عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 10:50
المحور:
القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
العشرون:
من الضروري أن يدرك العالم أن هذه ليست مجرد تجاوزات عفوية من قبل جنود منفلتين، بل هي سياسة دولة مدروسة بعناية. لقد تم استخدام "التشكيلات المخصوصة" (عصابات من المجرمين أُطلق سراحهم من السجون) لتنفيذ أقذر المهام، مما سمح للحكومة بالادعاء لاحقاً بأن هذه الأحداث كانت مجرد "اشتباكات محلية" أو "أعمال نهب من قبل بدو".
الحادي والعشرون:
إن الأرقام المتوفرة حتى الآن مرعبة. تشير التقديرات الأولية للجنة إلى أن ما يقرب من مليون أرمني قد تأثروا بهذه الإجراءات، وأن مئات الآلاف قد قُتلوا بالفعل أو ماتوا نتيجة الظروف القاسية.
هذه هي الجريمة الأكبر في هذا القرن، وإذا لم يتحرك العالم المتمدن الآن، فلن يتبقى أي أرمني في الإمبراطورية العثمانية خلال أشهر قليلة.
الثاني والعشرون:
نناشد حكومات الدول المحايدة والمنظمات الإنسانية ممارسة أقصى الضغوط على الحكومة العثمانية وحلفائها لوقف هذه الإبادة. إن التاريخ سيحاسب كل من صمت أمام هذه المذابح.
يجب تأمين ممرات آمنة للمساعدات الغذائية والطبية لتصل إلى الناجين في الصحراء، ويجب السماح للجان الدولية بالتحقيق في هذه الوقائع ميدانياً.
توقيعات وتوصيات:
تختتم اللجنة تقريرها بالتأكيد على صحة كل كلمة وردت فيه، وهي مستعدة لتقديم الأدلة والشهادات التفصيلية أمام أي محكمة دولية في المستقبل.
«إننا لا نكتب هذا من أجل الدعاية، بل من أجل الحقيقة والعدالة للأرواح البريئة التي أُزهقت».
أكتوبر 1915
اللجنة الأمريكية بنيويورك
ثالثاً وعشرون:
تلقينا معلومات مؤكدة من منطقة "سيواس". في هذه الولاية، بدأت عمليات الترحيل في أوائل شهر يوليو. تم إجبار الآلاف على مغادرة مدنهم وقراهم تحت تهديد السلاح. لم يُسمح للمرحلين باستخدام أي وسيلة نقل، وكان عليهم قطع مئات الكيلومترات سيراً على الأقدام عبر الجبال الوعرة.
تفيد التقارير أن الجندرمة كانت تختار الطرق الأكثر صعوبة ووعورة لزيادة معاناة الناس، وكان يُحظر عليهم شرب الماء من الينابيع التي يمرون بها إلا بدفع مبالغ مالية كبيرة للحراس.
رابعاً وعشرون:
في "خربوط" (هاربوت)، كانت المشاهد تفوق الوصف. أُخذ الرجال النخبة من المدينة، بمن فيهم الأطباء والمحامون والأساتذة، وقُتلوا في وادٍ قريب. أما النساء والأطفال، فقد سُقوا في قوافل بشرية ضخمة نحو الجنوب.
تقول إحدى الشهادات: "كانت الطريق مغطاة بملابس ممزقة، وأدوات منزلية مهجورة، وجثث. رأينا أطفالاً صغاراً تُركوا وحيدين يبكون بجانب جثث أمهاتهم، ولم يكن بمقدور أحد مساعدتهم لأن الجندرمة كانت تضرب كل من يتوقف".
خامساً وعشرون:
وصلت أنباء من "ديار بكر" تشير إلى أن الوالي هناك اتخذ إجراءات أكثر دموية. لم يقتصر الأمر على الترحيل، بل جرت عمليات قتل جماعي داخل المدينة وفي القرى المحيطة بها. نُهبت المتاجر والمنازل الأرمنية بالكامل، وأُجبر الناجون على السير نحو "دير الزور" في حالة من العوز التام.
