أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عطا درغام - مفردات البيئة في أدب إبراهيم اليوسف















المزيد.....


مفردات البيئة في أدب إبراهيم اليوسف


عطا درغام
(Atta Dorgham)


الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 00:15
المحور: الادب والفن
    


تشكل "مفردات البيئة" في أدب إبراهيم اليوسف العمود الفقري لذاكرته البصرية والحسية؛ فهي ليست مجرد ديكور للمكان، بل هي "رموز أنطولوجية" (وجودية) تربط الإنسان بجذوره وتمنحه صك الملكية التاريخي للأرض. البيئة عند اليوسف هي "اللغة الأولى" التي تسبق الأبجدية، ومن خلالها يعيد رتق المسافات بين منفاه ومسقط رأسه.
أولا: . بيئة "الطين": فلسفة العمارة الأولى
يمثل "الطين" المفردة البيئية الأكثر حضوراً وقداسة في أعمال اليوسف (خاصة في ممحاة المسافة):
سردية الالتصاق: الطين ليس مادة للبناء فحسب، بل هو معادل لـ "الحنان الأرضي". البيوت الطينية في "حي الهلالية" بالقامشلي تظهر في نصوصه ككائنات حية تتنفس مع أصحابها.
الدلالة: يرمز الطين إلى "البراءة قبل الحداثة"؛ فهو المادة التي تمنح الدفء والسكينة، وفي مواجهة "أسمنت" المنافي البارد، يظل الطين هو "الرحم" الذي يرفض الكاتب مغادرته وجدانياً.
في أدب إبراهيم اليوسف، يتحول "الطين" من مادة أولية للبناء إلى "أيديولوجيا وجدانية". إنه العنصر الذي يمنح الجغرافيا هويتها، ويمنح الإنسان صك غفرانه التاريخي. الطين في نصوصه، ولا سيما في سيرة القامشلي، هو المعادل البصري والحسي لمفهوم "الوطن" في أنقى صوره وأكثرها تجذراً.
1. سردية الالتصاق: حين تتنفس الجدران
لا يتعامل اليوسف مع بيوت الطين في "حي الهلالية" بالقامشلي كجمادات، بل يمنحها في سرده صفات الكائنات الحية (الأنسنة):
البيت ككائن عضوي: في "ممحاة المسافة"، البيوت الطينية تمتلك "مسامات" تتنفس من خلالها؛ فهي تتبادل الدفء والبرودة مع أجساد ساكنيها. يصف اليوسف كيف يمتص الطين عرق الفلاحين وأنفاس الأطفال، ليتحول الجدار إلى "ذاكرة إسفنجية" تخزن تاريخ العائلة.
الحنان الأرضي: الطين هو "الحنان" الذي تفتقر إليه العمارة الحديثة. سردية الالتصاق تعني أن الإنسان لا يسكن "داخل" البيت، بل يسكن "فيه" كجزء من تكوينه. هذا الالتصاق هو ما يجعل الفراق عن هذه البيوت في لحظات التهجير أو الاغتراب يشبه "سلخ الجلد" عن الجسد.
2. فلسفة الدلالة: البراءة في مواجهة الصقيع
يحمل الطين في أدب اليوسف دلالات فلسفية عميقة تضعه في تضاد حاد مع مظاهر المدنية الحديثة:
البراءة قبل الحداثة: يمثل الطين زمن "ما قبل التلوث"؛ ليس تلوث البيئة فحسب، بل تلوث الروح بالأيديولوجيات العنيفة. هو مادة "فطرية" تعكس نقاء الإنسان وبساطة أحلامه قبل أن تدهسه عجلة "الأسمنت" والقوانين الباردة.
الرحم الوجداني: في منافيه الأوروبية (ألمانيا)، يصور اليوسف "الأسمنت" كمرادف للغربة والصمت والبرود. في المقابل، يظل الطين هو "الرحم" الذي يرفض الكاتب مغادرته وجدانياً. إنه المكان الذي لا يزال يشعر فيه بالأمان الروحي. الطين هنا هو "التميمة" التي تحميه من "الذوبان" في جغرافيا لا تشبهه.
