سابقة الذكر من سورة الأنفال. وهى دعوة واضحة للقتل المسرف.
            - يميز الإسلام بين قتلى المسلمين وقتلى "الكفار"رغم أنهم قد يتساووا من حيث دفاعهم عن بلادهم أو أموالهم أو "عرضهم".. فقتلى المسلمين شهداء فى الجنة أما قتلى "الكفار" فأدنى مرتبة بغض النظر عن موقفهم فى الحرب. المقتول الأفضل هو المسلم رغم أنه قد يكون الغازى، أى المعتدى.
            حكم الأسرى:
            حدد القرآن (آية 4 من سورة محمد سابقة الذكر) مصير الأسرى إما بالمن أى الإفراج عنهم مجانا، أو الفداء، أى الإفراج عنهم لقاء الدية أو أسير مسلم أو تابع للمسلمين. وهناك كذلك آية سورة التوبة: 5: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم. وقد اختلف الفقهاء على أيهما نسخت الأخرى أو أنهما محكمتان.
            ونقلا عن ابن كثير (تفسير سورة الأنفال آية 67) استقر الحكم فى الأسرى عند جمهور “العلماء”، أن الإمام مخير فيهم إن شاء قتل كما فعل ببنى قريظة، وإن شاء فادى بمال كما فعل بأسرى بدر، أو بمن أسرى من المسلمين، كما فعل فى امرأة وابنتها، اللتين كانتا فى سبى سلمة ابن الأكوع، حيث ردهما وأخذ فى مقابلهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين، وإن شاء استرق من أسر. هذا مذهب الإمام الشافعى وطائفة من "العلماء"، وفى المسألة خلاف آخر بين الأئمة. فذهب أكثرهم إلى أن للإمام أن يقتلهم إن شاء إن لم يسلموا، أو يسترقهم؛ إذا تطلبت مصلحة الإسلام، أو يتركهم أحرارا فى ذمة المسلمين، أو أن يفديهم بأسرى مسلمين كما ذهبت الغالبية العظمى من الفقهاء، أو بالمال إذا كانت للمسلمين إليه حاجة. أو يمن عليهم فى مذهب الشافعى بينما رفض ذلك بقية كبار الفقهاء بحجة نسخ ذلك بآية سورة التوبة: اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم. وذكر الشافعى أيضا أنه يجوز قتل “كل مشركٍ بالغٍ إذا أبى الإسلام أو الجزية، وإذا دعا الإمام الأسير إلى الإسلام، فحسن، وإن لم يدعه، وقتله، فلا بأس”[223]. ولدى الحنابلة يكون الإمام مخيراً فى واحد من أربعة أشياء: أن يقتلهم صبراً، الثانى: أن يسترقهم، ويجرى عليهم أحكام الرق: من بيع، أو عتق. الثالث: أن يفادى بهم بمال أو أسرى. الرابع: أن يمن عليهم بالعفو عنهم[224].
            أما الأسرى من الأطفال فلهم أحكام خاصة منها أنه لو أسر الطفل مع أبويه ترك على دينه لأنهم تبع أبويه ويمكن مبادلته، أما لو أسر وحده وأخرج إلى دار الإسلام فإنه “لا يجوز المفاداة به بعد ذلك لأنه صار محكوماً له بالإسلام تبعاً لداره‏”[225]، والمعنى واضح من النص من أن تتم أسلمته. ‏ أما إذا قسم المسلمون الغنائم فى دار الحرب وهو أمر مشروع ومن ضمنها الأسرى من الأطفال فقد اختلف الفقهاء فذكر البعض أنه تجوز المفاداة به إذا كان بالغا ورأى آخرون أنه لا يجوز ذلك لأن حكم صيرورته من أهل دارالإسلام قد استقر بالقسمة والبيع [226]. وإذا كان السابى له مسلما حكم بإسلام الطفل، وإذا كان السابى له "كافراً" وفى جيش المسلمين، أو لم تقم حجة بأحدهما، لم يحكم بإسلامه، وأولاده تبع له فى كلا الوجهين‏[227]. ‏
            وفى السنة النبوية يمكن كل شيء: فقد أوصى محمد بحسن معاملة الأسرى: استوصوا بالأسارى خيرا[228]، كما قتل بعضهم: عقبة ابن أبى معيط، وطعيمة ابن عدى، والنضر ابن الحارث[229]، وقتل أعمى من بنى قريظة بعد الإسار. والمشهور فى التاريخ الإسلامى المدون والأمر المقبول من عامة المسلمين أن محمدا قد قتل كل أسرى بنى قريظة ذبحا ممن أنبت سواء كانوا مقاتلين أم لا ولم يكتف مثلا بالقادة ومدبرى خيانة عهده وحاملى السلاح، كما تم أيضا سبى النساء والأطفال[230]، وهذا يدل فيما قال الشافعية على قتل من لا يقاتل من الرجال البالغين إذا أبى الإسلام أو الجزية[231].
            وحين فتح مكة عنوة حسب الرأى الغالب بين الفقهاء عدا الشافعية أساسا، أمر بالعفو عن كل سكانها حسب رواية يوقن بها عامة المسلمين دون خاصة خاصتهم وهى رواية: يا معشر قريش ما ترون أنى فاعل بكم؟ قالوا خيراً، أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. ماعدا تسعة أمر بقتلهم “وإن وجدوا تحت أستار الكعبة”، وهم عبد اللـه ابن سعد ابن أبى سرح- وعكرمة ابن أبى جهل- وعبد العزى ابن خطل- والحارث ابن نفيل ابن وهب- ومقيس ابن صبابة- وهبار ابن الأسود- وجاريتان لابن خطل- كانتا تغنيان بهجاء محمد - وسارة مولاة لبعض بنى عبد المطلب [232]. إذن يجوز قتل الأسرى بإجماع الصحابة، ليس مجرمى الحرب فقط كما ذهب القرضاوى (فى لقاء تلفزيوني) للتبرير، بل أيضا من سب الرسول أو حسب مصلحة الدولة الإسلامية فى هذا الوقت أو ذاك، وقد سلك “الصحابة”مسلك قتل بعض الأسرى من "الكفار"، فقد قتل خالد ابن الوليد الأسرى مرارا فى كافة حروبه، منها مذبحة فى وقعة عين التَّمر‏، "فقد أخذ أسرى من جيش النصارى منهم قائده وتحصن باقى المقاتلين فى حصن واحتموا به، فجاء خالد ابن الوليد وحاصرهم، ولما سألوه الصُّلح أبى إلا أن ينزلوا على حكمه، فُربطهم فى السَّلاسل، وتسلَّم الحصن، ثمَّ أمر بقتلهم جميعا بمن فيهم قائدهم الأسير من قبل ومن كان أسر معه والذين نزلوا على حكمه أيضاً، ووجد فى الكنيسة التى به أربعين غلاماً يتعلمون الإنجيل وعليهم باب مغلق، فكسره وفرَّقهم"[233]‏.‏. كما قتل آلاف الأسرى من الفرس وأنصارهم من النصارى فى موقعة أليس فأمر بذبحهم ومنهم 18 ألفا، ذبحوا فى النهروبلغ مجموع قتلاهم 70 ألفا[234]، وفى واقعة تمرد كبرى فى خراسان سنة 150 هجرية ُقتل 14 ألف أسير، قتلهم جيش المنصور الخليفة العباسى الثاني[235].
            وسلك محمد مسالكا أخرى شتى مع الأسرى، منها الإفراج عنهم بلا مقابل أو مقابل أسرى مسلمين أو مال أو تعليم بعض المسلمين القراءة والكتابة.. كما أمر بتعذيب أحد يهود خيبر لانتزاع اعترافه بمكان كنز كان له، وهى سنة استند إليها بعض الفقهاء فى تحليل تعذيب غير المسلم لإجباره على الاعتراف أو لعقابه على مخالفة العهد. مصالح الدولة هى إذن التى تحكم وليس مبدأ معينا.
            الخلاصة أن مصير أسرى الحرب من "الكفار" يحدده الإمام حسب المصلحة ويشمل واحدا مما يأتى:
            - قتلهم؛ جائز لدى جمهور الفقهاء وواجب لدى معظم الأحناف.
            - قبول الدية فيهم، وهو ما يقبله كل الفقهاء عدا الأحناف.
            - الإفراج عنهم مقابل أسرى مسلمين وهو ما يرفضه أغلب الحنفاء.
            - الإفراج عنهم مقابل عمل يؤدونه.
            - الإفراج عنهم بلا مقابل.
            - الاسترقاق وبيع أسرى من النساء والأطفال ولكن لم يحب معظم الفقهاء بيع أسرى الرجال بينما رأى الشافعى جواز ذلك[236].
            - إطلاقهم كذمة للمسلمين[237].
            ومن المعاصرين من يرفض قتل الأسرى متمسكا بنص القرآن الخاص بالمن أو الفداء[238].
            أما الأسرى المسلمين لدى المسلمين فيختلف حكمهم حسب الفقه الإسلامى. فلا يجوز قتلهم ولا استرقاقهم ولا يجوز سبى النساء والأطفال ولا اغتصاب النساء، حتى المشركين إذا أسلموا لايجوز استرقاقهم ولا بيع أحد منهم ولا يجوز اغتصاب النساء إذا أسلمن. ولكن هذا حدث مرارا فى التاريخ الإسلامى، فى عهد أبى بكر، إذ تم سبى نساء المسلمين المعارضين لخلافته[239]. ومن جانب الأمويين، إذ تم سبى نساء أهل البيت النبوى بعد مقتل الحسين، وسبى واغتصاب نساء المدينة بعد موقعة الحرة[240].
            وهناك حكم خاص بمشركى العرب. فالرأى السائد هو ما قال به جل الفقهاء وملخصه حسب الأحناف ألا يقبل من مشركى العرب الصلح والذمة، ولكن يدعون إلى الإسلام، فإن أسلموا وإلا قوتلوا، وتسترق نساؤهم وذراريهم، ولا يجبرون على الإسلام، وهم فى ذلك بمنزلة المرتدين، إلا فى حكم الإجبار على الإسلام فإن نساء المرتدين وذراريهم كانوا مسلمين فى الأصل، فيجبرون على العود، وأما النساء والأطفال من مشركى العرب فلا يجبرون على الإسلام، ولكنهم يسترقون؛ لأن النبى سبى النساء والذرارى بأوطاس، وقسمهم، وقد سبى أبو بكر النساء والذرارى من بنى حنيفة، فإذا جاز ذلك فى المرتدين ففى مشركى العرب أولى، وأما الرجال منهم لا يسترقون [241]، وقد شذ الشافعى فى مذهبه الجديد فقال بجواز استرقاق العرب[242].
            وقد دعا القرآن المسلمين إلى فك الرقبة، أى تحرير عبد ككفارة عن ذنوب معينة منها القتل الخطأ، ولكنه قصر عملية التحرير هذه على الرقبة المؤمنة، أى العبد المسلم دون "الكافر" طبعا، فى بعض الآيات دون بعضها: ومن قتل مؤمناً خطئاً فتحرير رقبةٍ مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكُم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة (النساء: 92) ودعا لتحرير رقبة  دون أن يحدد دينها فى سورة المائدة آية 89 والمجادلة آية 3، والبلد آية 13. وقد اختلف المفسرون فى المقصود بالرقبة هنا فرأى بعضهم (مثل ابن العربى فى أحكام القرآن) أن المقصود الرقبة المؤمنة استنادا للحديث: من أعتق رقبة مؤمنة، أعتق اللـه بكل عضو منها عضوا منه من النار (صحيح ابن حبان 4226) .
            - فى الغنائم يختلف حكم ما غنم المسلمون من "الكفار" وما غنمه "الكفار" من المسلمين، فالأول يصير تملكا لا يجوز رده إلا بطيب نفس الغانمين أنفسهم، أما الثانى فلا يصير كذلك، فإذا أسلم "الكفار" عليهم أن يردوا الغنائم إلى أصحابها، وإذا وقعت تلك الغنائم فى يد المسلمين كغنيمة يحق لأصحابها استردادها كعين قبل القسمة، وهناك خلاف فى أحقيتهم فى استردادها كقيمة إذا كانت قد قسمت.. ولاتهمنا التفاصيل المذكورة فى كتب الفقه والأهم هو جوهر المسألة؛أن هناك تفرقة حقوقية من جانب أغلب الفقهاء بين غنائم "الكفار" وغنائم المسلمين، لصالح المسلمين بالطبع، شذ فيها إلى حد ما الأحناف.
            - اغتيال الخصوم:
            يجوز حسب السنة النبوية العملية اغتيال خصوم الفكر من "الكفار"، الذين ينتقدون الرسول ورسالته، أى بلغة عصرنا المفكرين والمثقفين أصحاب الرأى والفكر والمحرضين ضده من "الكفار". وقد قام المسلمون – حسب ما يوقن عامة المسلمين وغالبية خاصتهم- بأمر مباشر من محمد باغتيال الكثيرين ممن انتقدوا دعوته وممن هاجموه حتى فى الأشعار أو كانوا من المحرضين ضده، منهم من لا يستطيع حمل السلاح. والأمثلة كثيرة: كعب ابن الأشرف – العصماء – أم قرفة... وبعضهم قتل بطريقة بشعة. وقد أشرنا من قبل إلى أهمية الشعر والبلاغة عموما عند العرب وهذا ما يفسر لماذا اهتم المسلمون باغتيال شعراء الخصوم فى صدر الإسلام، مثلما يفسر مدى تأثر العرب بالقرآن الذى كان له تأثير الشعر عليهم.
            وسوف نلقى بعض الضوء على هذه السنة فى الإسلام نظرا لما لاغتيال الخصوم من المفكرين ورجال الإعلام من أهمية لدى “الجهاديين” طوال العصر الإسلامى، وأيامنا الحالية خصوصا وسننقل مقاطع كاملة من كتب التراث الإسلامى:
            1- أم قرفة
            أم قرفة وكانت عجوزا طاعنة فى السن حسب ما ذكره على ابن برهان الدين الحلبى فى كتاب السيرة الحلبية (وتكررت الرواية فى كتب تراثية أخري): ” وكانت أم قرفة فى شرف من قومها وكان يعلق فى بيتها خمسون سيفا كلهم لها محرم وكان لها اثنا عشر ولدا ومن ثم كانت العرب تضرب بها المثل فى العزة فتقول لو كنت أعز من أم قرفة فأمر زيد ابن حارثة أن تقتل أم قرفة أى لأنها كانت تسب النبى صلى اللـه عليه وسلم وجاء أنها جهزت ثلاثين راكبا من ولدها وولد ولدها وقالت لهم اغزوا المدينة واقتلوا محمدا لكن قال بعضهم إنه خبر منكر فربط برجليها حبلين ثم ربطا الى بعيرين وزجرهما أى وقيل إلى فرسين فركضا فشقاها نصفين” [243].
            وأضاف ابن سيد الناس: ثم قدموا على رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم بابنة أم قرفة وبعبد اللـه ابن مسعدة فكانت بنت أمر قرفة لسلمة ابن الأكوع كان هو الذى أصابها وكانت فى بيت شرف من قومها‏[244]. ‏
             2- مقتل كعب ابن الأشرف
             تناولت مختلف كتب السيرة والتاريخ الإسلامى قصة قتل كعب بالتفصيل وسوف نكتفى هنا بالاستناد إلى الرواية كما ُشرحت فى سيرة ابن هشام مع الاختصار: وكان رجلاً من طييء.. وحين بلغه خبرنتيجة موقعة بدر قال: “‏ أحق هذا ‏‏؟‏‏ أترون محمدا قتل هؤلاء... فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس، واللـه لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم، لبطن الأرض خير من ظهرها ‏‏. ‏‏‏ ثم توجه إلى مكة، فنزل على المطلب ابن أبى وداعة... وجعل يحرض على محمد، وينشد الأشعار، ويبكى قتلى قريش ثم رجع إلى المدينة فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم ‏‏. ‏‏ فقال محمد من لى بابن الأشرف ‏‏؟‏‏ فقال له محمد ابن مسلمة، أنا لك به يا رسول اللـه، أنا أقتله؛ قال ‏‏: ‏‏ فافعل إن قدرت على ذلك ‏‏. ‏‏
            ‏‏ فاجتمع فى قتله محمد ابن مسلمة، وسلكان ابن سلامة ابن وقش، وهو أبو نائلة أحد بنى عبدالأشهل، وكان أخا كعب ابن الأشرف من الرضاعة، وعباد ابن بشر ابن وقش، أحد بنى عبدالأشهل، والحارث ابن أوس ابن معاذ، أحد بنى عبد الأشهل، وأبو عبس ابن جبر، أحد بنى حارثة ‏‏. ‏‏ ثم قدموا إلى كعب، فقابله فى البداية أبو نائلة فتحدث معه، وتناشدوا شعرا، وكان أبو نائلة يقول الشعر، ثم قال ‏‏: ‏‏ ويحك يابن الأشرف ‏‏!‏‏ إنى قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك، فاكتم عنى؛ قال ‏‏: ‏‏ افعل، قال ‏‏: ‏‏ كان قدوم هذا الرجل (يقصد محمد) علينا بلاء من البلاء، عادتنا به العرب، ورمتنا عن قوس واحدة، وقلعت عنا السبل حتى ضاع العيال، وجهدت الأنفس، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا؛ قال كعب ‏‏: ‏‏ أنا ابن الأشرف، أما واللـه لقد كنت أخبرك يابن سلامة، إن الأمر سيصير إلى ما أقول، فرجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم خبره، وأمرهم أن يأخذوا السلاح، ثم ينطلقوا فيجتمعوا إليه، فاجتمعوا عند النبى...
            مشى معهم محمد إلى بقيع الغرقد، ثم وجههم، فقال ‏‏: ‏‏ انطلقوا على اسم الله؛ اللهم أعنهم، ثم رجع إلى بيته. وأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف به أبو نائلة، وكان قد تزوج حديثا، فوثب فى ملحفته، فأخذته امراته بناحيتها، وقالت ‏‏: ‏‏ إنك امرؤ محارب، وإن أصحاب الحرب لا ينزلون فى هذه الساعة، قال ‏‏: ‏‏ إنه أبو نائلة، لو وجدنى نائما لما أيقظنى، فقالت ‏‏: ‏‏ واللـه إنى لأعرف فى صوته الشر فقال ‏‏لها كعب ‏‏: ‏‏ لو يدعى الفتى لطعنة لأجاب ‏‏. ‏‏
            فنزل فتحادثوا معا، ثم قال ‏‏:‏‏ هل لك يا ابن الأشرف أن تتماشى إلى الشعب العجور، فنتحدث به بقية ليلتنا هذه ‏‏؟‏‏ قال ‏‏: ‏‏ إن شئتم ‏‏. ‏‏ فخرجوا يتماشون، فمشوا ساعة، ثم إن أبا نائلة شام يده فى فود رأسه، ثم شم يده فقال ‏‏: ‏‏ ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط، ثم مشى ساعة، ثم عاد لمثلها حتى اطمأن، ثم مشى ساعة، ثم عاد لمثلها، فأخذ بفود رأسه، ثم قال ‏‏: ‏‏ اضربوا عدو اللـه، فضربوه فاختلف عليه أسيافهم، فلم تغن شيئا ‏‏. ‏‏
            قال محمد ابن مسلمة ‏‏: ‏‏ فذكرت مغولا فى سيفى، حين رأيت أسيافنا لا تغنى شيئا، فأخذته، وقد صاح عدو اللـه صيحة لم يبق حولنا حصن إلا وقد أوقدت عليه نار، قال ‏‏: ‏‏ فوضعته فى ثنته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته، فوقع عدو اللـه.. فخرجنا حتى سلكنا على بنى أمية ابن زيد، ثم على بنى قريظة، ثم على بعاث.. ‏‏. ‏‏ فأصبحنا وقد خافت يهود لوقعتنا بعدو اللـه، فليس بها يهودى إلا وهو يخاف على نفسه [245]‏‏. ‏‏
             3 - مقتل اليسير ابن رزام
            هذه قصة قتله غدرا، باختصار كما رواها ابن هشام:
            كان بخيبر يجمع غطفان لغزو المسلمين، فبعث إليه محمد عبدالله ابن رواحة فى نفر من أصحابه، فلما قدموا عليه كلموه، وقالوا له ‏: ‏ إنك إن قدمت على رسول اللـه استعملك وأكرمك، فلم يزالوا به حتى خرج معهم فى نفر من يهود، فحمله عبدالله ابن أنيس على بعيره ‏. ‏ حتى إذا كان على ستة أميال من خيبر ندم اليسير ابن رزام على مسيره، ففطن به عبدالله ابن أنيس وهو يريد السيف، فاقتحم به، ثم ضربه بالسيف، فقطع رجله، وضربه اليسير بمخرش فى يده[246] ‏. ‏
            4- قتل عصماء بنت مروان:
            كانت يهودية وكانت تنتقد الإسلام والنبى فى شعر لها وتحرض عليه. بعث إليها عمير ابن عدى الخطمى لقتلها فجاءها ليلا فدخل عليها بيتها وحولها بعض أولادها نيام وعلى صدرها طفل ترضعه فمسها بيده ونحى الرضيع عن صدرها وضغط بسيفه على صدرها حتى أنفذه من ظهرها[247].
            5 - مقتل سلام ابن أبى الحقيق
            حسب ابن هشام كان يهوديا من خيبر وكان يحرض على محمد والإسلام. وقد ُقتل كعب ابن الأشرف على أيدى مسلمين من الأوس فأراد الخزرج أن يتساووا بهم فى الشرف وقالوا” واللـه لا تذهبون بها فضلا علينا أبدا” واستأذنوا محمدا فى قتل كفء له فى العداوة للإسلام فذكروا ابن أبى الحقيق، وهو بخيبر؛ فاستأذنوا محمد قتله، فأذن لهم
            ‏ “فخرج إليه من الخزرج من بنى سلمة خمسة نفر.. وأمر عليهم رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم عبدالله ابن عتيك، ونهاهم عن أن يقتلوا وليدا أو امرأة، فخرجوا حتى إذا قدموا خيبر، أتوا دار ابن أبى الحقيق ليلا، فلم يدعوا بيتا فى الدار إلا أغلقوه على أهله... حتى قاموا على بابه، فاستأذنوا عليه، فخرجت إليهم امرأته، فقالت ‏: ‏ من أنتم ‏؟‏ قالوا ‏: ‏ ناس من العرب نلتمس الميرة ‏. ‏ قالت ‏: ‏ ذاكم صاحبكم، فادخلوا عليه؛ قال ‏: ‏ فلما دخلنا عليه، أغلقنا علينا وعليها الحجرة، تخوفا أن تكون دونه مجاولة تحول بيننا وبينه، قالت ‏: ‏ فصاحت امرأته، فنوهت بنا وابتدرناه، وهو على فراشه بأسيافنا، فوالله ما يدلنا عليه فى سواد الليل إلا بياضه كأنه قبطية ملقاة ‏. ‏ قال ‏: ‏ ولما صاحت بنا امرأته، جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه، ثم ذكر نهى رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم فيكف يده، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل. ‏
            قال‏: ‏ فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبدالله ابن أنيس بسيفه فى بطنه حتى أنفذه، وهو يقول ‏: ‏ قطنى قطنى ‏: ‏ أى حسبى حسبى ‏. ‏ قال‏: ‏ وخرجنا، وكان عبدالله ابن عتيك رجلا سيئ البصر، قال ‏: ‏ فوقع من الدرجة فوثئت يده وثئا شديدا - ويقال: ‏ رجله، فيما قال ابن هشام - وحملناه حتى نأتى به منهرا من عيونهم، فندخل فيه ‏. ‏
            قال‏: فأوقدوا النيران، واشتدوا فى كل وجه يطلبوننا، قال‏: حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم، فاكتنفوه وهو يقضى بينهم ‏. ‏
            قال‏: ‏ ثم جاءنا الخبر فاحتملنا صاحبنا فقدمنا على رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم فأخبرناه بقتل عدو اللـه، واختلفنا عنده فى قتله، كلنا يدعيه. قال ‏: فقال رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم‏: ‏ هاتوا أسيافكم؛ قال‏: ‏ فجئناه بها، فنظر إليها فقال لسيف عبد اللـه ابن أنيس‏: ‏ هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام”[248] ‏. ‏
            6 - أبو عفك اليهودى:
            كان مسنا بلغ مائة وعشرين سنة وكان يحرض الناس على محمد ويلقى الشعر ضده فطالب الأخير بقتله فتطوع سالم ابن عمير. فأخذه على غرة، فكمن له فى ليلة صيف حارة وهو نائم بفناء بيته “فأقبل نحوه فوضع السيف على كبده ثم تحامل حتى خش السيف فى فراشه”[249].
            7- مقتل خالد ابن سفيان الهذلى:
            فى السنة الرابعة من الهجرة سمع محمد أن خالد ابن سفيان الهذلى يقيم بعرنة وأنه يجمع الجموع لحرب المسلمين فأمر عبد اللـه ابن أنيس بقتله. ” قال: دعانى رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم، فقال: إنه بلغنى أن خالد ابن سفيان ابن نبيح الهذلى يجمع لى الناس ليغزونى - وهو بنخلة أو بعرنة - فأته فاقتله، قال: قلت: يا رسول الله؛ انعته لى حتى أعرفه، قال: إذا رأيته أذكرك الشيطان ! إنه آية ما بينك وبينه أنك إذا رأيته وجدت له قشعريرة. قال: فخرجت متوشحاً سيفى حتى دفعت إليه وهو فى ظعن يرتاد لهن منزلاً حيث كان وقت العصر؛ فلما رأيته وجدت ما وصف لى رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم من القشعريرة، فأقبلت نحوه، وخشيت أن تكون بينى وبينه مجاولة تشغلنى عن الصلاة، فصليت وأنا أمشى نحوه، أومى برأسى إيماء؛ فلما انتهيت إليه قال: من الرجل ? قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل؛ فجاءك لذلك، قال: أجل، أنا فى ذلك؛ فمشيت معه شيئاً حتى إذا أمكننى حملت عليه بالسيف حتى قتلته؛ ثم خرجت وتركت ظعائنه مكبات عليه. فلما قدمت على رسول اللـه وسلمت عليه ورآنى، قال: أفلح الوجه ! قال: قلت: قد قتلته. قال: صدقت”[250].
- ومن الشعراء الذين هجوا محمد والإسلام هبيرة ابن أبي وهب المخزومي. من فرسان قريش وشعرائها، وكان ممن ينتقون الإسلام، فأهدر محمد دمه، فهرب إلي "نجران" حتى مات بها[251] .
            - تختلف قواعد الحرب بين مسلمين ومسلمين عنها بين المسلمين و"الكفار"، وقد أورد الماوردي[252] ثمانية فروق بينهما:
            1- أن يقصد بالقتال ردعهم وليس قتلهم بينما يجوز أن يعتمد قتل المشركين والمرتدين.
             2 - أن يقاتهلم مقبلين، ويكف عنهم مدبرين بينما يجوز قتال أهل الردة والحرب مقبلين مدبرين.
             3- لا يُقتل جريحهم وإن جاز الإجهاز على جرحى المشركين والمرتدين.
             4- لا يقتل أسراهم وإن قتل أسرى المشركين والمرتدين ويُطلق سراح من أمنت رجعته إلى القتال من أسراهم ومن لم تؤمن منه الرجعة حبس حتى نهاية الحرب ثم يطلق بعدها.
             5- لا تُغنم أموالهم ولا يسبى ذراريهم وقد استشهد الماوردى بالحديث: منعت دار الإسلام ما فيها وأباحت دار الشرك ما فيها.
            6- لا يستعان لقتالهم ب"كافر" ويجوز ذلك فى محاربة "الكفار"
            7- لا يهادنوا إلى مدة ولا يوادعوا على مال.
            8- ينصب عليهم العرادات، ولا يحرق عليهم المساكن ولا يقطع نخيلهم واشجارهم.
***
 
علاقة العهد:
عهد الأمان:
            هو عهد مؤقت يعقد بين المسلمين و"الكفار" الحربيين أو بعضهم، ويسمى هؤلاء بعد حصولهم على الأمان باسم المستأمنين، وإذا انتهت مدة العهد الممنوح لهم عادوا حربيين. وقد شرح شروطه الشرعية تفصيلا كثير من الفقهاء، منهم النووى الدمشقى كالآتى نقدمها ببعض الاختصار:
            “فى عقد الذمة ويقال لها: الموادعة، والمعاهدة، وهى جائزة بنصوص الكتاب والسنة والإجماع، فيه طرفان:
            الأول: فى شروطها وهى أربعة:
            الأول: أن يتولاه الإمام أو نائبه فيه، هذا فى مهادنة "الكفار" مطلقاً، أو أهل إقليم، كالهند والروم، ويجوز لوالى الإقليم المهادنة مع أهل قرية أو بلدة فى إقليمه للمصلحة، وكأنه مأذون فيه بتفويض مصلحة الإقليم إليه. ولو عقد الهدنة واحد من الرعية، فدخل قوم ممن هادنهم دار الإسلام، لم يقروا، لكن يلحقون بمأمنهم، لأنهم دخلوا على اعتقاد أمانه.
            الثانى: أن يكون للمسلمين إليه حاجة وفيه مصلحة، بأن يكون فى المسلمين ضعف لقلة عدد أو مال، أو بعد العدو، أو يطمع فى إسلامهم لمخالطتهم المسلمين، أو فى قبولهم الجزية، أو فى أن يعينوه على قتال غيرهم، وإذا طلب "الكفار" الهدنة، فإن كان فيها ضرر على المسلمين فلا يخفى أنهم لا يجابون، وإلا فوجهان، أحدهما: تجب إجابتهم، والصحيح: لا تجب، بل يجتهد الإمام ويفعل الأصلح.
            الثالث: أن يخلو عن الشروط الفاسدة، فإن عقدها على أن لا ينتزع أسرى المسلمين منهم، أو يرد إليهم المسلم الذى أسروه، وأفلت منهم، أو شرط ترك مال مسلم فى أيديهم، فهذه شروط فاسدة، وكذا لو شرط أن يعقد لهم الذمة على أقل من دينار، أو على أن يقيموا بالحجاز، أو يدخلوا الحرم، أو يظهروا الخمور فى دارنا، أو شرط أن يرد عليهم إذا جئن مسلمات، وكذا ولو عقد بشرط التزام مال، فإن دعت ضرورة إلى بذل مال، بأن كانوا يعذبون الأسرى فى أيديهم ففديناهم، أو أحاطوا بنا وخفنا الاصطدام، فيجوز بذل المال، ودفع أعظم الضررين بأخفهما.
            الرابع: أن يقتصر على المدة المشروعة، ثم لا يخلو إما لا يكون بالمسلمين ضعف، أو يكون، فإن لم يكن ورأى الإمام المصلحة فى الهدنة، هادن أربعة أشهر فأقل، ولا يجوز أكثر من سنة قطعاً، ولا سنة على المذهب ولا ما بينهما وبين أربعة الحاجة، ولا تجوز زيادة على العشر، لكن إن انقضت المدة والحاجة باقية، استؤنف العقد[253].
            ويعد الأمان أحد أبواب الجهاد.وسنده القرآنى هو: وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم ابلغه مأمنه ذلك بأنهم لا يعلمون (التوبة: 6) . إذن الغرض منه أن يسمع "الكافر" كلام اللـه وليس لتحقيق أمانه وليس رغبة إنسانية فى تأمين شخص يطلب الأمان. أما شرط الأمان فهى: أن يكون المسلمون ضعافاً والأعداء أقوياء وذلك لكون قتال الأعداء فرضاً. بينما يحوى الأمان على تحريم القتال. مما يفسر سبب معالجة هذا البحث عادة فى كتاب الجهاد أو السير عند الفقهاء.
            يرفع الأمان إما لدى انقضاء مهلته أو مغادرة دار الإسلام. وللإمام أو خليفته أن ينهى الأمان فى أى وقت إذا تبين من نوايا سيئة عند المستأمن أو إذا رأى أن إقامته فى دار الإسلام تشكل خطراً على مصالح المسلمين. أما انقضاء مهلة الأمان فتأتى من ورائه نتائج فقهية. فإذا غادر المستأمن دار الإسلام تاركاً فيها أموالاً أو عقاراً فلا يحق لورثته الانتفاع بها. لأن التركة تصادرها الدولة الإسلامية. وحق التوارث يبقى قائماً إذا مات المستأمن فى دار الإسلام، مما يعنى إضفاء الضمان على أمواله أيضاً.
            أما الذى يدخل دار الإسلام بدون أمان فلا يتمتع بحماية القانون أبداً. للمسلم أن يقتله أو يستعبده أو يغتصب أمواله، فهو كما يقول الفقهاء مباح، ولا يمكن أن تزول إباحته إلا بالأمان الذى يجعل نفسه وأمواله حراماً على المسلمين. بينما يجوز قتل "الكافر" المسافر بدون أمان أو استعباده، وملكه فيء. وإن دخل "الكافر" دار الإسلام سهواً أو ضرورة مثل غرق سفينة أو سقوط طائرة فللحاكم الإسلامى أن يقرر بحقه ما يشاء. إن أراد يطلق سراحه أو يستعبده أو يقتله.
            وقد يقوم مسلم بقتل “كافر” ممن هم على عهد أمان مع المسلمين. فى هذه الحالة يدفع المسلمون ديته لدى أغلب الفقهاء.
            لكن المرتد فيقتل حتما ولا يمنح عقد أمان[254].
            عهد الصلح:
             معاهدة تتم بين دار الإسلام من جهة وبين دار الحرب من جهة ثانية. والصلح يكون عبارة عن معاهدة سلام مؤقتة ذات مدة يتفق عليها بين الطرفين، بعدها تعود دار الصلح دارا للحرب. ويجوز لدى بعض الفقهاء أن تكون بلا مدة محددة؛ مطلقة، ولكن ليس إلى الأبد، والمقصود أن تكون المدة غير محددة ويمكن فسخ المعاهدة فى أى وقت حسب المصلحة[255]. وفى القرآن سابقة على إمكانية فسخ العهود مع منح "الكفار" مهلة محددة كما رأينا فى سورة التوبة.
            عهد الذمة:
             هو نوع من العهود كان يتم عقده بين قادة جيوش المسلمين وبين سكان البلاد المعرضة لغزوهم، الذين اختاروا البقاء على ديانتهم الأصلية مع دفع الجزية. وبمجرد توقيع هذا العهد، تطبق على المعاهدين الذميين قواعد القانون الإسلامى، الذى يسميه الإسلاميون بالشريعة، ويصبحون فى ذمة المسلمين الذين يحكمون هذه البلاد والتى تصبح ضمن دار الإسلام، وهو عقد دائم؛ إلى أجل غير مسمى.
           