يؤكد الشهود أن الفرات أصبح يحمل مئات الجثث يومياً، لدرجة أن الصيادين توقفوا عن الصيد بسبب تلوث المياه بالدماء والبقايا البشرية.
سادساً وعشرون:
تحدث أحد المبشرين الذي تمكن من زيارة مخيم للمرحلين بالقرب من "ملطية" عن بؤس لا يمكن تصوره. الناس هناك يعيشون تحت الأشجار أو في حفر محفورة في الأرض. الخبز نادر جداً، والناس يموتون من ضربات الشمس ومن نقص الغذاء الأساسي.
يقول: "لقد فقد هؤلاء الناس كل إحساس بالزمن والمكان، هم فقط ينتظرون الموت كخلاص وحيد من عذابهم المستمر".
سابعاً وعشرون:
من المهم ملاحظة أن عمليات الترحيل هذه شملت أيضاً العائلات الأرمنية البروتستانتية والكاثوليكية، رغم محاولات السفارات الأجنبية للتدخل لصالحهم. أُبلغت السفارة الأمريكية أن الأوامر تشمل "جميع الأرمن دون استثناء"، مما يؤكد النية المبيتة لاستهداف العرق بأسره بغض النظر عن الانتماء الديني الفرعي.
ثامناً وعشرون:
في بعض المناطق، عُرض على الأرمن اعتناق الإسلام كشرط للبقاء ووقف ترحيلهم، ولكن حتى أولئك الذين قبلوا بذلك لم يسلموا دائماً من النفي. في كثير من الأحيان، كانت السلطات تأخذ الرجال الذين "أسلموا" وتعدمهم لاحقاً، بينما تُجبر النساء على الزواج من مسلمين وتُوزع الأطفال على المياتم الإسلامية.
تاسعاً وعشرون:
تؤكد اللجنة أن النهب لم يكن عملاً عشوائياً، بل كان منظماً. تم تشكيل لجان خاصة لـ "تصفية الممتلكات المتروكة"، ولكن في الواقع كانت هذه الأموال تذهب لتمويل الحرب أو لجيوب المسؤولين المحليين. تم بيع أثاث المنازل الأرمنية الفاخرة في المزادات العلنية بأسعار زهيدة جداً للأهالي المحليين.
ثلاثون:
إن الحالة الصحية في القوافل المتبقية كارثية. الجرب، والقمل، والأمراض المعوية تفتك بالنازحين. يروي طبيب عسكري تمكن من رؤية إحدى القوافل أن "الرائحة المنبعثة من البشر الأحياء كانت تشبه رائحة الموت"، بسبب عدم قدرتهم على الاستحمام أو تبديل ملابسهم لأسابيع طويلة.
الحادي والثلاثون:
نناشد الرأي العام في أمريكا وأوروبا ألا يغمض عينيه عن هذه المأساة. إن صمت العالم هو ما يشجع الجناة على الاستمرار في خطتهم. يجب أن تصل هذه التقارير إلى كل عاصمة، ويجب مطالبة الحكومة التركية بوقف هذه "المسيرة نحو الموت" فوراً.
الثاني والثلاثون:
إن هذه الوثائق والشهادات التي جمعتها اللجنة هي أمانة في عنق التاريخ. نحن نوثق هذه الفظائع ليس بدافع الكراهية، بل لضمان ألا تُنسى هذه المعاناة الإنسانية الكبرى، ولتحفيز الضمير العالمي للتحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقايا هذا الشعب العريق.
ثالث وثلاثون:
وصلت إلينا تقارير مفصلة حول "تصفية" النخبة المثقفة في عدة مدن رئيسية. في [مكان محذوف]، تم استدعاء المدرسين والأطباء والصيادلة الأرمن إلى مقر الحكومة المحلية بحجة تسجيل أسمائهم للخدمة المدنية. وبمجرد تجمعهم، تم تقييدهم بالحبال وسوقهم خارج المدينة تحت جنح الظلام.
تؤكد الشهادات أن هؤلاء الرجال لم يصلوا أبداً إلى أي وجهة رسمية، بل تم إعدامهم في الوديان العميقة المحيطة بالمنطقة. إن الهدف من ذلك كان واضحاً: حرمان الشعب الأرمني من قادته ومفكريه لتعجيزه عن القيام بأي رد فعل أو تنظيم.
