بشير الحامدي في حوار مفتوح مع القارئات و القراء حول: ثورة الحرية والكرامة في تونس وآفاقها، دور ومكانة قوي اليسار والطبقة العاملة و النقابات.


بشير الحامدي
الحوار المتمدن - العدد: 3394 - 2011 / 6 / 12 - 17:05
المحور: مقابلات و حوارات     

أجرى الحوار: فواز فرحان
من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا – 56 - سيكون مع الاستاذ بشير الحامدي  من قيادات رابطة اليسار العمالي حول: ثورة الحرية والكرامة في تونس وآفاقها، دور ومكانة قوي اليسار والطبقة العاملة و النقابات.


1 ــ بعد القضاء على الدكتاتورية وتحطيم قيودها ، هل تعتقد بأن الشعب التونسي قادر على الوصول لضفة الأمان وتحقيق المنجزات القادرة على بناء تونس علمانية مدنية حديثة ؟ وفي ضوء ذلك كيف ترى دور ومكانة قوى اليسار في تونس؟


أولا لابد من توضيح مسألة مهمة قبل الإجابة على هذا السؤال ألا وهي أن الثورة التونسية والتي إنطلقت في 17 ديسمبر 2010 بانتفاضة جهة سيدي بوزيد التي توسعت في ظرف زمني قصير وشملت كل جهات البلاد ولئن وتمكنت من الإطاحة بالدكتاتور بن علي الذي فرّ يوم 14 جانفي فإنها ما زالت تراوح في القضاء على الدكتاتورية وعلى بقايا نظامه الفاسد. إن منجز الثورة إلى حدّ الآن مازال أقل بقليل مما كانت تطمح إليه الجماهير الشعبية التي ثارت على نظام الإستبداد والفساد نظام بن علي. بالطبع إن لذلك أسبابا تعود بالدرجة الأولى إلى الضعف الذي كانت عليه الحركة الشعبية سياسيا وتنظيميا أثناء إنطلاق أحداث الثورة وهو وضع مستمر إلى اليوم فلا الحركة الشعبية قدرت ومن داخلها وأثناء السيرورة الثورية أو بعدها على تجذير أشكال تنظمها الذاتي التي نشأت مع إنطلاق الأحداث في شكل لجان ومجالس لحماية الثورة والرقي بها إلى مستوى هيئات سلطة شعبية مواطنية قاعدية تطرح على نفسها إنجاز مهمات الثورة واستكمالها حتى القضاء على الدكتاتورية على قاعدة برنامج انتقالي سياسي واقتصادي واجتماعي ولا الحركة السياسية اليسارية الديمقراطية ممثلة في تيارات اليسار الماركسي والتيارات القومية قدرت هي أيضا على طرح مسألة السلطة و راكمت سياسيا وتنظيميا من أجل الوصول إلى هذا الهدف. إن كل ذلك سمح لبقايا نظام بن علي بأن يلتفوا على مطالب الجماهير وأن ينصبوا أنفسهم سلطة مؤقتة للمرحلة الانتقالية المستمرة إلى اليوم والتي وضعوا لها أفقا هو انتخاب مجلس تأسيسي الذي وضعت له قوانين لا يمكن في الأخير أن تفرز غير برلمان برجوازي سيعاد فيه تمثيل التجميعيون الذين وبعد حل حزب التجمع الدستوري الديمقراطي سمحت لهم الحكومة المؤقته بتكوين أكثر من عشرين حزبا كما الأحزاب الليبرالية وحزب النهضة . لذلك فالحركة الشعبية ولئن تمكنت من فرض بعض المطالب ودفعت السلطة اللاشرعية المؤقتة إلى بعض التنازلات الجزئية خصوصا في المرحلة التي تلت 14 جانفي كحل حزب التجمع الدستوري الديمقراطي وحل البوليس السياسي فإن أغلب مطالب الجماهير[ التشغيل ـ مصادرة أملاك عائلة الدكتاتورـ مراجعة