علاقة المسلمين ب"الكفار" فى دار الإسلام – عقد الذمة:
            نرى أنه من المفيد أن نعرض هنا ما تعرف ب”الشروط العمرية” وهى الشروط التى أشارت المصادر الإسلامية على أنها الشروط التى صالح عليها عمر ابن الخطاب أهل القدس وبعضهم قال أهل الشام ككل، وقد أوردها الكثير من المراجع الإسلامية الأساسية بصيغ ومحتويات مختلفة حسب العصر الذى طبقت فيه، وتعامل ببعض أو كل محتوياتها المتغيرة معظم الخلفاء فيما بعد مع أهل الذمة فى مختلف البلاد المفتوحة، حتى الخلفاء العثمانيون[256]:
            يقول ابن القيم الجوزية: ” ذكر الشروط العمرية وأحكامها وموجباتها:
             “... قالوا كتب أهل الجزيرة إلى عبدالرحمن ابن غنم إنا حين قدمت بلادنا طلبنا إليك الأمان لأنفسنا وأهل ملتنا على أنا شرطنا لك على أنفسنا ألا نحدث فى مدينتنا كنيسة ولا فيما حولها ديرا ولا قلاية ولا صومعة راهب ولا نجدد ما خرب من كنائسنا ولا ما كان منها فى خطط المسلمين وألا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها فى الليل والنهار وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل ولا نؤوى فيها ولا فى منازلنا جاسوسا وألا نكتم غشا للمسلمين وألا نضرب بنواقيسنا إلا ضربا خفيا فى جوف كنائسنا ولا نظهر عليها صليبا ولا ترفع أصواتنا فى الصلاة ولا القراءة فى كنائسنا فيما يحضره المسلمون وألا نخرج صليبا ولا كتابا فى سوق المسلمين وألا نخرج باعوثا قال والباعوث يجتمعون كما يخرج المسلمون يوم الأضحى والفطر ولا شعانين ولا نرفع أصواتنا مع موتانا ولا نظهر النيران معهم فى أسواق المسلمين وألا نجاورهم بالخنازير ولا ببيع الخمور ولا نظهر شركا ولا نرغب فى ديننا ولا ندعو إليه أحدا ولا نتخذ شيئا من الرقيق الذى جرت عليه سهام المسلمين وألا نمنع أحدا من أقربائنا أرادوا الدخول فى الإسلام وأن نلزم زينا حيثما كنا وألا نتشبه بالمسلمين فى لبس قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا فى مراكبهم ولا نتكلم بكلامهم ولا نكتنى بكناهم وأن نجز مقادم رؤوسنا ولا نفرق نواصينا ونشد الزنانير على أوساطنا ولا ننقش خواتمنا بالعربية ولا نركب السروج ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله ولا نتقلد السيوف وأن نوقر المسلمين فى مجالسهم ونرشدهم الطريق ونقوم لهم عن المجالس إن أرادوا الجلوس ولا نطلع عليهم فى منازلهم ولا نعلم أولادنا القرآن ولا يشارك أحد منا مسلما فى تجارة إلا أن يكون إلى المسلم أمر التجارة وأن نضيف كل مسلم عابر سبيل ثلاثة أيام ونطعمه من أوسط ما نجد ضمنا لك ذلك على أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكيننا وإن نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا وقد حل لك منا ما يحل لأهل المعاندة والشقاق.
            فكتب بذلك عبدالرحمن ابن غنم إلى عمر ابن الخطاب رضى اللـه عنه فكتب إليه عمر أن أمض لهم ما سألوا وألحق فيهم حرفين أشترطهما عليهم مع ما شرطوا على أنفسهم ألا يشتروا من سبايانا شيئا ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده. فأنفذ عبدالرحمن ابن غنم ذلك وأقر من أقام من الروم فى مدائن الشام على هذا الشرط. قال الخلال فى كتاب أحكام أهل الملل أخبرنا عبدالله ابن أحمد فذكره. وذكر سفيان الثورى عن مسروق عن عبدالرحمن ابن غنم قال كتبت لعمر ابن الخطاب رضى اللـه عنه حين صالح نصارى الشام وشرط عليهم فيه ألا يحدثوا فى مدينتهم ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب ولا يجددوا ما خرب ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم ولا يؤوا جاسوسا ولا يكتموا غشا للمسلمين ولا يعلموا أولادهم القرآن ولا يظهروا شركا ولا يمنعوا ذوى قراباتهم من الإسلام إن أرادوه وأن يوقروا المسلمين وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس ولا يتشبهوا بالمسلمين فى شيء من لباسهم ولا يتكنوا بكناهم ولا يركبوا سرجا ولا يتقلدوا سيفاولا يبيعوا الخمور وأن يجزوا مقادم رؤوسهم وأن يلزموا زيهم حيثما كانوا وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم ولا يظهروا صليبا ولا شيئا من كتبهم فى شيء من طرق المسلمين ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم ولا يضربوا بالناقوس إلا ضربا خفيا ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة فى كنائسهم فى شيء من حضرةالمسلمين ولا يخرجوا شعانين ولا يرفعوا أصواتهم مع موتاهم ولا يظهروا النيران معهم ولا يشتروا من الرقيق ما جرت فيه سهام المسلمين فإن خالفوا شيئا مما شرطوه فلا ذمة لهم وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق.
            ... عن عبدالرحمن ابن غنم قال كتبت لعمر ابن الخطاب رضى اللـه عنه حين صالح نصارى أهل الشام بسم اللـه الرحمن الرحيم هذا كتاب لعبدالله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا وشرطنا لكم على أنفسنا ألا نحدث فى مدائننا ولا فيما حولها ديرا ولا قلاية ولا كنيسة ولا صومعة راهب فذكر نحوه”. [257].
            وقد وضع عمر ابن الخطاب بنفسه شرطين حسب ما ذكر ابن القيم (نقلا عن آخرين): “ألا يشتروا من سبايانا شيئا ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده”[258].
            ويضيف ابن القيم: ”وقد تضمن كتاب عمر رضى اللـه عنه هذا جملا من العلم تدور على ستة فصول:
            الفصل الأول فى أحكام البيع والكنائس والصوامع وما يتعلق بذلك.
الفصل الثانى فى أحكام ضيافتهم للمارة بهم وما يتعلق بها.
            الفصل الثالث فيما يتعلق بضرر المسلمين والإسلام.
            الفصل الرابع فيما يتعلق بتغيير لباسهم وتمييزهم عن المسلمين فى المركب واللباس وغيره.
            الفصل الخامس فيما يتعلق بإظهار المنكر من أفعالهم وأقوالهم مما نهوا عنه.
            الفصل السادس فى أمر معاملتهم للمسلمين بالشركة ونحوها” [259].
            وتناول ابن القيم الفصول الستة بالتفصيل فى كتابه المذكور. وتمثل تلك الشروط مبدئيا العلاقة بين المسلمين و"الكفار" من أهل الذمة فى دار الإسلام..
            ويلفت النظر فى نص ابن القيم أعلاه أن الشروط العمرية هى ما طلبه "أهل الجزيرة"بأنفسهم وهو شيء تأباه العقول فليس من المقبول تصور أن شعبا ما يضع على نفسه شروطا مهينة بدون ضغط شديد من الغازى ولكن المهم هنا هو المحتوى المقبول فى الفكر الإسلامى.
            وقد حدد الماوردى الشروط بتفصيل أكثر دقة: ” ويشترط عليهم فى عقد الجزية شرطان: مستحق ومستحب:
            - أما المستحق فستة شروط:
             أحدها أن لا يذكروا كتاب اللـه تعالى بطعن فيه ولا تحريف له.
            والثانى أن لا يذكروا رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم بتكذيب ولا إزدراء.
            والثالث أن لا يذكروا دين الإسلام بذم له ولا قدح فيه.
            والرابع أن لا يصيبوا مسلمة بزنا ولا باسم نكاح.
            والخامس أن لا يفتنوا مسلماً عن دينه ولا يتعرضوا لماله ولا دينه.
            والسادس أن لا يعينوا أهل الحرب ولا يودوا أغنيائهم.
             فهذه الستة حقوق ملتزمة فتلزمهم بغير شرط، وإنما تشترط إشعاراً لهم وتأكيداً لتغليظ العهد عليهم ويكون ارتكابها بعد الشرط نقضاً لعهدهم.
            وأما المستحب فستة أشياء:
            - أحدها تغيير هيئاتهم بلبس الغيار وشد الزنار.
            - والثانى أن لا يعلوا على المسلمين فى الأبنية ويكونوا إن لم ينقصوا مساوين لهم.
            - والثالث أن لا يسمعوهم أصوات نواقيسهم ولا تلاوة كتبهم ولا قولهم فى عزيز والمسيح.
            - والرابع أن لا يجاهروهم بشرب خمورهم ولا بإظهار صلبانهم وخنازيرهم.
            - والخامس أن يخفوا دفن موتاهم ولا يجاهروا بندب عليهم ولا نياحة.
            - والسادس أن يمنعوا من ركوب الخيل عناقاً وهجاناً ولا يمنعوا من ركوب البغال والحمير.
            وهذه الستة المستحبة لا تلزم بعقد الذمة حتى تشترط فتصير بالشرط ملتزمة ولا يكون ارتكابها بعد الشرط نقضاً لعهدهم، لكن يؤخذون بها إجباراً ويؤبون عليها زجراً، ولا يؤدبون إن لم يشترط ذلك عليهم”[260].
            وأضاف آخرون شروطا أخرى تتعلق بلباس أهل الذمة مثل أن يتخذوا على سروجهم فى موضع القرابيس مثل الرمانة من خشب وبأن يجعلوا شراك نعالهم مثنية[261].
            وقد سار على ما نُسب لعمر ابن الخطاب كثير من الخلفاء ومنهم على ابن أبى طالب[262] وعمر ابن عبد العزيز، المعتبرين من المثل العليا لدى جمهور وفقهاء المسلمين على السواء، وغيرهم كثيرون، مثل المنصور والرشيد والمهدى والمأمون والمتوكل والمقتدر[263].
            و"الشروط العمرية"المتغيرة مع الوقت حسب إشارات المصادر الإسلامية قد بُدء نشر صيغها المختلفة تباعا بعد موت عمر بأكثر من قرنين ونصف والمهم لنا أن الفقه الإسلامى قد أقر تلك الصيغ القاسية من تلك الشروط ونسبها للخليفة عمر وصارت بالتالى جزءا من ثقافة المسلمين مازال له أثر واضح للآن[264]، من أمثلتها شروط العزبى باشا وكيل وزارة الداخلية لبناء الكنائس الصادرة عام 1934 فى مصر.
            ونتناول بعض التفاصيل فيما يلى:
            أولا – حرية الاعتقاد
            - حكم المرتد عن الإسلام:
من يدخل الإسلام لا يحق له وفقا لهذا الفكر أن يرجع فى قراره ! هذه ليست مسألة قابلة للنقاش سواء بين الفقهاء القدامى أو المحدثين أو المعاصرين ولا بين العامة أيضا. ويمكن بسهولة أن نعتبر الرأى القائل بعدم قتل المرتد رأيا نشازا فى الإسلام، لا يجد صدى يذكروسط الرأى العام المسلم[265]. والحقيقة أن هناك إجماعا بين الفقهاء على عقوبة قتل المرتد ولم يخرج على هذا الإجماع من له حيثية تذكر فى تاريخ الفكر الإسلامى بما فى ذلك المعتدلين من الأحناف والإجماع شبه مطلق فى الشارع الإسلامى على مدى التاريخ. والأدهى أنه قد اتضح فى قضية نصر حامد أبو زيد المتهم بالردة أن كبار كتاب ومحامى مصر فى أواخر القرن العشرين يقرون المبدأ نفسه ضمنا على الأقل؛أى مبدأ قتل المرتد، ذلك أنهم أجمعوا على محاولة إنقاذه بالبرهنة على عدم ارتداده وليس على حقه فى اختيار عقيدته والتعبير عنها!!
            يقُسم المرتد إلى مرتد ملى، ومرتد فطرى. الأول هو الذى يولد ويشب غير مسلم ثم أسلم عند البلوغ وارتد بعد إسلامه. والمرتد الفطرى هو الذى يولد من أب مسلم أو من أم مسلمة (أى على الفطرة) ثم يرتد. أما معنى الردة نفسه فليس متفقا عليه بوضوح والتعريف الذى يأخذ به أغلب الإسلاميين خصوصا المعاصرين هو من أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، أما ماهو معلوم من الدين بالضرورة ففيه من الخلاف الكثير حسب قناعات الفقيه ولكن حده الأدنى هو إنكار أحد الفرائض أو الشرائع فى الإسلام، والاحتكام إلى غير اللـه.
            ولا يطبق عهد الذمة على المرتد لأنه فى عرف الإسلام قد ترك الدين الحق بعد أن عرفه وذلك لفساد فطرته مما يدعو على اليأس من إمكانية هدايته. ذلك أن الذمة تمنح لأهل الكتاب لدى معظم الفقهاء ولكل عموم "الكفار"عدا المرتدين منهم لدى أقلهم لكى يعيشوا فى دار الإسلام ليتعرفوا عليه لعلهم يهتدون.
            ولم ينص القرآن على هذه العقوبة بشكل صريح (قليلون فقط فسروا الآية إنما جزاء الذين يحاربون اللـه ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أَو تقطع أَيديهم وأَرجلهم من خلاف أَو ينفوا من الأرض (المائدة: 33) على أنها خاصة بأناس ارتدوا بعد إسلامهم منهم أبو قلابة الجرمي) ، بينما نص عليها الحديث: من بدل دينه فاقتلوه (صحيح ابن حبان- 4389، ذكر أيضا فى سنن النسائى -4043) . وفى مسند الإمام أحمد-4424: لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزانى، والتارك دينه المفارق، أو الفارق الجماعة وفى صحيح البخارى: (6772) ... قال: أقبلت إلى رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم ومعى رجلان من الأشعريين أحدهما عن يمينى والآخر عن يسارى ورسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم يستاك، فكلاهما سأل، فقال: ياأبا موسى  أو ياعبد اللـه ابن قيس  قال قلت: والذى بعثك بالحق ما أطلعانى على ما فى أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل. فكأنى أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت، فقال: لن  أو لا  نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت ياأبا موسى  أو ياعبد اللـه ابن قيس  إلى اليمن. ثم اتبعه معاذ ابن جبل، فلما قدم عليه ألقى له وسادةً قال: انزل، فإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهودياً فأسلم ثم تهود. قال: اجلس. قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء اللـه ورسوله (ثلاث مرات) ، فأمر به فقتل. ثم تذاكرا قيام الليل، فقال أحدهما: أما أنا فأقوم وأنام، وأرجو فى نومتى ما أرجو فى قومتى.
            ولسنا فى معرض الدخول فى تقرير صحة الحديث من عدمه فهذا ليس موضوعنا والأمر الذى يعنينا أن الثقافة الإسلامية تتضمن هذه المسألة وتتبناها بشكل حاسم واعتبار جل المسلمين هذه الأحاديث صحيحة يهمنا أكثر من صحة الأحاديث نفسها لأن هذا هو موضوعنا بالذات.
            وتكمن نقطة الخلاف الأهم بين “العلماء” بخصوص قتل المرتد حول ضرورة منحه فرصة التوبة والمدة المناسبة لذلك. وهناك رأى أن يقتل دون استتابة، أو يستتاب فى الحال وإلا قتل كما لدى الشوكاني[266] وقد ذهبت الأغلبية إلى منحه 3 أيام فرصة للرجوع عن كفره وإلا قتل، وذهب الإمام النخعى إلى استتابته مدى الحياة فتُطلب منه التوبة. وهذا- وفقا لابن قدامة- مخالف للسنة والإجماع[267]. والاستتابة تعنى حتما السجن والضغط[268]. وقال آخرون: يستتاب شهراً، أو ثلاثاً، أو مائة مرة،.. وذكر أبو يوسف عن أبى حنيفة أن المرتد يُعرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا قُتل مكانه، إلا أن يطلب أن يُؤجل، فإن طلب ذلك أُجل ثلاثة أيام[269]. ومما أجمع عليه الفقهاء أن يُقتل دون استتابة من أغلظ فى الردة: مثل من سب اللـه ورسوله واستهزء بالدين، والزنادقة ومن تكررت منه الردة.
            واختُلف عن كيفية الاستتابة فقيل أن يُسجن حتى يتوب خلال المدة المحددة لدى أغلب الفقهاء بثلاثة أيام[270]. وخلال مدة حبسه تتم استتابته بمناقشته فى كفره وطلب توبته مشفوعة بالتهديد بالقتل.. وهى ما تساوى بالضبط محاكم التفتيش فى أوربا العصور الوسطى التى ينتقدها الإسلاميون !!.
            واختلفوا فى المرتدة؛ فوفقا للصنعانى ذهب الجمهور إلى أنها ُتقتل لأن كلمة "من" فى الحديث "من بدل دينه فاقتلوه" تعم الذكر والأنثى ولأنه حسب ابن المنذر عن ابن عباس راوى الحديث أنه قال: "تقتل المرأة المرتدة" [271]. وقال مالك والأُوزاعى والشافعى والليث ابن سعد: تُقتل كما يُقتل المرتد سواء؛ وحجتهم ظاهر الحديث: «من بدل دينه فاقتلوه». ولفظ «من» يصلح للذكر والأُنثى. وقال – خلافا لهذا الرأي - الثورى وأبو حنيفة وأصحابه: لا تقتل المرتدة؛ ولكنها تحبس وتجبر على الإسلام وتضرب فى كل ثلاثة أيام إلى أن تسلم [272]. فروى عن معاذ بن جبل أن محمدا قال له حين بعث إلى اليمن: أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن تاب فاقبل منه، وإن لم يتب فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن تابت فاقبل منها، وإن أبت فاستتبها... ووفق لنفس المصدر أخرج الدار قطنى فى صحيحه عن على ابن أبى طالب أنه قال: المرتدة تستتاب ولا تقتل[273].
            وقررت قلة أنها تقتل ولو راجعت الإسلام.
            وقد مورس قتل المرتد- وفقا لكتب التراث المعترف بها إسلاميا - مرارا سواء فى عهد محمد أو الخلفاء[274]. بما فيه قتل المرأة على يد أبى بكر[275] وحرق بعض الزنادقة على يد على ابن أبى طالب كما أشرنا من قبل. وأشارت المراجع الإسلامية إلى أن محمدا لم يقتل بعضا من المرتدين ويبدو أن هذا حدث فعلا إما فى مرحلة مبكرة من إقامة الدولة الإسلامية أو لاعتبارات سياسية أخرى.. وربما أنه لم ُيقتل مرتدون أصلا إلا من امتنعوا عن دفع الزكاة فى عهد أبى بكر ويُقال إنهم قتلوا لا لردتهم بل لعداوتهم للدولة[276]، ولكنها حجة متهافتة فمعظمهم لم يحارب الدولة إلا دفاعا عن نفسه. وعلى العموم وبغض النظر عن صحة الوقائع المختلف عليها دائما فى تاريخ الإسلام فإن فكرة حد الردة عميقة الجذور فى الفكر الإسلامى القديم والمعاصر.
            أما عن كيفية قتل المرتد فقد اخُتلف فيها أيضا وضمن ما قيل “أنه يقتل ضرباً بالسيف. وقال أبو العباس: لا ُيقصد قتله، لكن ُيضرب بالخشب، وُينخس بالسيف حتى يصلى أو يموت”[277]..
            ومن الثابت عدم قتل المرأة "الكافرة" لأن قتل "الكفار" إنما يكون لمحارب فقط أما النساء والأطفال فتسبى كغنيمة للمسلمين ويمكن أن توطأ وتباع لكن لا تقتل بسب كفرها. ولكن فى الشريعة تختلف المرأة "الكافرة" عن المرتدة مثلما يختلف الأمر أيضا بين رجل “كافر” غير محارب ومرتد غير محارب فالثانى يقتل والأول لا يقتل على العموم. ووفقا لابن تيمية “فالمرتد يقتل لكفره بعد إيمانه‏: ‏ وإن لم يكن محاربا‏. ‏ فثبت أن الكفر والقتل لترك المأمور به أعظم منه لفعل المنهى عنه‏. ‏ وهذا الوجه قوى على مذهب الثلاثة‏: ‏ مالك، والشافعى، وأحمد وجمهور السلف”[278].
            أما إذا قام غير المسلم بتغيير دينه إلى غير الإسلام فقد اختلف الفقهاء؛فرأى مالك وجمهور الفقهاء: لا يُتعرض له؛ لأنه انتقل إلى ما لو كان عليه فى الابتداء لأقر عليه، ورأى الشافعية أنه يقتل ورأى بعض الحنابلة ألا يقر” لأنه انتقل إلى دين باطل قد أقر ببطلانه أشبه المرتد ولم يقبل منه إلا الإسلام أو دينه الأول فإن أباهما هدد وحبس وضرب وقيل للإمام أنقتله قال لا”[279]. ويتناول ابن قدامة الأمر هكذا: ” فى صفة إجباره على ترك ما انتقل إليه وفيه روايتان إحداهما أنه يقتل إن لم يرجع‏، رجلا كان أو امرأة لعموم قوله عليه السلام‏: ‏ ‏‏‏ (من بدل دينه فاقتلوه ‏‏‏) ‏ ولأنه ذمى نقض العهد فأشبه ما لو نقضه بترك التزام الذمة وهل يستتاب‏؟‏ يحتمل وجهين أحدهما يستتاب لأنه يسترجع عن دين باطل انتقل إليه‏، فيستتاب كالمرتد والثانى: ‏ لا يستتاب لأنه “كافر” أصلى أبيح قتله فأشبه الحربى فعلى هذا إن بادر وأسلم‏، أو رجع إلى ما يقر عليه عصم دمه وإلا قتل والرواية الثانية عن أحمد قال‏: ‏ إذا دخل اليهودى فى النصرانية‏، رددته إلى اليهودية ولم أدعه فيما انتقل إليه فقيل له‏: ‏ أتقتله‏؟‏ قال‏: ‏ لا‏، ولكن يضرب ويحبس قال‏: ‏ وإن كان نصرانيا أو يهوديا فدخل فى المجوسية كان أغلظ لأنه لا تؤكل ذبيحته‏، ولا تنكح له امرأة ولا يترك حتى يرد إليها فقيل له‏: ‏ تقتله إذا لم يرجع‏؟‏ قال‏: ‏ إنه لأهل ذلك وهذا نص فى أن الكتابى المنتقل إلى دين آخر من دين أهل الكتاب لا يقتل بل يكره بالضرب والحبس‏”[280].
            أما دخول المرء من دين ما إلى الإسلام فلا يعده “العلماء” فتنة بل “هدي” ومعرفة بالحق.. مفترضين- ضمنيا - أن كل البشر متفقون على أن الإسلام هو الحق، بالفطرة طبعا؛بالجينات البشرية!. وبذا يفترض الإسلام أن المرتد عنه هو أدنى من الذى يدخل فيه وحتى تعبير الردة نفسه يتضمن هذا المعنى، فهو تراجع إلى الوراء؛ارتداد. كما يفترض الإسلام مقدما أن الشخص الذى يترك الإسلام هو شرير بالضرورة، فهو مصدر للفتنة وعدو للمجتمع حتما. وهذا التصور لا يمكن أن يقبله أى شخص عاقل ويشهد الواقع أن الكثير من “المرتدين”و”الزنادقة” قدموا للحضارة الكثير من التضحيات والإنجازات، بل قدم الكثير منهم مالا يحصى لدولة الخلافة الإسلامية مما دفع الإسلاميين المعاصرين للافتخار بهم واعتبارهم مسلمين لا "كفارا" فى لحظات الافتخار فقط.
            ومن الأمور الفريدة فى الإسلام أنه بينما يحكم بقتل المرتد وفرض الجزية على "الكفار" يعامل”المنافق” فى الدنيا مثل المسلم تماما، تاركا أمره للـه يوم القيامة إذا لم تثبت عليه تهمة النفاق. والمنافق هو من يظهر الإسلام بينما هو لا يؤمن به حقا، وذلك تقية، خوفا من القتل وغيره من العقوبات. ويكون من الممكن معرفته من سياق تصرفاته. فيسمح الإسلام للمنافق بالعيش مع المسلمين والزواج منهم وأن يوارثهم.. إلخ. والعلة فى ذلك أن المنافق يعلن إسلامه وليس من الممكن التأكد مما فى قلبه وإلا سيكون من الممكن تكفير الناس بسهولة من قبل بعضهم البعض. ولم ينص القرآن ولا الأحاديث على فرض أية عقوبة دنيوية للمنافق. وبهذا يميز الإسلام بين "الكافر" الصادق و"الكافر" المنافق لصالح الأخير. والمشكلة أن الناس لا تستطيع أن تعرف المنافق بشكل قاطع ولكنها تستطيع أن تعرف "الكافر" الصريح. هذه المعضلة؛تمييز المنافق الكذاب على "الكافر"الصادق تنتج من عدم سماح الإسلام بحرية المرء فى اختيار دينه بحرية، والاختيار يتضمن بالضرورة إعادة الاختيار كيفما شاء. هكذا يفضل النفاق على الصراحة. وليس هناك غريب فى الأمر، إذ يسمح الإسلام للمسلم نفسه أن يكذب ويكون منافقا لل”كفار” فى ظروف معينة حسب مبدأ التقية الشهير لدى السنة والشيعة.
            أما إذا استطاع المسلمون إثبات نفاق شخص ما (وهى طبعا محكمة تفتيش) يسمى زنديقا وهو يُقتل بلا جدال لدى كل مذاهب السنة بل ذهب المالكية والحنابلة إلى أنه يجب قتله بعد الاطلاع عليه بلا طلب توبة منه، ولا بد من قتله وان تاب، لكن ان تاب قتل حدا، لا كفرا، فيحكم له بالإسلام ويغسل، ويكفن ويصلى عليه ويدفن فى مقابر المسلمين، ويترك أمره الى الله[281].
            وبخصوص الفرق بين المرتد والزنديق ذكر ابن قدامة - وهو من الفقهاء المتشددين- عن على ابن أبى طالب “أنه أتى برجل عربى قد تنصر فاستتابه فأبى أن يتوب فقتله وأتى برهط يصلون وهم زنادقة وقد قامت عليه بذلك الشهود العدول فجحدوا وقالوا ليس لنا دين إلا الإسلام فقتلهم ولم يستتبهم ثم قال أتدرون لم استتبت النصراني؟. استتبته لأنه أظهر دينه فأما الزنادقة الذين قامت عليهم البينة‏، فإنما قتلتهم لأنهم جحدوا وقد قامت عليهم البينة ولأنه قد ثبت كفره فلم يحكم بإسلامه بدون الشهادتين‏، كالكافر الأصلى ولأن إنكاره تكذيب للبينة فلم تسمع كسائر الدعاوى فأما إذا أقر بالكفر ثم أنكر‏، فيحتمل أن نقول فيه كمسألتنا وإن سلمنا فالفرق بينهما أن الحد وجب بقوله‏، فقبل رجوعه عنه وما ثبت بالبينة لم يثبت بقوله فلا يقبل رجوعه عنه‏، كالزنى لو ثبت بقوله فرجع كف عنه‏، وإن ثبت ببينة لم يقبل رجوعه"‏[282]. ‏والمفهوم من هذا التعليل أن "الكافر"الذى يثبت كفره وهو منكر يُقتل دون استتابة، والأمر يبدو منطقيا تماما، فعما يُستتاب وهو ينكر "الكفر" أصلا؟ولكنه يُقتل لثبات كفره بالبينة.. والوسيلة بالطبع هى محكمة تفتيش وإلا كيف يتم الكشف عما فى سريرته؟.
            ويفرق عموم الفقه الإسلامى بين المسلم و"الكافر" المكره على تغيير دينه، فلأن “الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، يحكم بإسلام "الكافر" إذا أكره على الإسلام ولا يحكم بكفر المسلم إذا أكره على إجراء كلمة "الكفر" فأجرى وأخبر أن قلبه كان مطمئناً بالإيمان”[283].
            وقد حدث فى التاريخ الإسلامى فى فترات معينة اضطهاد وأقيمت محاكم تفتيش ل”الزنادقة” وهم المتهمون بأنهم يعلنون إسلامهم ويمارسون ضد الإسلام أو يدعون لأشياء مناقضة للإسلام الرسمى (السنى عادة) وُقتل الكثيرون منهم مثل:
            - الجعد ابن درهم من المعتزلة الذى قتله خالد ابن عبد اللـه القسرى والى الكوفة بأمر الخليفة الاموى هشام ابن عبد الملك عام 742.
            - حسين ابن منصور- الحلاج - من الصوفة الذى قتل صلبا بعد أن تعرض فى ساحة القتل لإهانات بشعة.
            - وغيلان الدمشقى من المتكلمين الأوائل القائل بقدرة الإنسان على الفعل، أمر الخليفة هشام ابن عبد الملك بقطع يديه ورجليه وتعليقه على باب دمشق ثم أمر بقطع لسانه بتهمة القول بكلام المعتزلة.
            - السهروردى المقتول الذى أقام له فقهاء حلب بموافقة صلاح الدين الأيوبى محكمة تفتيش وحكموا بقتله عام 1191م.
            - الجهم ابن صفوان (سميت الجهمية على اسمه وهو يتفق مع المعتزلة فى أشياء جوهرية ويختلف فى مسائل منها اعتقاده بالجبرية) وقد قتله سالم ابن أحوز فى مرو عام 128هجرية.
            - ابن المقفع الذى كان ينتقد الإسلام.
            - ابن أبى العوجاء.
            - الشاعر بشار ابن برد، قتل عام 784 م.
            - صالح ابن عبد القدوس ُقتل عام 783 م.
            - أبو عيسى محمد ابن هارون الوراق: نفى الى الأهواز ومات بها عام 909 م.
            وفى عهد الخليفة المنصور تم تعيين مفتش عام كان يُعرف باسم " صاحب الزنادقة". وقد بلغ القمع أوجه فى الفترة من 661 -671 هجرية فى عصر الخليفة المهدى ووجد من “العلماء“من يسوغ له ذلك شرعيا بنصوص من القرآن والسنة. بل يميل الرأى العام ل”لعلماء”وحتى العامة إلى استساغة هذا النوع من الاضطهاد ل”لزنادقة” فى العصر الحالى.
            وهناك عقوبات أخرى للمرتد عن الإسلام، وقد أجمع فقهاء السنة الأربعة على انفساخ عقد الزواج بردة أحد الزوجين‏. ‏ فإن كانت الردة قبل الدخول انفسخ العقد فى الحال، وإن كانت بعد الدخول فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه يُفسخ فى الحال، ورأى الشافعى الانتظار إلى انقضاء العدة‏. ‏ أما ابن حنبل فله روايتان كالمذهبين‏ السابقين. ‏وتفقد المرتدة المتزوجة بعض حقوقها.. [284]، ويرث عامة المسلمين أموال المرتد ولا تُسلم لأهله.
            ومسألة قتل المرتد تتمتع بقيمة هامة وراسخة فى الثقافة الإسلامية القديمة والمعاصرة حتى اليوم سواء لدى الخاصة أو العامة من المسلمين، ومعارضتها تكفى للحكم ب"الكفر" على الشخص المعترض، لا يختلف المعتدلون مع المتشددين باستثناء قلائل بلا جمهور فى هذا الصدد. ولم نلاحظ أن الإسلام المعاصر قد تراجع تجاه هذه القضية التى تبدو بالغة الأهمية للإسلاميين رغم أن القرآن لم ينص على عقوبة "دنيوية"للمرتد ورغم الشكوك الكثيرة حول تطبيق هذه العقوبة فى السنة النبوبة العملية، ورغم سهولة تبرير الحرية الدينية إسلاميا.
            وحين حاول “المعتدل” يوسف القرضاوي[285] أن يخفف من وطأة مسألة قتل المرتد بغرض الدعاية لاعتدال الإسلام أقر بأن هناك بعض “العلماء” ممن لم يقروا القتل، لكنه كما أشرنا هو رأى نشاز فى الإسلام!، وعلل القتل بأنه ليس بسبب الارتداد فى حد ذاته بل بسبب “الفتنة” التى يحدثها.. وهو تبرير يقدمه "المعتدلون" عموما، منهم عبد الصبور شاهين ووهبة الزحيلى، وهو عذر أقبح من ذنب كما هو بين.. فأى فتنة فى تحول المسلم إلى مسيحى مثلا ؟؟ ماذا حدث من “فتنة” حين ألحد الملايين من مسيحيى الغرب؟ وأين حق الإنسان فى أن يفكر ويغير أفكاره بحرية؟؟ ثم ألا يمكننا أن نعتبر الفتنة هى الإكراه فى الدين وقمع المخالفين فى الرأى والاعتداء على حرية الاعتقاد؟. وقد قبل القرضاوى الردة الفكرية ولكنه لم يوافق المرتد على إعلان رأيه على المجتمع!! فلماذا يكون للمسلم فقط هذا الحق؟ هذا تساؤلنا نحن.. أليس هذا تمييز دينى واضح؟ ثم ما هو مفهوم الفتنة؟ أهو الحرب الأهلية أم مجرد تحول الناس عن الإسلام؟ !! ومن الواضح أن هذه الحجة يمكن أن يستعملها أى نظام ديكتاتورى واستخدمتها بالفعل كل الأنظمة الشمولية لقمع المعارضين. بل من الثابت أن فقهاء السنة يستخدمونها حجة لتبرير دعوتهم لعدم الخروج على الحاكم المسلم مهما فعل. والقرضاوى نفسه قد دعا إلى معاقبة العلمانيين حتى غير الملحدين منهم متهما إياهم بالردة معتبرا أن”العلمانى الذى يرفض “مبدأ” تحكيم الشريعة من الأساس، ليس له من الإسلام إلا اسمه، وهو مرتد عن الإسلام بيقين، يجب أن يستتاب، وتزاح عنه الشبهة، وتقام عليه الحجة، وإلا حكم القضاء عليه بالردة، وجرد من انتمائه إلى الإسلام، أو سحبت منه “الجنسية الإسلامية” وفرق بينه وبين زوجه وولده، وجرت عليه أحكام المرتدين المارقين، فى الحياة وبعد الوفاة”[286]. وفى كتاب أصدره عام 1993 أفتى بضرورة التفرقة بين الردة الغليظة والخفيفة، وفى أمر المرتدين بين الداعية وغير الداعية، فما كان من الردة مغلظاً -كردة سلمان رشدى - وكان المرتد داعية إلى بدعته بلسانه أو بقلمه، فالأولى فى التغليظ فى العقوبة، والأخذ بقول جمهور الأمة، وظاهر الأحاديث، استئصالاً للشر، وسداً لباب الفتنة[287].
            وتوجد أصوات إسلامية ضعيفة للغاية، مكفر بعضها!، تنكر قتل المرتد عن الإسلام، منهم محمود شلتوت الذى يرفض الأخذ بأحاديث الآحاد، وصبحى منصورالذى يرفض الأحاديث عموما مثل بقية القرآنيين، وجمال البنا.. وغيرهم، وهذه الأصوات لا تجد استجابة تذكر فى الشارع الإسلامى.
            ويعكس هذا التشدد فى رأينا خوف الإسلاميين من تفكك القاعدة الشعبية العريضة التى يستمدون منها قوتهم، بتحول المسلمين عن دينهم، ففتح باب "الردة" يجعل من المقبول أن يُناقش الإسلام علنا ويُنتقد ويفتح أمام جمهور المسلمين باب التفكير فى دينهم بلا خوف ويفجر القضايا المكبوتة حول الإسلام ويكسر بالتالى حاجز الرعب من التخلى عن الدين، خصوصا فى هذا العصرالذى تطور فيه العلم. وحتى السلطات تخشى من فقدانها هيمنتها الأيديولوجية على الجماهير، ومن نافلة القول أن رجال الدين يهمهم استمرار وظائفهم ومداخيلهم (بعضهم يحصل مداخيل هائلة، خصوصا الشيعة) ويرون فى إمكانية تقلص قاعدتهم الشعبية خطرا مباشرا على مصالحهم. والواضح أن قضية قتل المرتد ترتبط بقبول "للمنافق" مالم تصدر عنه علامات "الكفر" بقدر يكشف زندقته ويقوده إلى حتفه، وهذا الأمر يعنى بالضبط أن الفكر الإسلامى معنى بسلطته أكثر مما هو معنى بنشر ما يعتبره الحقيقة، ف"المنافق" يُفضل على "الكافر"، لأنه يخضع لسلطة الإسلام الأيديولوجية والاجتماعية أما "المرتد" فيتخلص من هذه السلطة وهو أخشى ما يخشاه الإسلاميون رغم أن ترك "المرتد" يتيح الفرصة للتطهر من وجهة النظر الدينية البحتة. وهذا الموقف يكشف أن الفكر الإسلامى هو فكر سلطوى قبل أى شيء آخر؛آلية للتسلط لا مجرد فكر نظرى يبحث عن الحقيقة كما يزعم أنصاره.
 
 
            - عقوبة منتقد الإسلام والرسول والصحابة:
             لا يحق لأى شخص ذمى أو غيره نقد الإسلام ولا رسوله أبدا ولا أى رسول آخر ولا صحابى ولا أحد من آل البيت وزوجات محمد فى بعض المذاهب مثل المالكية[288]. ويتضمن ذلك عدم حقه فى دعوة المسلمين إلى دينه أو لا دينه، لأنه يتضمن بالضرورة نقدا للإسلام أو عدم إقرار علنى بأنه الدين الحق، كما أنه يتطلب إظهار دين "الكفار" أو إظهار إلحادهم. فهذا خروج على الذمة، وبمثابة إهدار لفكرة أن كلمة اللـه هى العليا. وقد أقر القرآن ذلك بوضوح: وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا فى دينكم فقاتلوا أئمة "الكفر" (التوبة: 12) . وفى تفسير الآية اختلف المفسرون ولكن رغم الخلاف اتفق جلهم على مفاهيم معينة هى المعنية هنا: فهذا رأى ابن كثير: ”يقول تعالى وإن نكث المشركون الذين عاهدتموهم على مدة معينة أيمانهم أى عهودهم ومواثيقهم وطعنوا فى دينكم أى عابوه وانتقصوه، ومن ههنا أخذ قتل من سب الرسول صلوات اللـه وسلامه عليه أو من طعن فى دين الإسلام أو ذكره بنقص”. وذكر الزمخشرى (معتزلي): ”وقالوا‏: ‏ إذا طعن الذمى فى دين الإسلام طعناً ظاهراً جاز قتله لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة”. وقد أقر الجميع عدا القلة (منهم الحسن البصري) على أن معنى نكثوا أيمانهم: لا عهد لهم[289]. واتفق كبار الفقهاء المعتمدين لدى الرأى العام المسلم على قتل من يطعن فى الإسلام سواء بالفعل أو بالقول واستثنى من ذلك أبو حنيفة الذى اشترط استتابته أولا [290] مع إجازة قتل من تكرر منه ذلك[291].
            وجوز طائفة من أصحاب الشافعى وأحمد وغيرهما‏‏ قتل الداعية إلى “البدع” المخالفة للكتاب والسنة، وكذلك كثير من أصحاب مالك‏. ‏ وقالوا‏: ‏ إنما جوز مالك وغيره قتل القدرية؛أى المعتزلة، لأجل الفساد فى الأرض، لا لأجل الردة[292]. كذلك ُيقتل من ينكر أحد الفروض الأساسية فى الإسلام مثل الصلاة، بعد أن يستتاب، وقد أفتى البعض بقتل تارك الصلاة بعد استتابته سواء جاحدا لها أم لا[293]. ورأى أحمد ابن حنبل‏ أن‏ ‏تارك الصلاة “كافر” كفراً مخرجاً من الملة، يقتل إذا لم يتب ويصل. بينما اعتبره أبو حنيفة ومالك والشافعى: ‏ ‏”‏فاسق ولا يكفر‏”‏‏. ‏ ثم اختلفوا فقال مالك والشافعى: ‏ ‏”‏يقتل حداً‏. ‏‏. ‏‏”‏‏. ‏ وقال أبو حنيفة‏: ‏ ‏”‏يعزز ولا يقتل‏. ‏‏. ‏‏”[294]. ‏
            بل ذهب ابن حنبل إلى قتل من قال ان الخمر حلال[295]. “فالواجب على ولى الأمر – حسب نص ابن تيمية -أن يأمر بالصلوات المكتوبات جميع من يقدر على أمره، ويعاقب التارك بإجماع المسلمين، فإن كان التاركون طائفة ممتنعة، قوتلوا على تركها بإجماع المسلمين، وكذلك يقاتلون على ترك الزكاة، والصيام، وغيرهما، وعلى استحلال المحرمات الظاهرة المجمع عليها، كنكاح ذوات المحارم، والفساد فى الأرض، ونحو ذلك‏. ووفقا له “وقد اتفق علماء المسلمين على أن الطائفة الممتنعة إذا امتنعت عن بعض واجبات الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها، إذا تكلموا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلاة والزكاة، أو صيام شهر رمضان، أو حج البيت العتيق، أو عن الحكم بينهم بالكتاب والسنة، أو عن تحريم الفواحش، أو الخمر، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن استحلال النفوس والأموال بغير حق، أو الربا، أو الميسر، أو الجهاد لل”كفار”، أو عن ضربهم الجزية على أهل الكتاب، ونحو ذلك من شرائع الإسلام، فإنهم يقاتلون عليها حتى يكون الدين كله لله”‏. ‏ ‏ “وإن كان التارك للصلاة واحدا، فقد قيل‏: ‏ إنه يعاقب بالضرب والحبس حتى يصلى، وجمهور العلماء على أنه يجب قتله إذا امتنع من الصلاة بعد أن يستتاب، فإن تاب وصلى، وإلا قتل‏. ‏ وهل يقتل كافرًا أو مسلما فاسقا‏؟‏ فيه قولان‏. ‏ وأكثر السلف على أنه يقتل كافرًا وهذا كله مع الإقرار بوجوبها، أما إذا جحد وجوبها، فهو كافر بإجماع المسلمين، وكذلك من جحد سائر الواجبات المذكورات والمحرمات التى يجب القتال عليها‏”[296].
            ومن ذلك الكثير مما هو مدون بكتب الفقه ومورس فى الدول المطبقة للشريعة الإسلامية وينادى الإسلاميون السلفيون بتطبيقه [297]. ففى الإسلام السائد يرتبط السلوك ارتباطا شديدا بالعقيدة نفسها ولذلك لا يكفى أن يؤمن المرء بعقيدة الإسلام بل عليه أيضا أن يسلك بطريقة معينة، ورغم أن القرآن لم يفرض عقوبات “دنيوية” على معظم السلوكيات “الجاهلية” إلا أن الفقه فى كثير من الأحيان ولدى أكثر الفقهاء أقر عقوبات قاسية للغاية لمن يسلك سلوكا لا يعد إسلاميا مثل مرتكب الكبيرة (والصغيرة أحيانا) مع الاختلاف فى تعريف الكبيرة والاختلاف حول كفر أو عدم كفر صاحبها.
            إذن فقيام "الكفار" من أهل الذمة بالدعوة لمعتقداتهم المخالفة للإسلام “يعنى فورا خروجهم على عقد الذمة فيحل دمهم. هذا من أولى الأشياء أن ينتقض العهد به فإنه حراب اللـه ورسوله باللسان وقد يكون أعظم من الحراب باليد كما أن الدعوة إلى اللـه ورسوله جهاد بالقلب وباللسان وقد يكون أفضل من الجهاد باليد”[298]. وقد تضمنت الشروط العمرية كما رأينا التزام الذميين بعدم الدعوة إلى دينهم: ”ولا نظهر شركا ولا نرغب فى ديننا ولا ندعو إليه أحدا”[299].
            والعكس ليس صحيحا، فالمسلم لا يحق له بل يجب عليه أن يعرض الإسلام على "الكفار" وأن يدعوهم إليه وأن يظهر شعائر دينه مالم تكن الظروف غير مواتية للمسلمين فى دار الكفر.
            ومع ذلك يتميز "الكافر" على المسلم فى دار الإسلام فى مسألة سب الرسول[300]. فبالإجماع يقتل من يسب الرسول من المسلمين، بينما اختلف الفقهاء على حكم من يسبه من أهل الذمة أو يعرض أو يستخف بقدره، فرأت الأغلبية أن يقتل، ‏ إلا أبا حنيفة والثورى وأتباعهما من أهل الكوفة فإنهم اكتفوا بضرورة عقابه فحسب؛ قالوا‏: ‏ لا يقتل، ما هو عليه من الشرك أعظم، ولكن يؤدب ويعزر[301].
            ولم يتم إعطاء تعريف دقيق وقطعى للسب، والأمر البين أن النقد بأى شكل أو التشكيك فى نياته أو اتهامه بارتكاب أعمال لا أخلاقية يعد سبا. والميزة التى يتمتع بها "الكفار" هنا هى فتوى أبى حنيفة والثورى لا أكثر !. والسنة أن يقتل من ينتقد الرسول ولهذا عفا محمد عام الفتح عن الذين هموا بإخراجه ولم يعف عمن “سبه”.
            كذلك نقد الإسلام بوجه عام أو سبه يوجب القتل لدى عديد من الفقهاء: وقد أفتى ابن حزم بكفر من سب الدين أو سخر به، فكل من سب اللـه، أو استهزأ به، أو سب ملكًا من الملائكة أو استهزأ به، أو سب نبيا من الأنبياء، أو استهزأ به، أو سب آيةً من القرآن، أو استهزأ بها، والشرائع كلها، فهو بذلك كافر مرتد[302] ويستحق لذلك القتل.
            أما ابن قدامة فقرر أن من سب اللـه أو استهزأ به، أو بآياته، أو برسله، أو كتبه كفر، “سواء كان مازحا أو جادا[303].
            بينما أقر الحنفاء أن من سب اللـه يُستتاب ولكن من سب أحد الرسل يقتل دون استتابة لأن حق البشر لا يقبل التوبة بخلاف حق الله[304].
            الخلاصة أن الإسلام السائد سواء القديم أو المعاصر لا يقبل أبدا حق الناس فى نقد الإسلام علنا وبالتالى لا يسمح لهم بحرية التفكير المعلن وهو ما يعنى الحوار الصريح فى قضية الدين، فالحوار بطبيعته يتضمن إعلان الأفكار المختلفة وبالتالى المناهضة للفكر الإسلامى. ولكن المقصود بالناس هنا "الكفار"، المتشككون فى الدين، أصحاب الأديان غير الإسلام. أما المسلمون فيتمتعون بحق، بل وعليهم واجب نشر دينهم وبالتالى نقد الأديان الأخرى. ولذلك لا يجد دعاة الإسلام أى حرج من القيام بالعمل بحرية فى بلاد "الكفار" على نشر دينهم بينما يطالبون بالقضاء على المبشرين غير المسلمين ويطالبون بقطع رأس منتقدى الإسلام سواء النص المقدس أو التفسيرات المعتمدة من قبل المؤسسات الدينية السائدة ويتنكرون لحق نقد النص الدينى وحق الإنسان فى تغيير دينه، مدعين فى نفس الوقت أن الإسلام دين تسامح ويقرون بحرية الاعتقاد متناسين مضمونها. والإسلام أقر نظريا حرية الاعتقاد ف”لا إكراه فى الدين”، ولكن ما يتم تناسيه هنا أن حرية الاعتقاد أمر أقرته الطبيعة نفسها، فالانسان يعتقد بما يعتبره صحيحا حتى لو تم إكراهه على إعلان غير ذلك، اللهم إلا إذا راح يقنع نفسه بأفكار مفروضة بسبب الضغوط المفروضة عليه. وفى هذا لم يقرر الإسلام شيئا فريدا. وبالعكس نفى حق الإنسان فى إعلان رأيه وهو ما يقصده الناس بحرية الاعتقاد. وقد رأينا فى مسألة قتل المرتد أن القرضاوى (وذهب مثله "المعتدلون" عموما)لا يقر قتله لمجرد ارتداده بل بسبب الفتنة التى قد يحدثها، بمعنى أن إعلان ارتداده هو المشكلة الحقيقية ولكن أن يغير ما فى ذهنه فلا عقاب عليه، وهو تحصيل حاصل إذ كيف نعرف أنه ارتد دون أن يعلن، أى يقيم”فتنة”؟.
            ويختلف رد الفعل الإسلامى تجاه موقف المرء من الدين، فتوجيه أى نقد للإسلام ولو كان يرتكز على معلومات من كتب الفقه والأحاديث أو حتى تصريحات “العلماء” و“المجاهدين” توصف عادة بأنها كلام ملئ بالحقد والغل من الإسلام ويوصف الناقد بأنه يبث السموم ضد الإسلام كرها وحقدا بغير مبرر واضح، بينما إذا امتدح أحد المستشرقين أحد جوانب الإسلام يعامل كبطل إسلامى ويوصف بأنه منصف وعادل وموضوعى لأنه أنصف الحق. وكأن كون الإسلام هو الحق هى حقيقة مطلقة يعلمها أو يدركها كل البشر.
            وأقر مجمل الفقهاء بضرورة معاقبة من ينتقد الصحابة. وهناك من يكفر من سب الصحابة وأقرمعاقبته بالقتل، واكتفى آخرون باعتباره فاسقا ضالا ولا يكفره مكتفيا بضرورة معاقبته تعزيزا حتى يرجع عن هذا الفعل الذى يعتبر من كبائر الذنوب وفواحش المحرمات، وإن لم يرجع تكرر عليه العقوبة حتى يظهر التوبة[305]. وترفض معظم حكومات الدول الإسلامية تصوير الأنبياء وكبار الصحابة فى الأعمال الفنية وقد قدم مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة حجة غريبة للغاية؛"أن النبى او الصحابى ينتقل فى تصور الذهن البشرى من المطلق الى المحدود"[306].. إذن صار النبى والصحابة آلهة لا بشر!!
           