رابع وثلاثون:
في إحدى القوافل التي انطلقت من [مكان محذوف]، وصفت إحدى الناجيات كيف أن الجندرمة كانت تجبر النساء على الرقص والغناء وهن في حالة من الهزال الشديد والمجاعة، وذلك لتسلية الحراس.
تقول الشهادة: "كانت السياط تنهال علينا إذا توقفنا عن المشي أو إذا بدأنا بالبكاء. لقد سلبوا منا كل شيء، حتى الماء الذي كان الجندرمة يبيعونه لنا بأسعار باهظة، وعندما نفد مالنا، كانوا يتركوننا نموت عطشاً أمام الأنهار".
خامس وثلاثون:
تلقينا معلومات مروعة من منطقة "الفرات". في نقاط معينة من النهر، كان يتم ربط المرحلين ببعضهم البعض وإلقاؤهم في الماء أحياء.
أفاد شهود عيان، من بينهم عمال أجانب في السكك الحديدية، أنهم رأوا مئات الجثث المتشابكة تطفو مع التيار، مما جعل مياه النهر غير صالحة للاستخدام البشري لأسابيع. كانت هذه الطريقة تُستخدم للتخلص السريع من الأعداد الكبيرة من المرحلين دون الحاجة لاستخدام الرصاص.
سادس وثلاثون:
في "مرعش" و"عينتاب"، كان الضغط على السكان الأرمن شديداً جداً. رغم أن عمليات الترحيل هناك كانت أقل سرعة في البداية، إلا أنها سرعان ما تحولت إلى حملة إبادة شاملة.
أُجبرت العائلات على بيع ممتلكاتها ومنازلها مقابل مبالغ زهيدة جداً لا تكفي لشراء الخبز لأيام قليلة. وكان المشترون في الغالب من المهاجرين الذين استقدمتهم الحكومة ليحلوا محل الأرمن في أحيائهم وقراهم.
سابع وثلاثون:
يشير التقرير إلى حالة "المجاعة المنظمة" في مخيمات التجمع. في مخيم [اسم محذوف] بالقرب من حلب، كان يتم توزيع قطعة صغيرة من الخبز المتعفن مرة كل يومين على مئات الأشخاص.
أدى هذا الوضع إلى انتشار حالات أكل الأعشاب الضارة وحتى الجيف في بعض الحالات القصوى من اليأس. "كان الموت بالمرض والوع لدرجة أنه أصبح يُنظر إليه كرحمة من العذاب اليومي".
ثامن وثلاثون:
تؤكد اللجنة أن القوات النظامية التركية لم تكن وحدها المشاركة في هذه الأعمال، بل جرى تسليح القبائل المحلية وتحريضها ضد القوافل المارة بأراضيها.
كان يتم منح هذه القبائل "الحق" في نهب ما تبقى مع الأرمن من ملابس أو أشياء بسيطة، مقابل مساعدتهم للجندرمة في منع أي محاولات للهروب أو الاختباء في الجبال.
تاسع وثلاثون:
في "أدنة"، رغم الوعود السابقة بحماية المسيحيين، تم ترحيل الآلاف نحو الصحراء السورية. كان من بين المرحلين أطفال من المياتم التي كانت تديرها بعثات أمريكية.
رغم احتجاجات مديري المياتم، انتزعت السلطات الأطفال من رعاية المبشرين وسلقتهم في قوافل لا ترحم. لم يصل من هؤلاء الأطفال إلا القليل جداً إلى وجهتهم النهائية، حيث مات معظمهم بسبب الإجهاد والأوبئة.
أربعون:
تختتم هذه الشهادات بالتأكيد على أن حجم الكارثة لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث. إن ما يحدث هو تدمير منهجي لثقافة وحضارة وشعب بأكمله.
إن الأدلة التي جمعتها "اللجنة الأمريكية" لا تترك مجالاً للمجاملات الدبلوماسية؛ إنها جريمة ضد الإنسانية تُرتكب في وضح النهار وتحت نظر القوى العظمى المنشغلة بالحرب.