3. "سيمياء" الطين: الرائحة والملمس
يعتمد اليوسف في سرده على استحضار الحواس لجعل الطين حاضراً في ذهن القارئ:
رائحة "العفر": يسرد اليوسف رائحة الأرض بعد المطر الأول (التربة المبللة) بوصفها "عطر الهوية". هذه الرائحة هي التي تضبط بوصلة الحنين لديه.
الملمس الخشن والناعم: يربط بين خشونة جدران الطين وبين صلابة الإنسان الكردي وصبره، وفي الوقت نفسه يرى فيها نعومة "الأم" التي تحتضن أبناءها في الليالي الباردة.
............................................
ثانيا:. البيئة "النهرية": جغجغ كشريان هوية
لا يمكن قراءة بيئة القامشلي عند اليوسف دون التوقف عند نهر جغجغ:
النهر الشاهد: يتحول النهر من مجرى مائي إلى "راوٍ أسطوري". يسرد اليوسف كيف كان النهر يغسل أوجاع المدينة ويشهد على تعايش مكوناتها.
الدلالة: جفاف النهر أو تلوثه في نصوص اليوسف المتأخرة يرمز إلى "تلوث الروح" وخراب القيم الاجتماعية بفعل الحروب. النهر هو "الوثيقة" البيئية التي تثبت عراقة المكان.
بعيداً عن الأنماط المعلبة التي تضع النهر في خانة "الديكور الجمالي"، يتحول نهر جغجغ في سردية إبراهيم اليوسف إلى "كائن سوسيولوجي"، ومؤرخ غير رسمي يسير بمحاذاة حياة الناس، يسجل ما يغفله الرواة الرسميون. النهر في أدبه ليس مياهًا تجري، بل هو "نخاع شوكي" يربط القامشلي بجسد التاريخ.
التفصيل السردي لهذه الفلسفة النهرية:
1. النهر بوصفه "الراوي الأسطوري" (الشهادة لا الوصف)
في نصوص اليوسف، لا يقف "جغجغ" صامتاً؛ إنه يمتلك ذاكرة سمعية وبصرية هائلة:
غاسل الأوجاع: يسرد اليوسف كيف كان النهر قديماً "مطهراً" للمدينة؛ ليس فقط من الناحية الفيزيائية، بل من الناحية الوجدانية. الناس يلقون فيه أسرارهم، وقصص حبهم، وخيباتهم، وهو يبتلعها ويمضي. في "ممحاة المسافة"، يظهر النهر كحلقة وصل بين القوميات؛ فهو لم يسأل يوماً عن لغة من يغسل وجهه بماء ضفافه، وبذلك يكون هو "المانيفستو الطبيعي" للتعايش قبل أن تفسده السياسة.
الذاكرة السائلة: اليوسف لا يصف النهر كمنظر طبيعي، بل كـ "خزان حكايات". كل موجة صغيرة في جغجغ هي صرخة قديمة أو ضحكة عابرة. السرد هنا يجعل النهر "جسراً زمنياً"؛ بمجرد أن يذكر اليوسف النهر، تتدفق معه أسماء الراحلين، وصور الأسواق القديمة، وأصوات الباعة، وكأن النهر هو الذي "يحفظ" المدينة من الزوال.
2. سيميائية "الجفاف والتلوث": انكسار الروح
تتحول مفردة النهر في نصوص اليوسف المتأخرة إلى مرآة تعكس الخراب الداخلي:
التلوث كمرض اجتماعي: عندما يكتب اليوسف عن تلوث "جغجغ" أو تحوله إلى مجرد مجرى للمخلفات، فإنه يسرد في الحقيقة "تلوث القيم". النهر الذي كان مقدساً صار مدنساً بفعل الإهمال والحرب، وهو معادل موضوعي عنده لضياع "براءة المكان". تلوث الماء هو تلوث للذاكرة الجمعية التي لم تعد قادرة على الحفاظ على نقائها الأول.
الجفاف واليتم الروحي: جفاف النهر في أدب اليوسف ليس أزمة بيئية، بل هو "يتم جغرافي". المدينة التي يجف نهرها هي مدينة تفقد صلتها بالسماء وبالتاريخ. السرد هنا يأخذ طابعاً جنائزياً؛ فالنهر الجاف هو "جسد ميت" لم يجد من يدفنه، وهو ما يرمز إلى انقطاع نسل الحكايات وتوقف نبض المكان.