ثانيا: الجزية:
“هبلتك أمك، أحلب الدر فإذا انقطع فاحلب الدم والنجا”
سليمان ابن عبد الملك لوالى الخراج بمصر
 
               * أمر القرآن المسلمين هكذا: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم اللـه ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (التوبة: 29)
            جاء فى تفسير الطبرى لهذه الآية: ”وأما قوله: عن يد فإنه يعنى: من يده إلى يد من يدفعه إليه، وكذلك تقول العرب لكل معط قاهرا له شيئا طائعا له أو كارها: أعطاه عن يده وعن يد وذلك نظير قولهم: كلمته فما لفم ولقيته كفة لكفة، وكذلك أعطيته عن يد ليد. وأما قوله: وهم صاغرون فإن معناه: وهم أذلاء مقهورون، يقال للذليل الحقير: صاغر”. وقد تفنن البعض فى تصوير كيفية إذلال "الكفار" وهم يدفعون الجزية لتحقيق ما جاء فى القرآن، أى وهم صاغرون [307]. ‏ والأكثر قبولا من الفقهاء تفسير الصغار بالتزام أحكام الإسلام عليهم ‏ وهى تشمل كل ما نتناوله هنا من الشروط العمرية وغيرها.
            ولم نجد تفسيرا مختلفا للآية [308]. ويؤكد المعنى ابن القيم: “فالجزية صغار وإذلال ولهذا كانت بمنزلة ضرب الرق. قالوا وإذا جاز إقرارهم بالرق على كفرهم جاز إقرارهم عليه بالجزية بالأولى لأن عقوبة الجزية أعظم من عقوبة الرق ولهذا يسترق من لا تجب عليه الجزية من النساء والصبيان وغيرهم. فإن قلتم لا يسترق عين الكتابى كما هى إحدى الروايتين عن أحمد كنتم محجوجين بالسنة واتفاق الصحابة فإن النبى كان يسترق سبايا عبدة الأوثان ويجوز لساداتهن وطأهن بعد انقضاء عدتهن كما فى حديث أبى سعيد الخدرى “[309].
            ويؤكد كثير من المفسرين أن هذه الآية قد نسخت آيات سابقة، منها: فاعفوا واصفحوا حتى يأتى اللـه بأمره (البقرة: 109) [310]. والمفهوم من الآية أنها لا تخص كل أهل الكتاب (وهو ما حاول بعض الإسلاميين استخدامه للتخفيف من حدود الجزية فى الإسلام) ولكن من لم يصبح منهم مسلما، أى لا يحرم ما حرم اللـه ورسوله ولا يدين دين الحق كما نصت الآية بصراحة. أي عمليا كل المسيحيين واليهود تقريبا!. هل يمكن أن ُيفهم شيء آخر غير ذلك؟وهو فعلا ما جاء به كل المفسرين والفقهاء واعتبره كل الخلفاء.
            وقد أفتى البعض بأن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب فقط كما هو ظاهر من الآية وكذلك من المجوس حسب سنة النبي[311].
            وقد أخذها عثمان ابن عفان من البربر[312]، وأضاف البعض الصابئة والسامرة[313]. بينما قال أبو حنيفة بل تؤخذ من جميع “كفار” الأعاجم سواء كانوا من أهل الكتاب أو من المشركين ولا تؤخذ من العرب إلا من أهل الكتاب[314]. وقال مالك: يجوز أن تضرب الجزية على جميع "الكفار" من كتابى ومجوسى ووثنى وغير ذلك. وقال ابن الجهم: تقبل الجزية من كل من دان بغير الإسلام؛ إلا ما أجمع عليه من “كفار” قريش. وذكر فى تعليل ذلك أنه إكرام لهم عن الذلة والصغار، لمكانهم من رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم، وهذا هو قول أبى حنيفة أيضا[315]. وقال القرطبى: إنما ذلك لأن جميعهم أسلم يوم فتح مكة[316].
            أما من قال بأنها لا تؤخذ من مشركى العرب ومن غير أهل الكتاب فقرر أن البديل هو القتل ما لم يدخل فى الإسلام. ففكرة الجزية علاوة على أنها رمز للخضوع أنها بديل عن القتل.. فداء للنفس. وهى شرط للسماح لل”كفار” بالعيش فى دار الإسلام ولكنها ليست مقابل ذلك. وقد علل ابن القيم هذا الأمر تعليلا دقيقا للغاية بالقول: ” قد تبين بما ذكرنا أن الجزية وضعت صغارا وإذلالا للكفار لا أجرة عن سكنى الدار وذكرنا أنها لو كانت أجرة لوجبت على النساء والصبيان والزمنى والعميان ولو كانت أجرة لما أنفت منها العرب من نصارى بنى تغلب وغيرهم والتزموا ضعف ما يؤخذ من المسلمين من زكاة أموالهم ولو كانت أجرة لكانت مقدرة المدة كسائر الإجارات ولو كانت أجرة لما وجبت بوصف الإذلال والصغار ولو كانت أجرة لكانت مقدرة بحسب المنفعة فإن سكنى الدار قد تساوى فى السنة أضعاف الجزية المقدرة ولو كانت أجرة لما وجبت على الذمى أجرة دار أو أرض يسكنها إذا استأجرها من بيت المال ولو كانت أجرة لكان الواجب فيها ما يتفق عليه المؤجر والمستأجر. وبالجملة ففساد هذا القول يعلم من وجوه كثيرة“[317].
            وإذا كان المسلمون يأخذونها للامتناع عن قتل "الكفار" فيصبح من واجبهم حمايتهم من القتل عموما سواء بأيدى المسلمين أو غيرهم، ولكن لم يُتفق على ذلك فى كل الأحوال فلدى فتح قبرص مثلا صالح المسلمون أهلها على سبعة آلاف دينار كل سنة‏ ومثلها للروم "ولا منعة لهم عن المسلمين ممن أرادهم من سواهم وعلى أن يكونوا عيناً للمسلمين على عدوهم ويكون طريق الغزو للمسلمين عليهم"[318]. فالأصل هو الجزية مقابل التحول إلى موالى لدولة المسلمين وبالتالى الحياة الذليلة كموالى فى دار الإسلام وليست مقابل الحماية كما يزعم بعض الإسلاميين. فإذا أعطوا الجزية فإنه يحرم قتالهم وذلك لأن آية الجزية جعلت إعطاء الجزية غاية لقتالهم، فمتى بذلوها لم يجز قتالهم[319]. أما القول بأن الجزية مقابل الحماية فهو مجرد محاولة لتجميل الإسلام، ولو كان الأمر كذلك فالقائلون بهذا الادعاء يتناسون أن عقد الذمة إجبارى يفرضه القوى على الضعيف، وبذلك تشبه الجزية الإتاوة التى يفرضها أى فتوة أو بلطجى على الناس مقابل “حمايتهم” من الفتوات الآخرين وهو ما كان يسمى أحيانا ب”الحمايات”.. أى المال مقابل الحماية، مدفوعا بالإكراه على ممتلكات ثابتة أو منقولة[320]. وقد درجت قبائل عربية بدوية قبل الإسلام على فعل نفس الشيء مع مدن الشام القريبة، فكانت تهاجر لترعى هناك فإن استطاعت فرضت جزية على تلك المدن مقابل “حمايتها”من اعتداء الأعراب الآخرين عليهم[321]. وقد رأينا فى مثال قبرص أن الحماية من الغير لم تكن ملزمة للمسلمين فى كل الحالات. وربما كانت "حمايات" المسلمين أقل مما كان غيرهم يأخذه من بعض الشعوب على الأقل فى بداية الاحتلال الإسلامى ولكن هذا الفرق لا يغير من طبيعة ومفهوم الجزية.
            أما حقن دماء الذميين فليس إقراراً من المسلمين لهم على دينهم، “وإنما هو فرصة لهم ليطلعوا على الإسلام ومجتمع الإسلام حيث يرجى بذلك إسلامهم، ولهذا كان قبول الجزية منهم على وجه فيه نوع إذلال وصغار لينبهوا بالصغار فى الدنيا على ما ينتظرهم من ذل وصغار وعقوبة فى الآخرة إذا ما هم ماتوا على كفرهم وضلالتهم”[322].
            وإذا التزموا بدفع الجزية وجب على المسلمين الكف عنهم، أى الامتناع عن قتالهم بل وحمايتهم لأنهم يصبحون من رعايا الدولة الإسلامية أو موالى المسلمين. ووفقا لابن قدامة: ” وإذا عقد الذمة فعليه حمايتهم من المسلمين وأهل الحرب وأهل الذمة لأنه التزم بالعهد بحفظهم، ولهذا قال على رضى اللـه عنه: إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا، وقال عمر رضى اللـه عنه فى وصيته للخليفة بعده: وأوصيه بأهل ذمة المسلمين خيراً أن يوفى لهم بعهدهم ويحاط من ورائهم”[323].
            وقد سجل تاريخ الإسلام أن المسلمين قد أعادوا الجزية لأصحابها حين اضطروا للانسحاب من بلادهم تحت ضغط جيوش العدو على أساس أنهم – أى المسلمين- صاروا عاجزين عن حمايتهم. وعلى أساس هذا رأى بعض الإسلاميين المعاصرين أن الجزية مقابل الحماية. والواقع أن إعادة الجزية للعجز عن الحماية كانت تطبيقا لعهد الذمة ككل بما فيه الشروط العمرية المذلة وبقية التزامات الطرفين؛المسلمون و"الكفار"، وكان عدم إعادتها فى ظروف الكر والفر بين العرب والروم سُيعد خطأ استراتيجيا من جانب العرب لأنه سيفقدهم مصداقيتهم أمام الشعوب الأخرى وقد يؤدى إلى تحالفها مع الروم.
            * يبذل بعض الإسلاميين جهودا لتصوير الجزية فى الإسلام وكأنها إنجاز حضارى لم يسبق له مثيل فى تاريخ البشرية، وأنها تحقق ميزة رائعة لل”كفار”[324]! فإذا كان الأمر كذلك فلم لم يقر الإسلام بالمساواة، بما يعنى أن يدفع المسلمون لل”كفار” أو العكس مقابل الحماية؟!. وفى الواقع أدى المسلمون الجزية قهرا فى ظروف الانكسار والهزيمة فحسب. بل لقد ذهب القرضاوى إلى الادعاء بأن أهل الذمة كانوا “مسرورين” بها[325] (على حد تعبيره) ، هكذا متجاهلا الثورات العديدة التى قام بها الأهالى بسبب ضخامة الجزية (شاملة الخراج) والضرائب الأخرى العديدة[326]. كما حاول حسن البنا[327] تبرير الجزية بأنها مقابل عدم انضمام "الكفار" لصفوف الجيش الإسلامى لعدم إحراجهم بتوريطهم فى عمل دينى ليس من دينهم لأن هذا الجيش يقوم بمهمة الجهاد وهى مهمة إسلامية مقدسة، بل وقد يحارب الجيش الإسلامى أناس من ملتهم، بل اعتبرها “امتيازا فى صورة ضريبة”. وهو كلام يؤكد على طابع التمييز والقهر الدينى للجزية وليس العكس. وكتب أحدهم[328] أن المسلمين مقابل الجزية يضحون بحياتهم من أجل الذميين، أى إذا ترجمنا كلامه إلى لغة إسلامية نجد أن المسلمين يجاهدون فى سبيل "الكفار"، أى فى سبيل الشيطان لا فى سبيل اللـه، ومن أجل بضعة دنانير عوضا عن الجنة.. أليس هذا استهذاء بعقول الناس؟؟. وقد اجتهد آخر لإيجاد حل لغوى لمشكلة العلاقة بين الذمة والمواطنة [329] وكأن "الكفار" سيسعدون بمجرد القول بأن الصغار والشروط العمرية هى أجمل شيء فى التاريخ!!. رغم مغزاها وكميتها الكبيرة شاملة كل مكوناتها وطريقة أخذها صغارا (ذكر أنه فى أزمنة معينة كانت تختم رقاب أهل الذمة وقت جباية جزية الرؤوس ثم تكسر الخواتيم وتستبدل بشارة تعلق حول الرقبة يقدمها عامل الجزية دلالة على دفع الجزية[330]، هذا بناء على أمر عمر ابن الخطاب بأن “أن تختم فى رقاب أهل الذمة بالرصاص ويظهروا مناطقهم ويجزوا نواصيهم ويركبوا على الأكف عرضا”[331]) .
            لم يبتدع الإسلام شيئا فريدا بفرض الجزية على المغلوبين، ولكن الأمر الفريد هو أنه فعل ذلك باسم اللـه وضد مقاتلى "الكفار" بصفتهم الدينية، أى أضفى بعدا دينيا مقدسا على أخذ الجزية صغارا وإذلالا للمخالفين فى العقيدة، معتبرا أنه يفعل شيئا غير معتاد؛ فهو يحقق العدالة الإلهية ويفرض الجزية ويذل الآخرين فى سبيل إعلاء كلمة اللـه.. وقد أتى فعلا بشيء فريد؛ فاعتبر فرض الجزية صغارا قيمة عظيمة حين تكون من طرفه، وتحقيقا للعدالة الإلهية وصارت – كفكرة- تعتبر فى الثقافة الإسلامية قيمة محترمة !. ولا يلتفت دعاة الثقافة الإسلامية إلى أن الاستعمار سواء، ووجود اختلاف فى درجة وشكل الاستغلال لا ينفى عنه صفة الاستعمار. ولم يكن الاستعمار أو”الفتح”الإسلامى أفضل من غيره كثيرا بل وكان أسوا من حالات استعمار عدة بل أسوا من الجميع فى نواحى معينة منها الطابع الاستيطانى له ومسخ هوية الشعوب المستعمرة.
            والجزية – حسب ما ذهب معظم الفقهاء- تفرض على كل رجل بالغ عاقل مرة فى العام بالشهور القمرية، وهى مال يؤخذ منهم على وجه الصغار كل عام بدلا عن قتلهم وإقامتهم بدارالإسلام ولا تُفرض على صبى ولا امرأة ومجنون وزمن وأعمى وشيخ فان وخنثى مشكل ولا عبد ولا فقير يعجز عنها[332]. فهى تؤخذ من المقاتلين، أى القادرين على القتال، أو من هم فى سن وحالة تسمح لهم بالقتال، فقط لتأكيد معناها وهو أنها مقابل حقن دم المقاتلة من "الكفار"[333]. ومن الفقهاء من رأى فرضها على اِلْحر منهم والعبد، والذَكرِ، والأنثَى، والفَقيرِ البات، والغَنى الراهب سواء من البالغين خاصةً[334]. ومما أتى به الإسلام جديدا فى مسألة الجزية هو أن بعض الخلفاء وبعض كبار الفقهاء أقر فرضها على الموتى أثناء الحول، من هؤلاء الشافعى وربما ابن حنبل وأمر بذلك فيما ُذكر فى كتب التراث الإسلامى الخليفة “الراشد” عمر ابن عبد العزيز، والذى نُسب إليه كذلك أنه فرضها على الرهبان بواقع ديناران على الرأس[335]. وأضاف الفقهاء ألا تُؤخذ الجزية فى صورة ميتة أو خمر أو خنزير[336] لحرمة ذلك دينيا.
            * بخلاف جزية الرأس هناك أيضا جزية الأرض. فالأرض تعامل أيضا على أساس انتماء أصحابها وقت فتحها المسلمون ويفرض عليها خراج يكون قيمة معينة على المساحة مع أخذ مدى خصوبتها فى الاعتبار. وقد وصف ابن القيم الجوزية بأنها خراج الرقاب والخراج بأنه جزية الأرض[337]. وقد اعتمدت دولة الخلافة على الخراج كأهم مصدر لدخل بيت المال. وهنا تُفرض جزية الأرض على الرقبة بغض النظر عن المالك حتى لو كان امرأة أو مسنا.. إلخ، وبذا يتم تجاوز اقتصار الجزية على المقاتلين دون غيرهم، مما يتغنى به الإسلاميون!.
            ولم نجد أوضح من شرح الماوردى للفرق بين الجزية والخراج، فهما حسب تعبيره يجتمعان من ثلاثة أوجه، ويفترقان من ثلاثة أوجه، ثم تتفرع أحاكمهما، فيجتمعان فى:
             1- أن كل واحد منهما مأخوذ عن مشرك صغاراً له وذمة.
             2- أنهما مالا فيء، يصرفان فى أهل الفيء.
             3 - أنهما يجبيان كل عام.
            ويفترقان فى:
             1- أن الجزية نص وأن الخراج اجتهاد[338].
            2- أن أقل الجزية مقدر بالشرع وأكثرها مقدر بالاجتهاد، والخراج أقله وأكثره مقدر بالاجتهاد.
            3- أن الجزية تؤخذ من "الكفار" وتسقط بإسلامهم، والخراج يؤخذ مع "الكفر" والإسلام.
             فأما الجزية فهى موضوعة على الرؤوس واسمها مشتق من الجزاء، إما جزاء على “كفرهم” لأخذها منهم صغاراً، أو جزاء للمسلمين لمنحه الأمان[339].
            وتوجد خلافات عديدة بين الفقهاء حول أحكام الخراج مما ليس هنا مجال تناولها. وما يهمنا هنا الكشف عن وجود تمييز واضح بين المسلمين و"الكفار" فيما يخص ضريبة الأرض لصالح المسلمين.
            وينقسم الخراج إلى نوعين:
            1 – خراج الصلح وهو ما اتفق عليه المسلمون مع "الكفار" بدون قتال. وفى هذه الحالة يسقط الخراج إذا أسلم أصحاب الأرض أو باعوها لمسلمين.
            2 – خراج العنوة: فى حالة استيلاء المسلمين على أرض بالقتال تصبح ملكا لعموم المسلمين ويفرض عليها خراج دائم ولا يحق لأصحابها بيعها وحتى إذا أسلموا يدفعون خراجها[340]. هذا مالم توزع الأرض على الفاتحين وهو ماحدث لنصف أرض خيبر[341]. ويضاف للخراج فى حالة إسلام صاحب الأرض العشر أيضا كضريبة تفرض على المسلمين كما هو مذهب الأئمة الثلاثة وجمهور الفقهاء دون أبى حنيفة [342]ولكن تسقط عنه الجزية.
            وتختلف بذلك ضريبة أرض "الكفار"من نوع “العنوة” وأرض المسلمين. فالخراج على رقبة الأرض. فأما أرض المسلمين فيدفع عنها 5% أو 10% من الإنتاج بغض النظر عن كميته، حسب نظام الرى، أما أرض الخراج فتفرض عليها إما كم من الضريبة محدد سلفا أو نسبة من الإنتاج تحدد حسب إنتاجية الأرض وإنتاجها المتحقق فعليا أو نوع المحصول بحيث تحصل الدولة الإسلامية على أكبر قدر ممكن من الخراج مع الحفاظ على بقاء العاملين بالأرض عند مستوى يحفظ لهم حياتهم [343]. وقد وصف الأمر بوضوح يزيد ابن أسلم حسب المقريزي:” وكان عمرو ابن العاص لما استوثق له الأمر أقر قبطها على جباية الروم فكانت جبايتهم بالتعديل إذا عمرت القرية وكثر أهلها زيد عليهم وإن قل أهلها وخربت نقصوا فيجتمع عرافوا كل قرية وأمراؤها ورؤساء أهلها فيتناظرون فى العمارة والخراب حتى إذا أقروا من القسم بالزيادة انصرفوا بتلك القسمة إلى الكور ثم اجتمعوا هم ورؤساء القرى فوزعوا ذلك على احتمال القرى وسعة المزارع ثم يجتمع كل قرية بقسمهم فيجمعون قسمهم وخراج كل قرية وما فيها من الأرض العامرة فيبتدئون ويخرجون من الأرض فدادين لكنائسهم وحماياتهم ومعدياتهم من جملة الأرض ثم يخرج منها عدد الضيافة للمسلمين ونزول السلطان فإذا فرغوا نظروا لما فى كل قرية من الصناع والأجراء فقسموا عليهم بقدر احتمالهم فإن كانت فيهم جالية قسموا عليها بقدر احتمالها وقلما كانت تكون إلا لرجل الشاب أو المتزوج ثم ينظرون ما بقى من الخراج فيقسمونه بينهم على عدد الأرض ثم يقسمون ذلك بين من يريد الزرع منهم على قدر طاقتهم فإن عجز أحد منهم وشكا ضعفًا عن زرع أرضه وزعوا ما عجز عنه على ذوى الاحتمال وإن كان منهم من يريد الزيادة أعطى ما عجز عنه أهل الضعف فإن تشاحوا قسموا ذلك على عدتهم وكانت قسمتهم على قراريط الدنانير أربعة وعشرين قيراطًا يقسمون الأرض على ذلك‏”[344].

             يضاف للخراج ضريبة تجارية فرضها عمر ابن الخطاب على مال التجارإذا انتقلوا به من بلد إلى بلد آخر كالآتى:
             - على أهل الذمة بمقدار نصف العشر فى مرة فى السنة
             - وعلى التجار المسلمين ربع العشر،
             - وعلى تجار أهل الحرب العشر. [345]
            وقد برر الفقهاء التمييز فى الضريبة بطرق مختلفة، فذهب الأحناف مثلا إلى أن “الجباية بالحماية، وحاجة التاجر الذمى إلى الحماية أكثر من المسلم، لأن طمع اللصوص فى أموال أهل الذمة أوفر”[346]، وهو قول منعدم المنطق كما هو واضح. والرأى الأكثر “منطقية” هو ما نسبه القرضاوى لأبى الأعلى المودودى: فيرى أن معظم المسلمين فى ذلك الزمان كانوا منتظمين بالدفاع عن الوطن الإسلامى، فأصبحت التجارة كلها بأيدى الذميين، فرأى الفقهاء أن ينقصوا من الضريبة على التجار المسلمين، حفزًا لهم على التجارة، وحفظًا لمصالحهم التجارية. [347]أما المبرر الأكثر تجميلا للإسلام فهو ما أورده القرضاوى أيضا وأخذ به، وهو أن مقدار الجزية كان أقل من مقدار الزكاة ولذلك ضوعفت الضريبة التجارية على الذمى لتحقيق المساواة بينه وبين التاجر المسلم[348]... وهو قول بالغ التهافت لأن الجزية لم تكن قدرا ثابتا بل يحددها الخليفة حسب الإمكانية والمصلحة كما ذهب جل الفقهاء وحتى القرضاوى نفسه فى نفس كتابه!. ولكن الشيء الإيجابى هنا أن القرضاوى يقبل مبدأ المساواة فى الأعباء وهو شيء جيد ولكن لم يستكمله برفض اللامساواة التى أقرها الفقهاء القدامى وعمر ابن الخطاب والتراث الإسلامى ككل، وبذلك تظل فكرة التمييز ضد "الكفار" جاهزة للاستدعاء وقت اللزوم تحت مسميات منها المساواة والتسامح والمودة.. الخ.
            * قد اختلف الفقهاء فى تحديد مقدار الجزية والرأى الأغلب أنه تحدد بواسطة الإمام، حسب الظروف ومصلحة الدولة على المدى البعيد، ووفقا لهذا أمر عمر ابن الخطاب بالتخفيف عن الفقراء من أهل الجزية فقال: من لم يطق الجزية فخففوا عنه ومن عجز فأعينوه فإنا لا نريدهم لعام أو عامين (التشديد من عندنا) وقد فرض الخراج متفاوتا حسب نوع المحصول[349]، بينما رفض عمرو ابن العاص تحديد سقف للجزية على المصريين: ”قال هشام ابن أبى رقية اللخمى: ‏ قدم صاحب أخنا على عمرو ابن العاص رضى اللـه عنه فقال له‏: ‏ أخبرنا ما على أحدنا من الجزية فنصير لها‏. ‏ فقال عمرو وهو يشير إلى ركن كنيسة‏: ‏ لو أعطيتنى من الأرض إلى السقف ما أخبرتك ما عليك إنما أنتم خزانة لنا إن كثر علينا كثرنا عليكم وإن خفف عنا خففنا عنكم”[350] (التشديد من عندنا) .
            واستنادا لسنة عمر ابن الخطاب رأى فقهاء أن تتفاوت الجزية حسب الاحتمال، فروى "عن سفيان ابن عينية عن ابن أبى نجيح قال: سألت مجاهدا لم وضع عمر على أهل الشام من الجزية أكثر مما وضعه على أهل اليمن، فقال: لليسار فدل ذلك على أن يزيد وينقص فى الخراج على قدر الاحتمال"[351].
            ولم يكن مقدارها الكلى صغيرا، فقد بلغت جزية الرأس أحيانا 48 درهما  أو أربعة دنانير وهذا ليس كثيرا ولكن تُضاف إلى ذلك كمية من الزيت والحبوب، فوفقا للمقريزى عن يزيد ابن أسلم‏ أن عمر ابن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد‏: ‏ أن لا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه الموسى وجزيتهم أربعون درهمًا على أهل الورق وأربعة دنانير على أهل الذهب وعليهم مدان من حنطة وثلاثة أقساط من زيت فى كل شهر لكل إنسان من أهل الشام والجزيرة وودك وعسل (لم يحدد كميته) ومن كان من أهل مصر فأردب فى كل شهر لكل إنسان وعليهم من البز الكسوة التى يكسوها الخليفة للناس ويضيفون من نزل بهم من المسلمين ثلاثة أيام وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعًا لكل إنسان بخلاف الودك وكان لا يضرب الجزية على النساء والصبيان وكان يختم فى أعناق رجال أهل الجزية وكانت ويبة عمر فى ولاية عمرو ابن العاص‏: ‏ ستة أمداد[352]‏. ‏أما الخراج فقد يصل إلى ما يعادل أضعاف العشر، إذ بلغ الثلث على بعض المحاصيل، والنصف أحيانا كما حدث مع أهل خيبر فى عهد محمد نفسه[353], [354].
            * وقد ذهب قليلون كمحمد ابن جرير الطبرى حسب ذكر ابن تيمية [355] إلى أن "الكفار" لا يقرون فى بلاد المسلمين بالجزية إلا إذا كان المسلمون محتاجين إليهم فإذا استغنوا عنهم أجلوهم كأهل خيبر وإذا أقاموا فعليهم إما أن يسلموا أو يدفعون الجزية وهم صاغرون كما قال القرآن، أو يقتلون.
            أما التوقف عن دفع الجزية إذا كان متعمدا وأصر عليه أهل الذمة فيحل المسلمين من عقد الذمة. وقد اختلف الفقهاء فى حكمهم فذهب البعض إلى حق المسلمين فى قتلهم مالم يدخلوا فى الإسلام[356]، وآخرون كأبى حنيفة رفض قتلهم وغنم أموالهم وسبى ذراريهم ما لم يقاتلوا مكتفيا بإلحاقهم بدار الحرب، مع أخذ الجزية منهم جبراً كالديون فإن لم يخرجوا طوعاً أخرجوا كرهاً[357].
* وإذا كان المسلمون يدفعون الزكاة و"الكفار" يدفعون الجزية فالفرق ليس اسميا فقط بل فى المحتوى والمغزى؛ فالزكاة واجب دينى؛ أحد أركان الإسلام وهى نسبة العشر أونصف العشر أو ربع العشر من أصل المال حسب أنواع الأموال وفى وجود حد أدنى معين من الفائض عن الحاجة مر عليه عام على القادرين من المسلمين ولا تفرض على الفقراء منهم. أما الجزية فهى أحد طرفى عقد الذمة حيث يدفعها "الكفار" مقابل السماح لهم بالبقاء أحياء بدار الإسلام بكفرهم، ولذلك يعلن الإسلام أنه حين يعود المسيح سيضع الجزية وسيقتل "الكفار" مالم يسلموا. فبعد غزو المسلمين لبلاد "الكفار" يحولونها إلى دار إسلام ويصبح "الكفار" فى ذمتهم بعد أن كانون أصحاب البلد، ويحكمهم المسلمون مطبقين ما يعتبرونه الشريعة ويأخذون منهم الجزية ليس كمساهمة فى المصروفات العامة وليس لإعانة الفقراء، بل كعلامة على خضوعهم واستسلامهم ولتقوية شوكة المسلمين. كما أن الجزية على الأفراد ليست نسبة من الدخل بل ضريبة رأس، تفرض على القادرين على القتال. إذن هناك اختلاف كبير فى علاقة الدولة الإسلامية بالمسلم و"الكافر" المقيمين فى نفس الدولة. وقد زعم بعض الكتاب – استنادا أحيانا لكلام بعض الكتاب الغربيين – أن الجزية هى مقابل عدم الخدمة العسكرية. وقد حاول مثلا القرضاوى تبريرها بهذا المنطق معتبرا أنه تساوى البدل النقدى الذى يدفع فى بعض البلاد مقابل عدم الخدمة العسكرية[358] !! ويتناسى الشيخ أن:
            1- الجزية إجبارية وليس فيها مجال للاختيار لأن البديل هو الإسلام أو القتل، أما الامتناع عن دفعها بعد قبول عقد الذمة فعقابه عند أكثر الفقهاء اعتدالا هو تحصيلها بالقوة مع الطرد من “دار الإسلام”. فليس – مثلا – الأصل هو التجنيد وتدفع الجزية مقابل الإعفاء منه. بل إن الإسلام قد حرم "الكفار" من الدفاع عن بلادهم وعن حمل السلاح لأن المسلمين احتلوها، إلا بشروط معينة، ولم يشذ إلا الأحناف؛إذ أقر أبو حنيفة بشرعية انضمام أهل الذمة للجيش الإسلامى بلا قيد بما فى ذلك اشتراكهم فى قتال المسلمين الخارجين على الدولة. ولكنه وصف ذلك بأنه “الاستعانة عليهم بأهل الشرك كالاستعانة بالكلاب”[359]. وحديثا طالب المرشد العام للإخوان المسلمين فى مصر مصطفى مشهور فى 1997 بطردهم من الجيش المصرى وإخضاعهم للجزية من جديد وهو من مطالب الجهاديين بالطبع، ثم عاد فنفى ما قاله إزاء ما أثاره تصريحه من انتقادات عنيفة من قبل العلمانيين.
            الجزية فى الإسلام هى نتاج علاقة بين حاكم مسلم ومحكوم “كافر” ولا يمكن أن تدفع إلا بالقهر ولم نقرأ نصا ولا حدثا فى التاريخ أشار إلى توقيع عقد الذمة اختيارا بين شعبين أو دولتين متكافئتين.
            2 – انضمام "الكافر" إلى جيش المسلمين لا يعفيه تلقائيا من دفع الجزية فهو يتقاضى مقابل خدمته العسكرية[360]، وإن حضر بإذن الإمام استحق- كما ذكر- الرضخ، أى القليل من العطاء[361]، لدى عموم الفقهاء أما إذا استأجره فلا يستحق غير الأجرة وإن تطوع من تلقاء نفسه فرأى البعض كالشافعية أنه لا يستحق شيئا [362]، وللمالكية آراء معقدة ويتراوح حكمهم بين أن يأخد كل ما يغنم إذا قاتل مستقلا عن المسلمين وألا يأخذ شيئا إذا قاتل ضمن جيش المسلمين إلا إذا شكل "الكفار" أغلب الجيش أو كافأ المسلمين[363]. ‏بل مما اتفق عليه الفقهاء أنه لا يحق للذميين المشاركة فى تقسيم الغنيمة حتى وإن شاركوا فى القتال فى جيش المسلمين، وهذا مجال آخر للتمييز الدينى، رغم أنه ذُكر أن محمدا قد أشرك من "الكفار" المقاتلين فى صفه فى الغنائم[364]، وبناء عليه رأى الإمام أحمد فى رأى له أنه يستحق المشاركة فى الغنيمة. وعدم مشاركة المسلم فى الجهاد لا تجعله مطالبا بدفع الجزية. ويمكن للحاكم المسلم أن يضع الجزية لأجل محدد وليس من ناحية المبدأ مقابل قيام "الكفار" بالقتال مع المسلمين، حسب الظروف ومصلحة المسلمين، مثلما أنه يمكن أن يدفع المسلمون الجزية فى فترات الضعف ولكن كمبدأ مرفوض بالمطلق فى غير ظروف الضعف ولذلك نجد أن المسلمين قد دفعوا الجزية للبيزنطيين لفترات كما حدث مع معاوية حين دفع لهم جزية قدرها مائة ألف دينار سنوياً أثناء انشغاله بالحرب مع على ابن أبى طالب كما دفعها لهم العباسيون حين ضعفت دولتهم. وقد اتفق المسلمون مع أهل أذربيجان على وضع الجزية لمدة سنة لمن يتم تجنيده لنفس المدة[365]، ولكن لم تكن هذه قاعدة عامة فى عقود الذمة.
            3- الجزية تفرض على "الكفار" فقط وليس على كل السكان، وبالتالى تسقط بإسلام "الكافر" [366]. وهى تشمل ضريبة على الرأس بينما الزكاة ضريبة على الدخل يدفعها القادرون فقط.
            4- فى التاريخ الإسلامى، قبل التحديث، لم يكن هناك تجنيد إجبارى بل كانت الجندية احتراف أو تطوع مقابل إما عطاء من بيت المال أو نصيب من الغنائم[367].
            5- المسلم المقاتل يدفع الزكاة أيضا وليس من حقه أن يعفى من الزكاة مقابل التجنيد.
            6- لا تفرض الجزية على "الكفار" المقيمين فى دار الإسلام فقط، فيمكن فرضها على دول ومدن وقبائل مستقلة وهذا ضمن الشروط المحتملة للعلاقة بين دار الإسلام ودار العهد.
            أما بخصوص “أهل العهد”، الذين ينتسبون ويقيمون فى دار العهد فلهم إذا دخلوا دار الإسلام الأمان على نفوسهم وأموالهم ولهم أن يقيموا فيها أربعة أشهر بغير جزية، ولا يقيموا سنة إلا بجزية، وفيما بين الزمنين خلاف، والكف عنهم واجب على المسلمين كأهل الذمة، ولكن حمايتهم ليست واجبة[368].
 
 
           
ثالثا: العلاقات الحقوقية (القضائية):
            * القصاص: ذهب مالك والشافعى وأحمد ابن حنبل إلى أن الذمى ليس بكفء للمسلم، كما أن المستأمن الذى يقدم من بلاد "الكفار" رسولاً أو تاجرًا ونحو ذلك، ليس بكفء له وفاقًا‏. ‏ ومنهم من قال‏: ‏ بل هو كفء له[369]. إلا أن المسلم إذا قتل ذمياً أو مستأمناً بخدعة يقتل به عند مالك والشافعى. أما إذا قتل مسلم وذمى معاً ذمياً آخر يقتل الذمى فقط عند الشافعى ومالك وابن حنبل. والملاحظ هنا أن التفريق ليس متفقا عليه بين الفقهاء، فهناك من ذهب إلى قتل المسلم ب"الكافر" وهم الأحناف، بينما ذهبت الأغلبية إلى عدم قتل المسلم ب"الكافر"[370].
            ووفقا للحديث: حدثنا... أن النبى صلى اللـه عليه وسلم قضى أن لا يقتل مسلم بكافر (مسند الإمام أحمد - 6644) .
            أما فى سنن الترمزى (1412) فجاء:  حدثنا... أن رسول اللـه قال: لا يقتل مسلم بكافر وبهذا الإسناد عن النبى قال: دية عقل الكافر نصف دية عقل المؤمن. قال أبو عيسى حديث عبد اللـه ابن عمرو فى هذا الباب حديث حسن. واختلف أهل العلم فى دية اليهودى والنصرانى فذهب بعض أهل العلم فى دية اليهودى والنصرانى إلى ما روى عن النبى. وقال عمر ابن عبد العزيز: دية اليهودى والنصرانى نصف دية المسلم. وبهذا يقول أحمد ابن حنبل. وروى عن عمر ابن الخطاب أنه قال: دية اليهودى والنصرانى أربعة آلاف درهم ودية المجوسى ثمانمائة درهم». وبهذا يقول مالك ابن أنس والشافعى وإسحاق. وقال بعض أهل العلم: دية اليهودى والنصرانى مثل دية المسلم. وهو قول سفيان الثورى وأهل الكوفة.
            كما روى الإمام أحمد -6993: حدثنا... أن رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم خطب الناس عام الفتح على درجة الكعبة فكان فيما قال: بعد أن أثنى على اللـه أن قال: يا أيها الناس، كل حلف كان فى الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة، ولا حلف فى الإسلام، ولا هجرة بعد الفتح، يد المسلمين واحدة على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، ولا يقتل مؤمن بكافر، ودية الكافر كنصف دية المسلم، ألا ولا شغار فى الإسلام ولا جنب ولا جلب، وتؤخذ صدقاتهم فى ديارهم، يجير على المسلمين أدناهم، ويرد على المسلمين أقصاهم. رواه أيضا أبو داود (2752) .
            وعلى هذا الأساس ذهب كثير من الفقهاء إلى أنه “لا يقتل المسلم ولو عبداً بالكافر ولو حراً، ولا الحر ولو ذمياً بالعبد ولو مسلماً ، وإن قتل ذمى حر عبداً مسلماً فعليه قيمته، ويقتل بنقضه العهد”[371].
            وقيل لو قتل مسلم "كافرا" فعليه ديته واختلف الفقهاء فى تحديد الدية فقيل نصف دية المسلم وقيل ثلثها وقيل مثلها كما فعل عثمان ابن عفان وأقر ذلك أبو حنيفة، يضاف إليها تحرير رقبة[372].
            ويلخص النووى الآراء كالآتى: عند أبى حنيفة: ان ديته مثل دية المسلم  وهو قول ابن مسعود، وأبى يوسف، ومحمد ابن الحسن، والشعبى، والنخعى، وسفيان الثورى، وأصحاب الرأى.
            وعند مالك: أن ديته نصف دية المسلم. وهو قول عروة ابن الزبير، وعمر ابن عبد العزيز، وابن شبرمة. ودليله: الحديث المتقدم فى أول الفصل.
            وعند أحمد ابن حنبل: إذا قتل عمداً فديته مثل دية المسلم، وإذا كان القتل خطأ، فعلى النصف من دية المسلم، فجمع بين أبى حنيفة ومالك.
            وعند الشافعى: «أن دية اليهودى والنصرانى ثلث دية المسلم فى العمد والخطأ، وهو مذهب: عمر، وعثمان، وسعيد ابن المسيب، والحسن، وعكرمة، وأبى ثور، وإسحاق ابن راهويه استدلالاً بما رواه الشافعى عن سعيد ابن المسيب: أن عمر رضى اللـه عنه جعل دية اليهودى والنصرانى أربعة آلاف درهم، ودية المجوسى ثمانمائة درهم» وبه قال سليمان ابن يسار ومالك: أن دية المجوسى ثمانمائة درهم أى ثلثا عشر دية المسلم، ودية المجوسية: نصف دية المجوسى، وقيل: مثله.
            ودليل الأصحاب: أن دماء الكفار لا تكافيء دماء المسلمين، فالإيمان شرط فى كمال الدية، ولا تكتمل بعدمه. ثم انه من ناحية القياس: لما نقصت المرأة بالأنوثة فى الدية عن دية الرجل، وجب أن تنقص دية الكافر عن دية المرأة المسلمة لنقصه بالكفر، لأن الدية موضوعة على التفاضل[373].
            والحقيقة أن الأمر الأكثر قبولا فى الشارع الإسلامى والذى تم تطبيقه حسب ما جاء فى مصادر التاريخ الإسلامى هو أن يقتل المسلم ب"الكافر" ولايقتل ب"الكافر" الحربى (باعتبار أن المقصود فى حديث لا يقتل مسلم بكافر إنما يقصد "الكافر" الحربى رغم أن الحديث لم يقل ذلك وغموضه يفتح الباب أمام التأويلات) . والأمر الذى أردنا إثارته هنا أن الأمر قد اختلف عليه بين الفقهاء وأرادت الأغلبية منهم الكيل بمكيالين ولكن لم يلتزم معظم الخلفاء بذلك كما لم يتقبل عموم المسلمين هذه اللامساواة، ولكن تظل المرجعية الفكرية موجودة وقابلة للاستخدام من جديد مع صعود موجات التطرف الدينى. وهو حادث فعلا، فالمتشددون الإسلاميون المعاصرون يرون ألا يُقتل مسلم ب"كافر"، بل وينتقدون من يقول بعكس ذلك وهذا من المسائل التى عرضت يوسف القرضاوى للنقد العنيف من جانب الحنابلة المعاصرين[374]، وقد ذكر محمد الغزالى واقعة أن بدويا قتل مهندسا أمريكيا فى إحدى دول الخليج، وقال أهل الحديث لا يجوز القصاص! وشعرت الحكومة بالحرج، ولكن تم الخروج من المأزق بقتل المجرم من باب السياسة الشرعية[375].
            * الشهادة فى المحاكم: فى الفقه الإسلامى لا تقبل شهادة غير المسلم على المسلم لدى أغلب الفقهاء، بل لقد قال جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة والشيعة الإمامية بعدم جواز شهادة غير المسلم حتى على غيرالمسلم، لأن القرآن اشترط العدل فى الشهادة: واشهدوا ذوى عدل منكم (الطلاق: 2) . كما قال: ممن ترضون من الشهداء (البقرة: 282) ، و"الكافر" يعد في الفكر الإسلامي السائد قديما وحديث ليس بذى عدل. واستثنى الأحناف من ذلك فقالوا إن شهادتهم على المسلمين قد نسخت أما شهادتهم على بعضهم فلم تنسخ. وكذلك الشوكانى الذى علل ذلك بأن المسلمين “مأمورون بتقريرهم على شرعهم ومن التقرير على شرعهم قبول شهادة بعضهم على بعض ولو لم تقبل شهادة بعضهم على بعض لكان ذلك مقتضيا لإهدار كثير من القضايا التى لا توجد فيها شاهد يشهد بينهم من المسلمين لأن المتاخمة والمداخلة إنما هى فيما بينهم والمسلمون متنزهون عنهم مسكنا ومخالطة. أما شهادة المسلمين فمشروعة على كل الملل”[376].
            ورأى ابن أبى ليلى أنه إذا اتفقت مللهم تقبل شهادة بعضهم على بعض وإن اختلفت لا تقبل: “لا شهادة لأهل ملةٍ على ملةٍ أخرى إلا المسلمين فشهادتهم مقبولة على أهل الملل كلها”، “ولأن عند اختلاف الملة يعادى بعضهم بعضاً وذلك يمنع من قبول الشهادة كما لا تقبل شهادتهم على المسلمين وعلى هذا كان ينبغى أن لا تقبل شهادة المسلمين عليهم إلا أنا تركنا ذلك لعلو حال الإسلام ،ف«الإسلام يعلو ولا يعلى عليه»“[377]. ولدى السرخسى (من الأحناف) إذا سافر المسلم فحضره الموت وأشهد على وصيته رجلين من أهل الكتاب لم تجز شهادتهما، ولكن قال ابن أبى ليلى (محمد ابن عبد الرحمن ابن أبى ليلى، من الأحناف أيضا) تجوز شهادتهما وهو قول شريح فإنه كان يقول: لا تقبل شهادة أهل الكتاب على المسلمين فى شيء إلا فى الوصية ولا تقبل فى الوصية إلا فى حالة السفر وقد نقل ذلك عن إبراهيم النخعى استنادا إلى قول القرآن: اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم (المائدة: 106) [378].
            أما الشافعى فيجيز شهادة أهل الأوثان؛ “لأنهم ليسوا بأهل كتابٍ نبذوه، وبدلوه إنما ضلوا بأنهم وجدوا آباءهم على شيءٍ، فلزموه، ويرفض شهادة أهل الكتاب لأنهم بدلوا كتبهم حسب قول القرآن[379].
            وهناك من يرى أن شهادتهم على بعضهم لا ُتقبل بينما قبلها آخرون ثم اختلفوا فمنهم من قبل شهادة اليهودى على المسيحى والمسيحى على اليهودى ومنهم من قال تقبل شهادة كل ملة بعضها على بعض ولا تقبل شهادة يهودى على المسيحى ولا مسيحى على يهودي[380].
            ورأى ابن حنبل ألا تقبل شهادة “كافر” بحال، و"الكافر" ليس بعدل، ولا مرضى، ولا هو منا. إلا فى حالة الوصية فى السفر إذا لم يوجد مسلمون[381].
            * إجراء أحكام الإسلام عليهم فى المعاملات والعقوبات الجنائية كتحريم الزنا[382] فيلزم الإمام أخذهم بحكم الإسلام فى النفس والمال والعرض وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه دون ما يعتقدون حله[383]، ومثال الأول الزنا[384] ومثال الثانى شرب الخمر، وذلك ما لم يترافعوا فإن ترافعوا إلى القاضى المسلم حكم بحكم الإسلام بغض النظر عن حل الفعل أو حرمته فى دينهم.
            * القاعدة العامة ألا يرث المسلم "الكافر" والعكس صحيح. وقد تباينت آراء الفقهاء وأكثرهم اعتدالا هنا أبو حنيفة والشافعى حيث رأيا أن يرث المسلمون بعضهم ويرث "الكفار" بعضهم. ورأى مالك أن كل ملة ترث بعضها، ورأى البعض أن ملل "الكفار" ثلاثة: اليهود والنصارى والآخرون.. ورأى آخرون – ربما أحمد- أن كل ملة من ملل "الكفار"من غير أهل الكتاب ترث بعضها، كالمجوس وعباد الأوثان وعباد الشمس.. الخ[385]. ويستند الفقهاء إلى نصوص الأحاديث ومنها ما جاء فى صحيح مسلم: 4094  حدثنا يحيى ابن يحيىٰ وأبو بكر ابن أبى شيبة وإسحق ابن إبراهيم واللفظُ ليحيى قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا ابن عُيينة عن الزهرى عن على ابن حُسينٍ عن عمرو ابن عُثمان عن أسامة ابن زيدٍ، أن النبى قال: لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم.
            والمرتد لا يرث المسلم بالإجماع. وأما وراثة المسلم للمرتد فاختلفوا فيها: فلا يرثه عند الشافعى ومالك وربيعة وابن أبى ليلى وغيرهم بل يكون ماله فيئاً للمسلمين. وروى عن على وابن مسعود وآخرين أن يرثه ورثته من المسلمين، وذهب أبو حنيفة والكوفيون والأوزاعى وإسحاق هذا المذهب، وقال الثورى وأبو حنيفة: ما كسبه فى ردته فهو للمسلمين، وقال الآخرون: الجميع لورثته من المسلمين[386].
            * الشفعة: اختلف الفقهاء فيه فرأى البعض أنه يحق ل"لكافر" الشفعة فى أملاك المسلم ورأى غيرهم أن ليس له الحق. وعزز ابن القيم الرأى الأخيرعلى أساس أن الشرع الإسلامى لم يجعل للذمى حقاً فى الطريق المشترك عند المزاحمة وفقا للحديث القائل إذا لقيتموهم فى طريق فاضطروهم إلى أضيقه، فكيف يجعل له حقاً فى انتزاع الملك المختص به عند التزاحم، وهذه حجة الإمام أحمد نفسه. وأما حديث لا شفعة لنصرانى فاحتج به بعض أصحابه وهو أعلم من أن يحتج به، فإنه من كلام بعض التابعين[387].
            * الزواج: يميز الإسلام بكل مدارسه بشكل قاطع فيما يخص علاقة الزواج بين "الكفار" المشركين وأهل الكتاب والمسلمين كالآتى:
            1- المسلمون يتزاوجون من بعضهم بغض النظر عن الانتماء الإثنى أو اللغوى.. إلخ، وهذا هو الرأى السائد حاليا ومنذ مئات السنين مقابل رأى قديم أخذ به معظم الفقهاء يرى ألا يتزوج مسلم أعجمى من امرأة عربية بحجة عدم الكفاءة، وهو رأى بعض كبار الفقهاء ومنهم الأحناف[388]. ورغم أنه لا يوجد حديث نبوى يفيد ذلك بل العكس، رُفض – كما قيل فى التاريخ- تزويج بلال وسلمان الفارسى من نسوة عرب وفى حياة النبى لعدم التكافؤ.
            2- لا يجوز أن يتزوج المسلمون من "الكفار" من غير أهل الكتاب: لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن”... “ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا (البقرة: 221) باعتبار أهل الكتاب “كفار” غير مشركين أو مشركين من نوع خاص.
            3- يجوز للرجل المسلم أن يتزوج من المرأة الكتابية. وفى هذه المسألة يقتصر مفهوم الكتابية على المسيحيين واليهود. وقد ذهب جمهور الفقهاء السنة هذا المذهب عملا بما جاء فى القرآن: والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم (المائدة: 5) وفى الحديث: «نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا-المسلم يتزوج النصرانية ولا يتزوج النصرانى المسلمة (عون المعبود- 276) .. وقد شذ على هذه القاعدة عبد اللـه ابن عمر الذى قال حسب ما ذكر البخارى (5164): “إن اللـه حرم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم من الإشراك شيئاً أكبر من أن تقول المرأة ربها عيسى، وهو عبد من عباد الله». كذلك كره مالك ذلك أيضا ولكن لم يحرمه صراحة[389]، واتفق الفقهاء على تحريمه بالنسبة للجوارى. وحرمته الإمامية[390] تمسكاً بقوله: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولا تمسكوا بعصم الكوافر (البقرة: 221) . كما أضاف الشوكانى لأهل الكتاب المجوس أيضا استنادا لحديث عنهم ذكره ينص على: سنوا بهم سنة اهل الكتاب[391].
            وقد أقر جمهور”العلماء” أن القرآن قد ميز بين “ المشركات “ وأهل الكتاب: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين (البينة: 1) ، إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين فى نار جهنم خالدين فيها (البينة: 6) . وبالتالى يقتصر التحريم على الزواج من "الكافرات" من غير أهل الكتاب. وبينما اعتبر المجوس من أهل الكتاب لدى الكلام على فرض الجزية على أهل الكتاب، لم يعتبروا كذلك فى حالة الزواج ولم يشذ أحد من الفقهاء ممن لهم كبير اعتبار فى الإسلام[392] سوى الشوكانى كما رأينا. ولم يميز الإسلام بين المشرك والملحد فى الأحكام، معتبرا الكل كفارا. ومن الأمور التى أخذت جهودا كبيرة من الفقهاء التمييز بين أهل الكتاب والمشركات، حيث تكمن المشكلة فى مدى كون اليهود والنصارى من أهل الكتاب أم من المشركين، حيث القناعة الإسلامية أن “الكتاب” قد تم تزويره وبالتالى فليس هو الكتاب الذى عناه القرآن، والكلام فى هذا المجال لا ينتهي!. وبغض النظر عن الآراء الفقهية العديدة فى تفاصيل وضع أهل الكتاب ذهب جمهور الفقهاء إلى تحليل زواج الرجل المسلم من الكتابيات المحصنات.
            ولم يحل الفقهاء زواج المسلم من أية كتابية، بل فقط ممن ليسوا من أهل الحرب. وقد أحل ابن عباس مثلا نساء أهل الكتاب ممن أعطى الجزية وحرم الزواج من غير هؤلاء، بينما كره مالك الزواج من كتابيات عموما ولم يحرم الزواج منهن سواء من أهل الذمة أو الحرب[393]، وكره الشافعى الزواج من أهل الكتاب وحتى من المسلمة المقيمة فى دار الحرب كما كره بدرجة أقل نكاح أهل الكتاب عموما [394].
            وقد ذكر الحنفاء أن على ابن أبى طالب كره ذلك وعنه أخذوا جواز أن يتزوج المسلم كتابية فى دار الحرب “ولكنه يكره لأنه إذا تزوجها ثمة ربما يختار المقام فيهم”[395]. ولم يحرم أبو حنيفة ومالك ولا الشافعى الزواج من الحربيات ولكنهم كرهوه.
            ورغم هذا أضاف القرضاوى “المعتدل” جدا كثيرا من الشروط الغريبة والتحذيرات المعجونة بازدراء نساء "الكفار" والتشكيك فى أخلاقهن بطريقة مقززة[396]. كما اعتبر أن سماح الإسلام بزواج الرجل المسلم من المرأة الكتابية تسامحا كبيرا من جانبه[397]، وبنفس المنطق يكون الملحدون والعلمانيون عموما أكثر تسامحا حيث يسمحون بالزواج، بغض النظر عن الدين، لكل الناس.
            4- ذهب عموم الفقهاء والعامة من المسلمين إلى أنه لا يجوز أن تتزوج مسلمة من غير مسلم بأية حال.، استنادا للقرآن: ياأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجراتٍ فامتحنوهن اللـه أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمناتٍ فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن (الممتحنة: 10) . وعلة ذلك فى الإسلام التقليدى أن الولاية للرجل على المرأة ولا يصح أن يتولى “كافر” أمر امرأة مسلمة، فالمسلمون هم الأعلون شأنا[398]، وهو الرأى السائد. وقد تُضاف علل أخرى أقل أهمية، منها أن منع زواجهم من نساء المسلمين اتُخذ براً ورأفة بهم؛ لأن زوج المرأة واجبه أن يأخذها إلى مكان عبادتها.. فبرا به ورأفة ورحمة يُمنع من زواجها.
            وقد خرج القليلون على هذا الاتجاه منهم أحمد صبحى منصور[399] وحسن الترابى مؤخرا[400].
            وفى حالة زواج "الكفار" فإذا أسلمت الزوجة قبل زوجها أصبح عليها ألا تعاشره وهذا فيه إجماع استنادا للقرآن والسنة. أما ما اختلف فيه الفقهاء فهو كيفية وتوقيت فسخ عقد الزواج إذا لم يسلم زوجها. والرأى السائد ألا ينفسخ العقد بإسلامها ولكن يوقف فإن أسلم زوجها قبل انقضاء عدتها فهى زوجته، وإن انقضت عدتها انفسخ العقد، وإن أحبت انتظرته، فإن أسلم كانت زوجته من غير حاجة إلى تجديد عقد الزواج[401].
            5- وقد تفننت كتب الفقه فى شرح تفاصيل مملة لشروط زواج وطلاق "الكفار"من أهل الذمة سواء فيما بينهم أو بينهم وبين مسلمين والعلاقات الزوجية فى هذه الحالات مما يتعلق بممارسة العبادة من قبل الزوجة وإظهارها لدينها.. إلخ‘ مما لا نحتاج الإشارة إليه هنا.
            ورغم كل هذه التعقيدات يتشدق الإسلاميون بما يسمونه سماحة الإسلام فيما يخص هذه القضية بالذات فيدعى البعض مثلا أن الإسلام أكثر انفتاحا فى مسألة الزواج من غير المسلمات من الأديان الأخري[402] بينما لا يشير أحد إلى “السماحة”الكاملة لللادينيين. وقد أصبح الزواج فى بلاد "الكفار" مدنيا منذ سنوات طويلة لا دور للدين ولا المؤسسة الدينية فيه وهو الأمر الذى حين ينادى به هنا يشمر الفقهاء عن سواعدهم ويسرعون بإهدار دم المنادى بذلك.. تعبيرا عن منتهى السماحة حتى فى مناقشة الموضوع من ناحية حقوق الإنسان.
 
