|
|
المرأة في أدب إبراهيم اليوسف: من قداسة الرمز إلى مأساة الواقع
عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8722 - 2026 / 5 / 31 - 22:47
المحور:
الادب والفن
يُعد أدب إبراهيم اليوسف (الشاعر، والروائي، والناقد) مرآة عاكسة لقضايا الإنسان في أكثر تجلياتها حدة، وتأتي "المرأة" في مشروعه الإبداعي كركيزة أساسية لا يمكن قراءة نصوصه بمعزل عنها. فهي ليست مجرد شخصية عابرة، بل هي الوطن، والذاكرة، وضحية الاستبداد، ورمز الصمود. أولاً: المرأة في الخطاب الروائي (التوثيق والمأساة) في روايات اليوسف، تبرز المرأة كشاهد حي على التحولات السياسية والاجتماعية المؤلمة. يظهر ذلك بجلاء في عملين محوريين: رواية "شنكالنامه" (2018): تعتبر هذه الرواية وثيقة أدبية وإنسانية كبرى رصدت معاناة المرأة الإيزيدية. هنا، لم تعد المرأة مجرد خيال شاعري، بل هي "الناجية" و"الأسيرة" التي واجهت وحشية تنظيم "داعش". يركز اليوسف على بشاعة "الجينوسايد" (الإبادة الجماعية) التي استهدفت المرأة الإيزيدية، محاولاً من خلال السرد رد الاعتبار لكرامتها المهدورة وتوثيق صرختها أمام صمت العالم. 1. المرأة كوثيقة حية ضد "الجينوسايد" في "شنكالنامه"، تتحول الشخصيات النسائية من مجرد "شخصيات ورق" إلى شهود عيان. لم يكتفِ اليوسف بالخيال، بل استند إلى شهادات حقيقية لناجيات وأشخاص عاصروا المأساة، مما جعل السرد يكتسب صبغة "التوثيق الروائي". المرأة هنا هي التي تحمل تفاصيل "الجينوسايد"؛ هي التي تروي كيف تحولت القرى الهادئة إلى مسارح للقتل، وكيف تم اقتلاع الوجود الإيزيدي من جذوره. السرد لا يعرض الموت المجرد، بل يعرض "انكسار الروح" من خلال عيون النساء. 2. من "الخيال الشاعري" إلى "واقعية الألم" ثمة تحول جذري في تعامل اليوسف مع المرأة؛ فبعد أن كانت في قصائده رمزاً للحب أو الطبيعة أو الوطن المجرد، أصبحت في الرواية كائناً من دم ولحم يعاني التنكيل. "شنكالنامه" تكسر الصورة النمطية للمرأة في الأدب الكلاسيكي؛ فهي هنا "الناجية" التي تحمل ندوباً جسدية ونفسية، و"الأسيرة" التي تُباع وتُشترى في أسواق النخاسة الداعشية. هذا الانتقال من "الرمز" إلى "الواقع" هو محاولة لتعرية وحشية الأيديولوجيات المتطرفة التي تستهدف جسد المرأة كساحة للحرب. 3. رد الاعتبار للكرامة المهدورة السرد عند اليوسف في هذا العمل هو فعل "إنصاف". من خلال التركيز على أدق تفاصيل المعاناة، يسعى الكاتب إلى إعادة تعريف "الناجية" لا بصفتها "وصمة"، بل بصفتها "بطلة" قاومت الفناء. الرواية تحاول ترميم الهوية الجريحة للمرأة الإيزيدية من خلال منحها صوتاً مسموعاً، محطمةً جدار الصمت الذي يلف قضايا السبايا. إن السرد هنا يعمل كـ "محكمة أدبية" تدين الجلاد وتنتصر للضحية. 