مسألة الجباية ـ مراجعة قوانين الاستثمار والشراكة ـ عدم خلاص ديون المتجلدة من عهد الدكتاتور بن علي ـ محاسبة المسؤولين في نظام بن علي على الجرائم السياسية والاقتصادية التي ارتكبوها في حق الشعب والوطن ـ تحرير الإعلام ـ ضمان استقلالية القضاء ] لم تنجز لا بل أكثر من ذلك فقد أعادت حكومة الباجي قايد السبسي منذ توليها تنظيم جهاز القمع وضيقت على الحريات وقمعت المظاهرات وواصلت نهج بن علي وآخرها مزيد إغراق البلاد بالديون.
ما يمكن استنتاجه من كل ما تقدم هو أن منجز ثورة الحرية والكرامة وإلى حدّ اليوم هو في الحقيقة وبالملموس لا يمكن أن يؤشر إلى أن تونس ستخرج إلى [ضفة الأمان] لأن المطلوب في الأساس هو أكثر من دولة علمانية مدنية ديمقراطية حديثة. إن المطلوب هو دولة تمثل الشعب تمثل العمال والفلاحين الفقراء وتكرس مصالحهم لأنهم الأغلبية وهي بصورتها هذه ستكون علمانية ومدنية وديمقراطية. إني أعتقد أن ذلك سيبقى مطلبا للتحقيق لأن كل مؤشرات الواقع تبين أن الطبقة البرجوازية التابعة المتنفذة إلى الآن سياسيا واقتصاديا وبمعية داعميها فرنسا وأمريكا والتي تتحكم في المسار الانتقالي اليوم لن تؤسس لمثل هذه الدولة بل إنها ستعمل على إعادة تنظيم جهازها السياسي [الدولة] ليس على قاعدة العلمانية والحداثة والمدنية بل على قاعدة مزيد الارتباط بنظام السوق وبالعولمة الليبرالية وبالاستغلال والقمع.
أما حول دور ومكانة قوى اليسار في تونس وفي ضوء كل ذلك فإني أعتبر أن اليسار التونسي اليوم مطروح عليه أن يلعب الدور الموكول له باعتباره صاحب مشروع ثوري ديمقراطي وتقدمي يعبر عن مصلحة الطبقة العاملة وكل الفئات الشعبية التي تتناقض مصالحها مع مصالح الطبقة البرجوازية وحليفتها الإمبريالية العالمية . قوى اليسار في تونس ة يجب أن تستقل برنامجيا وتنظيميا عن الجبهة اليمينية بكل مكوناتها وأن تستند إلى قوى الثورة الحقيقية الممثلة في المجالس واللجان الشعبية وفي النقابات والقطاعات المناضلة والهيئات والجمعيات الديمقراطية والتقدمية وأن لا تحصر أفق برنامجها فقط في مطالب سياسية لأن للثورة برنامج اقتصادي واجتماعي كذلك فالجماهير في حاجة لمن ينظمها ويرتقي بوعيها على قاعدة برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي شامل هو في وضعنا الراهن مكون من جملة مهام انتقالية إضافة لمهمة المجلس التأسيسي التي يفترض لتحقيقه وجود حكومة انتقالية من هذه القوى وبالتالي فقوى اليسار مدعوة للنضال لمواصلة الثورة وعدم التخلي عن مهمة إسقاط الحكومة الحالية إذا ما كانت فعلا مؤمنة بأن مهمة إنجاز مجلس تأسيسي ليس مهمة من مشمولات بقايا الدكتاتورية والقوى الليبرالية والإصلاحية وأن برنامجها أي قوى اليسار ليس برنامج إصلاحات برجوازية بل برنامج تغيير جذري. إن كل تحقيق لمطلب المجلس التأسيسي خارج هذه الدينامكية ما هو في الأخير إلا منع للأغلبية التي أطاحت ببن علي يوم 14 جانفي 2011 من إرساء سلطتها وتكريس النظام السياسي الذي ترتئيه .