            حد القذف:
            هناك خلافات بين الفقهاء حول عقوبة المسلم والذمى إذا قذف أحدهما الآخروقد ذهب معظم الفقهاء إلى أنه لا حد على المسلم إذا قذف رجلا من أهل الكتاب أو امرأة منهم وقال بعضهم مثل الزهرى وسعيد ابن المسيب وابن أبى ليلى، ‏ عليه الحد إذا كان لها ولد من مسلم‏ وهناك من قال‏ إذا قذف مسلم امرأة مسيحية متزوجة من مسلم ُجلد المسلم، ووفق للقرطبى نقلا عن ابن المنذر‏أن جل “العلماء” قالوا بالأول، واتفق الجميع على أنه إذا قذف النصرانى المسلم الحر فعليه ما على المسلم ثمانون جلدة[403]. ‏وذكر ابن رشد حول قذف المرأة “واختلفوا إن كانت كافرة أو أمة، فقال مالك‏: ‏ سواء كانت حرة أو أمة أو مسلمة أو كافرة يجب الحد‏. ‏ وقال إبراهيم النخعى: ‏ لا حد عليه إذا كانت أم المقذوف أمة أو كتابية، وهو قياس قول الشافعى وأبى حنيفة”[404].
 
            * ديانة الأطفال:
            يتبع الطفل ديانة والديه فإن كانا من ديانتين مختلفتين فلأفضلهما ديانة، بزعم أن الإسلام هو الأفضل والأقرب إليه أفضل من الأبعد[405]، أى للمسلم ثم للمسيحى دون اليهودى دون المشرك. أما إذا أسلم أحد الأبوين فالطفل يعتبر مسلما. باستثناء الأمة لذمى حر اهتدت إلى الإسلام، فيتبع الولد فى هذا الحال دين أبيه، غير أن الزواج يلغى حفظاً لشرف المسلمة.
            وإذا اختلف مسلم مع ذمى فى نسب اللقيط فيعود الولد للمسلم.
            والصبى إِذا حكم بإِسلامه تبعاً لأبويه، ثم بلغ كافراً، ولم يسمع منه الإِقراربالإسلام بعد البلوغ: فإنه وفقا للسمرقندى (من الأحناف) يجبر على الإِسلام، ولكن لا يقتل أيضاً فأما إِذا سمع منه الإِقرار بعد البلوغ: يقتل إِذا ارتد[406].
            والتفاصيل بخصوص ديانة الأطفال لا تنتهى وكلها تعتمد على الفكرة التى جاءت فى القرآن والقائلة بأن الإسلام دين الفطرة كما تناولناها تفصيلا أعلاه، وبالتالى هو الدين الصحيح، وينتظر الفقهاء من "الكفار" الإقرار بهذه الفكرة كحقيقة مطلقة وبناء عليها يتقبلون أحكام الفقه الإسلامى فى تحديد ديانة الأطفال. وكان الحديث أكثر صراحة فى هذه النقطة: إذا أسلم أحدُهما فالولد مع المسلم وكان ابن عباسٍ رضى اللـه عنهما مع أُمه من المستضعفين، ولم يكن مع أبيه على دين قومه وقال: الإسلام يعلو ولا يُعلى (البخارى -78) والحكمة من اعتبار الإسلام هو الأعلى أنه الحق المطلق.
            وإذا تم مد الكلام على استقامته كان من الواجب على الفقهاء أن ينادوا بأخذ أبناء "الكفار" من أهل الذمة ليربيهم المسلمون إنقاذا لهم من عملية تكفيرهم من قبل أبويهم ! ولكن ليس من السهل مجرد التفكير فى هذا لاستحالة تنفيذه. ومع ذلك حدثت سابقة فى الإسلام؛ ما اشترطه عمر ابن الخطاب على نصارى بنى تغلب من العرب وهم الذين رفضوا دفع الجزية فوافق على أن يأخذ منهم صدقة تساوى ضعف ما يدفعه المسلمون كما اشترط عليهم عدم تنصير أولادهم![407]. ولكن يبدو أنهم لم يلتزموا فى وقت لاحق فنصروا أولادهم فتعهدهم الخليفة على ابن أبى طالب: ” قال مغيرة فحدثت أن عليا قال لئن تفرغت لبنى تغلب ليكونن لى فيهم رأى لأقتلن مقاتلتهم ولأسبين ذراريهم فقد نقضوا العهد وبرئت منهم الذمة حين نصروا أولادهم”[408].
            ويمكن أن نضرب مثالا عمليا لتوضيح قضية ديانة الأطفال: إذا أسلم “كافر” وطلق زوجته "الكافرة" يذهب الأطفال إلى الأب المسلم وإذا أسلمت الزوجة أو المطلقة استحقت حضانة الأطفال، وهو ما حدث فعلا فى مصرمنذ فترة ليست طويلة بحكم المحكمة (فى قضية تم إلغاء وصاية أب قبطى على ولديه عندما أسلمت الأم وجاء فى قول المحكمة: ”يتعين أن يتبع الأولاد الدين الأصلح.. والإسلام هو أصلح الأديان”[409].
            رابعا: حرية العبادة:
            سبقت الإشارة إلى الشروط العمرية والتى تضمنت ما يخص دور العبادة لل”كفار”. ويمكننا تلخيص ما اتفق عليه مجمل الفقهاء المسلمين فيما يتعلق بهذه المسألة نقلا عن كتاب أحكام أهل الذمة لابن القيم:
            1- أيما مصر فتحه المسلمون فليس لأهل الذمة أن يبنوا فيه كنيسة ولا يضربوا فيه ناقوسا.
            2- أيما مصر مصرته العجم ففتحه اللـه على العرب فإن للعجم[410] ما فى عهدهم وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم.
            وملخص الجواب أن كل كنيسة فى مصر والقاهرة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد ونحوها من الأمصار التى مصرها المسلمون بأرض العنوة فإنه يجب إزالتها إما بالهدم أو غيره بحيث لا يبقى لهم معبد فى مصر مصره المسلمون بأرض العنوة وسواء كانت تلك المعابد قديمة قبل الفتح أو محدثة لأن القديم منها يجوز أخذه ويجب عند المفسدة وقد نهى النبى أن تجتمع قبلتان بأرض فلا يجوز للمسلمين أن يمكنوا أن يكون بمدائن الإسلام قبلتان إلا لضرورة كالعهد القديم لا سيما وهذه الكنائس التى بهذه الأمصار محدثة يظهر حدوثها بدلائل متعددة والمحدث يهدم باتفاق الأئمة.
            وأما الكنائس التى بالصعيد وبر الشام ونحوها من أرض العنوة فما كان منها محدثا وجب هدمه وإذا اشتبه المحدث بالقديم وجب هدمهما
            3- وأما ما كان لهم بصلح قبل الفتح مثل ما فى داخل مدينة دمشق ونحوها فلا يجوز أخذه ما داموا موفين بالعهد إلا بمعاوضة أو طيب أنفسهم. [411]
            ويمكن تلخيص المسألة كالآتى:
            - لا يجوز بناء معابد للذميين فى المواضع الإسلامية أو المحيط المجاور لها، شاملة الأرض التى فتحها المسلمون عنوة فصارت لهم. الرخصة فى هذا المجال تمنح فقط كحالة استثنائية إذا تأكد الإمام أن بناء الكنائس والمعابد تخدم مصلحة المسلمين.
            2- يجوز تعمير وتعديل المعابد المتضررة وإعادة بناء الكنائس والمعابد المتهدمة عند مالك والشافعى وأبى حنيفة غير أنه يشترط أن تتواجد تلك المعابد فى موضع عقد معه عهد الصلح، أى لم ُتؤخذ عنوة.
            -3 أما الحنابلة وبعض الشافعية فيذهبون إلى أنه لا يجوز بناء المعابد ولا  يجوز ترميم ما انهدم منها فى بلاد المسلمين “فإن أحدثوها هدمت عليهم”[412].
             وحين تظلم النصارى من هدم كنائسهم أفتى ابن تيمية مستندا لمجمل “العلماء” كالآتى: ” الرد على دعوى أن المسلمين ظلموهم بإغلاق كنائسهم: الجواب: الحمد للـه رب العالمين، أما دعواهم أن المسلمين ظلموهم فى إغلاقها فهذا كذب مخالف لأهل العلم. فإن علماء المسلمين من أهل المذاهب الأربعة: مذهب أبى حنيفة، ومالك، والشافعى، وأحمد، وغيرهم من الأئمة، كسفيان الثورى، والأوزاعى، والليث ابن سعد، وغيرهم، ومن قبلهم من الصحابة والتابعين، متفقون على أن الإمام لو هدم كل كنيسة بأرض العنوة كأرض مصر والسواد بالعراق، وبر الشام ونحو ذلك، مجتهدا فى ذلك، ومتبعا فى ذلك لمن يرى ذلك، لم يكن ذلك ظلماً منه، بل تجب طاعته فى ذلك. وإن امتنعوا عن حكم المسلمين لهم، كانوا ناقضين العهد، وحلت بذلك دماؤهم وأموالهم”[413]. وخلاصة كلامه أن المسلمين لم يظلموهم لأن خاصتهم رأوا هذا الرأي!!.
             وقد قام كثير من “العلماء” المحدثين بمحاولات عديدة لتخفيف حدة هذا التمييز الواضح. وما كثرة ما كتبه هؤلاء إلا نتيجة وضوح التمييز فى كتب الفقهاء الكبار. وضمن “العلماء”المشار إليهم يبرز القرضاوى دائما ممثلا نقيا لفكر “الإخوان المسلمين”، فيبذل أقصى جهده للف والدوران حول القضية دون أن يقدم رأيه الخاص بصراحة. ففى كتابه”غير المسلمين فى المجتمع الإسلامي” يذكر ما أشرنا إليه أعلاه ولكنه يستدرك “على أن من فقهاء المسلمين من أجاز لأهل الذمة إنشاء الكنائس والبيع وغيرها من المعابد فى الأمصار الإسلامية” مشيرا إلى “الزيدية والإمام ابن القاسم من أصحاب مالك” متناسيا ضعف تأثير وجهة النظر هذه فى الثقافة الإسلامية ومتجنبا الموافقة على آرائهم والمناداة بإطلاق حرية العبادة، بل ومتناسيا أن الشروط العمرية قد طبقت فى معظم أنحاء العالم الإسلامى وما زالت شروط بناء الكنائس فى مصر مثلا معقدة جدا ومن الممنوعات فى السعودية وغيرها. بل ولم يشعر بأى حرج حين برر قبوله شخصيا للشروط العمرية لبناء الكنائس قائلا بالحرف: “وكل ما يطلبه الإسلام من غير المسلمين أن يراعوا مشاعر المسلمين، وحرمة دينهم، فلا يظهروا شعائرهم وصلبانهم فى الأمصار الإسلامية، ولا يحدثوا كنيسة فى مدينة إسلامية لم يكن لهم فيها كنيسة من قبل، وذلك لما فى الإظهار والإحداث من تحدى الشعور الإسلامى مما قد يؤدى إلى فتنة واضطراب”[414]، ومستمرا فى وصف هذا الاضطهاد بالتسامح الذى ليس له نظير فى التاريخ البشري!!.وتختلف أقلية محدودة للغاية من الإسلاميين العلمانيين بالذات مع هذا التوجه فتقبل حرية العبادة للأقليات الدينية فى بلاد المسلمين.
            يضاف إلى ذلك شروط أخري[415]:
            - منعهم من لبس العمامة وغيرها مما يميز المسلمين:
            العمامة هى قماش يلف حول الرأس بطريقة معينة اتخذه المسلمون قديما علامة لهم. ووفقا لسنة أحد أكثر الخلفاء مصداقية لدى عموم وفقهاء المسلمين؛عمر ابن عبد العزيز أنه –وفقا لرواية “أبو الشيخ بإسناده عن محمد ابن قيس، وسعد ابن عبد الرحمن ابن حبان قالا: دخل ناس من بنى تغلب على عمر ابن عبد العزيز عليهم العمائم كهيئة العرب، فقالوا يا أمير المؤمنين ألحقنا بالعرب قال: فمن أنتم ؟ قالوا: نحن بنو تغلب، قال أولستم من أوسط العرب ؟ قالوا نحن نصارى، قال على بجلم (أى مقص) ، فأخذ من نواصيهم، وألقى العمائم وشق رداء كل واحد شبراً يحتزم به، وقال: لا تركبوا السروج، واركبوا على الأكف، ودلوا رجليكم من شق واحد”. كما أمر نفس الخليفة بألا يلبس نصرانى قباء، ولا ثوب خز، ولا عصب [416]، ولا يمشى إلا بزنار من جلد ولا يلبس طيلساناً ولا يلبس سراويلا ذات خدمة ولا يلبس نعلاً ذات عذبة ولا يركب على سرج ولا يوجد فى بيته سلاح إلا ُنهب ولا يدخل الحمام يوم الجمعة حتى تصلى الجمعة [417].
            - نهى عمر ابن الخطاب أهل الذمة عن لبس النعال التى يلبسها المسلمون وأمر بألا يفرقوا شعرهم مثل المسلمين.
             - منعهم من ركوب السروج ولهم الحق فى ركب الحمير لا الفرسان. كما يمنعون من تقلد السيوف وحمل السلاح عموما كالقوس والنشاب والرمح.
            - عليهم أن يجزوا نواصيهم وهو ما يعنى حلق مقدم شعر الرأس وهو ربعها الأمامى. وهو ما أمر به عمر ابن الخطاب حسب ما هو منسوب إليه.
            والهدف من هذا التمييز فى الشكل أن ُيعرف الذمى من المسلم لتختلف المعاملة حيث يتعين على الذمى القيام بواجبات معينة تجاه المسلم كما رأينا فى الشروط العمرية. وقد كان ابن تيمية واضحا فى ذلك: “إن الشروط المضروبة على أهل الذمة تضمنت تمييزهم عن المسلمين فى اللباس والشعور والمراكب وغيرها لئلا تُفضى مشابهتهم إلى أن يعامل الكافر معاملة المسلم”[418].
            وقد استمر التمييز فى اللبس ضد أهل الذمة حتى العصر الحديث حتى ألغاه محمد على فى مصر والبلاد التى ضمها. ولا شك أن أهل الذمة قد تجاوزوا وقاوموا هذه الشروط من حين لآخر وتغاضى حتى بعض الحكام عن تطبيقها، مثل عمرو ابن العاص، ولكن كانت تصدر الأوامر من حين لآخر بالالتزام من جديد[419]. ولم يعد هذا التمييز الفج معمولا به فى الوقت الراهن ولا يطالب به أحد وتم تجاوزه بالفعل ولكن مازال الفقهاء يدافعون عنه مبدئيا كما حدث فى التاريخ مبررين ذلك بضرورة التمييز نظرا لاختلاف مراسم الدفن ونظام المواريث لكل ملة. وهذا ما يبرر رفض الإسلاميين المعاصرين إلغاء بند الدين فى بطاقات الهوية، وهو بديل من وجهة نظرهم لأشكال التمييز السابقة.
            - لا يظهروا شركا.
            - لا يمنعوا ذوى قراباتهم من الإسلام إن أرادوه، والعكس غير صحيح لأنه يكون ردة تستوجب القتل.
            - أن يوقروا المسلمين وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس.
            - لا يظهروا صليبا ولا شيئا من كتبهم فى شيء من طرق المسلمين.
            - لا يضربوا بالناقوس إلا ضربا خفيا ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة فى كنائسهم فى شيء من حضرةالمسلمين.
            - شروط لخروج نساء أهل الذمة من منازلهن:
            ذكر ابن القيم الجوزية تحت عنوان: فساد ذمم نساء أهل الكتاب أن عمرابن الخطاب كتب إلى أهل الشام ليمنعوا نساء "الكفار" أن يدخلن مع نسائهم الحمامات كما أشار لقول أحمد ابن حنبل: أكره أن تطلع أهل الذمة على عورات المسلمين، وبرر ابن القيم هذا استنادا لأبى القاسم الذى رأى أن نساء أهل الذمة "لسن بثقات على شيء من أمور المسلمين فلا يؤمن الفساد". وقد نهى النبى محمد – حسب كلامه- أن تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها حتى كأنه ينظر إليها. يعنى فيفضى ذلك إلى وصف الذمية المسلمة لزوجها الذمى حتى كأنه يشاهدها [420].
            وقد خاض الفقهاء كثيرا فى هذه المسألة ولم يشذ أحد بقدر ملموس على قبول القواعد السابقة[421].
            كما يجوز للمسلم أن يدخل معابد "الكفار" ويصلى بها ولكن لا يسمح ل"لكافر" بدخول المساجد، وهذه هى الفكرة السائدة فى الإسلام رغم إقرار بعض كبار المفكرين بجواز ذلك، مثل السرخسي[422]. وعلى عكسه يرى الإمام أحمد ابن حنبل أنه ليس لهم دخول مساجد الحل، بغير إذن مسلم. فإن دخل، عزر، مستندا لما روى أن عليا ابن أبى طالب كان على المنبر وبصر بمجوسى، فنزل، فضربه، وأخرجه. فإن أذن مسلم للذمى فى الدخول، جاز حسب رأيه فى الصحيح من المذهب، لأن النبى قدم عليه وفد الطائف، فأنزلهم المسجد قبل إسلامهم. ولا يجوز، لما ُروى أن أبا موسى قدم على عمر ومعه نصرانى، فأعجب عمر خطه، وقال: قل لكاتبك هذا يقرأ علينا كتابه. قال: إنه لا يدخل المسجد. قال: لم؟ أجنب هو؟ قال: هو نصرانى فانتهره عمر، ولأن الجنب يمنع المسجد، فالمشرك أولي[423]. ولم يكن مقبولا فى التاريخ العربى – الإسلامى أن يدخل "الكفار" إلى المساجد إلا فى ظروف استثنائية ونادرة للغاية. والأمر مرفوض من قبل الرأى العام المسلم تماما، ف"الكفار" “ أنجاس”وفقا للآية: إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم اللـه من فضله إن شاء واللـه عليم حكيم (التوبة: 28) وقد أجمع المفسرون على إقرار الآية بعدم اقتراب "الكفار" من الحرم المكى بينما ذهب بعضهم إلى انطباق ذلك على المساجد عموما تعليلا بالنجاسة، ولوجوب صيانة المسجد عن كل نجسٍ[424]. فلا ينبغى لهم دخول المساجد ولا الأراضى الإسلامية المقدسة. ولم يُطرح أبدا فى الفقه الإسلامى من جانب أى فريق إمكانية أن يصلى "الكافر" فى مساجد المسلمين بينما يمكن العكس.
            وقد حرم المسلمون بعد فتح مكة "الكفار" من الحج إلى الكعبة رغم أنها كانت تعد بيتا مقدسا لدى مشركى العرب وأعلن محمد بعد صدور سورة التوبة: لا يحججن بعد عامنا هذا مشرك ولا يطوف بالبيت عريان (البخاري-367) . ولنتذكر أن مشركى العرب قد ُخيروا بين الإسلام أو القتل، وهم الذين كانوا يحجون إلى الكعبة أصلا. هكذا استولى الإسلام على كعبة العرب باعتبارها مقدس إسلامى بناه آدم ثم النبى ابراهيم !شيء يذكرنا بما يفعله الآن متدينو اليهود من محاولة الاستيلاء على المسجد الأقصى باعتباره مكان هيكل سليمان! مع فارق أن الاحتمال الأخير قد تكون عليه بعض القرائن التاريخية بينما آدم وابراهيم كأشخاص لم يتبين لهما أى أثر تاريخى. وبغض النظر عن حقائق التاريخ كان مشركو العرب يقدسون الكعبة بطريقتهم ولم يمنعوا المسلمين من الصلاة فيها والحج إليها إلا فى عام الحديبية فقط.. ولكن لم يفعل المسلمون الشيء نفسه، على أساس أن من على غير دين الإسلام لا حق له فى الكعبة حتى لو كان يقدسها لأنه ليس على الدين الحق.
            خامسا: عدم تقلد وظائف سيادية فى الدولة
            نص القرآن على: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعضٍ ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن اللـه لا يهدى القوم الظالمين (المائدة: 51) ، لن يجعل اللـه للكافرين على المؤمنين سبيلاً (النساء: 141) ، الذين كفروا بعضهم أولياء بعض (الأنفال: 73) . وبناء عليه يرفض كل الأئمة بالإجماع ولاية "الكافر" على المسلم فى العموم بمن فى ذلك الأحناف[425]. ويضيف الشافعى أنه لا ولاية ل"كافر" حتى على “كافر”: ” وشرط الإمام فى حال عقد الإمامة: أن يكون مسلماً فلا تصح ولاية كافر ولو على كافر “[426]. حتى تولى منصب القضاء يرفضه الجميع باستثناء الأحناف حيث يجوز لديهم تقليد الذمى القضاء للحكم بين أهل دينه[427]. ويوافق الشافعية على أن يحكم "الكافر" بين “كفار” ولكن ليس بصفة قاضى فوفقا لهم لا يصح أن يلى القضاء الذى هو الحكم بين الناس إلا من اجتمع فيه خمس عشرة خصلة أولها الإسلام فلا تصح ولاية “كافر” ولو على “كافر” أما تنصيب شخص منهم للحكم بينهم فهو تقليد رئاسة وزعامة لا تقليد حكم وقضاء [428].
            وفيما يخص منصب الوزارة ذهب البعض مثل الماوردى إلى جواز تولية أهل الذمة وزارات التنفيذ دون وزارات التفويض، حيث أنها لا تتعلق بسلطة اتخاذ القرار بل بمجرد تنفيذ الأوامر[429]، وهو ما يقبله معظم الإسلاميين المعاصرين.
            وهناك من نصوص القرآن والأحاديث وسنة الخلفاء “الراشدين” ما يفيد بأن "الكفار" هم موضع شك وبالتالى لا يجب استخدامهم فى وظائف عليا بالدولة أو فى مواقع حساسة:
            إِن يثقَفوكم يكونوا لَكم أَعداء ويبسطوا إِليكم أيدِيهم وأَلسِنَتهم بِالسوءِ وودوا لو تكفرون (الممتحنة: 2) - ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم (البقرة: 105) ، ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق (البقرة: 109) ، ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم (البقرة: 120) ، يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم (آل عمران: 118) . وفى الحديث منها ما ذكره مسند أحمد 11698 وسن النسائي- 5193: لا تستضيئوا بنار المشركين، ولا تنقشوا خواتيمكم عربياً وقد شرح السيوطى الحديث كالتالى: «لا تستضيئوا بنار المشركين» قال فى النهاية: أراد بالنار هنا الرأى أى لا تشاوروهم فجعل الرأى مثل الضوء عند الحيرة[430]. وفى كتابه: أحكام أهل الذمة، بذل ابن قيم الجوزية جهدا كبيرا للكشف عن عدم ولاء أهل الذمة للدولة الإسلامية واستعدادهم الطبيعى للخيانة مستشهدا بالقرآن والأمثلة.. إلخ [431]
            وكان عمر ابن الخطاب متشددا فى ذلك وهو حجة للمسلمين لا ينقده أحد من أهل السنة بسهولة ويُعتبر نقده كشخص عادى جريمة وأحيانا كفرا، وقد ُنسب له رفضه الشديد لاستعمال أهل الذمة فى مناصب الدولة وهاك نصا كاملا للقرطبى: “وروى أن أبا موسى الأشعرى استكتب ذميا فكتب إليه عمر يعنفه وتلا عليه هذه الآية‏. ‏ وقدم أبو موسى الأشعرى على عمر رضى اللـه عنهما بحساب فرفعه إلى عمر فأعجبه، وجاء عمر كتاب فقال لأبى موسى: ‏ أين كاتبك يقرأ هذا الكتاب على الناس ‏؟‏ فقال‏: ‏ إنه لا يدخل المسجد‏. ‏ فقال لم‏!‏ أجنب هو‏؟‏ قال‏: ‏ إنه نصرانى؛ فانتهره وقال‏: ‏ لا تدنهم وقد أقصاهم اللـه، ولا تكرمهم وقد أهانهم اللـه، ولا تأمنهم وقد خونهم اللـه. ‏ وعن عمر رضى اللـه عنه قال‏: ‏ لا تستعملوا أهل الكتاب فإنهم يستحلون الرشا، واستعينوا على أموركم وعلى رعيتكم بالذين يخشون اللـه تعالى. ‏ وقيل لعمر رضى اللـه عنه‏: ‏ إن ههنا رجلا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم أفلا يكتب عنك‏؟‏ فقال‏: ‏ لا آخذ بطانة من دون المؤمنين‏. ‏ فلا يجوز استكتاب أهل الذمة، ولا غير ذلك من تصرفاتهم فى البيع والشراء والاستنابة إليهم‏”[432]. ‏
            ومع ذلك خرج كثير من الخلفاء غير “الراشدين” على هذه التعليمات واستعملوا "الكفار" فى جبى الضرائب وأعمال التدوين وغيرها، ضد رغبة الفقهاء، ابتداء من الأمويين. وقد أمر عمر ابن عبد العزيز حين كان خليفة، بعزل أهل الذمة من مناصبهم، ولكن أمره لم ينفذ بدقة وبقوا فى مناصبهم إلى ما بعد ذلك[433].
             وهاك تعليق القرطبى الذى تحسر على ضياع الإسلام، هكذا: “وقد انقلبت الأحوال فى هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء، وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء”[434]. هذه المخالفات يعتبرها بعض “العلماء” المحدثون دليلا على سماحة الإسلام بينما هى مخالفات لفقه الإسلام، بالضبط مثلما كان كثير من الخلفاء يشربون الخمر ويمارسون “الفجور” كما وصفهم مؤرخو الإسلام.. فهل هذا دليل على أن الثقافة الإسلامية تقبل إباحة شرب الخمر؟؟أم يدل على أن ثقافة بعض الخلفاء لم تكن إسلامية تماما؟!.
            ومازالت الأفكار الإسلامية المتعلقة بولاية أهل الذمة سائدة فى البلاد العربية والإسلامية عموما حتى اليوم سيادة تامة سواء لدى الفقهاء أو العامة، بل وحتى لدى رجال الدولة. ومما له دلالة أن مفكرا إسلاميا يُعد مستنيرا مثل طارق البشرى قد حاول التخفيف من عدم المساواة الواضح فى موضوع الولاية ولكنه عالج المسألة بنفس المذهب التقليدى الذى تناولناه هنا. فقد برر أولا كل ما قرره الإسلام من الشروط العمرية وغيرها، ولم يغير ثانيا فى منطق التعامل مع أهل الذمة ولكنه دعا إلى منحهم بعض المناصب على أساس أن المسلمين اليوم هم أغلبية فى البلاد الإسلامية فلم يعد يُخشى من سيطرتهم، كما أن الولاية فى هذا العصر لم تعد ولاية للأشخاص بل ولاية لمؤسسات وبالتالى لم يعد من الخطر أن ينضم إليها بعض أهل الذمة وثالثا لتأكيد نفس المنطق الإسلامى السائد اشترط البشرى فى انضمام الذميين إلى الهيئات القضائية ما يلى:
            - أن تكون الهيئة مسلمة، وهذا يعنى أن تكون مرجعيتها هى الشريعة الإسلامية حسب قوله.
             - أن تكون غالبية أعضاء الهيئة من المسلمين.
            - أن تحقق الصالح الإسلامى العام -أى صالح الجماعة الإسلامية- وفقا للضوابط المحددة لكلمة “المصلحة” لدى الأصوليين. [435]
            أما ممثل “الاعتدال” فى الإسلام التقليدى المعاصر؛يوسف القرضاوى فقد حدد أكثر، رافضا أن يتولى "الكفار" رئاسة الدولة الإسلامية”: ولهم الحق فى العمل فى الدولة إلا لو كانت لها متطلبات خاصة مثل رئاسة الدولة حيث لها طبيعة دينية ودنيوية، الإمامة والخلافة نيابة عن رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم فى إقامة الدين وسياسة الدنيا به”[436]
***
سادسا: العلاقات الشخصية بين المسلم و"الكافر" وفقا للإسلام السائد:
            سنتناول فى هذا القسم موقف الإسلام كما يراه أغلب الفقهاء والمثقفين الإسلاميين:
            - لا يسمح النص المقدس حسب ما فسره "العلماء" للمسلم بأن يتخذ "الكافر" صديقا. وقد أكد القرآن هذا مرارا: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. ومن يفعل ذلك فليس من اللـه فى شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة (آل عمران: 28)، يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين. أتريدون أن تجعلوا للـه عليكم سلطاناً مبيناً (النساء: 144)، يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق (الممتحنة: 1) . يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانةً من دونكم لا يأتونكم خبالاً. ودوا ما عنتم. قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر. قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون. ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم (آل عمران: 118 - 119) ، يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم (المائدة: 51) بل يدعو إلى تطبيق هذه القاعدة حتى على الآباء والإخوة: يا أيها الذين آمنُوا لا تتخذُوا آباءكُم وإخوانكُم أولياء إن استحبوا "الكفر" على الإيمان ومن يتولهُم منكُم فأُولئك هُمُ الظالمُون (التوبة: 23) لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد اللـه ورسوله (المجادلة: 22) .
             هذه الفكرة كان مقبولة إلى حد كبير فى عموم البلاد الإسلامية فى معظم الوقت، وعادت لتتجذر بعد أن تلاشت خلال عصر الاستعمار، مع “الصحوة”الإسلامية المعاصرة حتى فى بلاد متطورة اجتماعيا كمصر. وقد لجأ أحد أهم “العلماء” المعاصرين إلى محاولة تبريرها وتخفيف وطأتها على السامعين فانزلق إلى اعتبار مصادقة "الكفار" دون المسلمين خيانة وطنية!!: “ولا يرضى نظام دينى ولا وضعى لأحد من أتباعه أن يدع جماعته التى ينتسب إليها، ويعيش بها، ليجعل ولاءه لجماعة أخرى من دونها. وهذا ما يعبر عنه بلغة الوطنية بالخيانة”. وبعد إقراره بإمكانية إقامة علاقة ودية مع الذميين معطيا أمثلة وشروحات كثيرة عاد إلى ذاته ليقول: ” إن الحقيقة التى لا شك فيها أن الإسلام يؤكد إعلاء الرابطة الدينية على كل رابطة سواها، سواء أكانت رابطة نسبية أم إقليمية أم عنصرية أم طبقية، فالمسلم أخو المسلم، والمؤمنون إخوة، والمسلمون أمة واحدة، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم. والمسلم أقرب إلى المسلم من أى كافر، ولو كان أباه أو ابنه أو أخاه. وهذا ليس فى الإسلام وحده.. بل هى طبيعة كل دين، وكل عقيدة، ومن قرأ الإنجيل وجده يؤكد هذا المعنى فى أكثر من موقف”[437].
            كما أمر القرآن بالغلظة على "الكفار": يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير (التوبة: 73) . وأقر القرطبى (وغيره) أن “هذه الآية نسخت كل شيء من العفو والصلح والصفح”.
            ومع ذلك أقر عموم الفقهاء جواز أن يهنيء المسلم "الكافر" بأشياء من قبيل الزواج والإنجاب والعودة من السفر وما شابه. كما يمكن التصدق على "الكفار" والإنفاق على الأقارب منهم وزيارة واحترام الأبوين "الكافرين". كذلك يمكن السير فى جنازة "كافر" والاشتراك معه فى عمل واحد أو تجارة ونحوها..
            وإذا عدنا للآية 28 من سورة آل عمران السابق ذكرها نجدها تضع استثناء لموالاة "الكفار" وهو إلا أن تتقوا منهم تقاة. ومعنى هذا أنه يمكن موالاتهم إذا خاف المسلم منهم، وهذا هو تفسير أغلب كبار المفسرين[438].
            - نص الحديث “الصحيح”على أن من واجب المسلم إذا لقى "كافرا" أن يضيق عليه الطريق: لا تبدؤا اليهود ولا النصاريٰ بالسلام. فإذا لقيتم أحدهم فى طريق فاضطروه إليٰ أضيقه (صحيح مسلم 5615) ، وذكر الحديث نفسه فى صحيح ابن حبان (499، 500) . أما الترمذى (1604) فقد أضاف: قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح ومعنى هذا الحديث: لا تبدأوا اليهود والنصارى. قال بعض أهل العلم إنما معنى الكراهية لأنه يكون تعظيماً لهم وإنما أمر المسلمون بتذللهم وكذلك إذا لقى أحدهم فى الطريق فلا يترك الطريق عليه لأن فيه تعظيماً لهم. ولايتقبل عامة المسلمين مثل هذه الفكرة فى البلدان الإسلامية الأكثر تحضرا مثل مصر وتركيا، ولكنها مقبولة حتى الآن فى الجزيرة العربية مثل السعودية، منبع الإسلام وحيث تطبق ما تُعتبر شريعة الإسلام.
            - وإن شمت “كافر” مسلماً أجابه يهديك اللـه. وكذا إن عطس الذمى، لحديث أبى موسى: أن اليهود كانوا يتعاطسون عند النبى، رجاء أن يقول لهم: يرحمكم اللـه. فكان يقول لهم: يهديكم اللـه ويصلح بالكم. وُتكره مصافحته لأنها شعار للمسلمين[439]. "وينبغى أَنْ يلازمَ الصِّغار فيما يكون بينه وبين المسلم فى كل شيء، وعليه فيمنع من القعود حال قيام المُسْلم عنده... ويحرم تعظيمه، وتكره مصافحته، ولا يبدأ بسلام إلاَّ لحاجة ولا يزاد فى الجواب على «وعليك» ويضيق عليه فى المرور، ويجعل على داره علامة، وتمامه فى «الأَشْباه» من أحكام الذمي"[440].
            - أما الإقامة معهم فى دار واحدة فتعد من قبل بعض ال"علماء" كفرا،حسب الحديث: برئت الذمة ممن أقام مع المشركين فى ديارهم (صحيح الجامع -2815) - من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله (صحيح الجامع -6062) .
            - زيارة المريض: قبل كل الفقهاء الكبار أن يقوم المسلم بعيادة المريض "الكافر"، عملا بسنة النبى الذى زار جاره اليهودى المريض ودعاه إلى الإسلام. ولكن لم يدع أحد إلى القيام بذلك تعبيرا عن المحبة والتضامن الإنسانى، بل اعتبر الأمر فرصة لعرض الإسلام على "الكافر" المريض، وكأن المسلم فى مهمة مقدسة ولا يقوم بعمل ودى لتدعيم أواصر المحبة بين البشر، لا سيما فى مرض الموت. وذلك أسوة بالسنة النبوية: فقد ذكر البخارى (1332) حدثنا... قال: «كان غلام يهودى يخدم النبى صلى اللـه عليه وسلم فمرض، فأتاه النبى صلى اللـه عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم. فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم صلى اللـه عليه وسلم. فأسلم. فخرج النبى صلى اللـه عليه وسلم وهو يقول: الحمد للـه الذى أنقذه من النار.
            - على المرأة المسلمة أن تختار طبيبا مسلما ليعالجها حتى لا تكشف عوراتها أمام طبيب “كافر”. ولا يُغفل هنا مبدأ “الضرورات تبيح المحظورات”ولكن يظل الكشف عند الطبيب "الكافر" من المحظورات.
            ولا يجوز – لدى الفقهاء المتشددين- أن تنظر المرأة "الكافرة" إلى بعض ما يُعد عورة المرأة المسلمة، فوفقا لابن حنبل: لايحل لها أن تكشف رأسها عند نساء أهل الذمة... نساء أهل الكتاب، اليهودية والنصرانية لاتقبلان المسلمة، ولاينظران إليها... نساء أهل الكتاب لاينظرن إلى شعورهن يعنى: إلى شعور المسلمات... قد ذهب بعض الناس إلى أنها لاتضع خمارها عند اليهودية والنصرانية، لأنها ليست من نسائهن، وأما أنا فأذهب إلى أنه لاتنظر اليهودية ولاالنصرانية ومن ليس من نسائها إلى الفرج، ولاتقبلها حين تلد، فأما الشعر، فلا بأس، أوقال: أرجوأن لايكون به بأس[441].
            - يدعو الفقه الإسلامى المسلمين لمخالفة وعدم التشبه ب"الكفار" بما فى ذلك لبسهم وعاداتهم وطريقتهم فى المشى... إلخ. وفى مسند أحمد (5106) جاء: ومن تشبه بقومٍ فهو منهم، وورد عن عمر ابن الخطاب النهى عن السكن معهم، وتعلم لغاتهم وكتابتهم، والاحتفال معهم فى أعيادهم[442]، ولبس زيهم[443]. ومن صور موالاة "الكفار" المشهورة ما لخصة أحد الإسلاميين المعاصرين[444]:
            -1 التشبه بهم فى اللباس والكلام.      
             -2الإقامة فى بلادهم، وعدم الانتقال منها إلا بلاد المسلمين لأجل الفرار بالدين.                 
            -3 السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس.  
             -4اتخاذهم بطانة ومستشارين.          
            5 - التأريخ بتاريخهم خصوصًا التاريخ الذى يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادى.            
            -6 التسمى بأسمائهم.     
            -7 مشاركتهم فى أعيادهم أو مساعدتهم فى إقامتها أو تهنئتهم بمناسبتها أو حضور إقامتها.            
            -8 مدحهم والإشادة بما هم عليه من المدنية والحضارة، والإعجاب بأخلاقهم ومهاراتهم دون النظر إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد.        
            -9 الاستغفار لهم والترحم عليهم.       
            ويرى “شيخ الإسلام” ابن تيمية[445] أن مشاركة "الكفار" فى الظاهر ذريعة إلى الموالاة والمودة إليهم، وليست فيها مصلحة كما فى المقاطعة المباينة، لأنها تدعو إلى نوع ما من المواصلة توجبه الطبيعة، وتدل عليه العادة ولهذا كان السلف يستدلون بهذه الآيات على ترك الاستعانة بهم فى الولايات. ومثال عدم التشبه كما قدمه هو ما جاء فى الحديث: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم.
            والبعض يطالب من تشبه بهم بالتوبة، مكفرا من تشبه بهم محبة لهم ورضى بكفرهم، مطالبا من يفعل ذلك غافلا عن هذا القصد بالتوبة لأنه –حسب قوله- شابههم فى أمورهم الجاهلية وفيه خصلة من خصالهم[446]. ويقدم أبى الفرج ابن رجب تفصيلات أكثر لموقف محمد مما يسميه التشبه ب"الكفار":
            - نهى عن التشبه بالمشركين وأهل الكتاب، فنهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وعلل بأنه: “ حينئذ يسجد لها "الكفار". فيصير السجود فى ذلك الوقت تشبها فى الصورة الظاهرة.
             - وقال: “ إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم “ وفى رواية عنه..: “غيروا الشيب ولا تشبهوا اليهود“. وقال: “خالفوا المشركين، اعفوا الشوارب واحفوا اللحي“ وفى رواية: “جزوا الشوارب وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس“.
            - وأمر بالصلاة فى النعال مخالفة لأهل الكتاب. وروى عنه انه قال: “ ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود والنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالكف “ أخرجه الترمذى.
            - ونهى عن التشبه بهم فى أعيادهم.
            وقال عبد اللـه ابن عمر: “ من أقام بأرض المشركين يصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حشر يوم القيامة معهم “. وقال الإمام أحمد: “ أكره حلق القفا، وهو من فعل المجوس، ومن تشبه بهم فهو منهم”[447].
            والمبرر المقدم لعدم التشبه ب"الكفار" موضح فى النصوص المذكورة، وهو عدم خلق أرضية للمودة حتى لا تفقد الهوية الثقافية الإسلامية إذا استخدمنا التعبيرات المعاصرة. فيجب أن يحافظ المسلمون على تميزهم وتفردهم وبالتالى هويتهم الخالصة نقية. والواضح أن هذا إنما يعبر عن الخوف البالغ من تأثير الاختلاط والتقارب مع الثقافات الأخرى على الإسلام. ويضاف أن "الكفار" يمكرون للمسلمين لإيقاع الأذى بهم وكأنهم هم الآخرين متفرغين لنشر دينهم: يقول القرطبى: ” بين تعالى المعنى الذى لأجله نهى عن المواصلة فقال‏‏لا يألونكم خبالا‏‏ يقول فسادا‏. ‏ يعنى لا يتركون الجهد فى فسادكم، يعنى أنهم وإن لم يقاتلوكم فى الظاهر فإنهم لا يتركون الجهد فى المكر والخديعة “[448]. وتتضمن تلك النزعة للتمايز اتهاما مطلقا "للكفار" بأنهم يبيتون الشر للمسلمين وأنهم بالتالى خطر عليهم.
            والمبرر الأخير لعدم تشبه المسلمين ب"الكفار" أن المسلمين هم الأعلى و"الكفار" هم الأدنى حسب النص المقدس: الإسلام يعلو ولا يُعلى (البخارى 78) . رغم أن التمايزات المطلوبة لا يمكن وصفها بالسمو أو عكسه، فالمطلوب هو التميز فى حد ذاته قبل أى شيء آخر حتى لا تختلط الهويات ويضيع تفرد الإسلام.
             - تهنئة "الكفار": أما تهنئة "الكفار" فى مناسبات معينة فالأرجح أن الإسلام لا يمنعها كلية ولكن بشروط أوجزها ابن القيم كالآتى:
             - اختلفت الرواية فى ذلك عن أحمد فأباحها مرة ومنعها أخرى والكلام فيها كالكلام فى التعزية والعيادة ولا فرق بينهما. يجب الحذر من استخدام الألفاظ التى تدل على رضا المسلم بدين "الكافر"مثل قول أحدهم متعك اللـه بدينك أو نيحك فيه أو يقول له أعزك اللـه أو أكرمك إلا أن يقول أكرمك اللـه بالإسلام وأعزك به ونحو ذلك فهذا مقبول.
            - وأما التهنئة بشعائر "الكفر" المختصة به فحرام بالاتفاق مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول عيد مبارك عليك ونحو ذلك، فهذا حرام وإن لم يصل قائله إلى "الكفر"[449].
            - التحية: فى القرآن يجب أن يرد المسلمون التحية: وإذا حييتم بتحيةٍ فحيوا بأحسن منها أو ردوها (النساء: 86) . وفيما يتعلق بأهل الكتاب ينطبق ذلك ولكن القرآن لم يتحدث عن البدء بالتحية، وقد فصلت السنة النبوية ذلك بالإضافة إلى الفقه. ففى الحديث: لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم فى طريق فاضطروه إلى أضيقه (صحيح مسلم - 5615) . وقد أجمع معظم الفقهاء على ألا يبدأ المسلم بتحية "الكافر" باستثناء قليل، فذهب ابن عباس إلى جواز الابتداء لهم بالسلام وكذلك بعض الشافعية فيما ذكر الصنعانى الذى فسر قائلا: ”إلا أنه قال المازرى: السلام عليك  بالإفراد، ولا يقال: السلام عليكم. واحتج لهم بعموم قوله تعالى: وقولوا للناس حسنا وأحاديث الأمر بإفشاء السلام”[450]. وذهب البعض استنادا إلى السنة النبوية فيما يبدو إلى أن للمسلم إذا ابتدأ "الكافر" بالتحية على سبيل الخطأ أن يسترد سلامه منه، وعلى حد تعبير النووى الدمشقى، قال: " ولا يجوز ابتداء أهل الذمة بالسلام فلو سلم على من لم يعرفه فبان ذمياً استحب أن يسترد سلامه بأن يقول استرجعت سلامى تحقيراً له وله أن يحيى الذمى بغير السلام بأن يقول هداك اللـه أو أنعم اللـه صباحك ولو سلم عليه ذمى لم يزد فى الرد على قوله وعليك"[451]. ولكن هذا ليس مقبولا وسط الرأى العام المسلم. أما رد التحية فمشروط هو الآخر: حسب ما ذكر الصنعانى: “واتفق العلماء على أنه يرد على أهل الكتاب ولكنه يقتصر على قوله: وعليكم، وهو هكذا بالواو عند مسلم فى روايات، قال الخطابى: عامة المحدثين يروون هذا الحرف بالواو، قالوا: وكان ابن عيينة يرويه بغير الواو. وقال الخطابى: هذا هو الصواب لأنه إذا حذف صار كلامه بعينه مردوداً عليهم خاصة، وإذا أثبت الواو اقتضى المشاركة معهم فيما قالوه. قال النووى: إثبات الواو وحذفها جائزان صحت به الروايات، فإن الواو وإن اقتضت المشاركة فالموت هو علينا وعليهم ولا امتناع “[452].
            - المخاطبة:: لا يصح نداء وخطاب "الكفار" بأى لفظ أو لقب يوحى بتعظيمهم أوالخضوع لهم، مثل: يا سيدى أو يا مولانا أو نحو ذلك وقد حرم ذلك قطعيا ابن القيم الذى قال “وأما تلقيبهم بمعز الدولة وعضد الدولة ونحو ذلك فلا يجوز كما أنه لا يجوز أن يسمى سديدا ولا رشيدا ولا مؤيدا ولا صالحا ونحو ذلك ومن تسمى بشيء من هذه الأسماء لم يجز للمسلم أن يدعوه به بل إن كان نصرانيا قال يا مسيحى يا صليبى ويقال لليهودى يا إسرائيلى يا يهودي”. ثم راح يتحسر على ما صار إليه الأمر فى عصره: “وأما اليوم فقد وفقنا إلى زمان يصدرون فى المجالس ويقام لهم وتقبل أيديهم ويتحكمون فى أرزاق الجند والأموال السلطانية ويكنون بأبى العلاء وأبى الفضل وأبى الطيب ويسمون حسنا وحسينا وعثمان وعليا وقد كانت أسماؤهم من قبل يوحنا ومتى وحنينا وجرجس وبطرس ومار جرجس ومارقس ونحو ذلك وأسماء اليهود عزرا وأشعيا ويوشع وحزقيل وإسرائيل وسعيج وحيى ومشكم ومرقس وسموأل ونحو ذلك ولكل زمان دولة ورجال”[453].
             - حلل الفقهاء تناول طعام، قاصدين ذبائح "الكفار" متبعين القرآن: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم (المائدة: 5) ، ويشترطون أن تذبح بطريقة إسلامية. كذلك لا يجوزون أكل ما ذبح لمناسبة دينية أو لعيد تنفيذا لحكم القرآن: إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير اللـه (البقرة: 173) . وهناك من الآراء ما هو شاذ بين الفقهاء فى هذا الخصوص، منها رأى لعلى ابن أبى طالب يحرم فيه تناول طعام نصارى العرب وذهب الشافعى نفس المذهب[454].
            أما ذبائح "الكفار" من غير أهل الكتاب فحرم أكلها جمهور الفقهاء ومنهم الشافعي[455]و أبو حنيفة[456]، وقياسا على ذلك حرم الأخير وعلى ابن أبى طالب ذبائح نصارى العرب لأنهم ليسوا أصلا بنصارى بل مرتدين باعتبار أن العرب جميعا أصلهم حنفاء على دين إبراهيم وتحول بعضهم إلى دين غير الإسلام يعنى أنهم مرتدين. ولنفس السبب رأى البعض ألاتؤخذ منهم الجزية، بل يخيرون مثل باقى المشركين بين الإسلام أو السيف.
            وهذا التميز لا علاقة له بطريقة إعداد الطعام ولا بنوع اللحم، بل بأصحاب الطعام، فأهل الكتاب غير المشركين. وعلى هذه القاعدة استند شيخ مهم كالقرضاوى فى حكمه على استيراد اللحوم: ”على ضوء ما ذكرناه نعرف الحكم فى اللحوم المستوردة من عند أهل الكتاب كالدجاج ولحوم البقر المحفوظة، مما قد تكون تذكيته بالصعق الكهربائى ونحوه. فما داموا يعتبرون هذا حلالا مذكى فهو حل لنا، وفق عموم الآية. أما اللحوم المستوردة من بلاد شيوعية: فلا يجوز تناولها بحال، لأنهم ليسوا أهل كتاب وهم يكفرون بالأديان كلها، ويجحدون بالله ورسالاته جميعا”. [457] وتنطبق القاعدة نفسها على ما يأكله المسلم من الصيد: ” أما الصائد لصيد البر فيشترط فيه ما يشترط فى الذابح: بأن يكون مسلما، أو من أهل الكتاب، أو من هو فى حكم أهل الكتاب كالمجوس والصابئين”[458].
            - أما استخدام أوانى "الكفار" من قبل المسلمين ففيه تكلم الفقهاء غير قليل. وفى الحديث ما يبيح استعمالها للضرورة فقط: حدثنا هناد... قال سمعت أبا ثعلبة الخشنى يقول: «أتيت رسول اللـه فقلت: يا رسول اللـه إنا بأرض قومٍ أهل كتابٍ نأكل فى آنيتهم! قال: إن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها، فإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها (سنن الترمذي-1563) .
***
            ما استعرضناه آنفا من جوانب علاقة الإسلام ب"الكفار" فى دار الإسلام لا يشمل كل شيء. فهناك الكثير من أشكال التمييز ضد "الكفار" مما ناقشه الفقه بالتفصيل الممل ولم نهتم بإبرازه مكتفين بتناول نماذج أساسية من هذه العلاقة. فقد تناول الفقهاء موضوعات أخرى شتى منها ما يتعلق مثلا بالشفعة ومدى أحقية "الكافر" فى هذا المجال، ومنها ما يتعلق بتملك الجوارى والعبيد فى حالة إسلامهم أو إنجاب الجارية لطفل أسلم.. وهناك ما يتعلق أيضا بالعقوبات فى حالات السب والاعتداءات الجسدية بين مسلمين و”كفار” من أهل الذمة، وفيما يتعلق بقيام "الكفار" بالتشبه بالمسلمين، ومدى أحقية زوجة المسلم الكتابية فى الذهاب إلى الكنيسة أو المعبد ومدى أحقيتها فى قراءة كتابها المقدس علنا أو سرا وعن نوع علاقتها بالأبناء فى مجال الدين.. وعشرات الموضوعات الأخرى التى لن تضيف مفاهيما أساسية للقضية التى نتناولها.
            وفى التاريخ طُبقت القواعد السابقة بدرجات مختلفة، فشهدت بعض الفترات تشددا واضطهادا شديدين بينما تراخت أيدى السلطة الإسلامية فى أحيان أخرى، حسب مصلحة الدولة وتركيبة النخبة الحاكمة، وقد تمتع أهل الذمة بحقوق أكثر فى عصور الخلفاء الأقل تزمتا فى الناحية الدينية، ومن الفترات الذهبية لأهل الذمة من اليهود وغيرهم فترة حكم صلاح الدين الأيوبى وطوال عهد دولة الأندلس. وفى بداية الاحتلال العربى – الإسلامى شهدت بعض المناطق تهاونا معينا من الفاتحين كسبا لتعاطف السكان، كما تخلص هؤلاء فى بعض الحالات من أشكال من الاضطهاد سابقة على الاحتلال العربي-الإسلامى لم يعد لها ضرورة فى ظل حكومة إسلامية، مثل اضطهاد الرومان الشديد للكنيسة الأرثوذكسية فى مصر، فكانت الشروط العمرية أهون فى بعض الجوانب. وبوجه عام صار وضع اليهود أفضل تحت الحكم الإسلامى من وضعهم أيام الرومان.
            ويتفاوت موقف الإسلاميين المعاصرين بين التشدد والتساهل فى مثل هذه القواعد وتتغير المواقف حسب الظروف كما يميل البعض لإعادة ترتيب الأولويات بحيث يتم تجاهل الأمور غير المؤثرة فى قوة الحركة الإسلامية ولكن ذهب القليلون للغاية لإنتاج فقه جديد أكثر انفتاحا من الناحية المبدئية وليس من ناحية الأولويات التكتيكية.
            سابعا: شروط نقض عهد الذمة:
            أشرنا من قبل إلى مقالة محمد ابن جرير الطبرى نقلا عن ابن تيمية[459] إلى أن الإمام غير ملزم بقبول أهل الذمة فى دار الإسلام مالم تكن للمسلمين مصلحة فى ذلك. ومعنى ذلك أن عقد الذمة اختيارى للمسلمين وإجبارى ل”لكفار”، وهذا رأى هامشى فى الإسلام، فجل الفقهاء يرفضون نقض عهد الذمة إلا لأسباب تتعلق بخروج الذمى عليه. وقد اختلف الفقهاء السنة الأربعة فى هذا الأمر ويمكن تلخيصه مبدئيا كالآتى:
           