3. النهر كـ "وثيقة" عراقة (أثر أنطولوجي)
في مواجهة خطابات "الاقتلاع" التي تحاول نفي الكردي عن أرضه، يستحضر اليوسف النهر كـ "شاهد ملك":
الأقدمية البيولوجية: النهر كان هنا قبل الحدود، وقبل الأسلاك الشائكة، وقبل الشعارات. استحضار "جغجغ" في السرد هو استحضار لـ "الحق الطبيعي"؛ فالإنسان الذي ارتبطت دورته الدموية بدورة هذا النهر لا يمكن أن يكون طارئاً على المكان.
الرتق بالماء: يوظف اليوسف النهر ليرتق به المسافة بينه وبين طفولته. في منفاه، يظل النهر هو "الحبل السري" الذي يمده بالحياة. إنه لا يكتب عن النهر، بل يكتب "بالنهر"؛ حيث ينساب مداد قلمه مثل مياه جغجغ، محاولاً رتق المسافة بين برلين والقامشلي عبر هذا الشريان الأزلي.
........................................
ثالثا:. بيئة "الجبل": الحارس والملاذ الأسطوري
في أعماله الملحمية (مثل شنكالنامه وعفرين نامه)، تبرز مفردة "الجبل" كمركز ثقل بيئي:
جغرافيا الصمود: الجبل عند اليوسف يمتلك "إرادة". هو ليس صخوراً صماء، بل هو "صديق الكردي الأوحد". يسرد اليوسف تفاصيل المغارات، والقمم، والمنحدرات بوصفها "تضاريس الحرية".
الدلالة: الجبل هو "المستودع الأخير" للهوية والميثولوجيا؛ حيث يخبئ الأسرار والهاربين من "الفرمانات".
في أدب إبراهيم اليوسف، يتوقف "الجبل" عن كونه نتوءاً جيولوجياً بارزاً ليتحول إلى "عقيدة مكانية". الجبل ليس خلفية للمشهد، بل هو البطل الذي يمنح الشرعية لمن يلوذ به. في أعماله الملحمية، خاصة في "شنكالنامه" و"عفرين نامه"، يتحول الجبل من تضاريس قاسية إلى "كيان واعٍ" يختار حلفاءه بدقة ويفتح أحشاءه لمن استحق "صفة البقاء".
التفصيل السردي العميق لبيئة الجبل وفلسفتها:
1. جغرافيا الصمود: الجبل كـ "فاعل" لا "مفعول به"
الجبل عند اليوسف ليس صخوراً صماء تُنتهك، بل هو "إرادة جيولوجية":
تضاريس الحرية: يسرد اليوسف تفاصيل القمم والمنحدرات لا كواصفٍ للطبيعة، بل كمخططٍ لـ "حصن روحي". الجبل يمتلك "حاسة تمييز"؛ فهو يسهل الدروب لأبنائه (الهاربين من الفرمانات) ويحول مسالكه إلى أفخاخ ومهالك للغزاة. في "شنكالنامه"، نجد الجبل يشارك في المعركة؛ مغاراته ليست مجرد ثقوب في الصخر، بل هي "رئات بديلة" تتنفس من خلالها الهوية الكردية والإيزيدية حين يختنق الهواء في السهول.
صديق الكردي الأوحد: يعيد اليوسف صياغة هذه المقولة التاريخية سردياً؛ فالجبل هو الصديق الذي لا يخون لأنه "ثابت" في عالم متحول. هو يمنح الكردي "المنعة" مقابل الولاء للأرض. الجبل في نصوصه هو الوحيد الذي لم يوقع على صكوك الاستسلام، وظل "الحارس" الذي يطل من الأعلى ليرقب خيانات الخرائط في الأسفل.
2. الدلالة: المستودع الأخير و"خزنة" الأسرار
يتحول الجبل في سردية اليوسف إلى "أرشيف حي" يحفظ ما يعجز الورق عن حفظه:
مخبأ الهوية: عندما تهجم "الفرمانات" (حملات الإبادة) لمحط الذاكرة، يتحول الجبل إلى "المستودع الأخير". هو يخبئ اللغة، والأغاني القديمة، والطقوس التي يُمنع ممارستها في المدن. الجبل عند اليوسف هو "الخزنة" التي أودع فيها الكردي جيناته الثقافية، ومن هنا تأتي قداسة "جبل شنكال"؛ فهو ليس مجرد ارتفاع عن سطح البحر، بل هو "منصة الروح" التي تقترب من السماء لتبتعد عن دنس الطغاة.