2 ــ دور المرأة التونسية في ثورة الحرية والكرامة كان مُشرّفاً يستحق الاجلال والإحترام في ظل حقوق وقوانين تقدمية نسبيا، هل تعتقد بوجود مخاطر تهدّد هذا الدور البناء للمرأة التونسية وحركتها في المجتمع ؟

نعم كان للمرأة التونسية مشاركة مهمة في ثورة الحرية والكرامة سواء تلك المشاركة التي ساهمت بها منظمة النساء الديمقراطيات أو النساء المتواجدات في لجنة المرأة العاملة وهي هيكل في صلب الإتحاد العام التونسي للشغل أو في الحركة الطلابية والحركة التلمذية أو تلك التي كانت خارج هذين الإطارين. في الحقيقة إن مساهمة النساء في النضال ضد دكتاتورية بن على تمتد إلى ما قبل ثورة الحرية والكرامة لقد كان لهن دور هام خصوصا في إنتفاضة الحوض المنجمي بحضورهن البارز في كل التحركات التي نظمت هناك طيلة أكثر من خمسة أشهر. إن هذا الدور المهم للنساء في تونس مهدد في الوقت الحاضر بخطرين.
الخطر الأول هي الانتكاسة التي يمكن أن يمنى بها المجتمع ككل والنساء أحد مكونات هذا المجتمع بعودة الدكتاتورية عبر بقايا نظام بن علي وهو خطر يهدد منظومة الحريات ككل بما فيها حقوق المرأة عموما. وللتذكير فالمرأة التونسية وحتى أثناء سلطة الدكتاتور بورقيبة أو في عهد نظام بن على وفي إطار مجلة الأحوال الشخصية كن يعانين الكثير من واللامساواة. فمجلة الأحوال الشخصية نفسها وبرغم بعض القوانين التقدمية التي أسست لها فإنها لم تمنع أن تظل المرأة تعاني من تسلط العقلية الذكورية ومن الاستغلال المضاعف الذي تتعرض له في مجال العمل من حيث الأجرة ومن حيث قوانين الشغل. الخطر الثاني هو الحركة الإسلامية بمشروعها السياسي و المجتمعي الرجعي وما يحمله من خطر على حقوق المرأة. إن الإسلاميين وبرغم تأكيداتهم الأخيرة على أنهم مع الإبقاء على مجلة الأحوال الشخصية واعتبارها من المكاسب التي يستوجب المحافظة عليها وعدم معارضتهم للتنصيص على المساواة الكاملة بين الجنسين في الدستور وهي مواقف يرددها زعماؤهم في محاولة للظهور بوجه مدني تقدمي مجاراة للواقع ولكنها في الحقيقة ودون السقوط في منطق التشكيك نقول أنها مواقف ليست مؤسسة على قناعات منسجمة مع مرجعيتهم الدينية باعتبار أن الحركة الإسلامية مازالت نظرتها لحقوق المرأة نظرة تستند للشرع نصا أو اجتهادا أي لما تسمح به المنظومة الدينية ولما لا تسمح به.
لذلك نقول أن الضامن الوحيد أمام هذين الخطرين هو أولا أن يعمل القطب الديمقراطي التقدمي أحزابا وجمعيات وهيئات وشخصيات على التمسك بحقوق المرأة المكتسبة والنضال من أجل تدعيمها لتحقيق مساواة فعلية في الحقوق بين الجنسين بقطع النظر عن الدين أو المذهب وذلك بالتصدي ومنع عودة بقايا نظام بن على من جهة ومن جهة ثانية بكشف وتعرية المواقف الرجعية للحركة الإسلامية المتعلقة بمشروعها المجتمعي ككل و بجزئه الخاص بالمرأة وثانيا أن تنجح الحركة النسائية في الظهور كحركة مستقلة ديمقراطية وجماهيرية متمسكة بالمكاسب المحققة ومناضلة لتوسيعها أكثر ولن يتأتي ذلك إلا إذا تجاوزت هذه الحركة المراوحة في إطار نخبوي وتوسعت لتشمل النساء من مختلف الشرائح الإجتماعية من التلميذة والطالبة إلى العاملة والموظفة إلى ربات البيوت.