            وفقا للأحناف:
            1- إذا تسلح ضد المسلمين، أو انتمى إلى دار الحرب يهدر دمه وماله، بخلاف ذلك يُعاقب على المخالفة لعقد الذمة، عقوبة تناسب ما ارتكبه دون إنهاء العقد نفسه، ويكتفي- كما أشرنا من قبل - فى حالة رفضه دفع الجزية بإلحاقه بدار الحرب، مع أخذ الجزية منه جبراً. وهناك جرائم لا ينتفى بها عقد الذمة ولكن قد تصل عقوبتها للقتل تعزيرا أو للمصلحة مثل التجسس لحساب العدو أو سب الرسول.
            وفقا للشافعية
            1- إذا حمل "الكافر" السلاح ضد المسلمين أو تحالف مع دار الحرب.
            2- امتناع "الكافر" عن الخضوع لقوانين وأحكام الدولة الإسلامية.
            3- امتناعه عن دفع الجزية أو الخراج.
            وفقا للمالكية يضاف إلى شروط الشافعية:
            4- محاولة نشر دينه بين المسلمين.
            5- أن يؤوى جواسيس "الكفار" الأعداء أو يتجسس لصالحهم.
            6- أن يوجه نقدا للإسلام أو للـه أو الرسول.
            وفقا للحنابلة الأكثر تشددا تزداد الشروط، وقد ُشرحت فى كتاب المسائل الفقهية لأبى يَعْلَى الفّراء كالآتى: ” انتقاض عهد الذمى لمخالفة الشروط:
            إذا ترك أهل الذمة شيئاً من الشروط المأخوذة عليهم مما يجب عليهم تركه ولا يعود فعله بضرر المسلمين بل فيه إظهار منكر فى دار الإسلام كأحداث البيع والكنائس ورفع الأصوات بقراءة كتبهم وضرب النواقيس وإطالة البنيان وإظهار الخمر والخنزير وما كان فى معناه من ترك التشبه بالمسلمين فى لبسهم وركوبهم وكناهم وشعورهم فهل ترك هذه الأشياء يوجب نقص عهد الذمة أم لا؟
            قال الخرقى: ومن نقص العهد بمخالفة ما صولحوا عليه حل دمة وماله. فظاهر هذا أن ترك ذلك يوجب نقض العهد على ظاهر حديث عمر  رضى اللـه عنه  وإن ذلك فى شروطه وشرط عليهم أن من خالف شيئاً من ذلك حل ماله ودمه، ولأنه ترك ما شرط عليهم فى عقد الذمة، فنقض العهد كما لو فعل ما يعود بضرر المسلمين، كالاجتماع على قتل المسلمين، والزنا بمسلمة، أو إصابتها باسم النكاح، أو يفتن مسلماً عن دينه، أو قطع عليه الطريق أو آوى للمشركين عيناً أو أعان على المسلمين بدلالة أو قتل مسلماً أو ذكر اللـه تعالى ورسوله وكتابه بسوء فإن هذه تنقض العهد، وعندى أن ما لا ضرر على المسلمين بتركه لا ينقض العهد به شرطاً أو لم يشرط، لأنه لا ضرر على المسلمين فى مال، ولا فيه منافاة الأمان، ولأنه أظهر ما يعتقد، ديناً ومذهباً ويفارق هذا غيره لأن على المسلمين فيه ضرراً وفيه ما ينافى الأمان فلهذا نقض العهد”[460].
            وقدم ابن تيمية كثيرا من المبررات الفقهية لنقض عهد الذمة وفقا لتلك الشروط الحنبلية، من القرآن والحديث فى كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول[461].
            وقد فصلها وبسطها تلميذه ابن القيم كالآتي[462]:
            “قلت لفظ القاضى فى التعليق مسألة إذا امتنع الذمى من بذل الجزية ومن جريان أحكامنا عليهم صار ناقضا للعهد وكذلك إذا فعل ما يجب عليه تركه والكف عنه مما فيه ضرر على المسلمين وآحادهم فى مال أو نفس وهى ثمانية أشياء.
             1– الاجتماع على قتال المسلمين
            2- وألا يزنى بمسلمة
            3 - ولا يصيبها باسم نكاح
            4- ولا يفتن مسلما عن دينه
            5- ولا يقطع عليه الطريق
            6- ولا يؤوى للمشركين عينا
            7- ولا يعاون على المسلمين بدلالة أعنى لا يكاتب المشركين بأخبار المسلمين.
            8- ولا يقتل مسلما.
            وكذلك إذا فعل ما فيه إدخال غضاضة ونقص على الإسلام وهى أربعة أشياء
             1 - ذكر الله
             2 - وكتابه
             3 - ودينه
            4- ورسوله بما لا ينبغى سواء شرط عليهم الإمام أنهم متى فعلوا ذلك كان نقضا لعهدهم أو لم يشرط فى أصح الروايتين. نص عليها فى مواضع فقال فى رواية أحمد ابن سعيد فى الذمى يمنع الجزية إن كان واجدا أكره عليها وأخذت منه وإن لم يعطها ضربت عنقه”.
 