الملاذ الأسطوري: يربط اليوسف بين الجبل وبين "البدايات". في نصوصه، العودة إلى الجبل هي عودة إلى "الرحم" لإعادة الولادة من جديد. الشخصيات التي تصعد الجبل في رواياته هي شخصيات تمر بعملية "تطهر"؛ تترك خلفها غبار الهزيمة في الوديان لتستعيد كبرياءها فوق القمم.
3. سيمياء "المغارة": الرحم الكوني
تكتسب "المغارة" في بيئة الجبل عند اليوسف بعداً صوفياً وأسطورياً:
المغارة ليست مكاناً مظلماً وموحشاً، بل هي "محراب صامت". فيها يُحفظ السر الكردي، وفيها تُحاك خيوط البقاء. يسرد اليوسف كيف تتحول هذه الفتحات الصخرية إلى بيوت، ومعابد، ومنطلقات للثورة. المغارة هي "نقطة الصفر" التي يبدأ منها التاريخ الكردي في كل مرة يحاول فيها الغزاة إنهاءه.
4. الجبل كـ "منارة" أخلاقية
في "عفرين نامه"، يصبح الجبل (جبل الأحلام أو جبل الكرد) مرآة للانكسار والشموخ في آن واحد. اليوسف يسرد وجع الجبل حين يُجرح شجره أو تُداس قمه؛ فالجبل يتألم كالبشر، ونزيف الصخور عنده يعادل نزيف الضحايا. الجبل هو الذي يمنح الكاتب "الرؤية الواسعة" (Panorama)؛ فمن فوق القمة، يستطيع اليوسف أن يرى مأساة شعبه بوضوح، ويرصد رقعة الشطرنج السياسية التي تحاول محو جغرافيا كاملة.
......................................................
رابعا. المفردات "النباتية": الزيتون والتوت والياسمين
تزدحم نصوص اليوسف برمزية الأشجار التي تتحول إلى شخصيات درامية:
شجرة التوت: تكرر في سيرته الذاتية كرمز لـ "الظلال الأولى" والدفء العائلي في القامشلي.
شجر الزيتون: في نصوصه عن عفرين، يتحول الزيتون من نبات إلى "ضحية". يسرد اليوسف مأساة اقتلاع الأشجار كأنها مأساة اقتلاع البشر، فالزيتونة لديه تمتلك "ذاكرة" وجذوراً ترفض الاستلاب.
الدلالة: النبات عند اليوسف هو "رئة الذاكرة"؛ ومن خلاله يشتم القارئ رائحة الوطن المفقود.
تتحول المفردات النباتية في مختبر إبراهيم اليوسف السردي من مجرد "خضرة" تزين المكان إلى "كائنات سيادية" تمتلك تاريخاً، ومشاعر، ومواقف سياسية. الشجر عنده ليس صامتاً، بل هو "شخصيات درامية" تشارك الإنسان في رحلة اللجوء، والاقتلاع، والصمود. النبات هو "الأرشيف الحسي" الذي يخزن رائحة الأرض ليعيد إطلاقها في هواء المنافي البارد.
تفصيل سردي دقيق لرمزية الأشجار الثلاث في أدبه:
1. شجرة التوت: ظلال البراءة والرحم العائلي
تمثل "شجرة التوت" في سيرة اليوسف (خاصة في القامشلي) نقطة الارتكاز العاطفي الأولى:
سردية الظلال الأولى: يسرد اليوسف شجرة التوت بوصفها "سقفاً" وجدانياً يسبق سقف البيت. تحتها ولدت الحكايات، ومن أغصانها تدلت أحلام الطفولة. هي ليست مجرد شجرة، بل هي "شاهدة على الدفء العائلي". في نصوصه، يرتبط نضج ثمار التوت بنضج الوعي؛ فكل حبة توت سقطت على ثيابه تركت بقعة من "الذاكرة" لا تمحوها سنوات الغربة.
رمزية الاستقرار: التوت في القامشلي هو مرادف للاستقرار قبل هبوب عواصف التهجير. هي الشجرة التي لا تهاجر، بل تظل "وتداً" روحياً يربط الكاتب بمكانه الأول، وكلما استذكرها في منفاه، استعاد معها صورة الأب وصوت الأم وضحكات الجيران.