3 ــ بماذا يمكن تفسير السير البطئ للحركة اليسارية في تونس؟ هل يكفي التظاهر ضد منظومة الفساد والقوى اليمينية حتى تتحق مطالب الحركة العمالية ؟

عانت الحركة اليسارية في تونس من القمع الذي تعرضت له منذ نشأتها في الستينات كيسار جديد في العهد البورقيبي واستمر هذا القمع في ظل نظام بن علي حيث الانعدام الكلي لأبسط الحريات بحيث بقيت هذه الحركة تعاني من ضعف مستمر منعها من الإنغراس في صفوف العمال وساهم في استمرارها مشتتة منقسمة في حلقات متصارعة على قاعدة فئوية أساسها ليس الاختلاف على تحليل الواقع وعلى المهمات التي يطرحها بقدر ما هو اختلاف على تبني مرجعيات تاريخية [ستالينية ماوية تروتسكية]. لم يمنع ذلك حركة اليسار من أن يكون لها حضور داخل الحركة العمالية وداخل أوساط الشبيبة الطلابية تحديدا كما في بعض الجمعيات [رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان ـ النساء الديمقراطيات ] وفي الأوساط الثقافية. إلا أن هذا الحضور لم يمكنها من التحول إلى حركة لها إمتداد شعبي مؤثر بحيث لم تتمكن الحركة اليسارية مثلا من أن تبني نفسها في الإتحاد العام التونسي للشغل كقطب طبقي على قاعدة مستقلة وديمقراطية ومناضلة معارضة للبيروقراطية بل ظلت مختلف اتجاهات هذه الحركة مربوطة بألف خيط وخيط بهذه البيروقراطية وهو نفس الوضع الذي ينطبق على تدخلها في الحركة الطلابية والتي مازالت إلى حد اليوم تعاني من ضعف كبير ناتج أساسا على التشرذم والانقسام وعلى الصراعات الخطية التي لم تنتج غير المزيد من الانقسامات . أثناء الثورة ونظرا لهذا الضعف بقيت الحركة اليسارية التونسية بعيدة عن التأثير في الأحداث والظهور بمظهر المحرك و القائد للحركة الشعبية وهو ما جعلها تظل عفوية في نشاطها منذ إنطلاق الإحتجاجات إلى ما بعد الإطاحة بالدكتاتور بن علي.
بعد 14 جانفي لم تتمكن الحركة اليسارية التونسية من تجاوز ضعفها و العمل على أرضية طبقية يسارية ديمقراطية مستقلة عن جبهة اليمين ككل على أساس برنامج عمالي شعبي سياسي اجتماعي واقتصادي يستند إلى قوى الثورة الحقيقية ويفعل على مواصلة الثورة حتى تحقيق كل مهماتها بل ظهرت هذه الحركة مترددة ووسطية وغير قادرة على طرح مسألة السلطة. إن هذا التردد والوسطية ليظهران جليا في تشبث هذه الحركة وحصر عملها في أطر أظهرت الأحداث أنها عاجزة على أن تكون الأداة التنظيمية والبرنامجية التي يمكن أن تواصل الثورة وأعني هنا جبهة 14 جانفي وكذالك مجلس حماية الثورة. فجبهة 14 جانفي ومنذ البداية ظهرت عاجزة عن تعبئة الجماهير لمواصلة الثورة والتحقت بعض مكوناتها بالهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي التي كونتها السلطة اللاشرعية وانخرطت في الأرضية الالتفافية اليمينية ومجلس حماية الثورة والذي ظهر بمبادرة فوقية دفعت إليها حكومة الغنوشي باتفاق مع البيروقراطية النقابية وكان أشبه بسفينة نوح حيث ضم تقريبا كل الأحزاب والجمعيات الناشطة على أرضية وفاقية أقرب لليمين منها اليسار. كذلك لم تفعل الحركة اليسارية على تفعيل حظورها في النقابات ودفعها إلى الانخراط في المعركة ضد بقايا النظام وقوى الالتفاف وأغمضت العين على دفع الصراع مع البيروقراطية داخل الإتحاد العام التونسي للشغل وإزاحة رمزوها الفاسدة والمورطة مع بن على. كل هذا يفسر ولو بشكل سريع السير البطئ للحركة اليسارية في تونس والمطروح عليها اليوم وكما ذكرنا ذلك سابقا التوحد على قاعدة برنامج عمالي شعبي على أرضية مطالب سياسية واقتصادية اجتماعية وتوسيع قاعدة تحالفها على هذا الأساس من منظور خلق قطب شعبي جذري ديمقراطي تقدمي مستقل عن قوى اليمين بمختلف تلويناتها لا يفصل النضال السياسي عن النضال الإقتصادي مستندا لقوى الثورة شعاره الرئيسي إستكمال مهمات الثورة.