*********
 


[1] سنقصد بالإسلاميين هنا مفكرى الإسلام: "العلماء" والفقهاء والدعاة والمروجين ورجال المنظمات الإسلامية، أى الخاصة من المسلمين المختصين فى العمل الإسلامى العام.
[2] عبد الوهاب المسيرى، العلمانية‏: ‏ نموذج تفسيرى جديد، صحيفة الأهرام، 16-4-2002
[3] قدم عادل حسين نموذجا نقيا لهذه الأطروحة فى كتابه" نحو فكر عربى جديد" وهو يضع أسس ما أسمى بالمشروع الحضارى الإسلامى وبعد أن قرر التحول من الاشتراكية والماركسية إلى المشروع الإسلامى. صادر عن دار المستقبل العربى، 1986.
[4] قال أرسطو: لكن بين البرابرة لم يحدث تمايز بين الإناث والعبيد لأن القانون الطبيعى لم يميزهم، ومن ثم فهم شعوب من العبيد ككل رجالا ونساء ولذا قال الشاعر: بما أنهم كذلك.. عبيد برجالهم ونسائهم يكون من الطبيعى أن يحكم الإغريق البرابرة". كتاب السياسة، ترجمه إلى الانجليزية، بنيامين جويت، الكتاب الأول، 2،
 http: //eserver.org/philosophy/aristotle/metaphysics.tx
[5] عرض هذه الفكرة تفصيلا Lawrence J. Epstein، فى كتابه" THE THEORY AND PRACTICE OF WELCOMING CONVERTS TO JUDAISM: JEWISH UNIVERSALISM،
href="http://bookshop.blackwell.co.uk/bobuk/scripts/display_product_info.jsp?BV_SessionID=@@@@0430954121.1130522980@@@@&BV_EngineID=cccdaddgdhkehmjcefeceegdfigdffo.0&productid=0773494936" target="_blank" http://bookshop.blackwell.co.uk/bobuk/scripts/display_product_info.jsp?BV_SessionID=@@@@0430954121.1130522980@@@@&BV_EngineID=cccdaddgdhkehmjcefeceegdfigdffo.0&p" class="aEml">class="aLink">http://bookshop.blackwell.co.uk/bobuk/scripts/display_product_info.jsp?BV_SessionID=@@@@0430954121.1130522980@@@@&BV_EngineID=cccdaddgdhkehmjcefeceegdfigdffo.0&productid=0773494936
[6] يُقصد السنة النبوية شاملة السنة العملية والأحاديث، ولدى معظم فقهاء السنة يُقصد أيضا سنة الخلفاء "الراشدين" وفقا لحديث ينص على ذلك: عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحْدَثَات الأمور، فإن كُلَّ مُحدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالة- مسند احمد: 16817 وتُضاف سنة الصحابة والتابعين.
 [7] الإجماع فى الفقه الإسلامى السنى والشيعى يستند إلى نص مقدس لا إلى آراء الناس، فيظل تابعا للقرآن والسنة ولا يُعتبر رأى المسلمين ولو اجتمعوا مشروعا أو مصدرا للتشريع إلا إذا استند إلى النص المقدس.يقول الشيخ جعفر السبحانى: ف"الاِجماع بما هو إجماع ليس من أدوات التشريع ومصادره وانّ حجّيته تكمن فى كشفه عن الحكم الواقعى المكتوب على الناس قبل إجماع المجتهدين وبعده "، مصادر الفقه الإسلامى ومنابعه عند الفريقين، ص 138،
 http: //www.alhikmeh.com/arabic/mktba/fqh/masader-1/fhrs.htm
 [8]التعددية.. معضلة العقل السياسى العربى،
 http: //www.balagh.com/islam/2q0oq9hr.htm
[9] الدكتور على محمد جريشة، المصلحة المرسلة - محاولة لبسطها ونظرة فيها، http: //www.iu.edu.sa/Magazine/39/6.htm
مما قال الطوفى: "أن المصلحة هى المقصد الأسمى للشارع ويجب الأخذ بها إذا حدث تعارض ما بين المصلحة والنصّ. لا من باب الافتيات على النصّ، ولكن من باب تأويله ولا يقال إن الشرع أعلم بمصالحهم فلتؤخذ من أدلّته لأننا قرّرنا أن رعاية المصلحة من خصائص الشرع وهى أقواها وأخصّها فنقدّمها فى تحصيل المصالح"، نقلا عن جمال البنا فى: هل يمكن تطبيق الشريعة ؟الفصل السادس، http: //www.islamiccall.org/sharia_A-index.htm
[10] نحو فقه جديد، الجزء الثانى، ص 3، دار الفكر الإسلامى، القاهرة، 1995.وهو رغم كثرة كلامه عن العقل وأهميته لم يمنحه فى الحقيقة الدور الذى يبدو من جعله له ذو أولوية على القرآن، فما يُفهم منه أنه يريد أن يكون التعامل مع النص المقدس أكثر معقولية أو أقل لاعقلانية، بعدم التعامل مع الأحاديث الضعيفة وبضبط الحديث بالقرآن وتفادى المتناقضات فى تناولهما..إلخ، بل يذهب البنا مذهبا أقل عقلانية من السلف حين ينفى أى دور للعقل فى العقيدة معتبرا أن القلب أو الوجدان هو الأصل الأول فى العقيدة (ص 195) .
[11] يرفض القياس والرأى على أساس أن القرآن به كل شيء مستندا لآيات منها: "ما فرطنا فى الكتاب من شيء"، "تبيانا لكل شيء" وغيرها، المحلى، 100،
 http: //saaid.net/book/open.php?cat=4&book=1224
[12] الشيخ جعفر السبحانى، مصادر الفقه الإسلامى ومنابعه عند الفريقين، ص ص 9-10، سبق ذكره.و هو يصف دور العقل كالآتى: "فقه الشيعة قائم على حجية العقل القطعى الذى لا يشوبه شك، وهو منحصر بباب التحسين والتقبيح العقليين أو الملازمات القطعية أو المصالح والمفاسد النوعيتين الواضحتين.وأما العمل بالقياس والاستحسان والمصالح والمفاسد المستنبطة بالعقل، فهو عمل بالعقل الظنى ولا يركن إليه ولا يصح نسبة نتائج هذه الاَدلة إلى اللـه سبحانه"- ص 179.
[13] حلل هذه الظاهرة عادل العمرى، وضع الانتليجينسيا فى البناء الاجتماعى المصرى الحديث، http: //www.rezgar.com/m.asp?i=244
[14] نصر حامد أبو زيد، ضرورة تجديد الخطاب العربى النسوى، الحوار المتمدنwww.rezgar.com-العدد: 951–9/9/2004، http: //www.wluml.org/arabic/newsfulltxt.shtml?cmd%5B157%5D=x-157-86832
[15] الحيوان، الجزء الأول، ص10،
 http: //www.alwaraq.net/index2.htm?i=16&page=1
[16] حسب " لسان العرب": عجم: العجم والعجم: خلاف العرب والعرب، يعتقب هذان المثالان كثيراً، يقال عجمى وجمعه عجم، وخلافه عربى وجمعه عرب، ورجل أعجم وقوم أعجم؛ والعجم: جمع الأعجم الذى لا يفصح. يقال: هؤلاء العجم والعرب أفصح أو لم يفصح.
قال الأزهرى: ومعناه أن اللـه عزوجل قال: {ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته} عربيةً مفصلة الآى كأن التفصيل للسان العرب
وأعجمت الكتاب: ذهبت به إلى العجمة، وقالوا: حروف المعجم فأضافوا الحروف إلى المعجم، فإن سأل سائل فقال: ما معنى حروف المعجم؟ هل المعجم صفة لحروفٍ أو غير وصف لها؟ فالجواب أن المعجم من قولنا حروف المعجم لا يجوز أن يكون صفة لحروفٍ هذه من وجهين: أحدهما أن حروفاً لو كانت غير مضافة إلى المعجم لكانت نكرة والمعجم كما ترى معرفة ومحال وصف النكرة بالمعرفة، والآخر أن الحروف مضافة ومحال إضافة الموصوف إلى صفته، والعلة فى امتناع ذلك أن الصفة هى الموصوف على قول النحويين فى المعنى، وإضافة الشيء إلى نفسه غير جائزة، وإذا كانت الصفة هى الموصوف عندهم فى المعنى لم تجز إضافة الحروف إلى المعجم، لأنه غير مستقيم إضافة الشيء إلى نفسه، قال: وإنما امتنع من قبل أن الغرض فى الإضافة إنما هو التخصيص والتعريف.
والأعجم: الأخرس. والعجماء والمستعجم: كل بهيمةٍ. وفى الحديث: العجماء جرحها جبار أى لا دية فيه ولا قود؛ أراد بالعجماء البهيمة، سميت عجماء لأنها لا تتكلم، قال: وكل من لا يقدر على الكلام فهو أعجم ومستعجم. ومنه الحديث: بعدد كل فصيح وأعجم؛ قيل: أراد بعدد كل آدمى وبهيمةٍ، ومعنى قوله العجماء جرحها جبار أى البهيمة تنفلت فتصيب إنساناً فى انفلاتها، فذلك هدر، وهو معنى الجبار. ويقال: قرأ فلان فاستعجم عليه ما يقرؤه إذا التبس عليه فلم يتهيأ له أن يمضى فيه. وصلاة النهار عجماء لإخفاء القراءة فيها، ومعناه أنه لا يسمع فيها قراءة.
واستعجمت على المصلى قراءته إذا لم تحضره. واستعجم الرجل: سكت. واستعجمت عليه قراءته: انقطعت فلم يقدر على القراءة من نعاس.
والعجمات: الصخور الصلاب. وعجم الذنب وعجمه جميعاً: عجبه، وهو أصله، وهو العصعص، وزعم اللحيانى أن ميمهما بدل من الباء فى عجبٍ وعجب. والأعجم من الموج: الذى لا يتنفس أى لا ينضح الماء ولا يسمع له صوت. وباب معجم أى مقفل.
[17]مرعى ابن يوسف الحنبلى المقدسى أو مرعى الكرمى، مسبوك الذهب فى فضل العرب وشرف العلم على شرف النسب،
http: //www.almeshkat.net/books/list.php?cat=18&PHPSESSID=66fb86448405e11b64aa9fccfec863f6 و
http: //www.geocities.com/alamid1970/msbok.htm
[18] مرعى الكرمى، نفسه.
[19] مرعى الكرمى، نفسه.
[20]هذه المسألة تناولها الكثيرون من القدامى والمحدثين، وتوسع جمال البنا فى وصفها وهو من المستنيرين فأبرز أهمية هذه الظاهرة وحللها.انظر: نحو فقه جديد، الباب الثانى، الفصل السابع، فهم الخطاب القرآنى كما يجب أن يكون، ص 154، سبق ذكره.
[21] تعريف البلاغة حسب ما جاء فى معجم مقاييس اللغة لأبى الحسين أحمد ابن فارس ابن زكريا:
 " (بلغ) الباء واللام والغين أصل واحد وهو الوصول إلى الشيء. تقول بلغت المكان، إذا وصلت إليه. وقد تسمى المشارفة بلوغاً بحق المقاربة. قال اللـه تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروفٍ}) الطلاق 2 (. ومن هذا الباب قولهم هو أحمق بلغ وبلغ، أى إنه مع حماقته يبلغ ما يريده. والبلغة ما يتبلغ به من عيشٍ، كأنه يراد أنه يبلغ رتبة المكثر إذا رضى وقنع، وكذلك البلاغة التى يمدح بها الفصيح اللسان، لأنه يبلغ بها ما يريده، ولى فى هذا بلاغ أى كفاية. وقولهم بلغ الفارس، يراد به أنه يمد يده بعنان فرسه، ليزيد فى عدوه. وقولهم تبلغت القلة بفلانٍ، إذا اشتدت، فلأنه تناهيها به، وبلوغها الغاية". الجزء الأول،
 http: //www.almeshkat.net/books/open.php?cat=16&book=758&PHPSESSID=66fb86448405e11b64aa9fccfec863f6
[22] فسر ابن كثير الآية السابقة: {أوحينا إليك قرآناً عربياً} أى واضحاً جلياً بيناً. وقد أقر جل المفسرين (ابن كثير والبغوى.. وغيرهما) أن المقصود ب " ما حولها " كل البلاد العربية وغير العربية.
[23] اقتضاء الصراط المستقيم،
http: //www.almeshkat.net/books/open.php?cat=25&book=560&PHPSESSID=66fb86448405e11b64aa9fccfec863f6
[24] الشيخ مرعى ابن يوسف الكرمى، "مسبوك الذهب، فى فضل العرب، وشرف العلم على شرف النسب"، سبق ذكره.
[25] كتاب العقيدة،
http: //www.almeshkat.net/books/archive/books/ahmed1.zip
 [26] نقلا عن: على ابن برهان الدين الحلبى، السيرة الحلبية فى سيرة الأمين المأمون، جزء 1 ص 44،
http: //arabic.islamicweb.com/Books/seerah.asp?book=3
[27] http: //www.almeshkat.net/books/open.php?cat=8&book=60&PHPSESSID=66fb86448405e11b64aa9fccfec863f6
[28] الحاكم النيسابورى، معرفة علوم الحديث، 118.
[29] أبو بكر الصديق، هو عبد اللـه ابن عثمان ابن عامر ابن عمرو ابن كعب ابن سعد القرشى التميمى - عمر ابن الخطاب ابن نفيل ابن عبد العزى ابن رياح ابن قرط القرشى العدوى - عثمان ابن عفان ابن أبى العاص ابن أمية ابن عبد شمس ابن عبد مناف الأموى - على ابن أبى طالب ابن عبد المطلب ابن هاشم ابن عبد مناف القرشى الهاشمى - الزبير ابن العوام ابن خويلد ابن أسد ابن عبد العزى ابن قصى ابن كلاب - سعد ابن مالك ابن وهيب ابن عبد مناف ابن زهرة القرشى الزهرى - أبو عبيدة ابن الجراح، هو عامر ابن عبد اللـه ابن الجراح ابن هلال ابن ضبة ابن الحارث ابن فهر، من كنانة - طلحة ابن عبيد اللـه ابن عثمان ابن عمرو ابن كعب ابن سعد القرشى التميمى - عبد الرحمن ابن عوف أحد الثمانية السابقين الى الإسلام - سعيد ابن زيد ابن عمرو ابن نفيل العدوى القرشى.
 [30] ابن حجر العسقلانى، الإصابة فى تمييز الصحابة:) 7761 (: " محمد ابن الأسود ابن خلف ابن عبد يغوث القرشى قال البغوى ذكره بعضهم فى الصحابة ووجدته يروى عن أبيه وقال البخارى روى ابن خيثم عن أبى الزبير عن محمد ابن الأسود ابن خلف عن النبى صلى اللـه عليه وسلم فى قريش انتهى وكأنه أشار إلى ما أخرجه الباوردى من هذا الوجه عنه عن النبى صلى اللـه عليه وسلم أنه مر على عثمان ابن عيد اللـه التيمى مقبلا فقال لعنه اللـه إنه كان يبغض قريشا وقد تقدم ذكر أبيه وروايته عنه".
 http: //www.almeshkat.net/books/open.php?cat=12&book=213
[31] مروى عن الحافظ ابن تيمية من طرقٍ معروفة إلى محمد ابن إسحاق الصاغانى بإسناده إلى ابن عمر عن النبى. الشيخ مرعى ابن يوسف الكرمى، "مسبوك الذهب، فى فضل العرب، وشرف العلم على شرف النسب"، سبق ذكره.
[32] تناول أبو عبد اللـه الذهبى هذه القضية بالتفصيل فى: هل القرشية شرط فى الإمامة ؟ معتمدا على النصوص المقدسة وغيرها،
 http: //saaid.net/book/open.php?cat=8&book=416
[33] استعرض محمد ابن حبيب ابن أمية ابن عمرو، البغدادى، أبو جعفر فضائل قريش من الأحاديث النبوية وغيرها بالتفصيل فى كتاب: المنمق من أخبار قريش،
www.al-eman.com/islamlib/viewtoc.asp?BID=225
[34] الإمام محيى الدين النووى، المجموع شرح المهذب، 165
http: //www.almeshkat.net/books/archive/books/almohdab.zip
[35] الإحكام فى أصول الأحكام،
http: //www.almeshkat.net/books/list.php?cat=11&PHPSESSID=66fb86448405e11b64aa9fccfec863f6
[36] رسائل الإمام حسن البنا، دعوتنا
 http: //saaid.net/book/open.php?cat=8&book=1688
[37] ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، الباب الخامس، الفصل الثانى، زعامة العالم العربي
http: //saaid.net/book/open.php?cat=83&book=1911
[38] الإسلام والنظريات الاقتصادية المعاصرة (بالإنجليزية) ، إهداء، http: //www.witness-pioneer.org/vil/Books/MF_ICIT/Default.htm
[39] فى الحديث: "حدثنَا عبد ابن حميد حدثَنا عبد الرزاق أَخبَرَنَا شَيخ من أَهل الْمدينَة عن العلاَء ابن عبد الرحمن عَن أَبيه عَن أَبى هريرةَ قَال تَلا رسول اللـه - صلى اللـه عليه وسلم- يوما هذه الآيةَ "وإن تَتَولوا يستبدل قَوما غَيركم ثم لا يكونوا أَمثالَكم" قَالوا ومن يستبدل بنَا قَال فَضرب رسول اللـه -صلى اللـه عليه وآله وسلم- عَلَى منكب سلمان ثم قَال « هذَا وقومه هَذَا وقَومه" – سنن الترمذي3883
[40] جزيرة العرب بين التشريف والتكليف، مشاركة أ.د ناصر ابن سليمان العمرالمشرف العام على موقع المسلم http://www.almoslim.net
ضمن أوراق البعد الرسالى لمجلس التعاون الخليجى، http: //saaid.net/Warathah/alaomar/o30.zip
[41] ذكر فى عدد كبير من الأحاديث، منها 3137 فى صحيح البخارى.وشُرحت تفاصيل التفاصيل فى: أخبار مكة وما جاء فيها من الأثار، الأزرقى، الجزء الأول، http: //www.saaid.net/book/4/795.zip
[42] صحيح البخارى (3099):  حدثنا محمد حدثنا ابن عيينة عن سليمان ابن أبى مسلمٍ الأحول سمع سعيد ابن جبيرٍ سمع ابن عباس رضى اللـه عنهما يقول: «يوم الخميس وما يوم الخميس. ثم بكى حتى بل دمعه الحصى. قلت: يا ابن عباسٍ ما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم وجعه فقال: ائتونى بكتفٍ أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً. فتنازعوا. ولا ينبغى عند نبى تنازع. فقالوا: ما له؟ أهجر؟ استفهموه. فقال: ذرونى، فالذى أنا فيه خير مما تدعونى إليه. فأمرهم بثلاث قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، والثالثة إما أن سكت عنها، وإما أن قالها فنسيتها». قال سفيان: هذا من قول سليمان.
[43] جزيرة العرب بين التشريف والتكليف، سبق ذكره.
[44] مثال واقعى: نشرت صحيفة "الشرق الأوسط" فى عددها الصادر فى 31 يناير 2006 الموافق أول محرم هجرى أن فندق انتركونتننتال بمكة - وهو يقع ضمن نطاق المنطقة المحرمة على غير المسلمين- قد استقبل فريقا لكرة القدم (الأنصار) ضمن أعضائه 5 لاعبين غير مسلمين.وان قوات الأمن قد تدخلت بالأمر وبدأت التحقيقات وكان هم كل طرف أن ينفى مسئوليته (إدارة الفندق ومدير الكرة بالنادى نفسه والشرطة) وتم إخراج اللاعبين ونقلهم للإقامة فى جدة، وقد شارك أعضاء من الفريق الرياضى نفسه فى الإدانة وإظهار الغضب.
[45]، وهو الحديث الذي- وفقا لرواية ابن كثير- احتج به أبو بكر ليتولى الخلافة بعد وفاة محمد وفى اجتماع سقيفة بنى ساعدة، ابن كثير، البداية والنهاية، ‏‏ج5، ص‏268‏‏،، http: //www.al-eman.com/Islamlib/viewtoc.asp?BID=251. قال ابن كثيرمسندا كلامه إلى الإمام أحمد: " قال‏: ‏ فانطلق أبو بكر وعمر يتعادان حتَّى أتوهم، فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئاً أنزل فى الأنصار، ولا ذكره رسول اللـه من شأنهم إلا ذكره وقال‏: ‏ لقد علمتم أن رسول اللـه صلَّى اللـه عليه وسلَّم قال‏: ‏ ‏‏لو سلك النَّاس وادياً وسلكت الأنصار وادياً، سلكت وادى الأنصار‏‏ ولقد علمت يا سعد أن رسول اللـه صلَّى اللـه عليه وسلَّم قال وأنت قاعد‏: ‏ ‏ (‏‏ (‏قريش ولاة هذا الأمر فبر النَّاس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم‏‏‏".‏ وهو ما أنكرته كافة المراجع الإسلامية الأخرى الهامة من سنية وشيعية.
[46] ابن القيم، أحكام أهل الذمة، 60،   http: //www.manaressabil.com/downkout.htm
[47] تناول ابن القيم الجوزية مزايا مكة عن سائر الأرض بالتفصيل فى كتابه الكبير: زاد المعاد فى هدى خير العباد، الجزء الأول. http: //saaid.net/book/open.php?cat=94&book=779
[48] تأليف أبى الفضل السيد أبو المعاطى النورى:
 عن أبى نضرة حدثنى من سمع خطبة رسول اللـه صلعم فى وسط أيام التشريق فقال:
 ( (يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربى على أعجمى ولا لعجمى على عربى ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى أبلغت. قالوا بلغ رسول اللـه صلعم ثم قال أى يومٍ هذا. قالوا يوم حرام. ثم قال أى شهرٍ هذا. قالوا شهر حرام. قال ثم قال أى بلدٍ هذا. قالوا بلد حرام. قال فإن اللـه قد حرم بينكم دماءكم وأموالكم. قال ولا أدرى قال أو أعراضكم أم لا كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا أبلغت. قالوا بلغ رسول اللـه صلعم. قال ليبلغ الشاهد الغائب.) ) .
أخرجه أحمد 5/411 قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا سعيد الجريرى، عن أبى نضرة، فذكره.
 http: //www.almeshkat.net/books/open.php?cat=8&book=380&PHPSESSID=66fb86448405e11b64aa9fccfec863f6
                        [49]   حلل هذه القضية بالتفصيل د.جواد علي،المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام،الفصل 133 ،  http: //ladeeni.net/pn/Downloads-index-req-viewdownload-cid-2-orderby-dateA.html.
[50] رسالة التوحيد، تحقيق محمود أبو رية، الطبعة السادسة، ص 52، دار المعارف بالقاهرة، رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: 3961 / 2003.
[51] القراءات السبع أو العشر قُتلت بحثا على مر تاريخ الإسلام والمؤكد أنه كانت توجد مصاحف عديدة تختلف فيما بينها لفظا وقد أحرقها عثمان ابن عفان. من المصادر أبو عمرو الدانى، الأحرف السبعة،  http: //tafsir.org/books/open.php?cat=9.&book=887
 الحجة فى القراءات السبع المنسوب لابن خالويه،  http: //www.almeshkat.net/books/archive/books/ebn%20kalwh.zip
ابن خلف المقرئ، العنوان فى القراءات السبع، http: //www.almaktba.com/index.php?cid=23
محمد بن محمود حوا، المدخل إلى علم القراءات، http: //www.quraat.com/download/doc13.doc
وممن يرفضون أصلا وجود "قراءات" مختلفة كتاب بدون اسم مؤلف بعنوان: القراءات المختلقة وقراؤها، http: //www.jawaher-kotob.com/down/index.php&eintrag=24
[52] المصادر عديدة من قواميس وكتب الحديث وتفاسيرها وتفاسير القرآن وغيرها.حلل المسألة الكلبى (: محمد ابن السائب ابن بِشْر ابن عَمْرو ابن عبد الحارث ابن عبد العُزَّى، الكَلْبِى، الكوفى، أبوالنضر) فى كتاب "الأصنام"،
 http: //www.al-eman.com/Islamlib/viewtoc.asp?BID=207، وكذلك جواد على فى: المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام، الفصل الخامس والسبعون: الحنفاء،سبق ذكره.
[53] نورد هنا كمثال شرح " عون المعبود"، كتاب السنة، باب فى ذرارى المشركين: (كل مولود): أى من بنى آدم (يولد على الفطرة): اختلف السلف فى المراد بالفطرة على أقوال كثيرة، وأشهر الأقوال أن المراد بالفطرة الإسلام. قال ابن عبد البر: وهو المعروف عند عامة السلف (يهودانه): أى يعلمانه اليهودية ويجعلانه يهودياً (وينصرانه): أى يعلمانه النصرانية ويجعلانه نصرانياً (كما تناتج الإبل): أى تلد (جمعاء): أى سليمة الأعضاء كاملتها (هل تحس): بضم التاء وكسر الحاء وقيل بفتح التاء وضم الحاء أى هل تدرك. قال الطيبى: هو فى موضع الحال أى سليمة مقولاً فى حقها ذلك (فى جدعاء) أى مقطوعة الأذن. والمعنى أن البهيمة أول ما تولد تكون سليمة من الجدع غير ذلك من العيوب حتى يحدث فيها أربابها النقائص، كذلك الطفل يولد على الفطرة ولو ترك عليها لسلم من الآفات إلا أن والديه يزينان له "الكفر" ويحملانه عليه قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم بمعناه من حديث أبى سلمة ابن عبد الرحمٰن عن أبى هريرة (إن أهل الأهواء): المراد بهم ها هنا القدرية (قال مالك احتج): بصيغة الأمر من الاحتجاج (عليهم): أى على أهل الأهواء (بآخره): أى بآخر الحديث (قالوا أرأيت الخ): هذا بيان آخر الحديث.
قال ابن القيم: سبب اختلاف العلماء فى معنى الفطرة فى هذا الحديث أن القدرية كانوا يحتجون به على أن "الكفر" والمعصية ليسا بقضاء اللـه بل مما ابتدأ الناس إحداثه، فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم بتأويل الفطرة على غير معنى الإسلام، ولا حاجة لذلك، لأن الآثار المنقولة عن السلف تدل على أنهم لم يفهموا من لفظ الفطرة إلا الإسلام ولا يلزم من حملها على ذلك موافقة مذهب القدرية، لأن قوله فأبواه يهودانه الخ محمول على ذلك يقع بتقدير اللـه تعالى، ومن ثم احتج عليهم مالك بقوله فى آخر الحديث « اللـه أعلم بما كانوا عاملين».
[54] حسب مختار الصحاح: ض ل ل * * ضل * الشيء ضاع وهلك يضل بالكسر * ضلالا * و* الضالة * ما ضل من البهيمة للذكر والأنثى وأرض * مضلة * بفتح الضاد وكسرها وفتح الميم فيهما أى يضل فى الطريق وفلان يلومنى * ضلة * إذا لم يوفق للرشاد فى عذله ورجل * ضليل * و* مضلل * أى ضال جدا و* الضلال * ضد الرشاد وقد * ضل * يضل بالكسر * ضلالا * و* ضلالة
[55] القاموس المحيط: غوى ويغوى غيا، وغوى غوايةً، ولا يكسر، فهو غاوٍ وغوى وغيان: ضل، وغواه غيره وأغواه وغواه. و{يتبعهم الغاوون}، أى: الشياطين، أو من ضل من الناس، أو الذين يحبون الشاعر إذا هجا قوماً، أو محبوه لمدحه إياهم بما ليس فيهم
[56] الدكتور سفر ابن عبد الرحمن الحوالى، منهج الأشاعرة فى العقيدة،
http: //www.almeshkat.net/books/open.php?cat=21&book=548&PHPSESSID=66fb86448405e11b64aa9fccfec863f6
[57] طرح هذه الفروق عدد من الكتاب المسلمين، منهم عبد القاهر ابن طاهر ابن محمد البغدادى، فى كتاب: الفرق بين الفرق،
http: //www.almeshkat.net/books/open.php?cat=21&book=1088&PHPSESSID=66fb86448405e11b64aa9fccfec863f6
[58] جاء فى صحيح البخاري50:  حدثنا مسدد قال: حدثنا إسماعيل ابن إبراهيم أخبرنا أبو حيان التيمى عن أبى زرعة عن أبى هريرة قال: «كان النبى صلى اللـه عليه وسلم بارزاً يوماً للناس، فأتاه جبريل فقال: ما الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وبلقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث». قال: ما الإسلام؟ قال: «الإسلام: أن تعبد اللـه ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤدى الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان». قال: ما الإحسان؟ قال: «أن تعبد اللـه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». قال: متى الساعة؟ قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها؛ وإذا تطاول رعاة الإبل البهم فى البنيان، فى خمس لا يعلمهن إلا الله». ثم تلا النبى صلى اللـه عليه وسلم: {إن اللـه عنده علم الساعة} الآية. ثم أدبر. فقال «ردوه». فلم يروا شيئاً. فقال: «هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم». قال أبو عبد الله: جعل ذلك كله من الإيمان»
[59] الفقه الأكبر لأبى حنيفة النعمان، 63، 67، http://www.ummah.net
[60] فى محاولة مضنية لتخفيف عمق التقسيم الإسلامى للبشر إلى مسلمين و"كفار" لجأ محمد سعيد العشماوى إلى البحث عن ما اعتبره المعنى الحقيقى للإسلام وللإيمان معتبرا كل أصحاب الأديان "السماوية" مسلمين وقاصرا مفهوم الإيمان على أتباع محمد، وهى محاولة غير كاملة- فى رأينا- لجعل الإسلام أكثر مرونة مع أهل الكتاب. جوهر الإسلام، الطبعة الثالثة، الانتشار العربى، بيروت، لبنان. بينما كان أحمد صبحى منصور أكثر جرأة فقدم تعريفين للمسلم :تعريف سلوكى يقر بأن المسلم هو المسالم وتعريف عقيدى يقول بأن المسلم هو المنقاد لله وحده (الإسلام دين السلام،http://www.metransparent.com/texts/ahmad_sobhi_mansour_text/ahmed_sobhi_mansour_peaceful_islam.htm
.
[61] عرفه الزمخشرى كالآتى:
"ك ف ر كفر الشيء وكفره‏: ‏ غطاه يقال‏: ‏ كفر السحاب السماء وكفر المتاع فى الوعاء وكفر الليل بظلامه وليل كافر"‏.‏
ولبس كافر الدروع وهو ثوب يلبس فوقها‏.‏
وكفرت الريح الرسم والفلاح الحب ومنه قيل للزراع‏: ‏ الكفار‏.‏
وفارس مكفر ومتكفر وكفر نفسه بالسلاح وتكفر به‏.‏
وطائر مكفر‏: ‏ مغطى بالريش‏.‏
ورجل مكفر وهو المحسان الذى لا تشكر نعمته‏.‏
وإذا أمر الرجل بعمل فعمله على خلاف ما أمر به قالوا‏: ‏ مكفور يا فلان عنيت وآذيت أى عملك مكفور لا تحمد عليه لإفسادك له"‏‏. أساس البلاغة http: //www.al-eman.com/Islamlib/viewtoc.asp?BID=211
 وفى قاموس" المغرب فى ترتيب المعرب" للمطرزى: (الكفر‏) ‏ فى الأصل الستر يقال كفره وكفره إذا ستره ‏ (‏ومنه‏) ‏ الحديث فى ذكر الجهاد هل ذلك مكفر عنه خطاياه يعنى هل يكفر القتل فى سبيل اللـه ذنوبه فقال ‏[‏نعم إلا الدين‏]‏ أى إلا ذنب الدين فإنه لا بد من قضائه والكفارة منه لأنها تكفر الذنب ‏ (‏ومنها‏) ‏ كفر عن يمينه وأما كفر يمينه فعامى ‏ (‏والكافور‏) ‏ و‏ (‏"الكفر"ي‏) ‏ بضم الكاف وفتح الفاء وتشديد الراء كم النخل لأنه يستر ما فى جوفه ‏ (‏و"الكفر"‏) ‏ اسم شرعى ومأخذه من هذا أيضًا ‏ (‏وأكفره‏) ‏ دعاه كافرًا ‏ (‏ومنه‏) ‏ لا تكفر أهل قبلتك وأما لا تكفروا أهل قبلتكم فغير ثبتٍ روايةً وإن كان جائزًا لغةً قال الكميت يخاطب أهل البيت وكان شيعيا وطائفة قد أكفرونى بحبكم وطائفة قالوا مسيء ومذنب ويقال أكفر فلانًا صاحبه إذا ألجأه بسوء المعاملة إلى العصيان بعد الطاعة ‏ (‏ومنه‏) ‏ حديث عمر - رضى اللـه عنه - ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم يريد فتوقعوهم فى "الكفر" لأنهم ربما ارتدوا عن الإسلام إذا منعوا الحق ‏ (‏وكافرني‏) ‏ حقى جحده ‏ (‏ومنه‏) ‏ قول عامرٍ إذا أقر عند القاضى بشيءٍ ثم كافر ‏ (‏وأما‏) ‏ قول محمدٍ - رحمه اللـه - رجل له على آخر دين فكافره به سنين فكأنه ضمنه معنى المماطلة فعداه تعديته ‏ (‏وقوله‏) ‏ - صلى اللـه عليه وسلم - ‏[‏إذا أصبح ابن آدم كفرت جميع أعضائه للقلب‏]‏ فالصواب اللسان أى تواضعت من تكفير الذمى والعلج للملك وهو أن يطأطئ رأسه وينحنى واضعًا يده على صدره تعظيمًا له ولفظ الحديث لأبى سعيدٍ الخدرى موقوفًا كما قرأته فى الفائق ‏[‏إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر للسان‏]‏ الحديث ‏ (‏و"الكفر"‏) ‏ القرية ‏ (‏ومنه‏) ‏ قول معاوية أهل الكفور هم أهل القبور والمعنى أن سكان القرى بمنزلة الموتى لا يشاهدون الأمصار والجمع ‏ (‏ولا نكفرك‏) ‏ فى ‏ (‏ق ن‏)‏‏.‏ http: //www.al-eman.com/Islamlib/viewtoc.asp?BID=390          
وفى لسان العرب: كفر: الكفر: نقيض الإيمان، آمنا بالله وكفرنا بالطاغوت؛ كفر بالله يكفر كفراً وكفوراً وكفراناً. ويقال لأهل دار الحرب: قد كفروا أى عصوا وامتنعوا.
والكفر: كفر النعمة، وهو نقيض الشكر. والكفر: جحود النعمة، وهو ضد الشكر. وقوله تعالى: {إنا بكل كافرون}؛ أى جاحدون. وكفر نعمة اللـه يكفرها كفوراً وكفراناً وكفر بها: جحدها وسترها. وكافره حقه: جحده. ورجل مكفر: مجحود النعمة مع إحسانه. ورجل كافر: جاحد لأنعم اللـه، مشتق من الستر، وقيل: لأنه مغطى على قلبه.
[62] قال الطبرى فيها: "وفق هؤلاء للإيمان به والعمل بطاعته فكانوا مؤمنين، وخذل هؤلاء فحرمهم توفيقه فكانوا كافرين" (جامع البيان عن تأويل آى القرآن) ، وقال الفخر الرازى فى تفسيره للآية فى مفاتيح الغيب: " اعلم أنه تعالى لما كلف القوم بالوفاء بالعهد وتحريم نقضه، أتبعه ببيان أنه تعالى قادر على أن يجمعهم على هذا الوفاء وعلى سائر أبواب الأيمان، ولكنه سبحانه بحكم الإلهية يضل من يشاء ويهدى من يشاء"، فالمشيئة هنا تتعلق بالله كما فهم أغلب المفسرين ويستثنى القليل جدا منهم الشيخ الشعراوى الذى فسرها على أن اللـه يهدى العبد الذى يريد الهداية وبتعبيره: " يحكم على هذا من خلال عمله بالضلال، ويحكم على هذا من خلال عمله بالهداية، مثل ما يحدث عندنا فى لجان الامتحان، فلا نقول: اللجنة أنجحت فلاناً وأرسبت فلاناً، فليست هذه مهمتها، بل مهمتها أن تنظر أوراق الإجابة، ومن خلالها تحكم اللجنة بنجاح هذا وإخفاق ذاك". http: //www.nourallah.com/tafseer.asp?SoraID=5&AyaOrder=93
[63] فى ظلال القرآن، سورة النحل،  http: //saaid.net/book/open.php?cat=2&book=1655
[64] العلاقة بين الإرادة البشرية والإلهية فى الفكر الإسلامى غير محسومة عموما وهناك أقوال كثيرة أشهرها "القدرية"لدى المعتزلة (الإنسان هو الذى يختار أفعاله) والجبرية لدى الجهمية (الله هو الذى يحدد أفعال الإنسان) وموقف الأشاعرة الوسطى (الله هو الذى يمنح الإنسان حرية الاختيارغير المستقلة مع ذلك عن إرادة الله) وكثيرا ما يتكلم بعض الأشاعرة وبعض السنة بمنطق الآخر وكثيرا ما تطرح آراء متضاربة من جانب الكاتب نفسه.
[65] اتفق جل المفسرين (الطبرى، السعدى، ابن كثير، القرطبى، البغوى،..الخ) على أن "من" هنا هو اللـه، فهو يعذب ويرحم كيفما شاء، أى كيفما شاء الله: فيعذب بعدله ويغفر برحمته. وقد تكررت "يعذب من يشاء" باللفظ بالمعنى فى سور عديدة.
[66] رسالة إلى أهل البحرين فى رؤية الكفار ربهم،
 http: //www.almeshkat.net/books/open.php?cat=25&book=904&PHPSESSID=66fb86448405e11b64aa9fccfec863f6
 [67] أصول فخر الإسلام، ج2، ص 310،
http: //www.almeshkat.com/books/open.php?cat=36&book=2445
[68] زعم – مثلا- محمد عمارة فى حديث على إحدى القنوات الفضائية أن الإسلام يعترف بالآخر بينما الآخر لا يعترف به، فالأول يعترف بموسى وعيسى بينما الأخرين لا يعترفون بالنبى محمد!! والسؤال الآن: هل تعترف بأن الأخرين ليس "فى قلوبهم مرض" ولم يحرفوا كتبهم وليسوا كفارا وليسوا أعداء للإسلام لمجرد أنهم ينكرونه؟ والأهم هل تعترف بأنهم مجرد أناس يختلفون فكريا مع أمثالك؟ وهل تعترف أنت بالملحدين وهم نسبة كبيرة من البشر؟ باختصار الآخر فى الإسلام هو "الكافر"..فهل يعترف الإسلام ب"الكافر" كمجرد مختلف وبشرعية اختلافه؟؟ بالطبع لا.ولا نقصد هنا النص المقدس بل كل الفكر الإسلامى بكافة مدارسه (عدا أفراد قلائل للغاية) ولكن اعتاد الإسلاميون أن يطلقوا على أفكارهم وخطاباتهم المعلنة أسماء لا علاقة لها بمحتواها أو حتى عكسه، للتقية والخداع.
[69] حتى آداب وعادات الإسلام فطرة!! ففى البخارى 5755: حدثنا على حدثنا سفيان قال الزهرى: حدثنا عن سعيد ابن المسيب عن أبى هريرة روايةً «الفطرة خمس  أو خمس من الفطرة  الختان والاستحداد ونتف الإبط وتقليم الأظفار وقص الشارب». وفى مسلم 557: حدثنا قتيبة ابن سعيدٍ وأبو بكر ابن أبى شيبة وزهير ابن حربٍ. قالوا: حدثنا وكيع عن زكرياء ابن أبى زائدة عن مصعب ابن شيبة عن طلق ابن حبيبٍ عن عبد اللـه ابن الزبير عن عائشة، قالت: قال رسول الله: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء». قال زكرياء: قال مصعب: ونسيت العاشرة. إلا أن تكون المضمضة. زاد قتيبة: قال وكيع: انتقاص الماء يعنى الإستنجاء..
وقال إبراهيم ابن طهمان عن شعبة عن قتادة عن أنس ابن مالك قال: «قال رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم: رفعت إلى السدرة فإذا أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان، فأما الظاهران فالنيل والفرات، وأما الباطنان فنهران فى الجنة. فأتيت بثلاثة أقداح: قدح فيه لبن، وقدح فيه عسل، وقدح فيه خمر. فأخذت الذى فيه اللبن فشربت، فقيل لى: أصبت الفطرة أنت وأمتك. وقال هشام وسعيد وهمام عن قتادة عن أنس ابن مالك عن مالك ابن صعصعة عن النبى صلى اللـه عليه وسلم فى الأنهار نحوه، ولم يذكروا ثلاثة أقداح. (البخارى 5483) .
[70] محمد ناصر الدين الألبانى، سلسلة الأحاديث الصحيحة، 304، http: //saaid.net/book/open.php?cat=3&book=1173
[71] الفُرْقَان بين أولياء اللـه وأولياء الشيطان، http: //saaid.net/book/open.php?cat=1&book=806
[72] درء تعارض العقل والنقل، الجزء الأول،
 http: //www.almeshkat.net/books/open.php?cat=25&book=469&PHPSESSID=66fb86448405e11b64aa9fccfec863f6
[73] جاء فى لسان العرب قال القطامى: ٍ. وروى عن النبى صلى اللـه عليه وسلم أنه قال: قتال المسلم كفر وسبابه فسق ومن رغب عن أبيه فقد كفر؛ قال بعض أهل العلم: الكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار بأن لا يعرف اللـه أصلاً ولا يعترف به، وكفر جحود، وكفر معاندة، وكفر نفاق؛ من لقى ربه بشيء من ذلك لم يغفر له ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. فأما كفر الإنكار فهو أن يكفر بقلبه ولسانه ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد، وكذلك روى فى قوله تعالى: {إن الذين كفروا{ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}؛ أى الذين كفروا بتوحيد اللـه، وأما كفر الجحود فأن يعترف بقلبه ولا يقر بلسانه فهو كافر جاحد ككفر إبليس كفر أمية بن أبى الصلت، ومنه قوله تعالى: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا{ به}؛ يعنى كفر الجحود، وأما كفر المعاندة فهو أن يعرف اللـه بقلبه ويقر بلسانه ولا يدين به حسداً وبغياً ككفر أبى جهل وأضرابه، وفى التهذيب: يعترف بقلبه ويقر بلسانه ويأبى أن يقبل كأبى طالب حيث يقول: ولقد علمت بأن دين محمدٍ من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبةٍ، لوجدتنى سمحاً بذاك مبينا
وأما كفر النفاق فأن يقر بلسانه ويكفر بقلبه ولا يعتقد بقلبه. قال الهروى: سئل الأزهرى عمن يقول بخلق القرآن أنسميه كافراً؟ فقال: الذى يقول كفر، فأعيد عليه السؤال ثلاثاً ويقول ما قال ثم قال فى الآخر قد يقول المسلم كفراً. قال شمر: و"الكفر" أيضاً بمعنى البراءة، كقوله تعالى حكاية عن الشيطان فى خطيئته إذا دخل النار: إنى كفرت بما أشركتمون من قبل؛ أى تبرأت. وكتب عبد الملك إلى سعيدبن جبير يسأله عن "الكفر" فقال: "الكفر" على وجوه: فكفر هو شرك يتخذ مع اللـه إلٰهاً آخر، وكفر بكتاب اللـه ورسوله، وكفر بادعاء ولد للـه، وكفر مدعى الإسلام، وهو أن يعمل أعمالاً بغير ما أنزل اللـه ويسعى فى الأرض فساداً ويقتل نفساً محرمة بغير حق، ثم نحو ذلك من الأعمال كفران: أحدهما كفر نعمة اللـه، والآخر التكذيب بالله.
وقوله سبحانه وتعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل اللـه فأولئك هم الكافرون}؛ معناه أن من زعم أن حكماً من أحكام اللـه الذى أتت به الأنبياء، عليهم السلام، باطل فهو كافر. وفى حديث ابن عباس: قيل له: ومن لم يحكم بما أنزل اللـه فأولئك هم الكافرون وليسوا كمن كفر بالله واليوم الآخر، قال: وقد أجمع الفقهاء أن من قال: إن المحصنين لا يجب أن يرجما إذا زنيا وكانا حرين، كافر، وإنما كفر من رد حكماً من أحكام النبى صلى اللـه عليه وسلم لأنه مكذب له، ومن كذب النبى، صلى اللـه عليه وسلم فهو كافر. وفى حديث ابن مسعود، رضى اللـه عنه: إذا قال الرجل للرجل أنت لى عدو فقد كفر أحدهما بالإسلام، أراد كفر نعمته لأنه اللـه عز وجل ألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخواناً فمن لم يعرفها فقد كفرها. وفى الحديث: من ترك قتل الحيات خشية النار فقد كفر أى كفر النعمة، وكذلك الحديث الآخر: من أتى حائضاً فقد كفر، وحديث الأنواء: إن اللـه ينزل الغيث فيصبح قوم به كافرين؛ يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، أى كافرين بذلك دون غيره حيث ينسبون المطر إلى النوء دون الله؛ ومنه الحديث: فرأيت أكثر أهلها النساء لكفرهن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: لا ولكن يكفرن الإحسان ويكفرن العشير أى يجحدن إحسان أزواجهن؛ والحديث الآخر: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، ومن رغب عن أبيه فقد كفر ومن ترك الرمى فنعمة كفرها؛ والأحاديث من هذا النوع كثيرة.
[74] قدم أحمد صبحى منصور تعريفا أوسع أفقا بكثير للكفر فقسمه إلى كفر سلوكى هو الإكراه فى الدين والاضطهاد وكفر عقيدى هو إنكار الله  وملائكته وكتبه ورسله.
[75] فتح القدير، سورة آل عمران،
 http: //www.almeshkat.net/books/open.php?cat=6&book=615&PHPSESSID=66fb86448405e11b64aa9fccfec863f6
[76] ذكر فى صحيح البخارى الحديث التالي7185:)  حدثنا إسحاق ابن منصورٍ حدثنا أبو أسامة حدثنا الأعمش حدثنا أبو صالح عن أبى سعيدٍ الخدرى قال: قال رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم: «يجاء بنوحٍ يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب. فتسأل أمته، هل بلغكم؟ فيقولون. ما جاءنا من نذير. فيقول: من شهودك فيقول: محمد وأمته، فيجاء بكم فتشهدون. ثم قرأ رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم: {وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً  قال: عدلاً  لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً}»
، وعن جعفر ابن عونٍ حدثنا الأعمش عن أبى صالحٍ عن أبى سعيدٍ الخدرى عن النبى صلى اللـه عليه وسلم بهذا.
[77] ابن هشام، السيرة النبوية، 91 من 116،
 http: //www.al-eman.com/Islamlib/viewtoc.asp?BID=249
[78] التفاصيل فى: ابن كثير، البداية والنهاية، ‏‏ج2، ص‏408‏‏، سبق ذكره.
[79] المرجع السابق، 32 من 239.
[80] نفسه، ومن قصص اليهود المزعومة هذه فلنقرأ هذه القصة نقلا عن ابن كثير،: " قال محمد ابن إسحاق‏: ‏ وكان هشام ابن عروة يحدث عن أبيه، عن عائشة قالت‏: ‏ كان يهودى قد سكن مكة يتجر بها، فلما كانت الليلة التى ولد فيها رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم قال فى مجلس من قريش‏: ‏ يا معشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود‏؟‏ فقال القوم‏: ‏ واللـه ما نعلمه‏.‏ فقال‏: ‏ اللـه أكبر أما إذا أخطأكم فلا بأس، انظروا واحفظوا ما أقول لكم‏: ‏ ولد هذه الليلة نبى هذه الأمة الأخيرة، بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنهن عرف فرس، لا يرضع ليلتين، وذلك أن عفريتاً من الجن أدخل أصبعه فى فمه فمنعه الرضاع، فتصدع القوم من مجلسهم وهم يتعجبون من قوله وحديثه‏.‏ فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كل إنسان منهم أهله، فقالوا‏: ‏ قد واللـه ولد لعبد اللـه ابن عبد المطلب غلام سموه محمداً‏.‏ فالتقى القوم، فقالوا‏: ‏ هل سمعتم حديث اليهودى، وهل بلغكم مولد هذا الغلام‏؟‏ فانطلقوا حتى جاءوا اليهودى فأخبروه الخبر، قال‏: ‏ فاذهبوا معى حتى أنظر إليه، فخرجوا به حتى أدخلوه على آمنة فقالوا‏: ‏ أخرجى إلينا ابنك فأخرجته، وكشفوا له عن ظهره، فرأى تلك الشامة فوقع اليهودى مغشياً عليه، فلما أفاق قالوا له‏: ‏ مالك ويلك‏؟‏ قال‏: ‏ قد ذهبت واللـه النبوة من بنى إسرائيل، فرحتم بها يا معشر قريش، واللـه ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب‏".‏ نفس الموضع. ‏
[81] نفس الموضع.
[82] ذكرت معظم الخرافات المتعلقة بهذا الموضوع فى: دلائل النبوة، إسماعيل الأصبهانى،
 http: //www.almeshkat.net/books/open.php?cat=8&book=2065&PHPSESSID=66fb86448405e11b64aa9fccfec863f6
وكذلك فى دلائل النبوة للبيهقى المليئ بعدد كبير للغاية من الأحداث الخارقة للطبيعة (الخرافات) المتعلقة بنبوة محمد،
 http: //www.almeshkat.net/books/archive/books/dlael%20alnboah2.zip
[83] واقعنا المعاصر، http: //saaid.net/book/open.php?cat=83&book=844
[84] سيد قطب، فى ظلال القرآن، سورة آل عمران، سبق ذكره.
[85] ابن تيمية، الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر،
 http: //www.omelketab.net/master.php?pageorder=7&filetype=3
[86] -بدائع الفوائد، 3/ 69،
 http: //www.almeshkat.com/books/open.php?cat=26&book=714&PHPSESSID=d48c4d9060144fdcd6178d4722986b0d
[87] الفُرْقَان بين أولياء اللـه وأولياء الشيطان، سبق ذكره.
[88] ناصر ابن حمد الفهد، التنكيل بما فى بيان المثقفين من أباطيل، القسم الأول، الفصل الأول، الطبعة الأولى ربيع الآخر – 1423، http://www.abu-qatada.com/c?i=100&
وقد تراجع الكاتب هو وغيره من "علماء" الوهابية بعد ذلك عن بعض آرائه المتشددة ربما تحت تأثير السجن والضغوط لحكومية
[89] محمد ابن صالح العثيمين، الولاء والبراء،
 http: //www.saaid.net/book/8/1305.zip
[90] مجموعة الفتاوى، المجلد 28، http: //saaid.net/book/open.php?cat=86&book=800
[91]ناقش المسألة محمد ابن سعيد القحطانى، فى كتاب بعنوان: الولاء والبراء فى الإسلام، الفصل الثانى: أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وطبيعة العداوة بينهما، ص 64،
http: //www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=3762
[92] الأصحاح الخامس 43 – 48.
[93] برنامج الشريعة والحياة، الخميس 08 نوفمبر 2001، http: //www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?، الولاء والبراء وأخوة غير المسلمين، http: //www.islamonline.net/fatwa/arabic/FatwaDisplay.asp?hFatwaID=46641
[94] تعرض قادة الإسلام المعتدل مرارا لنقد مرير من قبل المتشددين.أنظر على سبيل المثال الشيخ محمد ابن هادى المدخلى، الولاء والبراء والإخوان المسلمون، حيث انتقد بشدة كل من حسن البنا والقرضاوى ومصطفى السباعى وفتحى يكن والزندانى، http: //www.sahab.org/books/book.php?id=1354&query
[95] على ابن برهان الدين الحلبى، السيرة الحلبية فى سيرة الأمين المأمون، سبق ذكره.
 [96] البلاذرى، فتوح البلدان، 6 من 29، http: //www.al-eman.com/Islamlib/viewtoc.asp?BID=235
 [97] نفسه.
[98] بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع، الجزء السابع، ص 100، http: //www.almeshkat.net/books/archive/books/bdaa%20alsnaaa.zip
[99] حسب تفسير ابن كثير: قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما (لست عليهم بجبار) أى لست تخلق الإيمان فى قلوبهم وقال ابن زيد لست بالذى تكرههم على الإيمان قال الإمام أحمد 3300 حدثنا وكيع عن سفيان عن أبى الزبير عن جابر قال قال قال صلعم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لاإله إلا اللـه فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللـه عز وجل ثم قرأ (فذكر إنما انت مذكر لست عليهم بمسيطر) وهكذا رواه مسلم فى كتاب الإيمان 21 والترمذى 3341 والنسائى 11670. ذكر الزمخشرى نفس المعنى فى تفسير الآية: بمسيطر - حتى تقسرهم على الايمان انما انت داع وباعث.
[100] لسان العرب – باب صغر
 [101]. أجاز بعض الأئمة (مثل الأوزاعي) أن يصالح المسلمون "الكفار" على دفع الجزية لهم إذا دعت إلى ذلك ضرورة. كما أقر الشافعى الشيء نفسه فى حالة الخوف من تفوق "الكفار" أو لمحنة نزلت بالمسلمين (جاء فى "الأم"- المهادنة: ولا خير فى أن يعطيهم المسلمون شيئاً بحالٍ على أن يكفوا عنهم؛ لأن القتل للمسلمين شهادة، وأن الإسلام أعز من أن يعطى مشرك على أن يكف عن أهله؛ لأن أهله  قاتلين ومقتولين، ظاهرون على الحق إلا فى حالٍ واحدةٍ، وأخرى أكثر منها، وذلك أن يلتحم قوم من المسلمين فيخافون أن يصطلموا لكثرة العدو وقلتهم وخلةٍ فيهم، فلا بأس أن يعطوا فى تلك الحال شيئاً من أموالهم على أن يتخلصوا من المشركين؛ لأنه من معانى الضرورات) . وقد ناقش ذلك ابن رشد فى: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، كتاب الجهاد، الفصل السادس فى جواز المهادنة، http: //www.muslimphilosophy.com/ir/default.htm
[102] اختلف الفقهاء فى أنه يمكن أخذ الجزية من "الكفار" عموما أو من أهل الكتاب فقط، وسوف سنناقشها بعد تفصيلا.
[103] تشريع أى تبيين لحكم شرعى وهو وضع الجزية حينئذ وتسويغ أى تجويز لذلك
نقلا عن ابن كثير، كتاب الاجتهاد فى طلب الجهاد، نشرته جمعية التأليف والنشر الأزهرية بالقاهرة عام 1347، منشور على: http: //saaid.net/book/open.php?cat=84&book=1042
 
[104] زاد المعاد فى هدى خير العباد، فصل: فى ترتيب سياق هديه مع "الكفار" والمنافقين، من حين بعث إلى حين لقى اللـه عز وجل، سبق ذكره.
 [105] الأم للشافعى، أحكام القرآن للشافعى، مجموعة الفتاوى لابن تيمية، الاجتهاد فى طلب الجهاد لابن كثير، شرح السير الكبير للإمام أبو بكر محمد ابن أبى سهل السرخسى.
[106] يمكن قراءة هذه الأحاديث فى كتيب بعنوان: سبعون حديثاً فى الجهاد، لابن بطة الحنبلى،
 http: //www.almeshkat.net/books/open.php?cat=14&book=1172
[107] تاج العروس ص1945
 http: //www.almeshkat.net/books/open.php?cat=16&book=696&PHPSESSID=66fb86448405e11b64aa9fccfec863f6
[108] لسان العرب: باب الجيم - جهد
[109] الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، http: //www.omelketab.net/master.php?pageorder=7&filetype=3
[110] محمد عبد السلام فرج، http: //metransparent.com/texts/mohamed_abdul_salam_farag_alfarida_algaiba.htm
[111] تحفة الأحوذي- كتاب الطهارة – باب فى إسباغ الوضوء- وتم تناوله أيضا فى تهذيب الكمال لأبى الحجاج وفى شرح الزرقانى، وكذلك اشار له ابن القيم الجوزية: مراتب الجهاد: إذَا عرفَ هذا، فالجهاد أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد "الكفار"، وجهاد المنافقين.
 فجهاد النفس أربع مراتب أيضاً: إحداها: أَنْ يجاهدَها على تعلّم الهدى، ودين الحق الذى لا فلاح لها، ولا سعادة فى معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها علمه، شقيت فى الدَّارين. الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرَّد العلم بلا عمل إن لم يَضرَّها لم ينفعْها. الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمه مَنْ لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل اللـه من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه، ولا ينجيه من عذاب اللـه. الرابعة: أن يجاهدَها على الصبر على مشاقّ الدعوة إلى اللـه، وأذى الخلق، ويتحمَّل ذلك كله للـه. فإذا استكمل هذه المراتب الأربع، صار من الربَّانيينَ، فإن السلفَ مجمعونَ على أن العَالمَ لا يَستحقّ أن يسمى ربَّانياً حتى يعرفَ الحقَّ، ويعملَ به، ويعَلّمَه، فمَن علم وَعَملَ وعَلَّمَ فذاكَ يدعى عظيماً فى ملكوت السموات. وأما جهاد الشيطان، فمرتبتان، إحداهما: جهاده على دفع ما يلقى إلى العبد من الشبهات والشّكوك القادحة فى الإيمان. الثانية: جهاده على دفع ما يلقى إليه من الإرادات الفاسدة والشهوات، فالجهاد الأول يكون بعده اليقين، والثانى يكون بعدَه الصبر. قال تعالى: {وَجَعَلْنَا منْهمْ أَئمَّةً يَهْدونَ بأَمْرنَا لَمَّا صَبَرواْ، وَكَانوا بآيَاتنَا يوقنونَ} [السجدة: 24]، فأخبر أن إمامة الدين، إنما تنال بالصبر واليقين، فالصبر يدفع الشهوات والإرادات الفاسدة، واليقين يدفع الشكوك والشبهات.
 وأما جهاد "الكفار" والمنافقين، فأربع مراتب: بالقلب، واللّسان، والمال، والنفس، وجهاد "الكفار" أخصّ باليد، وجهاد المنافقين أخصّ باللسان.
 وأما جهاد أرباب الظلم، والبدع، والمنكرات، فثلاث مراتبَ: الأولى: باليد إذا قَدَرَ، فإن عَجَزَ، انتقل إلى اللّسان، فإن عَجَزَ، جاهد بقلبه، فهذه ثلاثةَ عشرَ مرتبةً من الجهاد، و ( (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْز، وَلَمْ يحَدّثْ نَفْسَه بالغَزْو، مَاتَ عَلَى شعْبَةٍ منَ النَّفَاق) ) ، زاد الميعاد فى هدى خير العباد، سبق ذكره.
[112] لم يذّكر فى أى من "الصحاح"، واعتبره الألبانى منكرا،: سلسلة الأحاديث الضعيفة، 2460، http: //www.saaid.net/book/8/1362.zip
[113] رسائل الإمام حسن البنا، رسالة الجهاد، سبق ذكره.
[114] الجهاد هو السبيل، http://www.ikhwan-info.net
[115] راجع " الأم" فى فقه الإمام الشافعى، كتاب الجزية، شهود من لا فرض عليه القتال
  http: //www.al-eman.com/Islamlib/viewtoc.asp?BID=404
[116] صحيح البخارى، كتاب السير، باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال.
[117] جمال البنا، الحجاب، الفصل الخامس،  http: //www.islamiccall.org/fehress.htm
[118] حمد الجاسر، المرأة فى حياة إمام الدعوة الشيخ محمد ابن عبدالوهاب، http: //saaid.net/book/open.php?cat=6&book=1710
[119] جاء فى تفسير الطبرى: ولكن جاهدهم بهذا القرآن جهادا كبيرا. وذهب ابن كثيرنفس المذهب وكذلك ابن عباس، وذكر القرطبى: " قال ابن عباس بالقرآن. ابن زيد: بالإسلام. وقيل: بالسيف؛ وهذا فيه بعد؛ لأن السورة مكية نزلت قبل الأمر بالقتال".وفى تفسير البيضاوى: "والمعنى أنهم يجتهدون فى إبطال حقك فقابلهم بالاجتهاد فى مخالفتهم وإزاحة باطلهم. {جهاداً كبيراً } لأن مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيف، أو لأن مخالفتهم ومعاداتهم فيما بين أظهرهم مع عتوهم وظهورهم، أو لأنه جهاد مع كل الكفرة لأنه مبعوث إلى كافة القري".
[120] (إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه) .
صحيح ابن حبان (4617) .
 (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) .
رواه أحمد (11992) وأبو داود (2505) والنسائى (3194) والدرامى (2433) .
[121] الأم فى فقه الإمام اللشافعى، كتاب الجزية، أصل فرض الجهاد، سبق ذكره.
[122] نقلا عن التاج والإكليل لمختصر خليل، كتاب الجهاد وأحكام المسابقة، باب الجهاد وأحكامه
[123] تحفة الفقهاء، كتاب السير.
[124] مختصر خليل، كتاب الجهاد وأحكام المسابقة.
[125] كتاب أخصر المختصرات فى الفقه على مذهب الإمام أحمد ابن حنبل، عبد القادر بدران http: //www.taimiah.org
[126] الإقناع فى حل لفظ أبى شجاع، كتاب أحكام الجهاد.
[127] بداية المجتهد ونهاية المقتصد، سبق ذكره.
[128]حكم الجهاد حالياً من الأسئلة.المصدرمن محاضرة: واجب المسلمين أمام نعم اللـه،
 http: //www.alhawali.com
 [129] تناول مسألة الجهاد ودوافعه فى الإسلام سواء فى النصوص المقدسة أو الفقه الدكتور / عثمان ابن جمعة ضميرية، غاية الجهاد فى الإسلام، مقدما عرضا رائعا وشديد الوضوح ومدعما جيدا بالنص المقدس وآراء الفقهاء والمثقفين الإسلاميين.
 http: //www.deen.ws/bohooth/117.htm
[130] الأم، كتاب الجهاد، تفريع فرض الجهاد، سبق ذكره.
[131] بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع، الجزء السابع، ص 100، سبق ذكره.
[132] تفاسير: ابن كثير، الزمخشرى، القرطبى، البغوى، السعدى. كذلك الشافعى فى "أحكام القرآن".
[133] خصائص التصور الإسلامى ومقوماته، http://www.ikhwan-info.net
[134] رسائل الإمام حسن البنا، رسالة التعاليم، الجهاد، سبق ذكره.
[135] الجهاد هو السبيل،  www.ikhwan-info.net
 [136] الأحكام السلطانية والولايات الدينية، الباب الرابع فى تقليد الإمارة على الجهاد،
 http: //www.almeshkat.net/books/open.php?cat=11&book=1216&PHPSESSID=66fb86448405e11b64aa9fccfec863f6
[137] ابن رشد فى: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، كتاب الجهاد، الفصل الرابع فى شرط الحرب، سبق ذكره.
[138] انظر فى ذلك حسن البنا: السلام فى الإسلام، فصل: أغراض الحرب فى الإسلام، http: //www.ikhwan-info.net/books1.php?ar=book_name
[139] هداية الحيارى فى أجوبة اليهود والنصارى، http: //saaid.net/book/open.php?cat=1&book=708
[140] رسائل الإمام حسن البنا، رسالة الجهاد، سبق ذكره.
[141] نقلا- باختصار- عن عبد الرحمن ابن الشيخ محمد ابن سليمان، مجمع الأنهرشرح ملتقىالأبحر فى الفقه الحنفى، كتاب السير،
 http: //www.almeshkat.net/books/open.php?cat=11&book=926&PHPSESSID=66fb86448405e11b64aa9fccfec863f6
[142] ابن حجر العسقلانى، فتح البارى، كتاب السير، ما قيل فى الرماح، http: //saaid.net/book/open.php?cat=3&book=904.
 [143] نقلا عن الإمام الحافظ أبى الفرج ابن رجب الحنبلى، الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبى ( (بعثت بالسيف بين يدى الساعة) ): " وقال مكحول: إن المسلمين لما قدموا الشام ذكر لهم زرع الحولة، فزرعوا فبلغ ذلك عمر ابن الخطاب رضى اللـه عنه فبعث إلى زرعهم وقد ابيض وأردك فحرقه بالنار، ثم كتب إليهم: إن اللـه جعل أرزاق هذه الأمة فى أسنة رماحها، وتحت أزجتها، فإذا زرعوا كانوا كالناس. خرجه أسد ابن موسى. وروى البيضاوى بإسناد له عن عمر انه كتب: من زرع زرعا واتبع أذناب البقر ورضى بذلك وأقر به جعلت عليه الجزية. وقيل لبعضهم لو اتخذت مزرعة للعيال ؟ فقال: واللـه ما جئنا زراعين، ولكن جئنا لنقتل أهل الزرع ونأكل زرعهم"، http: //www.manaressabil.com/livres/downrajab.htm
[144] تم عرض مبادرة وقف العنف باختصار على رابط: http: //www.murajaat.com/Books/mobadert_wagf_alonf.doc
وبقية الكتب الأربعة الخاصة بالتراجع عن العنف للجماعة الإسلامية على الروابط التالية:
http: //www.murajaat.com/Books/mobadert_wagf_alonf.doc
www.murajaat.com/Books/hormet_alglo_fi_aldain.doc
http: //www.murajaat.com/Books/taslet_alathow.doc
http: //www.murajaat.com/Books/alnosh_w_altbain.doc
[145] مجموعة الفتاوى، المجلد 28، سبق ذكره، والفتاوى الكبرى، 813 وغيرها،
 http: //www.almeshkat.net/books/open.php?cat=15&book=708&PHPSESSID=66fb86448405e11b64aa9fccfec863f6
 