4. المرأة والميثولوجيا (الصمود الروحي) يربط اليوسف بين معاناة المرأة المعاصرة وبين الجذور الميثولوجية والعادات الإيزيدية (مثل أدعية الاستغاثة ومراتب الديانة). تظهر المرأة كحارسة لهذه الطقوس؛ ففي أحلك لحظات الأسر، يظل التمسك بالهوية الروحية وسيلة للمقاومة. هذا الربط يمنح المأساة بعداً وجودياً وتاريخياً، ويؤكد أن استهداف المرأة كان استهدافاً لذاكرة الجماعة بأكملها. 5. مواجهة الصمت العالمي تستخدم الرواية صرخة المرأة لإدانة "صمت العالم" والقوى الكبرى التي كان بإمكانها منع الكارثة. من خلال شخصية الصحفي (البطل الذي يقتفي أثر الحقيقة)، يضع اليوسف القارئ وجهاً لوجه أمام مسؤوليته الأخلاقية. المرأة في "شنكالنامه" ليست قضية محلية، بل هي صرخة إنسانية ضد "البربرية" التي يمكن أن تنفجر في أي زمان ومكان إذا غاب الضمير العالمي. الخلاصة: المرأة في "شنكالنامه" هي "إبرة الذهب" (بتعبير مستعار من عناوين اليوسف) التي تخيط جراح الذاكرة الكردية والإيزيدية. إنها المحور الذي يدور حوله النص ليوثق ليس فقط ما حدث للأجساد، بل ما حدث للقيم الإنسانية في لحظة سقوط كوني. رواية "جرس إنذار" (2022): تظهر المرأة هنا في سياق "أدب الجائحة" واللجوء. تبرز شخصيات نسائية تعاني من تمزق الهوية بين الشرق والغرب، ومحاولات الاندماج في المجتمع الألماني، مع تسليط الضوء على انكسارات المرأة السورية المهاجرة التي فقدت أهلها واستقرارها نتيجة الحرب. . المرأة كميزان للقلق الكوني (بين الفيروس والبرميل) في هذا النص، يضع اليوسف المرأة السورية في مقارنة قسرية مع "الموت". فبينما يرتجف العالم الغربي من "فيروس" مجهري، تبرز المرأة المهاجرة كخبير في "إدارة الرعب"؛ فهي التي اختبرت الموت "بالبراميل" والصواريخ في دمشق وحلب والقامشلي. المفارقة: الاغتراب هنا يأخذ شكلاً تهكمياً؛ فالمرأة التي نجت من حرب شاملة تجد نفسها محاصرة في شقة ألمانية بقرار إغلاق (Lockdown)، مما يحول "المنفى" من مساحة للحرية إلى "سجن صحي" يعيد إنتاج ذاكرة الحصار السوري. 2. تمزق الهوية: صراع "الجسد" و"الذاكرة" المرأة في "جرس إنذار" تعيش تمزقاً هوياتياً حاداً يظهر في علاقتها بالمجتمع الألماني: الاندماج القلق: هي تريد الانخراط في المجتمع لتضمن مستقبلاً لأطفالها، لكنها تخشى أن يكون ثمن هذا الاندماج هو "محو الذات". تبرز الشخصيات النسائية وهنّ يحاولن موازنة تقاليد البيت السوري مع قوانين الشارع الألماني، وهو ما يخلق حالة من "الاغتراب المزدوج". انكسار "السند" التقليدي: الحرب سلبت الكثير من النساء "المعيل" أو "السند" (الأب أو الزوج)، مما أجبرهنّ على مواجهة الغربة وحيدات. هذا التحول من "التابعية" إلى "الاستقلال القسري" في ألمانيا خلق انكساراً نفسياً ممزوجاً بقوة اكتُشفت تحت ضغط الحاجة. 3. "الفقد الممتد" وتأثيره على الاستقرار النفسي يسلط اليوسف الضوء على فكرة أن استقرار المرأة المهاجرة هو استقرار "هش"؛ ففقدان الأهل والبيت في سوريا يظل جرحاً مفتوحاً لا يندمل بمجرد الحصول على "الإقامة". المرأة في الرواية هي "حارسة الحنين"؛ هي التي تتابع أخبار الوطن عبر الشاشات في لحظات العزلة، وهي التي تعيش "ذنب الناجي"، حيث تشعر بالخجل من أمانها النسبي في ألمانيا بينما لا تزال بقايا عائلتها تحت وطأة الموت أو النزوح. 