4 ــ لعب الاتحاد العام التونسي للشغل دوراً كبيرا في التغيير، هل سيتمكن هذا الاتحاد من قيادة مطالب الجماهير حتى النهاية؟ وكيف تقيم دور ومكانة الحركة النقابية ما بعد التغيير؟

لابد من الإشارة إلى أنه من الضروري التمييز عندما نتحدث عن الدور الذي لعبه الإتحاد العام التونسي للشغل أثناء الثورة بين موقفين موقف قيادته الذي كان مساندا لبن على حتى لحظات حكمه الأخيرة وبين موقف تيار نقابي مناضل واسع مشكل من نقابيين قاعديين وفي الهياكل الوسطى وفي المكاتب التنفيذية لبعض القطاعات والذي انخرط في الثورة وساهم مساهمة فعالة فيها. لقد كان لموقف وممارسة هذا التيار النقابي المناضل تأثير كبير على إكساب جزء من منتسبي هذه المنظمة الثقة ودفعهم للالتحاق والانخراط في مقاومة دكتاتورية بن على مما أكسب التحركات والاحتجاجات التي نظمت خصوصا في الأسبوع الثاني من شهر جانفي 2011 جماهيرية واسعة زعزعت السلطة وسرعت بإسقاط الدكتاتور كما كان له أيضا تأثير كبير على البيروقراطية ودفعها إلى التسليم بالأمر الواقع وعدم معارضة التجذر الحاصل خوفا على موقعها فقد تمكنت القوى المناضلة وفي الأيام التي سبقت 14 جانفي من الضغط داخل الهيئة الإدارية للإتحاد لإعلان الإضراب العام الذي عارضته الكتلة البيروقراطية معارضة شديدة لينتهي الموقف في الأخير إلى قرار ترك المبادرة للجهات لخوض إضرابات جهوية وهو ما حدث بالفعل حيث تواترت الإضرابات الجهوية ليبلغ المسار أشده يوم 14 جانفي يوم الإضراب الجهوي بتونس والذي تزامن مع إضرابات جهوية أخرى في عدة جهات ومظاهرات ومسيرات عارمة في كل البلاد انتهت بالإطاحة ببن على عشية نفس اليوم. بعد 14 جانفي ساندت البيروقراطية النقابية حكومتي الغنوشي الأولى والثانية ولعبت دورا كبيرا في ترويض الهياكل النقابية ودفعها لتبني موقف انتظاري من الملفات النقابية المطروحة ومن مطالب العمال بتعلة أنه لابد من تمكين الحكومة والرأسماليين والمستثمرين من فترة من الوقت لإعادة ترتيب أوضاع مؤسسات الإنتاج وعدم الزج بالإتحاد في صراع مباشر مع بقايا الدكتاتورية حفاظا عليه مما يمكن أن يؤدي إليه هذا المسار. واصلت البيروقراطية نفس السياسة مع حكومة الباجي قايد السبسي والتي تساندها اليوم عبر وجود الإتحاد في الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي و عبر عدم الضغط عليها برفع مطالب العمال والمطالبة بتحقيقها. لقد لعبت البيروقراطية النقابية بعد 14 جانفي دورا ساهم في دعم قوى الالتفاف على الثورة وضيق من مساحة الفراغ التي مرت بها الحكومة الحالية في بعض الفترات ولعب دور الحارس على الأجراء لصالح الرأسمال وباختصار يمكن القول أن البيروقراطية النقابية مازالت إلى اليوم تلعب نفس الدور الذي لعبته قبل 14 جانفي. لم يكن كل هذا ليدفع بتيارات المعارضة النقابية والتي كانت ترفع شعارات النضال ضد البيروقراطية من أجل حركة نقابية مستقلة ديمقراطية ومناضلة من تجسيم توجهها هذا وخوض معركة تصحيح للمسار النقابي على قاعدة هذه الأرضية نظرا لتشبثها بالمحافظة على مواقعها الراهنة للنظرة القاصرة التي تتبناها والتي مازالت تعتبر أن الصراع مع البيروقراطية هو صراع على الموقع بالأساس وهي ليست مستعدة للتفريط في المواقع التي تحوزها.