[146] السلام فى الإسلام، ص 16، سبق ذكره
[147] رسائل الإمام حسن البنا، سبق ذكره
[148] دعوة للشباب، ضمن رسائل الإمام حسن البنا، سبق ذكره.
[149] نفس المصدر، فى اجتماع رؤوساء المناطق ومراكز الجهادالمنعقد بالقاهرة فى 8 سبتمبر سنة 1945م.وبكلماته: " ونريد بعد ذلك أن تؤمن حدودنا الجنوبية بأن تحفظ حقوقنا فى إريتريا ثم زيلع وهرر وأعالى النيل.. تلك المناطق التى اختلط بتربتها دم الفاتح المصرى وعمرتها اليد المصرية ورفرف فى سمائها العلم المصرى الخفاق. ثم اغتصب من جسم الوطن ظلماً وعدواناً، وليس هناك اتفاق دولى أو وضع قانونى يجعل الحق فيها لغير مصر وإن أبى علينا ذلك الناس، ومن واجبنا ألا نتلقى حدود بلدنا عن غيرنا وأن نرجع فى ذلك إلى تاريخنا ولنر أى ثمن غال دفعناه من الدماء والأرواح فى سبيل تأمين حدودنا لا لمطامع استعمارية ولا لمغانم جغرافية ولكن لضرورات حيوية لا محيص منها ولا معدى عنها".
[150] نظام السلم والحرب فى الإسلام، http://www.ikhwan-info.net
[151] أسباب النزول للنيسابورى،  القول فى آخر ما نزل من القرآن،  http: //www.al-eman.com/Islamlib/viewtoc.asp?BID=153
[152] يرفض البعض من المفكرين المسلمين فكرة النسخ فى النص المقدس بمعنى نسخ الأحكام، منهم ابن بحر (أبو مسلم الأصفهاني) ومن المحدثين رشيد رضا ومحمد الغزالى ومحمود شلتوت وأحمد صبحى منصور ومحمد الخضرى ومحمد أبو زهرة وسيد قطب.
[153] يعد كتاب الجهاد الفريضة الغائبة لمحمد عبد السلام فرج الذى أعدم مع الأربعة الذين اغتالوا السادات دستورا واضحا وصريحا للجهاديين الذين لا يستهويهم اللف و"تقية" المعتدلين من الإسلاميين، سبق ذكره.
[154] يتحدث القرضاوى مثلا عن الجهاد فلا يستنكر فكرة جهاد الطلب (الغزو) ولكنه يجمده على أساس أنه لا توجد الآن عوائق أمام نشر الإسلام فى العالم بالدعوة السلمية، فالحكومات تسمح بالتعددية ووسائل الاتصال متوفرة. ويتضمن كلامه بالتأكيد أنه إذا عرقلت الدعوة السلمية يصبح هناك مبرر للغزو..، كما لا يستنكر فكرة الغزو ولكنه يركز على أنها لم تعد ضرورية الآن (فى الواقع هى لم تعد ممكنة أصلا!) ، على طريقة فإن عدتم عدنا.أنظر: فقه الأولويات، ص 61، http://www.fiseb.com
[155] حسب قول محمد الغزالى فى كتابه: كيف نتعامل مع القرآن. نقلناها عن:
 http: //www.sonsofi.org/Templates/El%20Naskh%201.html
[156] قال: " قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين}: هذا اللفظ وإن كان مختصا بكل كافر بالله، عابدٍ للوثن فى العرف، ولكنه عام فى الحقيقة لكل من كفر بالله، أما أنه بحكم قوة اللفظ يرجع تناوله إلى مشركى العرب الذين كان العهد لهم وفى جنسهم"، أحكام القرآن، سورة التوبة، http: //www.almeshkat.net/books/archive/books/ahkam%20alarbi%201.zip
 [157] وأول من أدخل عبادتها حسب ذكر المصادر الإسلامية شخص يُسمى لحى ابن حارثة ابن عمرو ابن عامر الأزدى وهو أبو خزاعة. كتاب "الأصنام" للكلبى، سبق ذكره.
[158] فى ظلال القرآن (سبق ذكره) ، سورة التوبة، ويضيف سيد فى نفس الموضع وهو يرد على الإسلاميين المعتدلين: إن المهزومين فى هذا الزمان أمام الواقع البائس لذرارى المسلمين - الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا العنوان - وأمام الهجوم الاستشراقى الماكر على أصل الجهاد فى الإسلام؛ يحاولون أن يجدوا فى النصوص المرحلية مهربا من الحقيقة التى يقوم عليها الانطلاق الإسلامى فى الأرض لتحرير الناس كافة من عبادة العباد، وردهم جميعا إلى عبادة اللـه وحده؛ وتحطيم الطواغيت والأنظمة والقوى التى تقهرهم على عبادة غير اللـه، والخضوع لسلطان غير سلطانه، والتحاكم إلى شرع غير شرعه..
ومن ثم نراهم يقولون مثلا: إن اللـه سبحانه يقول: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله) .. ويقول: (لا ينهاكم اللـه عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم) .. ويقول: (وقاتلوا فى سبيل اللـه الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن اللـه لا يحب المعتدين) ... ويقول عن أهل الكتاب: (قل: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا اللـه ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون اللـه. فإن تولوا فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون) .
فالإسلام إذن لا يقاتل إلا الذين يقاتلون أهل دار الإسلام فى داخل حدود هذه الدار أو الذين يهددونها من الخارج ! وأنه قد عقد صلح الحديبية مع المشركين. وأنه قد عقد معاهدة مع يهود المدينة ومشركيها ! ومعنى ذلك - فى تصورهم المهزوم - أن لا علاقة للإسلام إذن بسائر البشر فى أنحاء الأرض. ولا عليه أن يعبدوا ما يعبدون من دون اللـه. ولا عليه أن يتخذ الناس بعضهم بعضا أربابا من دون اللـه فى الأرض كلها ما دام هو آمنا داخل حدوده الاقليمية ! وهو سوء ظن بالإسلام وسوء ظن بالله - سبحانه ! - تمليه الهزيمة أمام الواقع البائس النكد الذى يواجههم؛ وأمام القوى العالمية المعادية التى لا طاقة لهم بها فى اللحظة الحاضرة !
وهان الأمر لو أنهم حين يهزمون روحيا أمام هذه القوى لا يحيلون هزيمتهم إلى الإسلام ذاته؛ ولا يحملونه على ضعف واقعهم الذى جاءهم من بعدهم عن الإسلام أصلا ! ولكنهم يأبون إلا أن يحملوا ضعفهم هم وهزيمتهم على دين اللـه القوى المتين !
إن هذه النصوص التى يلتجئون إليها نصوص مرحلية تواجه واقعا معينا. وهذا الواقع المعين قد يتكرر وقوعه فى حياة الأمة المسلمة. وفى هذه الحالة تطبق هذه النصوص المرحلية لأن واقعها يقرر أنها فى مثل تلك المرحلة التى واجهتها تلك النصوص بتلك الأحكام. ولكن هذا ليس معناه أن هذه هى غاية المنى؛ وأن هذه هى نهاية خطوات هذا الدين.. إنما معناه أن على الأمة المسلمة أن تمضى قدما فى تحسين ظروفها؛ وفى إزالة العوائق من طريقها، حتى تتمكن فى النهاية من تطبيق الأحكام النهائية الواردة فى السورة الأخيرة، والتى كانت تواجه واقعا غير الواقع الذى واجهته النصوص المرحلية.
[159] تامر باجن أوغلو، حقوق أهل الذمة فى الفقه الإسلامى، http: //www.geocities.com/aboutchristianity/AHL_ALZUMA.htm
[160] تذكرنا هذه الأطروحة بعبارة منسوبة لبن جوريون تقول ان حدود إسرائيل هى آخر نقطة يقف عندها جندى إسرائيلي!.
[161] سيد قطب، معالم فى الطريق، http://www.ikhwan-info.net
[162] قدم عباس على العميد الزنجانى دراسة تفصيلية حول تقسيم العالم من وجهات النظر الإسلامية المختلفة التى لخصها فى ست نظريات، بعنوان: دار الإسلام، http: //www.balagh.com/mosoa/feqh/u512by6x.htm
 [163]عباس على العميد الزنجانى، دار الردة،
 http: //www.balagh.com/mosoa/horiat/r20pxhg2.htm
[164] كتاب أحكام أهل الذمة، 167، سبق ذكره.
 [165]أ. د. عبد الصبور مرزوق (الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية القاهرة عضو المجلس التأسيسى لرابطة العالم الإسلامى مكة المكرمة) ، رسائل إلى العقل الغربى الأمريكى والأوروبى عن الإسلام وحقوق الإنسان، http: //www.islamic-council.org/lib/saboor/s2.html
[166] مجموعة الفتاوى – المجلد 28 – فصل بعنوان: وسئل  رحمه اللـه  عن بلد ‏[‏ماردين‏]‏ هل هى بلد حرب أم بلد سلم‏؟‏، سبق ذكره.
[167] مثل الشيخ عبد العزيز الجربوع، الإعلام بوجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام،
 http: //www.khayma.com/wahbi/Research/Now/elam/main.htm
[168] تم استثناء الحبشة والترك لدى بعض الفقهاء: روى عن مالك أنه قال‏: ‏ لا يجوز ابتداء الحبشة بالحرب ولا الترك، لما روى أنه عليه الصلاة والسلام قال ‏"‏ذروا الحبشة ما وذرتكم‏"‏ وقد سئل مالك عن صحة هذا الأثر فلم يعترف بذلك لكن قال‏: ‏ لم يزل الناس يتحامون غزوهم‏.‏ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، باب الجهاد، الفصل الثانى، سبق ذكره.     ولكن ذكر الطبرى نقلا عن أبو جعفرأن عمر ابن الخطاب حاول غزوها سنة عشرين هجرية وفشلت الحملة: " قال الواقدى: وفى هذه السنة - أعنى سنة عشرين - دون عمر رضى اللـه عنه الدواوين. قال أبو جعفر: قد ذكرنا قول من خالفه.وفيها بعث عمر رضى اللـه عنه علقمة ابن مجزز المدلجى إلى الحبشة فى البحر؛ وذلك أن الحبشة كانت تطرفت - فيما ذكر - طرفاً من أطراف الإسلام؛ فأصيبوا، فجعل عمر على نفسه ألا يحمل فى البحر أحداً أبداً.وأما أبو معشر فإنه قال - فيما حدثنى أحمد ابن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق ابن عيسى، عنه: كانت غزوة الأساودة فى البحر سنة إحدى وثلاثين"، تاريخ الرسل والملوك، الجزء 2، ص 517،
http: //www.almeshkat.net/books/open.php?cat=13&book=620&PHPSESSID=66fb86448405e11b64aa9fccfec863f6
[169] السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، الجزء الرابع، 441، http: //www.yemen-sound.com/library/shawkanee.htm
[170] الإمام علاء الدين أبى بكر ابن مسعود الكاسانى (من الأحناف) ، بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع، كتاب السير، الجزء السابع، ص 101، سبق ذكره.
[171] تفسير القرآن الحكيم المشتهر باسم تفسيرالمنار، الطبعة الأولى 1346 ه، 1928 م، مطبعة المنار بمصر ج 10 ص 306.
[172] حقوق الحرب فى الإسلام، إعداد وشرح عبد الستار على السطوحى، مكتبة الثقافة، قطر، الدوحة، رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: 10247/ 2003.والمقال جزء من كتاب: حقائق الإسلام وأباطيل خصومه.
[173] المسكوت عنه من سيرة عمر،  http: //www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=30299
 التأويل، http: //www.rezgar.com/debat/show.art.asp?t=0&aid
[174] آثار الحرب فى الفقه الإسلامي-دراسة مقارنة، الطبعة الرابعة 1992، دار الفكر، دمشق، مودع بمكتبة الإسكندرية تحت رقم 0002947، تسجيل 4458.كرر هذا الطرح ص 34، 37، 84، 105، 106، وغيرها.
[175] معالم فى الطريق، سبق ذكره.
[176] حلل الرأيين عباس الذهبى، وهو من القائلين بالسلم وهو شيعى المذهب. أنظر: العلاقات الدولية للحكومة الاسلامية،
 http: //www.taghrib.org/arabic/nashat/maidania/dowal/eqame/10/a-m-10-14.htm
[177] الدكتور محمد عكام (داعية إسلامى سورى بارز) ، حوار مع مجلة البلاد الصادرة فى لبنان 12/4/1997،
 http: //akkam.org/pressd-a/pressd-a-14.shtml
[178] " والذى يلزمه من الأمور العامة عشرة أشياء: أحدها حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نجم مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه أوضح له الحجة وبين له الصواب وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروساً من خلل والأمة ممنوعة من زلل: والثانى تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين حتى تعم النصفة، فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم: الثالث حماية البيضة والذب عن الحريم ليتصرف الناس فى المعايش وينتشروا فى الأسفار آمنين من تغرير بنفس أو مال. والرابع إقامة الحدود لتصان محارم اللـه تعالى عن الانتهاك وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك. والخامس تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكون فيها محرماً أو يسفكون فيها لمسلم أو يعاهد دماً: والسادس جهاد من عائد الإسلام بعد الدعوة حتى ويدخل فى الذمة ليقام بحق اللـه تعالى فى إظهاره على الدين كله. والسابع جباية الفيء الصدقات على ما أوجبه الشرع نصاً واجتهاداً من غير خوف ولا عسف والثامن تقدير العطايا وما يستحق فى بيت المال من غير سرف ولا تقتير ودفعه فى وقت لا تقديم فيه ولا تأخير، التاسع استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوض إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطة والأموال بالأمناء محفوظة، العاشر أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال؛ لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلاً بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين ويغش الناصح، وقد قال اللـه تعالى: " يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل اللـه ". الأحكام السلطانية والولايات الدينية، الماوردى. والكتاب يعد من أشهر كتب الفقه السياسى الإسلامى،
 http: //www.almeshkat.net/books/open.php?cat=11&book=1216&PHPSESSID=66fb86448405e11b64aa9fccfec863f6
[179] تفسير القرآن العظيم. هكذا كتبت في هذه الطبعة وواضح أنه يقصد "عددكم وعدتكم".
 
*هكذا كتبت في هذه الطبعة وواضح أنه يقصد "عددكم وعدتكم".
[180] فتح القدير – سورة محمد 35، سبق ذكره.
[181] عبد الرحمن غبد الخالق فى تعليق على الآيتين المذكورتين، الشورى فى ظل نظام الحكم الإسلامى، ملف 3 من 5، http: //www.al-eman.com/Islamlib/viewtoc.asp?BID=286
[182] أبو بكر محمد ابن أبى سهل السرخسى، المبسوط، كتاب السير، باب معاملة الجيش مع "الكفار".
[183] نقلا عن: آية اللـه الشيخ محمد مهدى شمس الدين، التعددية والحرية فى الإسلام- بحث حول حرية المعتقد وتعدد المذاهب، http: //www.alwihdah.com/download.asp
[184] لخص مسألة الجهاد فى الإسلام جيدا وبوضوح تام ابن كثير فى: كتاب الاجتهاد فى طلب الجهاد، سبق ذكره
[185] ضمن هؤلاء أحمد صبحى منصور وحسن حنفى ونصر أبو زيد وغيرهم.
[186] فى ظلال القرآن، سورة الأنفال، سبق ذكره.
[187] السيرة الحلبية فى سيرة الأمين المأمون، المؤلف: على ابن برهان الدين الحلبى، الجزء 2، صفحة 759، سبق ذكره.
[188] تاريخ الطبرى، الجزء 2، 516، سبق ذكره.
[189] البلاذرى، فتوح البلدان، الجزء الأول، ملف 5 من 29، سبق ذكره.
[190] http: //saaid.net/book/open.php?cat=3&book=1480
[191] كتاب أحكام أهل الذمة، 62، سبق ذكره.
[192] ارجع إلى: محمد أبو زيد طنطاوى، فتح العرب للأندلس،
 www.iu.edu.sa/Magazine/38/6.doc
[193] الكتاب: تفسير المنتخب، المؤلف: لجنة من علماء الأزهر،
http: //www.almeshkat.net/books/archive/books/almuntkaab.zip
[194] شرح السير الكبير، 3 من 81،  باب وصايا الأمراء، قال: "وقد بينا فوائد الحديث هناك ثم بينا معنا قوله عليه السلام فى آخر هذا الحديث‏: ‏ ‏"‏ وإن أرادوكم أن تعطوهم ذمة اللـه فلا تعطوهم ‏"‏ أنه إنما كره ذلك لا على وجه التحريم بل للتحرز عن الإخفار عند الحاجة إلى ذلك فكان الأوزاعى يقول‏: ‏ لا يجوز إعطاء ذمة اللـه للكفار ويتمسك بظاهر هذا الحديث فمقتضى مطلق النهى حرمة النهى عنه وذكر هذا اللفظ فى حديث يرويه على رضى اللـه عنه بطريق أهل البيت أنه قال‏: ‏ لا تعطوهم ذمة اللـه ولا ذمتى فذمتى ذمة اللـه وإنما كره لهم عندنا لمعنى فى غير المنهى عنه وهو أنهم قد يحتاجون إلى النقض لمصلحة يرونها فى ذلك وأن ينقضوا عهودهم فهو أهون من أن ينقضوا عهد اللـه وعهد رسوله... ومعنى الإخفارهو نقض العهد يقال‏: ‏ خفروا إذا عاهدوا وأخفروا إذا نقضوا العهد وذلك لا بأس به عند الحاجة إليه قال اللـه تعالى‏: ‏ ‏{‏وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء‏}‏ الأنفال‏: ‏ 58 منكم ومنهم فى العلم وذلك للتحرز عن الغدر"،  http: //www.al-eman.com/Islamlib/viewtoc.asp?BID=216
[195] سيرة ابن هشام، تحت عنوان: سرية عبدالله ابن جحش ونزول ‏: ‏ (يسألونك عن الشهر الحرام ‏) ‏ ‏، سبق ذكره.
[196] سيرة ابن هشام، سبق ذكره.
[197] "أنزل اللـه تعالى فى المؤمنات ما أنزل؛ يوميء إلى أن الشرط فى رد النساء نسخ بذلك"، تفسير القرآن.
[198] هذا نص الطبرى فى تفسيره: "لأن العهد كان جرى بين رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم وبين مشركى قريش فى صلح الحديبية أن يرد المسلمون إلى المشركين من جاءهم مسلما، فأبطل ذلك الشرط فى النساء إذا جئن مؤمنات مهاجرات فامتحن، فوجدهن المسلمون مؤمنات، وصح ذلك عندهم مما قد ذكرنا قبل، وأمروا أن لا يردوهن إلى المشركين إذا علم أنهن مؤمنات".
[199] فى ظلال القرآن، سورة الممتحنة، سبق ذكره، وهاك ما قاله: وقد ورد فى سبب نزول هذه الأحكام أنه كان بعد صلح الحديبية الذى جاء فيه: "على ألا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا".. فلما كان الرسول [ ص ] والمسلمون معه بأسفل الحديبية جاءته نساء مؤمنات يطلبن الهجرة والانضمام إلى دار الإسلام فى المدينة؛ وجاءت قريش تطلب ردهن تنفيذا للمعاهدة. ويظهر أن النص لم يكن قاطعا فى موضوع النساء، فنزلت هاتات الآيتان تمنعان رد المهاجرات المؤمنات إلى "الكفار"، يفتن فى دينهن وهن ضعاف. ونزلت أحكام هذه الحالة الدولية معها، تنظم التعامل فيها على أعدل قاعدة تتحرى العدل فى ذاته دون تأثر بسلوك الفريق الآخر، وما فيها من شطط وجور. على طريقة الإسلام فى كل معاملاته الداخلية والدولية. وأول إجراء هو امتحان هؤلاء المهاجرات لتحرى سبب الهجرة، فلا يكون تخلصا من زواج مكروه، ولا طلبا لمنفعة، ولا جريا وراء حب فردى فى دار الإسلام ! قال ابن عباس: كان يمتحنهن: بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حبا للـه ورسوله.
[200] الأم، كتاب سير الأوزاعى، وطأ السبايا بالملك، سبق ذكره.
 [201] أحكام أهل الذمة، ص 1، سبق ذكره.
[202]السيوطى، تاريخ الخلفاء، باب: يزيد ابن معاويه أبو خالد الأموى أبوخالد الأموى، http: //www.omelketab.net
[203] ذكر ذلك مئات المرات فى كتب السيرة ولم يشذ أحد فى إقرار ذلك كحقيقة.أنظر السيرة النبوية لابن هشام، السيرة الحلبية، السيرة النبوية لابن اسحق، الروض الأنف، وغيرها.
[204] ابن اسحق، السيرة النبوية (قال نصا: وكان عند رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم صلى اللـه عليه وسلم فى ملك يمينه: ريحانة ابنة عمرو ابن حذافة، فلم يصب منها ولداً حتى مات، ومارية أم ابراهيم القبطية، ولدت له ابراهيم) ، 133،
 http: //saaid.net/book/open.php?cat=94&book=1241
[205] ابن قدامة المغنى على مختصر الخرقى،  http: //www.al3lm.ae/mb/kb_article.php?article_id=383
 [206]ابن تيمية، مجموعة الفتاوى، المجلد 31، سبق ذكره.
[207] شرح السير الكبير، 47 من 81،  باب من يكره قتله من أهل الحرب من النساء وغيرهم، سبق ذكره.
[208] عن ابن تيمية، مجموعة الفتاوى، المجلد الثامن والعشرين، سبق ذكره.
[209] ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، كتاب الجهاد، الفصل الثالث فى معرفة ما يجوز من النكاية بالعدو، 13 من 28،
http: //www.al-eman.com/Islamlib/viewtoc.asp?BID=231
[210] الفتاوى الكبرى، 786، سبق ذكره.
[211] غزوة 11 سبتمبر، دراسة موضوعية متكاملة تصدر كل أربعة أشهر عن مجلة الأنصار- مجموعة من الكتاب، العدد الأول / رجب 1423 ه / سبتمبر - 2002 م،
www.alsakifah.org/vb/archive/index.php?t-23400.html
[212] السيرة الحلبية، ج2، ص 564، سبق ذكره.
[213] عون المعبود، 172.كتاب الجهاد، باب فى الحرق فى بلاد العدو.
[214] شرح السير الكبير، 3 من 81، سبق ذكره.
[215] شرح السير الكبير، 3 من 81، سبق ذكره.
[216] مجموعة الفتاوى، المجلد الثامن والعشرون، سبق ذكره.
[217] جاء فى البخاري- 2950 " حدّثنا على ابن عبد اللـه حدَّثنا سفيان عن أيوبَ عن عكرمةَ «أنَّ علياً رضى اللـه عنه حَرَّقَ قوماً، فبَلَغَ ابنَ عبّاسٍ فقال: لو كنت أنا لم أحرّقْهم، لأنَّ النبى صلى اللـه عليه وسلم قال: لا تعذّبوا بعذاب الله".وذكرت الواقعة فى مراجع عدة منها تاريخ الإسلام للذهبى، البداية والنهاية لابن كثير (‏ (‏ج8/ص‏: ‏ 329‏) ‏، القرطبى فى تفسيره لآية السيف (إلا أن الأخبار وردت بالنهى عن المثلة. ومع هذا فيجوز أن يكون الصدّيق رضى اللـه عنه حين قتل أهل الردّة بالإحراق بالنار، وبالحجارة وبالرمى من رؤوس الجبال، والتنكيس فى الآبار، تعلّق بعموم الآية. وكذلك إحراق على رضى اللـه عنه قوماً من أهل الردّة يجوز أن يكون ميلاً إلى هذا المذهب، واعتماداً على عموم اللفظ. واللـه أعلم) . وغيرها.
[218] ابن رشد، بداية المجتهد، كتاب الجهاد، الفصل الثالث، 13 من 28، سبق ذكره.
[219] هذا مذهب معظم فقهاء السنة.والبغاة هم الخارجون على الحاكم المسلم، وهم الخوارج القائلون بكفر مرتكب الكبيرة وبالتالى يكفرون الحاكم الذى يرتكب الكبائر مبررين التمرد عليه، خلافا لفكر أهل السنة.
[220] السيرة النبوية لابن هشام، سبق ذكره.
[221] مثالا لذلك أن أحد رجال على ابن أبى طالب فى صفين اسمه محرز كان يدعى مخضخضا "و ذاك أنه أخذ عنزة بصفين وأخذ معه إداوة من ماء فإذا وجد رجلا من أصحاب على جريحا سقاه من الماء وإذا وجد رجلا من أصحاب معاوية خضخضة بالعنزة حتى يقتله". نصر ابن مزاحم، واقعة صفين، الجزء الثامن، ص 519، http: //www.jawaher-kotob.com/down/index.php?
[222] فى الجامع لأحكام القرآن: {حتى إذآ أثخنتموهم} أى أكثرتم القتل.وابن كثير: {حتى إذا أثخنتموهم }[محمد: 4] أى أهلكتموهم قتلاً.ولدى الألوسى: {حتى إذا أثخنتموهم } أى أوقعتم القتل بهم بشدة وكثرة.كذلك رأى سيد قطب فى الظلال: حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق.. والإثخان شدة التقتيل، حتى تتحطم قوة العدو وتتهاوى، فلا تعود به قدرة على هجوم أو دفاع. وعندئذ - لا قبله - يؤسر من استأسر ويشد وثاقه. فأما والعدو ما يزال قويا فالإثخان والتقتيل يكون الهدف لتحطيم ذلك الخطر.
[223] الأم،، كتاب الحكم فى قتال المشركين، فى السبى، سبق ذكره.
[224] أبو يعلى الفراء، الأحكام السلطانية، http: //www.almeshkat.net/books/archive/books/ahkam%20sultanya2.zip
[225] شرح السير الكبير، 54 من 81، سبق ذكره.
[226] نفس الموضع.
[227] ابن تيمية، مجموعة الفتاوى، المجلد 28، سبق ذكره.
[228] أحمد ابن على ابن حجر، العسقلانى الشافعى الإصابة فى تمييز الصحابة، 10246،
 http: //www.al-eman.com/Islamlib/viewtoc.asp?BID=397
[229] كتاب السيرة الحلبية، الجزء 2، صفحة 443، سبق ذكره.
[230] السيرة النبوية لابن هشام، سبق ذكره (ذكر أن عددهم 400) - يوسف ابن عبد البر النمرى، الدرر فى اختصارالمغازى والسير، ص179 (ذكر أن عددهم 600 -700) ، http: //arabic.islamicweb.com/Books/seerah.asp?book=1
- كتاب السيرة الحلبية، الجزء 2، صفحة 664 (قدر عددهم ب 600 -755) ، سبق ذكره.
[231] الأم، كتاب الحكم فى قتال المشركين، فى السبى، سبق ذكره.
[232] لم يقتل الجميع لأسباب مختلفة منها إسلام بعضهم وشفاعة بعض المسلمين للبعض..تناولها ابن القيم تفصيلا، زاد الميعاد فى هدى خير العباد، سبق ذكره.
 [233] ابن كثير، البداية والنهاية، ‏ج6، ص‏‏637‏، سبق ذكره
[234] تاريخ الطبرى، الجزء الثانى، 314، سبق ذكره.
[235]السيوطى، تاريخ الخلفاء، فصل أبو جعفر عبد اللـه، سبق ذكره.
[236] الأم، كتاب الحكم فى قتال المشركين ومسألة مال الحربى، باب الفداء بالأسارى، سبق ذكره.
[237] ناقش الفقهاء بالتفصيل حكم الإسلام فى الأسرى فى كتبهم العديدة عادة تحت عنوان كتاب السير.استعرض الموضوع مثلا محى الدين النووى الدمشقى فى روضة الطالبين، من وجهة نظر الفقه الشافعى، 106 من 122،
 http: //www.al-eman.com/Islamlib/viewtoc.asp?BID=162
، كذلك استُعرض من وجهة نظر الفقه الحنفى فى المبسوط للسرخسى...
[238] منهم وهبة الزحيلى، آثار الحرب فى الفقه الإسلامى، سبق ذكره.وأحمد صبحى منصور،كتابات مختلفة.
[239] حين أرسل أبو بكر جيوشه لمحاربة المرتدين ومانعى الزكاة أرسل مع كل قائد منهم رسالة إلى القبيلة التى توجه إليها هذا نصها: إنى بعثت إليكم فلانا فى جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان وأمرته أن لا يقاتل أحداً ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية اللـه فمن استجاب له وأقر وكف وعمل صالحاً قبل منه وأعانه عليه ومن أبى أمرت أن يقاتله على ذلك ثم لا يبقى على أحد منهم قدر عليه وأن يحرقهم بالنار ويقتلهم كل قتله وأن يسبى النساء والذرارى (التشديد من عندنا) ولا يقبل من أحد إلا الإسلام. فمن اتبعه فهو خير له ومن تركه فلن يعجز اللـه. وقد أمرت رسولى أن يقرأ كتابى فى كل مجمع لكم والداعية الآذان. فإذا أذن المسلمون فأذنوا كف عنهم وأن أقروا قبل منهم وحملهم على ما ينبغي".تاريخ الرسل والملوك للطبرى، الجزء 2، 258، http: //www.almeshkat.net/books/open.php?cat=13&book=620&PHPSESSID=66fb86448405e11b64aa9fccfec863f6
[240] خلع "علماء" المدينة يزيد ابن معاوية من الخلافة سنة 63 هجرية وبايعوا عبد اللـه ابن حنظلة كخليفة فهاجم جيشه المدينة وقتل وسبى الكثير من أهلها.الطبقات الكبرى لابن سعد، الجزء الخامس، 61 من 118، http: //www.al-eman.com/Islamlib/viewtoc.asp?BID=185
، وفى تاريخ الخلفاء للسيوطى، ذكر أن عدد القتلى من قريش والأنصاربلغ 306 رجلا، باب يزيد ابن معاوية، سبق ذكره.
وذُكر أنه قد اغتصبت ألف فتاة عذراء فى الواقعة، الحافظ المؤرّخ شمس الدّين محمّد ابن أحمد ابن عثمان الذهبى، تاريخ الإسلام وَوفَيَات المشاهِير والأَعلام، http: //www.almeshkat.net/books/archive/books/tarek.zip
وجاء فى البداية والنهاية لابن كثير: " وزعم بعض علماء السَّلف أنَّه قتل فى غضون ذلك ألف بكر فالله أعلم‏.‏ وقال عبد اللـه بن وهب‏: ‏ عن الإمام مالك، قتل يوم الحرَّة سبعمائة رجل من حملة القرآن"-ج 6 ص 262، سبق ذكره.
[241] المبسوط للسرخسى، كتاب السير، باب المرتدين.
[242] كتاب السيرة الحلبية، الجزء 2، صفحة 585، سبق ذكره.
[243] الجزء 3، صفحة 181. ذكرت أيضا أحيانا بالتفصيل وأحيانا باختصار فيما يتعلق بطريقة القتل فى كتب السيرة منها: سيرة ابن هشام – الروض الأنف – السيرة الحلبية – المغازى والسير لابن سيد الناس.
[244] ابن سيد الناس، عيون الأثر فى المغازى والسير،، ملف 30 من 47،
http: //www.al-eman.com/Islamlib/viewtoc.asp?BID=183
[245] جاءت القصة بتفاصيل التفاصيل وبمختلف الروايات فى فتح البارى، كتاب المغازى، باب قتل كعب ابن الأشرف، سبق ذكره.
[246] سيرة ابن هشام،  غزوة عبدالله ابن رواحة لقتل اليسير ابن رزام، سبق ذكره.
[247] كتاب السيرة الحلبية، الجزء 3، صفحة 144، سبق ذكره.
[248] ابن هشام، نفسه
[249] السيرة الحلبية، 146، سبق ذكره.
[250] تاريخ الرسل والملوك للطبرى، الجزء 2، 208. ذكرت أيضا فى مراجع أخرى: البداية والنهاية لابن كثير..
        [251]                       د. جواد علي،المفصل،الفصل 163 ،سبق ذكره.
[252] الأحكام السلطانية، الباب الخامس، الفصل الثانى: فى قتال أهل البغى، سبق ذكره
[253] روضة الطالبين وعمدة المفتين، كتاب عقد الجزية والهدنة، الباب الثانى فى عقد الذمة، سبق ذكره.
[254] المجموع شرح المهذب، كتاب الديات، فصل الديات.و هو من كتب الشافعية.
[255] ابن القيم، أحكام أهل الذمة، 168، سبق ذكره
[256] هذه "الشروط العمرية" قد تغيرت من عصر لعصر ولا يُعرف بالدقة ماذا اشترط عمر ابن الخطاب فعلا ولكن ما يهمنا هنا ليس نسبها لعمر بالذات بل للفقه (وبالتالى للفكر) الإسلامى.و الإسلام المعاصر لم يستهجنها كمبدأ وإن كان قد غير وبدل فيها حسب الظروف، والبعض مازال مع ذلك يتكلم كما تكلم ابن عساكر أو ابن القيم. أنظر على سبيل المثال: مجلة " البيان" الإلكترونية، الأربعاء 26 صفر 1426ه -6 أبريل 2005 م، الموقف من الرأى الآخر نظرة شرعية، محمد ابن شاكر الشريف. والمقال الطويل يتكلم بالضبط مثلما تكلم ابن القيم ووفقا للشروط العمرية،
 http: //www.islammemo.cc/KASHAF/one_news.asp?IDnews=747
[257] كتاب أحكام أهل الذمة، 205، سبق ذكره.
[258] كتاب أحكام أهل الذمة، 259.
[259] كتاب أحكام أهل الذمة، 205.
[260] الأحكام السلطانية، الباب الثالث عشر، فى وضع الجزية والخراج، سبق ذكره.
[261] أبو يوسف يعقوب ابن ابراهيم، كتاب الخراج، الطبعة الأولى، المطبعة الميرية ببولاق مصر المحمية، مكتبة الإسكندرية برقم 0420034، مسجل تحت رقم 81284، ص 72.
 [262] "ذكر ابن المبارك عن إسماعيل ابن أبى خالد عن الشعبى أن عليا رضى اللـه عنه قال لأهل نجران إن عمر كان رشيد الأمر ولن أغير شيئا صنعه عمر
وقال الشعبى قال على حين قدم الكوفة ما جئت لأحل عقدة شدها عمر".
كتاب أحكام أهل الذمة، صفحة 206، سبق ذكره.
[263] ابن القيم، نفس المرجع، فصل فى حال خلفاء المسلمين مع أهل الذمة، ص87 - والفصل كبير يشرح فيه ابن القيم وضع أهل الذمة فى عصور عدد من الخلفاء.
[264] حللها وناقشها بشكل مفيد للغاية للباحثين الدكتور (أستاذ فى التاريخ) شفيق جاسر أحمد محمود، العهدة العمرية، http: //www.almeshkat.net/books/open.php?cat=18&book=2142&PHPSESSID=66fb86448405e11b64aa9fccfec863f6
[265] مثال ذلك رأى أحمد صبحى منصور، وآراؤه منشورة على: http: //www.rezgar.com/m.asp?i=627
وhttp://www.ahl-alquran.com/arabic/main.php. كذلك يذهب جمال البنا نفس المذهب، وعدد آخر من الإسلاميين المجتهدين.
 
[266] السيل الجرار، ص 373،  http: //www.yemen-sound.com/library/shawkanee.htm
[267] المغنى لابن قدامة، كتاب المرتج، الفصل الثالث،
http: //www.al3lm.ae/mb/kb_article.php?article_id=383  وhttp: //saaid.net/book/open.php?cat=4&book=1384
[268] يُنسب لعمر ابن الخطاب ما يفيد ذلك: " وعن محمد ابن عبد اللـه ابن عبد القارى قال‏: ‏ ‏ (‏قدم على عمر ابن الخطاب رجل من قبل أبى موسى فسأله عن الناس فأخبره ثم قال‏: ‏ هل من مغربة خبر قال‏: ‏ نعم كفر رجل بعد إسلامه قال‏: ‏ فما فعلتم به قال‏: ‏ قربناه فضربنا عنقه فقال عمر‏: ‏ هلا حبستموه ثلاثًاوأطعمتموه كل يوم رغيفًا واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر اللـه اللّهم لم أحضر ولم أرض إذ بلغني‏) ‏‏.‏ رواه الشافعى.‏  أثر عمر أخرجه أيضًا مالك فى الموطأ عن عبد الرحمن ابن محمد ابن عبد اللـه ابن عبد القارى عن أبيه قال الشافعى من لا يتأنى بالمرتد زعموا أن هذا الأثر عن عمر ليس بمتصل ورواه البيهقى من حديث أنس قال لما نزلنا على تستر فذكر الحديث وفيه فقدمت على عمر رضى اللـه عنه فقال يا أنس ما فعل الستة الرهط من بكر ابن وائل الذين ارتدوا عن الإسلام فلحقوا بالمشركين قال يا أمير المؤمنين قتلوا بالمعركة فاسترجع عمر قلت وهل كان سبيلهم إلا القتل قال نعم قال كنت أعرض عليهم الإسلام فإن أبوا أودعتهم السجن"- نقلا عن محمد ابن على ابن محمد الشوكانى، نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، الجزء الثامن - الردة - أبواب أحكام الردة والإسلام - باب قتل المرتد،   http: //saaid.net/book/open.php?cat=3&book=1465
[269] الجامع لأحكام القرآن، سورة البقرة، آية 217 -218.
[270]علاء الدين السمرقندى، تحفة الفقهاء، كتاب السير، باب أخذ الجزية وحكم المرتدين.
وذكر الشافعى فى "الأم": أخبرنا مالك عن عبد الرّحمن ابن محمّد ابن عبد اللـه ابن عبد القارى عن أبيه أنّه قال‏: ‏ قدم على عمر ابن الخطّاب رجل من قبل أبى موسى الأشعرى فسأله عن النّاس فأخبره ثمّ قال‏: ‏ هل كان فيكم من مغرّبة خبرٍ‏؟‏ فقال‏: ‏ نعم رجل كفر بعد إسلامه قال‏: ‏ فما فعلتم به‏؟‏ قال‏: ‏ قرّبناه فضربنا عنقه، فقال عمر‏: ‏ ‏"‏ فهلّا حبستموه ثلاثًا وأطعمتموه كلّ يومٍ رغيفًا، واستتبتموه لعلّه يتوب، ويراجع أمر اللـه اللّهمّ إنّى لم أحضر، ولم آمر، ولم أرض إذ بلغنى ‏"‏‏، 14 من 141، سبق ذكره.‏
[271] سبل السلام- شرح بلوغ المرام للصنعاني- باب الجنايات- باب قتل الجانى وقتل المرتد.
 http: //www.sahab.org/books/book.php?id=333
[272] تحفة الفقهاء، كتاب السير، باب أخذ الجزية وحكم المرتدين.
[273] عبد الرحمن الحزيرى: الفقه على المذاهب الأربعة، كتاب القصاص، باب التعزيز.
[274] المصادر هنا لاحصر لها منها: الأم فى فقه الإمام الشافعى، باب الاستسقاء، المرتد عن الإسلام، والخلاف فى المرتد حيث يناقش مسائل منها قتل المرأة المرتدة، سبق ذكره.
[275] الأم، الموضع السابق.
[276] وهى حجة قدمها بعض القائلين بأن الأصل فى العلاقة بين المسلمين والكفار هى السلام، مثال ذلك ما ذكره عباس محمود العقاد فى مقاله: حقوق الحرب فى الإسلام، سبق ذكره.
[277]أبو إسحاق إبراهيم ابن على ابن يوسف الفيروزآبادى، المهذب، كتاب الصلاة، فصل فى حكم تارك الصلاة.
[278] مجموعة الفتاوى، المجلد 18، فصل فى العدل القولى والصدق، الوجه السادس.
، سبق ذكره.
[279] البهوتى، الروض المربع، كتاب الجهاد، باب عقد الذمة وأحكامها،
 http: //www.almeshkat.net/books/open.php?cat=11&book=756&PHPSESSID=66fb86448405e11b64aa9fccfec863f6
[280] ابن قدامة، المغنى، الجزء 48، سبق ذكره.
[281] عبد الرحمن الجَزيرى، الفقه على المذاهب الأربعة، كتاب القصاص، حكم التعزيز، حكم الزنديق.
[282] المغني- الجزء 48، كتاب المرتد، سبق ذكره
[283] أبو بكر ابن مسعود ابن أحمد الكاشانى علاء الدين، بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع، الجزء الثالث، ص 100،، سبق ذكره.
[284] ابن قدامة، المغنى، كتاب النكاح، سبق ذكره.
[285] لقاء فى قناة الجزيرة القطرية يوم 31 يناير 2005.
[286] الإسلام والعلمانية وجها لوجه، الباب الثانى، تحديد المفاهيم، العلمانية والإلحاد،
 http: //www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=812&version=1&template_id=90&parent_id=1
[287] ملامح المجتمع الإسلامى الذى ننشده، الباب الأول، الفصل الأول، المجتمع المسلم ومواجهة الردة،
http: //www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=690&version=1&template_id=92&parent_id=1
 