4. المرأة كـ "جرس إنذار" للمنظومة القيمية من خلال شخصيات نسائية، يطرح اليوسف تساؤلاً أخلاقياً كبيراً: كيف للمرأة التي فقدت كل شيء نتيجة صمت العالم عن محرقتها، أن تثق الآن في عدالة هذا العالم وهو يواجه الجائحة؟ تتحول "المرأة السورية المهاجرة" في النص إلى "جرس إنذار" أخلاقي؛ فهي النموذج الأوضح لفشل النظام العالمي في حماية الإنسان، وانكسارها هو الدليل المادي على "عوار" هذا العصر الذي يهتم بسلامة الأجساد من الفيروسات، بينما يترك الأرواح تذبل في المنافي. 5. ثنائية (القامشلي/برلين): صراع الأمكنة المرأة في الرواية هي التي تجلب "القامشلي" إلى "برلين" عبر طقوسها اليومية، رائحة مطبخها، ولغتها مع أطفالها. إنها تحاول "تبييض" سواد الغربة بذكريات الوطن. لكن هذا الفعل نفسه يعمق اغترابها، لأنها تكتشف أن "سوريا" التي تحن إليها لم تعد موجودة إلا في ذاكرتها، بينما "ألمانيا" التي تسكنها لا تزال ترفض استيعاب كامل أوجاعها. ثانياً: المرأة في الفضاء الشعري (الوطن والأنثى) في دواوينه الشعرية، مثل "للعشق، للقبرات والمسافة" و"عويل رسول الممالك"، يمزج اليوسف بين الأنثى والوطن (القامشلي/كردستان). المرأة عنده هي "مرابع الندى" وهي الحافز الدائم للحرية. يتسم خطابه الشعري بالرقة والتبجيل لمكانة المرأة، معتبراً إياها حارسة الذاكرة الشفهية والتراث المهدد بالزوال. في الفضاء الشعري لإبراهيم اليوسف، تخرج المرأة من إطارها البيولوجي الضيق لتصبح "نصاً موازياً" للوطن، وقيمة عليا تتماهى مع الجغرافيا والتاريخ. هذا المزيج الفريد في دواوينه (مثل "للعشق، للقبرات والمسافة" و"عويل رسول الممالك") يجعل من "الأنثى" هي المبتدأ والخبر في قصيدته، ويمكننا التوسع في هذا المحور عبر النقاط العميقة التالية: 1. الحلول والاتحاد: (المرأة كجغرافيا بديلة) لا يرسم اليوسف حدوداً فاصلة بين ملامح المرأة وملامح الأرض؛ فالمرأة عنده هي "القامشلي" في عنفوانها، وهي "كردستان" في شموخ أوجاعها. في شعره، يصبح وجه المرأة خريطة، وعيناها نبعين من ينابيع "جغجغ". هذا التماهي ليس مجرد تشبيه بلاغي، بل هو "حلول" صوفي؛ حيث لا يمكن الوصول للوطن إلا عبر المرأة، ولا يمكن عشق المرأة إلا كفعل وطني. هي "مرابع الندى" التي يهرب إليها الشاعر من يباس السياسة وجفاف المنفى. 2. الأنثى كـ "حافز ثوري" وشرط للحرية يتجاوز اليوسف في خطابه الشعري مفهوم "الغزل التقليدي" ليربط حضور المرأة بالفعل الثوري والتحرري. المرأة في شعره هي التي تمنح "الشرعية" للمقاومة؛ فهي الأم التي تودع الشهيد، والرفيقة التي تذكي جذوة الأمل. إنها "الحافز الدائم للحرية"، وبدون رضاها ومباركتها تظل القصيدة ناقصة والوطن مرتهناً. التبجيل هنا نابع من كونها "المصدر" الأول للكرامة؛ فحرية الوطن تبدأ من حرية الأنثى وحمايتها من القهر. 