2. شجر الزيتون: الضحية التي ترفض الاستلاب
في نصوص اليوسف عن عفرين (مثل "عفرين نامه")، يرتفع "الزيتون" إلى مصاف "الشهادة":
أنسنة الاقتلاع: يسرد اليوسف عملية اقتلاع أشجار الزيتون في عفرين كأنها عملية "إعدام جماعي". الزيتونة عنده ليست نباتاً، بل هي "مواطن كردي" تم تجريده من أرضه. يصف اليوسف "أنين" الجذور وهي تُنتزع من التربة، معتبراً أن الزيتونة تمتلك "ذاكرة" أعمق من ذاكرة الغزاة؛ فهي ترفض أن تعطي زيتها لمن لا يفهم لغتها.
الجذور كفعل مقاومة: الزيتون في أدبه هو رمز لـ "العناد الوجودي". إنها الشجرة التي تضرب جذورها في التاريخ (آلاف السنين) لتؤكد أن الأرض لأصحابها. اقتلاع الشجرة في سرد اليوسف هو "محاولة فاشلة" لمحو الهوية؛ لأن رائحة الزيت تظل عالقة في هواء المكان، وفي حبر الكاتب الذي يحول كل غصن زيتون إلى "قضية" دولية.
3. الياسمين: الرقة في مواجهة القسوة
يحضر "الياسمين" في أدب اليوسف كعنصر "رتق" جمالي بين الأمكنة:
رئة الذاكرة: الياسمين هو المفردة التي تشرح معنى "الحنين" دون كلمات. يسرد اليوسف رائحة الياسمين التي كانت تتسلق جدران البيوت الطينية، محولاً إياها إلى "شريان أوكسجين" يستنشقه في زحام المدن الأوروبية المادية.
الدلالة: الياسمين يمثل "الجمال الهش" الذي يواجه "قبح الحرب". هو الرمز الذي يوحد بين القامشلي ودمشق وبين المنافي؛ فالياسمينة التي يزرعها الكردي في شرفته بألمانيا هي "رسالة مشفرة" تقول إننا نحمل جمالنا معنا، وأن "رئة الذاكرة" لا تزال تعمل رغم ضيق التنفس في الغربة.
4. الخلاصة: النبات كـ "وثيقة انتمائية"
تتجمع هذه المفردات (التوت، الزيتون، الياسمين) لتشكل ما يسميه اليوسف "جغرافيا الحواس":
النبات عنده هو الوثيقة التي لا تُزور؛ فالإنسان قد يرحل، لكن الشجر يظل "حارساً للمكان".
من خلال سرد هذه النباتات، ينجح اليوسف في جعل القارئ "يشم" رائحة الوطن المفقود؛ فالتفصيل السردي الدقيق لملمس ورقة التوت أو مرارة زيتونة مُقتلعة، هو الذي يحول الأدب من مجرد وصف إلى "فعل استعادة" حقيقي للأرض المنهوبة.
...................................
خامسا:. بيئة "المنفى": الصقيع والزجاج
في أدب الاغتراب (مثل جمهورية الكلب)، تظهر مفردات بيئية مغايرة:
الصقيع والوحدة: يصور المدن الأوروبية عبر مفردات "الزجاج"، "الأسفلت"، و"الثلج". هي بيئة "نظيفة لكنها معقمة من الروح".
الدلالة: تعكس هذه المفردات "البرزخ الروحي" الذي يعيشه المنفي؛ حيث المكان الجديد جميل مادياً لكنه لا يمنح "الدفء الطيني" الذي اعتاد عليه.
تنتقل بيئة إبراهيم اليوسف في أدب الاغتراب من "حرارة الأرض" إلى "برودة الهندسة". في روايته "جمهورية الكلب" ونصوصه التي كُتبت تحت سماء ألمانيا، تظهر جغرافيا جديدة معادية للحواس؛ جغرافيا لا يمكن "عجنها" باليد كطين القامشلي، ولا يمكن "الاستناد" إليها كجبال شنكال. المنفى عنده هو بيئة "الزجاج والأسفلت"، حيث يفقد المكان قدرته على الاحتواء ويتحول إلى "مختبر" بارد لمراقبة انكسارات الروح.