[288] منهم المَوَّاق (محمد ابن يوسف) ، التاج والإكليل لمختصر خليل، كتاب دعوى الدم، باب فى الردة.
[289] أبى جعفر محمد ابن جرير الطبرى، جامع البيان عن تأويل آى القرآن، 12913.
[290] المبسوط للسرخسى، كتاب السير، باب المرتدين.
[291] ابن القيم، أحكام أهل الذمة، 277، http: //www.manaressabil.com/downkout.htm
[292] مجموعة فتاوى ابن تيمية، المجلد 28، سبق ذكره.
[293] ابن قدامة، المغنى، كتاب المرتد، سبق ذكره
[294] نقلا عن: محمد الصالح العثيمين، حكم تارك الصلاة، الفصل الأول، http: //www.al-eman.com/Islamlib/viewtoc.asp?BID=291
[295] نفس الموضع.
[296] مجموعة الفتاوى، المجلد الثامن والعشرون، سبق ذكره.
[297] نقدم هنا نصا كاملا فى حكم تارك الصلاة لدى الشافعية من كتاب المهذب، كتاب الصلاة، كنموذج للتعامل بشراسة مع امرئ غير رأيه أو غير فى طقوس دينه: "فصل فى حكم تارك الصلاة: ومن وجبت عليه الصلاة، وامتنع من فعلها: فإن كان جاحداً لوجوبها، فهو كافر، ويجب قتله بالردة؛ لأنه كذب اللـه تعالى فى خبره.وإن تركها، وهو معتقد لوجوبها، وجب عليه القتل.وقال المزنى: يضرب، ولا يقتل؛ والدليل على أنه يقتل قوله صلى اللـه عليه وسلم: «نهيت عن قتل المصلين» ولأنها إحدى دعائم الإسلام لا تدخلها النيابة بنفسٍ ولا مالٍ، فقتل بتركها؛ كالشهادتين ومتى يقتل؟ فيه وجهان قال أبو سعيدٍ الاصطخرى: يقتل بترك الصلاة الرابعة إذا ضاق وقتها فيقال له: إن صليت وإلا قتلناك؛ لأنه يجوز أن يكون ما دون ذلك تركه لعذرٍ.وقال أبو إسحاق: يقتل بترك الصلاة الثانية إذا ضاق وقتها، فيقال له: إن صليت، وإلا قتلناك؛ ويستتاب كما يستتاب المرتد؛ لأنه ليس بأعظم من المرتد.
وفى استتابة المرتد قولان:
أحدهما: ثلاثة أيامٍ.
والثانى: يستتاب فى الحال، فإن تاب، وإلا قتل، وكيف يقتل، المنصوص أنه يقتل ضرباً بالسيف. وقال أبو العباس: لا يقصد قتله، لكن يضرب بالخشب، وينخس بالسيف حتى يصلى أو يموت؛ كما يفعل بمن قصد النفس أو المال. ولا يكفر بترك الصلاة؛ لأن "الكفر" بالاعتقاد، واعتقاده صحيح، فلم يحكم بكفره.ومن أصحابنا من قال: يكفر بتركها؛ لقوله صلى اللـه عليه وسلم: «بين العبد و"الكفر" ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر» والمذهب الأول، والخبر متأول".
[298] كتاب أحكام أهل الذمة، 232، سبق ذكره.
[299] ابن القيم، أحكام أهل الذمة، 205، سبق ذكره.
[300] تناول هذه القضية فى الفقه الإسلامى ككل مستعرضا بالتفصيل الآراء المختلفة والأسس الفقهية للعقاب المقرر ابن تيمية فى كتابه: الصارم المسلول على شاتم الرسول،
 http: //www.almeshkat.net/books/open.php?cat=25&book=592&PHPSESSID=66fb86448405e11b64aa9fccfec863f6
[301] الجامع لأحكام القرآن للقرطبى، سورة التوبة، آية رقم 12.
[302] المحلى، 2308،  http: //saaid.net/book/open.php?cat=4&book=1224
[303] المغنى، الجزء الثامن والأربعون – كتاب المرتد، سبق ذكره.
[304] السرخسى، المبسوط، كتاب المرتد، سبق ذكره.
[305] أبو عبد اللـه الذهبى، رد البهتان عن معاوية ابن أبى سفيان، http: //www.saaid.net/Doat/Althahabi
[306] لم نستطع الاطلاع على الفتوى نفسها ولكم هذه أقوال عضو المجمع الدكتور عبد المعطى بيومى: "إن هناك فتاوى أصدرها المجمع فى السابق ترفض تصوير الأنبياء أو كبار الصحابة لأن تصوير النبى أو الصحابى ينتقل فى تصور الذهن البشرى من المطلق للمحدود" (التشديد من عندنا) ،
http: //www.sudanforum.net/forum/viewtopic.php?t=88812&sid=1c1e03939012186f1b82080d61fa49bf
[307] ذكر النووى الدمشقى فى روضة الطالبين" بأن يكون الذمى قائماً والمسلم الذى يأخذها جالساً ويأمره بأن يخرج يده من جيبه ويحنى ظهره ويطأطئ رأسه ويصب ما معه فى كفة الميزان ويأخذ المستوفى بلحيته ويضرب فى لهزمته وهى مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن من اللحى وهذا معنى الصغار عند بعضهم وهل هذه الهيئة واجبة أم مستحبة وجهان أصحهما مستحبة ويبنى عليهما أنه هل يجوز أن يوكل الذمى مسلماً بأداء الجزية وأن يضمنها مسلم عن ذمى وأن يحيل ذمى بها على مسلم فإن أوجبنا إقامة الصغار عند أداء الجزية لم يجز وإن قلنا المقصود تحصيل ذلك المال ويحصل الصغار بالتزامه المال والأحكام كرهاً جاز والضمان أولى بالصحة لأنه لا يمنع مطالبة الذمى وإقامة الصغار عليه ولو وكل ذمى ذمياً بالأداء قال الإمام الوجه طرد الخلاف ولو وكل مسلماً فى عقد الذمة له جاز لأن الصغار يرعى عند الأداء دون العقد‏.‏
قلت هذه الهيئة المذكورة أولاً لا نعلم لها على هذا الوجه أصلاً معتمداً وإنما ذكرها طائفة من أصحابنا الخراسانيين وقال جمهور الأصحاب تؤخذ الجزية برفق كأخذ الديون فالصواب الجزم بأن هذه الهيئة باطلة مردودة على من اخترعها ولم ينقل أن النبى صلى اللـه عليه وسلم ولا أحد من الخلفاء الراشدين فعل شيئاً منها مع أخذهم الجزية وقد قال الرافعى رحمه اللـه فى أول كتاب الجزية الأصح عند الأصحاب تفسير الصغار بالتزام أحكام الإسلام وجريانها عليهم وقالوا أشد الصغار على المرء أن يحكم عليه بما لا يعتقده ويضطر إلى احتماله واللـه أعلم‏".‏ كتاب عقد الجزية والهدنة، فصل تؤخذ الجزية على سبيل الصغار والإهانة، سبق ذكره. وفسرها الزمخشرى تفسيرا مشابها: "أى تؤخذ منهم على الصغار والذل‏.‏ وهو أن يأتى بها بنفسه ماشياً غير راكب ويسلمها وهو قائم والمتسلم جالس وأن يتلتل تلتلة ويؤخذ بتلبيبه ويقال له‏: ‏ أد الجزية وإن كان يؤديها ويزخ فى قفاه"، الكشاف، 34 من 116http: //www.al-eman.com/Islamlib/viewtoc.asp?BID=244
أما البهوتى فرأى أن يمتهنون عند أخذها أى أخذ الجزية ويطال وقوفهم وتجر أيديهم وجوبا لقوله وهم صاغرون. الروض المربع، كتاب الجهاد، باب عقد الذمة وأحكامها، سبق ذكره
[308] ذهب نفس المذهب ابن كثير والقرطبى والبيضاوى وغيرهم حتى من الفقهاء... قال الماوردى على سبيل المثال: "والجزية والخراج حقان أوصل اللـه سبحانه وتعالى المسلمين إليهما من المشركين يجتمعان من ثلاث أوجه، ويفترقان من ثلاثة أوجه، ثم تتفرع أحاكمهما فأما الأوجه التى يجتمعان فيها، فأحدها أن كل واحد منهما مأخوذ عن مشرك صغاراً له وذمة... "، الأحكام السلطانية، الباب الثالث عشر- فى وضع الجزية والخراج، سبق ذكره. وفى تفسير لجنة الأزهر جاءعن معنى صاغرون: " خاضعين طائعين غير متمردين. ليسهموا فى بناء الميزانية الإسلامية"، تفسير المنتخب، سبق ذكره.
[309] أحكام أهل الذمة، ص 1، سبق ذكره.
 [310] كمثال انظرتفسير الطبرى للآية الأخيرة
[311] أحكام أهل الذمة، ص 81
 [312] الأم، كتاب الجزية، من يلحق بأهل الكتاب، 75 من 141 س، سبق ذكره..
[313]أبو يوسف، كتاب الخراج، ص 69، سبق ذكره.
[314] عبد الرحمن ابن الشيخ محمد ابن سليمان، مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر فى الفقه الحنفى، كتاب السير، سبق ذكره.
[315] الماوردى، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، الباب الثالث عشر - فى وضع الجزية والخراج (ذكر: " وأخذها أبو حنيفة من عبدة الأوثان إذا كانوا عجماً ولم يأخذها منهم إذا كانوا عربا"ً) ، سبق ذكره.
[316] الجامع لأحكام القرآن، تفسيره للآية المذكورة.
[317] أحكام أهل الذمة، ص 4، سبق ذكره.
[318] تاريخ ابن خلدون، 68 من 258،، http: //www.al-eman.com/Islamlib/viewtoc.asp?BID=163.
[319] ابن قدامة، المغنى، الجزء الثالث والخمسون – كتاب الجزية، سبق ذكره.
[320] الحماية: وجمعها حمايات، وهى مكس يفرضه الأمير أو السلطان على بعض الأراضى والمتاجر والمراكب والأرزاق، ويقوم الأمير بحماية الشخص الذى يدفع ذلك المكس المقرر. معجم الوراق للألفاظ المحققة،
http: //www.alwaraq.com/Core/dg/dg_topic?ID=289
[321] د.جواد على، المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام، الفصل الثانى والثلاثون إمارات عربية شمالية، سبق ذكره.
[322] وسيم محمود فتح اللـه، الوجيز فى أحكام أهل الذمة، http: //saaid.net/book/open.php?cat=4&book=1164
[323] نفسه.
[324] انظر على سبيل المثال: د. منقذ ابن محمود السقار، الجزية فى الإسلام،
 http: //saaid.net/book/open.php?cat=88&book=1010
[325] لقاء على قناة الجزيرة فى 1997/10/12م. منشور بموقع الجزيرة على النت.
[326] ثار القبط ثورتهم الأولى فى علم 107 ه، بعد أن قرر والى الخراج فيها زيادة الخراج بما يساوى خمسة بالمائة منه. وكانت ثورة مصر الكبرى الثانية فى عهد المهدى واستمرت من عام 167 إلى عام 169 ه فى الصعيد والدلتا، بسبب تشدد الوالى فى اعتصار الخراج وزيادته. وتعددت ثورات العرب الذين استوطنوا منطقة الحوف الشرقى، فثاروا ثلاث مرات فى عهد الرشيد. كانت أولى ثوراتهم فى عام 178 ه، بسبب زيادة قيمة الخراج، والثانية فى عام 186 ه بسبب التلاعب بمسح الأرض. ويصل بهم الأمر فى عام 191 ه إلى حد الامتناع عن أداء الخراج، وقمعت كل هذه الثورات سريعا. ثم ثار عرب الحوف ثورتهم الكبرى فى عهد المأمون فى عام 214 ه وقمعت، ولكن الثورة ما لبثت أن اشتعلت مرة أخرى فى عام 216 ه، واشترك فيها القبط والعرب كلاهما بالوجه البحرى. ولم تهدأ الثورة إلا بعد حضور المأمون بنفسه فى عام 217 ه. عادل العمرى وشريف يونس، نشأة الخراج فى العصر الإسلامى، الراية العربية، العدد الأول، 1986، http: //www.geocities.com/sameh562001  وwww.rezgar.com
[327] السلام فى الإسلام، ص 21، سبق ذكره.
[328] د. منقذ ابن محمود السقار، الجزية فى الإسلام، سبق ذكره.
[329] هانى فحص، بين "الذمة" والمواطنة: تحرير المعنى وتحرير الإنسان، http://www.islamonline.com
 01/06/2003
[330] اليعقوبى، نقلا عن تامر باجن أوغلو، حقوق أهل الذمة فى الفقه الإسلامى، سبق ذكره.
[331] أبو القاسم عبد الرحمن ابن عبد اللـه ابن عبد الحكم القرشى المصرى، فتوح مصر والمغرب، ط2، 1999، مكتبة مدبولى، القاهرة، - مكتبة الإسكندرية تحت رقم 0354358 ومسجل برقم 72787، ص151. ومناطقهم: جذوعهم.
[332] الروض المربع – البهوتى، نفس الموضع.
[333] قال القرطبى: "قال علماؤنا: الذى دل عليه القرآن أن الجزية تؤخذ من المقاتلين... وهذا إجماع من العلماء على أن الجزية إنما توضع على جماجم الرجال الأحرار البالغين، وهم الذين يقاتلون دون النساء والذرية والعبيد والمجانين المغلوبين على عقولهم والشيخ الفانى واختلف فى الرهبان، فروى ابن وهب عن مالك أنها لا تؤخذ منهم‏.‏ قال مطرف وابن الماجشون‏: ‏ هذا إذا لم يترهب بعد فرضها فإن فرضت ثم ترهب لم يسقطها ترهبه‏.‏". الجامع لأحكام القرآن، سورة التوبة، آية 29.
[334] ابن حزم، المحلى، 960، سبق ذكره.
[335] ابن حزم، نفس الموضع.
[336] أبو يوسف، كتاب الخراج، ص 69، سبق ذكره.
[337] أحكام أهل الذمة، ص 245.
 [338] ولكنه من السنة العملية حيث فرضه محمد على أهل خيبر
[339] الأحكام السلطانية، الباب الثالث عشر، فى وضع الجزية والخراج، سبق ذكره.
[340] ابن عبد الحكم، فتوح مصر وأخبارها.ووفقا له أن رجلا أسلم فى عهد عمر ابن الخطاب فقال ضعوا الجزية عن أرضى فقال عمر لا إن أرضك فُتحت عنوة، ص 155، سبق ذكره.
[341] ‏حسب وصف ابن قدامة: " الأرض قسمان‏: ‏ صلح وعنوة‏، فأما الصلح فهو كل أرض صالح أهلها عليها لتكون لهم ويؤدون خراجا معلوما فهذه الأرض ملك لأربابها‏، وهذا الخراج فى حكم الجزية متى أسلموا سقط عنهم ولهم بيعها وهبتها ورهنها لأنها ملك لهم‏، وكذلك إن صالحوا على أداء شيء غير موظف على الأرض وكذلك كل أرض أسلم عليها أهلها كأرض المدينة وشبهها‏، فهذه ملك لأربابها لا خراج عليها ولهم التصرف فيها كيف شاءوا وأما الثانى، وهو ما فتح عنوة فهى ما أجلى عنها أهلها بالسيف ولم تقسم بين الغانمين‏، فهذه تصير للمسلمين يضرب عليها خراج معلوم يؤخذ منها فى كل عام‏، يكون أجرة لها وتقر فى أيدى أربابها ما داموا يؤدون خراجها‏، سواء كانوا مسلمين أو من أهل الذمة ولا يسقط خراجها بإسلام أربابها ولا بانتقالها إلى مسلم لأنه بمنزلة أجرتها ولم نعلم أن شيئا مما فتح عنوة قسم بين المسلمين إلا خيبر‏، فإن رسول اللـه - صلى اللـه عليه وسلم- قسم نصفها فصار ذلك لأهله لا خراج عليه‏، وسائر ما فتح عنوة مما فتحه عمر ابن الخطاب  رضى اللـه عنه  ومن بعده كأرض الشام والعراق ومصر وغيرها لم يقسم منه شيء‏، فروى أبو عبيد فى ‏"‏ الأموال ‏"‏ أن عمر  رضى اللـه عنه  قدم الجابية فأراد قسمة الأرض بين المسلمين‏، فقال له معاذ‏: ‏ واللـه إذا ليكونن ما تكره إنك إن قسمتها اليوم صار الريع العظيم فى أيدى القوم ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد والمرأة‏، ثم يأتى بعدهم قوم أخر يسدون من الإسلام مسدا وهم لا يجدون شيئا فانظر أمرا يسع أولهم وآخرهم فصار عمر إلى قول معاذ وروى أيضا قال‏: ‏ قال الماجشون‏: ‏ قال بلال لعمر ابن الخطاب  رضى اللـه عنه  فى القرى التى افتتحوها عنوة‏: ‏ اقسمها بيننا‏، وخذ خمسها فقال عمر‏: ‏ لا هذا عين المال ولكنى أحبسه فيئا يجرى عليهم وعلى المسلمين فقال بلال وأصحابه لعمر‏: ‏ اقسمها بيننا فقال عمر‏: ‏ اللهم اكفنى بلالا وذويه قال فما حال الحول ومنهم عين تطرف وروى، بإسناده عن سفيان ابن وهب الخولانى قال‏: ‏ لما افتتح عمرو ابن العاص مصر قام ابن الزبير‏، فقال‏: ‏ يا عمرو ابن العاص اقسمها فقال عمرو‏: ‏ لا أقسمها فقال ابن الزبير‏: ‏ لتقسمنها كما قسم رسول اللـه - صلى اللـه عليه وسلم- خيبر فقال عمرو‏: ‏ لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين فكتب إلى عمر‏، فكتب إليه عمر‏: ‏ أن دعها حتى يعروا منها حبل الحبلة قال القاضى: ‏ ولم ينقل عن النبى - صلى اللـه عليه وسلم- ولا عن أحد من الصحابة أنه قسم أرضا عنوة إلا خيبر"‏.‏المغنى، الجزء الرابع، كتاب الزكاة، سبق ذكره.
[342] يوسف القرضاوى، غير المسلمين فى المجتمع الإسلامى،
 http: //www.alqaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=440&version=1&template_id=93&parent_id=1:
[343] تفاصيل ضريبة أرض الخراج وأرض العشر مذكورة فى كتاب الخراج لأبى يوسف، ص ص 32 – 39، سبق ذكره.
[344] المواعظ والاعتبار فى ذكر الخطب والآثار، 17 من 167، سبق ذكره.
[345] يوسف القرضاوى، غير المسلمين فى المجتمع الإسلامى، نقلا عن الأموال للإمام أبى عبيد القاسم ابن سلام بتحقيق محمد خليل هراس. ط دار الشروق بالقاهرة، ص 710- 712) .،
 http: //www.alqaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=440&version=1&template_id=93&parent_id=1:
[346] القرضاوى، نفس المرجع، نقلا عن شرح العناية على الهداية ج 1 ص 532 (لمحمد محمود البابرتى)
[347] نفس الموضع، نقلا عن المودودى، حقوق أهل الذمة فى الدولة الإسلامية للأستاذ أبى الأعلى المودودى نشر دار الفكر ص 25) .
 [348] نفسه.
[349] أبو يوسف، كتاب الخراج، ص ص 20 – 22، سبق ذكره.
[350]: أحمد بن على بن عبد القادر، الحسينى، العبيدى، المقريزى، تقى الدين، أبو العباس، ، المواعظ والاعتبار فى ذكر الخطب والآثار، 17 من 167، http: //www.al-eman.com/Islamlib/viewtoc.asp?BID=224. وذكرها ابن عبد الحكم، فتوح مصر وأخبارها، ص 154، سبق ذكره.
 [351] قدامة ابن جعفر، الخراج وصناعة الكتابة، شرح وتعليق الكتور محمد حسين الزبيدى،، دار الرشيد للنشر، 1981، سلسلة كتب التراث-110، الجمهورية العراقية، وزارة الثقافة والإعلام، ص 226.
 [352] المقريزى، نفس الموضع.
 حسب ما ذكر عبد القديم زلوم: الدينار = 5 2. 4 جراما من الذهب، فأربعة دنانير = 17 جراما، الأموال فى دولة الخلافة، ص 69، دار ألأمة للطباعة والنشر، الطبعة الثالثة، بيروت 2004. منشور على:
 http: //www.hizb-ut-tahrir.org/arabic/kotob/htm/11amwl00.htm
[353] أبو يوسف، كتاب الخراج، ص ص28 - 29، سبق ذكره.
 [354] قدم ابن خلدون فى مقدمته مقدار الخراج المتحصل فى خلافة المأمون كالآتى: "وارد بيت المال ببغداد أيام المأمون وكذلك وجد بخط أحمد ابن محمد ابن عبد الحميد عمل بما يحمل إلى بيت المال ببغداد أيام المأمون من جميع النواحى نقلته من جراب الدولة‏: ‏ غلات السواد سبع وعشرون ألف ألف درهم مرتين وثمانمائة ألف درهم ومن الحلل النجرانية كنكر‏: ‏ أحد عشر ألف ألف درهم مرتين وستمائة ألف درهم‏.‏ كوردجلة‏: ‏ عشرون ألف ألف درهم وثمانمائة درهم‏.‏ حلوان‏: ‏ أربعة آلاف ألف درهم مرتين وثمانمائة ألف درهم‏.‏ الأهواز‏: ‏ خمسة وعشرون ألف درهم مرة ومن السكر ثلاثون ألف رطل‏.‏ فارس‏: ‏ سبعة وعشرون ألف ألف درهم ومن ماء الورد ثلاثون ألف قارورة ومن الزيت الأسود عشرون ألف رطل‏.‏ كرمان أربعة ألاف ألف درهم مرتين ومائتا ألف درهم ومن المتاع اليمانى الخمسمائة ثوب ومن التمر عشرون ألف رطل‏.‏ مكران‏: ‏ أربعمائة ألف درهم مرة‏.‏ السند وما يليه‏: ‏ أحد عشر ألف ألف درهم مرتين وخمسمائة ألف درهم ومن العود الهندى مائة وخمسون رطلاً‏.‏ سجستان‏: ‏ أربعة ألاف ألف درهم مرتين ومن الثياب المعينة ثلاثمائة ثوب ومن الفانيد عشرون رطلاً‏.‏ خراسان‏: ‏ ثمانية وعشرون ألف ألف درهم مرتين ومن نقر الفضة ألفا نقرة ومن البراذين أربعة جرجان‏: ‏ اثنا عشر ألف ألف درهم مرتين ومن الأبريسم ألف شقة‏.‏ قومس‏: ‏ ألف ألف درهم مرتين وخمسمائة ألف من نقر الفضة‏.‏ طبرستان والربان ونهاوند‏: ‏ ستة ألاف ألف مرتين وثلاثمائة ألف ومن الفرش الطبرى ستمائة قطعة ومن الأكسية مائتان ومن الثياب خمسمائة ثوب ومن المناديل ثلاثمائة ومن الجامات ثلاثمائة‏.‏ الرى: ‏ اثنا عشر ألف ألف درهم مرتين ومن العسل عشرون ألف رطل‏.‏ همدان‏: ‏ أحد عشر ألف ألف درهم مرتين وثلاثمائة ألف ومن رب الرمان ألف رطل ومن العسل اثنا عشر ألف رطل‏.‏ ما بين البصرة والكوفة‏: ‏ عشرة ألف ألف درهم مرتين وسبعمائة ألف درهم‏.‏ ماسبذان والدينار‏: ‏ أربعة ألاف ألف درهم مرتين‏.‏ شهرزور‏: ‏ ستة ألاف ألف درهم مرتين وسبعمائة ألف درهم‏.‏ الموصل وما إليها‏: ‏ أربعة وعشرون ألف ألف درهم مرتين ومن العسل الأبيض عشرون ألف ألف رطل‏.‏ أذربيجان‏: ‏ أربعة ألاف ألف درهم مرتين‏.‏ الجزيرة وما يليها من أعمال الفرات‏: ‏ أربعة وثلاثون ألف ألف درهم مرتين ومن الرقيق ألف رأس ومن العسل اثنا عشر ألف زق ومن البزاة عشرة ومن الأكسية عشرون‏.‏ أرمينية‏: ‏ ثلاثة عشر ألف ألف درهم مرتين ومن القسط المحفور عشرون ومن الزقم خمسمائة وثلاثون رطلاً ومن المسايج السور ماهى عشرة ألاف رطل ومن الصونج عشرة آلاف رطل ومن البغال مائتان ومن المهرة ثلاثون‏.‏ قنسرين‏: ‏ أربعمائة ألف دينار ومن الزيت ألف حمل‏.‏ دمشق‏: ‏ أربعمائة ألف دينار وعشرون ألف دينار‏.‏ الأردن‏: ‏ سبعة وتسعون ألف دينار‏.‏ فلسطين‏: ‏ ثلاثمائة ألف دينار وعشرة ألاف دينار ومن الزيت ثلاثمائة ألف رطل‏.‏ مصر‏: ‏ ألف ألف دينار وتسعمائة ألف دينار وعشرون ألف دينار‏.‏ برقة‏: ‏ ألف ألف درهم مرتين‏.‏ إفريقية‏: ‏ ثلاثة عشر ألف ألف درهم مرتين ومن البسط مائة وعشرون‏.‏ اليمن‏: ‏ ثلاثمائة ألف دينار وسبعون ألف دينار سوى المتاع‏.‏ الحجاز‏: ‏ ثلاثمائة ألف دينار‏.‏ انتهى.‏ وأما الأندلس فالذى ذكره الثقات من مؤرخيها أن عبد الرحمن الناصر خلف فى بيوت أمواله خمسة ألاف ألف ألف دينار مكررة ثلاث مرات يكون جملتها بالقناطير خمسمائة ألف قنطار‏.‏ ورأيت فى بعض تواريخ الرشيد أن المحمول إلى بيت المال فى أيامه سبعة ألاف قنطار وخمسمائة قنطار فى كل سنة". تاريخ ابن خلدون، المقدمة، سبق ذكره.
كما أورد الواقدى أن خراج السواد على عهد عمر ابن الخطاب كان مئة مليون درهم، فتوح البلدان، 18 من 29، سبق ذكره.
[355] مجموعة الفتاوى، المجلد 28، سبق ذكره.
[356] ابن القيم، أحكام أهل الذمة، مواضع عديدة، منها الجزء 3، صفحة 1362، 1366.
[357] الماوردى، الأحكام السلطانية، نفس الموضع.
[358] لقاء على قناة الجزيرة فى 1997/10/12م. منشور بموقع الجزيرة على النت.                         
[359] المبسوط للسرخسى، كتاب السير، باب آخر فى الغنيمة.
[360] عبد القديم زلوم، سبق ذكره، ص 69.
[361] حسب تعريف كل من لسان العرب والقاموس المحيط.
 [362] محيى الدين ابن شرف النووى الدمشقى، روضة الطالبين، 106 من 122، سبق ذكره.
[363] التاج والإكليل لمختصر خليل، كتاب الجهاد وأحكام المسابقة، باب الجهاد وأحكامه.
[364] ذكر ابن قدامة: " ولنا: ما روى الزهرى «أن رسول اللـه استعان بناس من اليهود فى حربه فأسهم لهم» رواه سعيد فى سننه، وروى «أن صفوان ابن أمية خرج مع النبى يوم خيبر وهو على شركه فأسهم له وأعطاه من سهم المؤلفة"- المغنى، كتاب الجهاد، سبق ذكره.
 
[365] تاريخ الطبرى، الجزء 2، 540 (من شروط الصلح: ومن حشر منهم فى سنة وضع عنه جزاء تلك السنة) ، سبق ذكره.
[366] "ولأن الجزية صغار فلا تؤخذ منه كما لو أسلم قبل الحول‏، ‏ ولأن الجزية عقوبة تجب بسبب "الكفر" فيسقطها الإسلام كالقتل وبهذا فارق سائر الديون"، ابن قدامة، المغنى.
 [367] الماوردى، الأحكام السلطانية، يقسم الجند إلى: "مسترزقة ومتطوعة، فأما المسترزقة فهم أصحاب الديوان من أهل الفيء والجهاد، يفرض لهم العطاء من بيت المال من الفيء بحسب الغنى والحاجة. وأما المتطوعة فهم الخارجون عن الديوان من البوادى والأعراب وسكان القرى والأمصار الذين خرجوا فى النفير". الباب الرابع، فى تقليد الإمارة على الجهاد، سبق ذكره.
[368] الماوردى، نفس الموضع
[369] ابن تيمية، مجموعة الفتاوى، المجلد 28، فصل: حد القتل، سبق ذكره
[370] فقه السنة، سيد سابق، ج2 ص 528، منشور على: http://www.ahlalhdeeth.com. وقد لخصها ابن رشد كالآتى: وأما قتل المؤمن بالكافر الذمى، فاختلف العلماء فى ذلك على ثلاثة أقوال‏: ‏ فقال قوم‏: ‏ لا يقتل مؤمن بكافر، وممن قال به الشافعى والثورى وأحمد وداود وجماعة‏.‏ وقال قوم‏: ‏ يقتل به، وممن قال بذلك أبو حنيفة وأصحابه وابن أبى ليلى.‏ وقال مالك والليث‏: ‏ لا يقتل به إلا أن يقتله غيلة، وقتل الغيلة أن يضجعه فيذبحه وبخاصة على ماله‏.‏بداية المجتهد ونهاية المقتصد، الجزء الثانى، كتاب القصاص، سبق ذكره.
[371] منار السبيل فى شرح الدليل، تأليف الشيخ إبراهيم ابن محمد ابن سالم ابن ضويان، كتاب الجنايات، باب شروط القصاص فى النفس. http: //saaid.net/book/open.php?cat=4&book=854
[372] ابن تيمية، مجموعة الفتاوى، المجلد 34، كتاب الجنايات، سبق ذكره
 [373] المجموع شرح المهذب، كتاب الديات، باب الديات.
[374] منهم ناصر ابن حمد الفهد، خلاصة بعض أفكار الشيخ يوسف القرضاوى، http: //www.saaid.net/Warathah/Alfahed/5.zip
[375] السنة النبوية بين أهل الفقه.. وأهل الحديث http: //www.alwihdah.com/downloads/ghazaly02.zip
[376] السيل الجرار، الجزء الرابع، 196، سبق ذكره.
[377] المبسوط للسرخسى، كتاب الشهادات، باب من لا تجوز شهادته.
[378] المبسوط للسرخسى كتاب اختلاف أبى حنيفة وابن أبى ليلى.
[379] الأم كتاب الحدود وصفة النفى، باب حد الذميين إذا زنوا، سبق ذكره.
 [380] ابن قدامة، المغنى، كتاب الشهادات، سبق ذكره.
[381] الكافى فى فقه الإمام أحمد، كتاب الشهادات، باب من تقبل شهادته ومن ترد،. 55 من 68
 http: //www.al-eman.com/Islamlib/viewtoc.asp?BID=380
[382]وسيم محمود فتح اللـه، الوجيز فى أحكام أهل الذمة (سبق ذكره) ، نقلا عن الفقه الإسلامى وأدلته – الزحيلى - 5890
[383] البهوتى، الروض المربع - 242-243، سبق ذكره
[384] فى حكم الزنا للمتزوجين اختلف الفقهاء فى حكم أهل الذمة، فرأى أبو حنيفة أن عقوبة الذمى والذمية فى جريمة الزنا هى: الجلد أبدًا، لا الرجم، لأنه يشترط فى توافر الإحصان -الموجب التغليظ فى العقوبة- الإسلام!!. نقلا عن يوسف القرضاوى، غير المسلمين فى المجتمع الإسلامى، سبق ذكره.
 [385] ابن القيم، أحكام أهل الذمة، ص 163، فصل توارث أهل ملتين، سبق ذكره.
[386] شرح النووى، كتاب الفرائض، شروح الحديث
[387] بدائع الفوائد، (1)
 http: //www.almeshkat.com/books/open.php?cat=26&book=714&PHPSESSID=d48c4d9060144fdcd6178d4722986b0d
[388] من المصادر كتاب المبسوط للسرخسى، كتاب النكاح، باب الأكفاء، وكتاب حاشية ابن عابدين لمحمد أمين ابن عابدين، كتاب النكاح، باب الكفاءة.
[389] المدونة الكبرى، كتاب النكاح السادس.
[390] ابن قدامة، المغنى، كتاب النكاح، باب ما يحرم نكاحه والجمع بينه وغير ذلك، سبق ذكره.
[391] السيل الجرار، كتاب النكاح، ص ص 253 – 254، سبق ذكره.
[392] هذا التناقض واضح ولم يستطع ابن القيم أن يبرره.أنظر أحكام أهل الذمة، 158 - فصل نكاح المجوس وأكل ذبائحهم. من الذين أباحوا أكل ذبائح المجوس والزواج منهم "أبو ثور"، أشار إليه ابن القيم، نفس المرجع، باب الجزية.
[393] نفس الموضع.
[394] الأم، كتاب الجزية، سبق ذكره.
[395] المبسوط للسرخسى، كتاب النكاح، باب نكاح أهل الحرب، سبق ذكره.
[396] زواج المسلم من الكتابيات.. حقائق وضوابط
www.islamonline.netfatwaaraicFatwaDisplay.asp?hFatwaID=1385
[397] الإسلام والعلمانية وجها لوجه، الباب الثانى: تحديد المفاهيم، دستور العلاقة مع غير المسلمين،
 http: //www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=812&version=1&template_id=90&parent_id=1
[398] وفقا لابن القيم "حرم عليهم نكاح المسلمات إذ كان فيه نوع استعلاء عليهن"، أحكام أهل الذمة، 110.ووفقا للشافعية " فالمسلمات محرمات على المشركين منهم بالقرآن على كل حالٍ، وعليٰ مشركى أهل الكتاب لقطع الولاية بين المشركين والمسلمين"، الأم، كتاب النكاح، سبق ذكره.
[399] الولاء والبراء فى الاسلام قراءة تحليلية لسورة الممتحنة،http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=74381
 
[400] حديث لصحيفة الشرق الأوسط يوم الأحد 9 أبريل 2006، قال حرفيا: "التخرصات والأباطيل التى تمنع زواج المرأة المسلمة من الكتابى، لا أساس لها من الدين، ولا تقوم على ساق من الشرع الحنيف".
[401] الشوكانى، نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، الجزء السادس، باب الزوجين الكافرين يسلم أحدهما قبل الأخر، نقل الرأى عن ابن القيم واصفا إياه بأنه فى غاية الحسن، سبق ذكره.
[402] ترفض الكنيسة فى بعض البلاد الزواج بين ملل مسيحية أو أديان مختلفة. ولكن المسيحية لا تعترف أصلا بوجود ملل مختلفة والكتاب المقدس لا يبيح الطلاق إلا لعلة الزنا.والأهم أن وجود تعصبات مسيحية أو يهودية لا يقودنا آليا لاستنتاج ما يسمى بسماحة الإسلام الذى يضع حتى بالنص المقدس قيودا قوية على حرية التزاوج.و عموما لايبدو لنا أن هناك من الأديان ما يعرف السماحة فى أمور العقيدة كما يعرفها اللادينيون والعلمانيون.
[403] الجامع لأحكام القرآن، سورة النور، آية 4 -5.
[404] بداية المجتهد ونهاية المقتصد، كتاب القذف، 28 من 28، سبق ذكره
[405] قال ابن القيم: "وأما حكم الولد هل يتبع أباه أو أمه فالولد يتبع خير أبويه دينا فإن نكح الكتابى مجوسية فالولد كتابى وإن وطئ مجوسى كتابية بشبهة فالولد كتابى أيضا وإن كان أحدهما يهوديا والآخر نصرانيا فالظاهر أن الولد يكون نصرانيا وصرح به أصحاب أبى حنيفة فإن النصارى تؤمن بموسى والمسيح واليهود تكفر بالمسيح فالنصارى أقرب إلى المسلمين.."، أحكام أهل الذمة، 140.سبق ذكره.
[406] تحفة الفقهاء، كتاب السير، باب أخذ الجزية وحكم المرتدين.
[407] ابن القيم الجوزية، أحكام أهل الذمة، 26، سبق ذكره.
[408] نفس الموضع
[409] نقلا عن سيد القمنى، شكرا ابن لادن، الجزء الثانى، ص 138،، الطبعة الأولى، 2004، دار مصر المحروسة، القاهرة.وقد أكدت السيدة ذلك فى لقاء تلفزيونى فى أبريل 2006.
[410] فنلاحظ أنه بعد قرون من انتشار الإسلام يستخدم ابن القيم لفظ "العرب" بمعنى المسلمين و"العجم"بمعنى "الكفار"!.وليس هو الوحيد الذى فعل ذلك.
[411] ص ص 209 -210
[412] الماوردى، المرجع السابق، الباب الثالث عشر.
[413] مسألة فى الكنائس، تحقيق وتعليق الشيخ على ابن عبدالعزيز ابن على الشبل،
 http: //saaid.net/book/open.php?cat=88&book=1335
[414] غير المسلمين فى المجتمع الإسلامى،
 http: //www.alqaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=440&version=1&template_id=93&parent_id=1:  
[415] هناك فى التراث الإسلامى الكثير جدا من القرارات المتعسفة ضد أهل الذمة والى لم نذكر معظمها هنا نظرا إلى أن عموم الفقهاء وعامة المسلمين لم يأخذوها بجدية، منها الكثير مما سنه عمر ابن الخطاب وعمر ابن عبد العزيز وهما أكثر الخلفاء تشددا مع أهل الذمة فى الإسلام حسب المصادر الإسلامية.
[416] ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، سبق ذكره.
[417] ابن القيم الجوزية، أحكام أهل الذمة، 237، سبق ذكره.
[418] الفتاوى الكبرى، 338، سبق ذكره.
[419] ذكر الجبرتى: " واستهل شهر جمادى الأولى بيوم الأحد سنة 1233 فيه نودى على طائفة المخالفين للملة من الأقباط والأروام بأن يلزموا زيهم من الأزرق والأسود ولا يلبسوا العمائم البيض لأنهم خرجوا عن الحد فى كل شيء ويتعممون بالشيلان الكشميرى الملونة والغالية فى الثمن ويركبون الرهوانات والبغال والخيول وأمامهم وخلفهم الخدم بأديدهم العصى يطردون الناس عن طريقهم ولا يظن الرائى لهم إلا أنهم من أعيان الدولة ويلبسون الأسلحة وتخرج الطائفة منهم إلى الخلاء ويعملون لهم نشنبًا يضربون عليه بالبنادق الرصاص وغير ذلك فما أحسن هذا النهى لو دام‏"عجائب الآثار فى التراجم والأخبار، الجزء الثالث، 127 من 131،
http: //www.al-eman.com/Islamlib/viewtoc.asp?BID=176‏
[420] أحكام أهل الذمة، 249، سبق ذكره.
[421] هاك على سبيل المثال كلام أبى حنيفة؛ الأكثر اعتدالا فى فقهاء السنة: وإن استأجر الذمى داراً سنة بالكوفة بكذا درهماً من مسلم فإن اتخذ فيها مصلى لنفسه دون الجماعة لم يكن لرب الدار أن يمنعه من ذلك؛ لأنه استحق سكناها وهذا من توابع السكنى.
وإن أراد أن يتخذ فيها مصلى للعامة ويضرب فيها بالناقوس فلرب الدار أن يمنعه من ذلك وليس ذلك من قبل أنه يملك الدار ولكن على سبيل النهى عن المنكر فإنهم يمنعون من أحداث الكنائس فى أمصار المسلمين فلكل مسلم أن يمنعه من ذلك كما يمنعه رب الدار وهذا لقوله «لا خصاء فى الإسلام ولا كنيسة» والمراد نفى أحداث الكنائس فى أمصار المسلمين. (المبسوط للسرخسى، كتاب الإيجارات، باب إجارة الدور والبيوت) ، سبق ذكره.
[422] شرح السير الكبير – الجزء الأول - باب دخول المشركين المسجد، سبق ذكره.
[423] كتاب الكافى فى فقه الإمام أحمد - باب المأخوذ من أحكام أهل الذمة - فصل فى منعهم دخول المساجد، سبق ذكره.
[424]ابن العربى فى تفسيره للآية فى أحكام القرآن، سبق ذكره.
[425] الكاشانى مثلا فى بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع، الجزء الثانى، ص 272، سبق ذكره (قال: لان الشرع قطع ولاية الكافرين عن المؤمنين بقوله تعالى ولن يجعل اللـه للكافرين على المؤمنين سبيلا) .
[426] الأم، كتاب بقتال أهل البغى، سبق ذكره.
[427] الماوردى، الأحكام السلطانية، الباب السادس، ولاية القضاء، سبق ذكره.
[428] كتاب: الإقناع فى حل ألفاظ بنى شجاع، كتاب الأقضية والشهادات.
[429] الأحكام السلطانية، الباب الثانى، سبق ذكره..
[430] شرح السيوطى لسنن النسائى، كتاب الزينة، شروح الحديث
[431] فصل فى سياق الآيات الدالة على غش أهل الذمة للمسلمين وعداوتهم وخيانتهم وتمنيهم السوء لهم ومعاداة الرب تعالى لمن أعزهم أو والاهم أو ولاهم أمور المسلمين، 98 فصل حكم تولية أهل الذمة بعض شؤون البلاد الإسلامية
[432] الجامع للأحكام القرآن، تفسير سورة آل عمران آية 118.
[433] عبد الكريم محمد مطيع الحمداوى، فقه الأحكام السلطانية، الباب الرابع، الفصل الثانى: بواكير التصنيف السياسى،
 http: //www.forsan.net/books/books/feqah_ahkam_sultaneya.rar
[434] نفسه.
[435] الولاية العامة لغير المسلمين فى المجتمع الإسلامى،
 http: //www.islamonline.net/Arabic/contemporary/2005/07/article01b.shtml
[436] حوار فى قناة الجزيرة في1997/10/12م
[437] يوسف القرضاوى، غير المسلمين فى المجتمع الإسلامى، الباب الخامس، سبق ذكره.
[438] القرطبى، الطبرى، ابن كثير، البغوى، الثعالبى، البغوى، الألوسى،
[439] إبراهيم ابن محمد ابن سالم ابن ضويان (فقيه حنبلي) ، منار السبيل، كتاب الجهاد.
[440] بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع، كتاب الجهاد، باب العشر والخراج والجزية، سبق ذكره
[441] أحكام النساء، رواية أبى بكر الخلال، 34 – 36،
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=24164&highlight=%C7%E1%E4%D5+%C7%E1%D5%CD%ED%CD+%E1%DF%CA%C7%C8+%C3%CD%DF%C7%E3+%C7%E1%E4%D3%C7%C1
[442] ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، سبق ذكره.
[443] جاء فى صحيح مسلم- 5366: "حدثنا أحمد ابن عبد اللـه ابن يونس. حدثنا زهير. حدثنا عاصم الأحول عن أبى عثمان، قال: كتب إلينا عمر ونحن بأذربيجان:... وإياكم والتنعم، وزى أهل الشرك، ولبوس الحرير... " وجاء فى صحيح مسلم: 5389  "حدّثنا مُحَمَّدُ ابن الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُعَاذُ ابن هِشَامٍ. حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ يَحْيَىٰ. حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ ابن إِبْرَاهِيمَ ابن الْحَارِثِ أَنَّ ابْنَ مَعْدَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّ جُبَيْرَ ابن نُفَيْرٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللـه ابن عَمْرِو ابن الْعَاصِ، أَخْبَرَهُ. قَالَ: رَأَىٰ رَسُولُ اللـه عَلَى ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ. فَقَالَ «إِنَّ هَٰذِهِ مِنْ ثِيَابِ "الكفار"، فَلاَ تَلْبَسْهَا».
[444] عبدالملك القاسم، الولاء والبراء، http: //www.murajaat.com/alwala_walbra.php
[445] اقتضاء الصراط المستقيم، النهى عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، سبق ذكره.
[446] عبدالله ابن عبدالبارى الأهدل، السيف البتارعلى من يوالى "الكفار" ويتخذهم من دون اللـه ورسوله والمؤمنين أنصار، http: //saaid.net/book/open.php?cat=1&book=83
 [447] أبى الفرج ابن رجب الحنبلى، الحكم الجديرة بالإذاعة. http: //saaid.net/book/open.php?cat=3&book=771
وhttp: //www.manaressabil.com/livres/downrajab.htm
[448] الجامع لأحكام القرآن، تفسير سورة آل عمران آية118.
[449] أحكام أهل الذمة، 84، سبق ذكره.
[450] سبل السلام شرح بلوغ المرام، باب الجزية والهدنة.
[451]محيى الدين ابن شرف النووى الدمشقى، ‏روضة الطالبين، 106 من 122، سبق ذكره.
[452] سبل السلام شرح بلوغ المرام، سبق ذكره
[453] أحكام أهل الذمة – ابن قيم الجوزية – 252، سبق ذكره.
[454] نفسه، 31.
[455] الأم، كتاب سير الأوزاعى، ذبيحة المرتد، سبق ذكره.
[456] المبسوط للسرخسى، كتاب الشربة
[457] الحلال والحرام فى الإسلام، الباب الثانى،
 http: //www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=192&version=1&template_id=5&parent_id=1
[458] نفسه.
[459] مجموعة الفتاوى، مجلد 28، سبق ذكره.
[460] أبو يَعْلَى الفّراء، المسائل الفقهية، كتاب السير، تجديد معابد أهل الكتاب، انتقاض عهدالذمى المخالفة للشروط.
[461] http: //www.almeshkat.net/books/open.php?cat=25&book=592&PHPSESSID=66fb86448405e11b64aa9fccfec863f6
[462] كتاب أحكام أهل الذمة، 263، سبق ذكره..






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,683,851,334
- كتاب - النزعة المركزية الإسلامية - علاقة الإسلام بالآخر


المزيد.....




- -مرتزقة بريطانيون- يقاتلون تنظيم -الدولة الإسلامية-
- اليوم.. الحكم في طعون «الأزهر» لتنفيذ قرار فصل طلاب «الإخوان ...
- محنة الإسلاميين بين طموحات الثورة ومقتضيات الدولة
- بالفيديو.. «الرقص» بما لا يخالف شرع الله !
- البحرينيون اقترعوا في ظل مقاطعة المعارضة الشيعية
- يوميات الحرب الليبية (الحلقة السادسة): ميليشيات الإخوان تتج ...
- مدارس إسلامية مستقلة في بريطانيا قد تتعرض للإغلاق إن لم تتخ ...
- الأردن: توقيف نائب المراقب العام لـ«الإخوان» وفق قانون منع ...
- نتنياهو يصر على تمرير قانون يغلب اليهودية على الديمقراطية ف ...
- مواجهات عنيفة بين الفلسطينيين والإسرائيليين بعد صلاة الجمعة ...


المزيد.....

- العبوديّة من أصول الإسلام / مالك بارودي
- داعش في ميزان سيرة محمد بن آمنة / مالك بارودي
- العنف .. فى جوهر الإسلام؟ / خليل كلفت
- الدولة الإسلامية .. كابوس لا ينتهي.! / أحمد سعده
- إقطعوا الطريق على حمام دم في تونس / العفيف الأخضر
- كيف تناولت الماركسية مسألة الدين؟ / تاج السر عثمان
- الدولة الدينية طوعاً أو كرهاً / العفيف الأخضر
- عملية قلب مفتوح فى خرافات الدين السًّنى / أحمد صبحى منصور
- تاريخ الاسلام المبكر / محمد آل عيسى
- اساطير التوراه واسطورة الاناجيل (1) / هشام حتاته


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عادل الحريري - النزعة المركزية الإسلامية رؤية الإسلام للآخر - الجزء الاول