الحادي والأربعون:
توصي اللجنة بضرورة البدء فوراً في حملة تبرعات دولية لإنقاذ من تبقى من "بقايا السيف". إن الأموال مطلوبة لشراء الغذاء وتأمين المأوى للأرامل والأيتام الذين تمكنوا من الوصول إلى المناطق الآمنة نسبياً في سوريا ولبنان.
"يجب أن نتحرك الآن، فكل ساعة تمر تعني فقدان المزيد من الأرواح البريئة".
الثاني والأربعون:
إن هذه الحسابات الدقيقة والشهادات الموثقة ستبقى شهادة حية ضد الظلم. إن اللجنة تضع هذا التقرير بين يدي الرأي العام العالمي، مؤمنة بأن الحقيقة ستنتصر في النهاية، وأن دماء هؤلاء الضحايا لن تذهب سدى.
نيويورك، أكتوبر 1915.
الثالث والأربعون:
إن الشهادات التي جمعناها من "أورفة" و"رأس العين" تصف وضعاً لا يمكن لعقل بشري استيعابه. ففي هذه المناطق الصحراوية، حيث تنتهي معظم قوافل الترحيل، لا يجد الناجون أي مأوى أو طعام.
تشير التقارير إلى أن السلطات المحلية هناك كانت تنظر إلى المرحلين كعبء يجب التخلص منه بأسرع وقت. "كان يُترك الناس في العراء تحت المطر والبرد، ودون أدنى وسيلة للتدفئة، مما أدى إلى وفاة المئات كل ليلة بسبب التجمّد والمرض".
الرابع والأربعون:
تؤكد اللجنة أن السياسة المتبعة لم تكن تهدف إلى "إعادة توطين" الأرمن كما ادعت الحكومة العثمانية، بل كانت تهدف إلى "إفنائهم" عبر المسير الطويل والجوع والأوبئة.
إن اختيار الطرق الصحراوية القاحلة والبعيدة عن أي مراكز إمداد لم يكن عشوائياً، بل كان جزءاً جوهرياً من الخطة لضمان ألا يصل من هذه القوافل إلا الهياكل العظمية البشرية التي لا تقوى على البقاء.
الخامس والأربعون:
نحن نوجه هذا النداء إلى الإنسانية جمعاء. إن ما يحدث للأمة الأرمنية هو جريمة لا تغتفر، وصمة عار في جبين القرن العشرين.
يجب على القوى المتحاربة والمحايدة على حد سواء أن تضع جانباً خلافاتها السياسية للتدخل لوقف هذا الهولوكوست. إن كل يوم من التأخير يعني فقدان آلاف الأرواح التي يمكن إنقاذها بجهد دولي منسق.
السادس والأربعون (التوصيات الختامية):
تطالب اللجنة بما يلي:
الوقف الفوري لعمليات الترحيل القسري.
السماح للمنظمات الإغاثية الدولية بالوصول إلى مخيمات التجمع في سوريا وبلاد ما بين النهرين.
تأمين العودة الآمنة للناجين إلى ديارهم وتوفير الحماية الدولية لهم.
محاسبة المسؤولين عن هذه الفظائع أمام محكمة دولية.
سابع وأربعون:
إن اللجنة الأمريكية بنيويورك ستواصل عملها في جمع التبرعات وتوثيق الحقائق. نحن نؤمن أن كشف الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو العدالة.
نشكر جميع المخبرين والمبشرين والقناصل الذين خاطروا بحياتهم لنقل هذه المعلومات إلينا. إن شجاعتهم هي التي مكنت العالم من معرفة الحجم الحقيقي للمأساة الأرمنية.
(خاتمة التقرير)
إن هذا التقرير هو وثيقة للتاريخ وللضمير الإنساني.
"لا يمكننا أن نبقى صامتين بينما تُباد أمة بأكملها".
صدر في نيويورك، أكتوبر 1915.
عن اللجنة الأمريكية للفظائع المرتكبة في أرمينيا
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