تفصيل سردي مطول ودقيق لبيئة المنفى ودلالاتها:
1. سيمياء "الزجاج": الحواجز الشفافة والباردة
يعد "الزجاج" المفردة المركزية التي يصور بها اليوسف البيئة الأوروبية، وهو زجاج ذو دلالة مزدوجة:
العزل البصري: يصور اليوسف المدن ككتل زجاجية صماء. الزجاج يمنح "الرؤية" لكنه يمنع "التماس". المنفي خلف الزجاج يرى العالم، لكنه لا يلمسه ولا يشم رائحته. هو يعيش في حالة من "الفرجة" الدائمة على حياة لا ينتمي إليها. الزجاج هنا هو "الحاجز الشفاف" الذي يفصل بين الأمان المادي وبين الغربة الروحية.
الهشاشة والبرود: الزجاج في سرد اليوسف يعكس برودة المشاعر؛ فهو مادة مصنعة، ملساء، لا تترك عليها الذكريات أثراً. مقارنة بـ "الطين" الذي يحفظ البصمات، يظل الزجاج "حيادياً" وقاسياً، يكسر الضوء لكنه لا يمنح الدفء، مما يعزز شعور الكائن الكردي بأنه يعيش داخل "واجهة عرض" لا داخل "وطن".
2. "الأسفلت" والثلج: جغرافيا الصمت والنسيان
تتحول مفردات الأرض في المنفى من "التراب الحنون" إلى "الأسفلت الصارم":
الأسفلت كطريق بلا جذور: يسرد اليوسف الأسفلت بوصفه مادة تمنع التواصل بين قدم الإنسان وقلب الأرض. في القامشلي، يمشي الإنسان على التراب فيشعر بنبضه، أما في "برلين" أو "إيسن"، فالأسفلت يغطي كل شيء، محولاً المشي إلى فعل ميكانيكي بارد. الأسفلت هو "النسيان الأسود" الذي يدفن تحت طبقاته ملامح الطبيعة الأولى.
الصقيع والثلج (بياض العدم): الثلج في أدب اليوسف ليس منظراً شاعرياً، بل هو "كفن للمكان". الصقيع يرمز لـ "تجميد الحواس"؛ حيث يضطر المنفي للانغلاق على نفسه هرباً من البرد. الثلج يغطي "ألوان" الذاكرة، ويحول العالم إلى مساحة بيضاء شاسعة وموحشة، لا أثر فيها لرائحة الياسمين أو لون التوت. هو "بياض العدم" الذي يحاول محو خصوصية الكائن وتدجينه داخل بيئة "معقمة".
3. "البرزخ الروحي": جغرافيا "النظافة القاتلة"
يوظف اليوسف وصف البيئة الأوروبية بوصفها "نظيفة لكنها معقمة من الروح":
المكان المعملي: يسرد اليوسف تفاصيل الشوارع المنظمة، والحدائق التي تبدو كأنها "رُسمت بالمسطرة". هذه النظافة المفرطة تثير في نفس المنفي نوعاً من الريبة؛ فالمكان يفتقر إلى "العشوائية الجميلة" التي تميز البيوت الطينية. غياب "الغبار" و"الفوضى الإنسانية" يجعل المكان يبدو كأنه "مشفى" كبير، حيث يُعالج اللاجئ من ماضيه، لكنه يُحرم من مستقبله الروحي.
سيكولوجيا الفقد: المكان الجديد جميل "مادياً" (حدائق، تكنولوجيا، نظام)، لكنه لا يمنح "الدفء الطيني". هذا هو جوهر "البرزخ الروحي"؛ العيش في مكان يمنحك كل شيء لتكون "مستهلكاً" ناجحاً، لكنه يسلب منك كل شيء لتكون "إنساناً منتمياً". المنفي في سرد اليوسف هو كائن يعيش في "الفراغ" بين برودة الزجاج الغربي وحرارة الطين الشرقي.
4. تحول "الحواس" في بيئة الاغتراب
يسرد اليوسف كيف يضطر اللاجئ لـ "تدريب حواسه" على البيئة الجديدة:
الأذن التي اعتادت صخب الأسواق الشرقية، تُصاب بالذعر من "الصمت" الأوروبي المطبق.
العين التي اعتادت ألوان التراب والشجر، ترهقها انعكاسات الزجاج والحديد.