5 ــ كيف تقيّم تأثير الثورة التونسية على مجمل العالم العربي ؟ وداخليا كيف ترى موازين القوى السياسية في تونس وخاصة قوى الثورة المضادة والإسلام السياسي ؟ وهل تعتقد بوجود دور مستقبلي مؤثر لها تلعبه على الساحة السياسية ؟


عرفت الأربع سنوات الأخيرة التي سبقت اندلاع الثورة التونسية في مصر وفي المغرب وفي تونس حراكا سياسيا واجتماعيا و تطورا في مستوى الصراع الطبقي ولئن لم يبلغ درجات تطور كبيرة فإنه كان يؤشر في هذه البلدان الثلاثة إلى أن تصاعد وتيرة الغضب الشعبي والاحتجاجات على الأنظمة الدكتاتورية يمكن أن ينطلق ويتوسع في كل لحظة نظرا للظروف التي كان عليها العمال و سائر الفئات الشعبية التي تدهورت أوضاعها تدهورا كبيرا في ظل قمع معمم وغياب كلي للحريات الديمقراطية طبعا مع مراعات الاختلافات النسبية في الأوضاع في هذه البلدان. لم يكن مثل هذا الرأي خاطئا فقد جاءت الثورة التونسية وبعدها الثورة المصرية لتبرهن على صحته. لقد ساهمت الثورة التونسية في إيقاظ وعي الجماهير العربية في مصر واليمن وسوريا وليبيا وقدمت تجربة كبيرة على قدرة الجماهير على مقاومة الدكتاتوريات الفاسدة لما تنزع عامل الخوف المستبطن من القمع ولما تعي مصالحها المباشرة.
لقد مهدت الثورة التونسية وبعدها الثورة المصرية وهما الثورتان اللتان أطاحتا بأحط دكتاتوريين الطريق لبقية شعوب المنطقة للسير في نفس الاتجاه ولعل الإحتجاجات المستمرة في اليمن وسوريا كما الحراك الموجود اليوم في المغرب والنضالات المستمرة في تونس وفي مصر ضد بقايا الدكتاتورية وقوى الالتفاف على الثورة لخير دليل على أن هذه الموجة الثورية مازالت متواصلة ولن تتوقف إلا بعد الإطاحة بالكثير من عروش الدكتاتورية.
في تونس ويعد الإطاحة بالدكتاتور ونظرا لضعف الحركة السياسية المعارضة لنظام بن علي ولعدم جماهيريتها فقد تمكنت بقايا النظام من تنصيب نفسها على قاعدة دستور 1959 الذي عرف تحويرات كثيرة جعلت منه وثيقة حارسة على مؤسسة الرئاسة واستمرار نظام الحزب الواحد. على هذه القاعدة والتي لم تجد معارضة كبيرة من الأحزاب والجمعيات تمكنت بقايا النظام من طرح نفسها حارسا على الثورة ومشرفة على الفترة الانتقالية التي ستسبق انتخاب مجلس تأسيسي وتمكنت من جرّ أغلبية الأحزاب على قاعدة أرضيتها هذه الأحزاب التي أصبحت بالعشرات منها أكثر من 20 حزبا مكونا من بقايا التجمع الدستوري المنحل.
بكل هذا الكم الهائل من الأحزاب تبدو موازين القوى لصالح الأحزاب اليمينية المكونة من الأحزاب الليبرالية ومن الأحزاب البرجوازية الوسطية ومن الأحزاب التي فرخها التجمع الدستوري المنحل ومن حركة النهضة.
القطب السياسي الآخر والمكون من الأحزاب البرجوازية الصغيرة الإصلاحية ومن الأحزاب اليسارية بشقيها الماركسي والقومي تبدو ضعيفة في مواجهة القطب اليميني وحركة النهضة المدعومين من الحكومة المؤقته ومن القوى الإمبريالية وفي العموم يمكن القول أن الأوضاع في ظل هكذا توازنات يمكن أن تؤدي إلى انتكاسة وإلى تبخر حتى الحلم بدستور ديمقراطي ودولة مدنية.