هذا التحول الحسي هو الذي يقود الشخصية في أدب اليوسف إلى "الاغتراب الأنطولوجي"؛ حيث يصبح الجسد مجرد "ضيف ثقيل" على جغرافيا لا ترحب إلا بالأرقام والنتائج.
مراجع إضافية للبحث:
: اليوسف، إبراهيم. القامشلي: سيرة مدينة، سيرة وطن، منشورات الحوار المتمدن، 2021.
اليوسف، إبراهيم. جمهورية الكلب (رواية)، دار خطوط وظلال، عمان، 2020.
هبون، ريبر. "جماليات المكان والبيئة في سرديات إبراهيم اليوسف"، دراسة نقدية، 2022.
الناشف، ثائر. "سيمياء الطبيعة في الرواية السورية المعاصرة"، دار ضفاف، 2023.
عبد المولى، محمد علاء الدين. "القامشلي في ذاكرة إبراهيم اليوسف: قراءة في ثنائية الطين والماء"، 2021.
اليوسف، إبراهيم. عفرين نامه (نصوص سردية وشعرية)، 2019.
اليوسف، إبراهيم. ممحاة المسافة: سيرة الوجع والذاكرة، دار أوراق، القاهرة، 2016.
الخلاصة:
مفردات البيئة عند إبراهيم اليوسف هي "أبجدية الانتماء"؛ فهو لا يصف الطبيعة لجمالها، بل ليؤكد من خلالها أن "الإنسان هو ابن بيئته"، وأن استعادة الأرض تبدأ من استعادة ملامحها البيئية (طينها، نهرها، وجبلها) داخل النص الأدبي.



#عطا_درغام (هاشتاغ)       Atta_Dorgham#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سردية القهر والمقاومة بالكلمة: قراءة في أدب إبراهيم اليوسف
- المرأة في أدب إبراهيم اليوسف: من قداسة الرمز إلى مأساة الواق ...
- شهادة معلمي الكلية الألمانية في حلب –الإبادة الأرمنية 1915
- من شهادات الإبادة الجماعية للأرمن في الأرشيف الألماني
- من الأرشيف الألماني إبان المذبحة الأرمنية 1915- 3
- من الأرشيف الألماني إبان المذبحة الأرمنية 1915-4
- من أرشيفات السفارة الإمبراطورية الألمانية إبان مذابح الأرمن ...
- من أرشيفات السفارة الإمبراطورية الألمانية إبان مذابح الأرمن ...
- تقرير صادر عن اللجنة الأمريكية بنيويورك حول الفظائع المرتكبة ...
- كيف أنقذ علمٌ أربعة آلاف أرمني: رواية القس ديكران أندرياسيان
- تقرير صادر عن اللجنة الأمريكية بنيويورك حول الفظائع المرتكبة ...
- تقرير صادر عن اللجنة الأمريكية بنيويورك حول الفظائع المرتكبة ...
- إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(15-16 )
- إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(16-16 )
- إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(13-16 )
- إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(14-16 )
- إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(11-16 )
- إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(12-16 )
- إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(10-16 )
- إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(9-16 )


المزيد.....




- استذكار الشاعر الكبير مظفر النواب في جمعية المهندسين
- ترقب في دمشق لإعلان تشكيلة البرلمان الجديد: حصة رئاسية لتعوي ...
- محمود سعيد.. رائد الحداثة التشكيلية الذي صهر الضوء الأوروبي ...
- -تيلا برازيل-.. منصة مجانية لبث إنتاج السينما والتلفزيون بال ...
- بمعرض وعروض سينمائية ومزاد علني... هوليوود تحتفل بمرور مائة ...
- أقدم حضارات الأرض.. حين اخترعت -المدينة- من سومر ومصر إلى بي ...
- إحياء الذاكرة النقدية: طبعة جديدة لمرجع سلمى خضراء الجيوسي ف ...
- منار نجاة في كابل.. صراع الذاكرة التاريخية وضرورات التطوير ب ...
- مارادونا الغناء العربي.. كيف هزم جورج وسوف المعايير ببحة مكس ...
- -شركاء-.. تركي آل الشيخ يكشف عن حجم مشاركة صندوق الأفلام في ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عطا درغام - مفردات البيئة في أدب إبراهيم اليوسف