3. "حارسة الذاكرة": الدور الأنثروبولوجي للمرأة يمنح اليوسف للمرأة دوراً مقدساً باعتبارها "المستودع الأمين للتراث المهدد بالزوال". في بيئة تعاني من محاولات محو الهوية، تبرز المرأة في شعره كحامية للغة الأم، وللأغاني الشعبية، وللحكايات الشفهية (اللاوجي والدهول). هي التي تنقل "النار المقدسة" من جيل إلى جيل عبر "الهزهزات" (الأغاني المهادّة للأطفال). المرأة هنا هي التي تمنع التاريخ من "اليتم"؛ فبينما ينشغل الرجال بالحروب والسياسة، تتفرغ المرأة في شعر اليوسف لحياكة ثوب الهوية وحفظ تفاصيل البيت الطيني التي تمنع الذاكرة من الانمحاء. 4. رقة الخطاب و"إيتيكيت" التبجيل يتميز النفس الشعري لليوسف بـ "الرقة العالية" التي تقترب من التقديس (Goddess Worship) في بعض تجلياتها. هو لا يخاطب المرأة كجسد مستباح للوصف، بل كـ "كيان معنوي" مهيب. نبرة التبجيل هذه تعكس موقفاً أخلاقياً ثابتاً لديه؛ فالمرأة هي "البياض" (كما في ديوان مدائح البياض) الذي يقاوم سواد الاستبداد. هذا الخطاب الشعري يرمم ما هدمته الأنظمة الشمولية في النسيج الاجتماعي، ويقترح "علاقة جمالية" تقوم على الاحترام الفائق والاعتراف بفضل الأنثى في صمود الكائن. 5. المرأة كتعويض عن "الفقد" واليتم الجغرافي في دواوينه المتأخرة، وبعد أن أصبح "المنفى" واقعاً ثقيلاً، تحولت المرأة في شعره إلى "وطن محمول". إنها الخيط الأخير الذي يربطه بالتراب الأول. عندما يضيق "صقيع ألمانيا"، يرتد الشاعر إلى "دفء الأنثى" باعتبارها الملاذ الذي يعوضه عن "يتمه الجغرافي". المرأة هنا هي "الأرض التي تمشي"، وهي الصدر الذي يضم جراح "رسول الممالك" المعول من شدة الحنين. .................................. ثالثاً: المرأة والوعي الفكري والاجتماعي من خلال مقالاته وشهاداته الذاتية (مثل "آلة الاستبداد ولذة المواجهة")، يظهر تقدير اليوسف للمرأة المثقفة والمناضلة. فهو يشير دائماً إلى رفيقات الدرب من الكاتبات اللواتي واجهن آلة النظام السوري، ومنهن من تعرضت للاعتقال أو التهجير. كما برز ذلك في "رسالة الأدباء والكتاب الكرد إلى الشرع" (2025)، حيث تضمنت القائمة أسماء كاتبات وشاعرات كشريكات أساسيات في صياغة مستقبل "سوريا الجديدة". يُشكل البعد الفكري والاجتماعي في نظرة إبراهيم اليوسف للمرأة حجر الزاوية في مشروعه التحرري؛ فهي لديه ليست مجرد "ملهمة" في القصيدة أو "ضحية" في الرواية، بل هي "ذات فاعلة" وشريكة كاملة في صياغة الوعي الجمعي ومواجهة الديكتاتورية. 1. "المثقفة العضوية": كسر نمطية التبعية في مقالاته وشهاداته (لا سيما في "آلة الاستبداد ولذة المواجهة")، ينتصر اليوسف لنموذج "المرأة المثقفة العضوية" التي تشتبك مع الواقع. هو يرى أن معركة الحرية في سوريا وكردستان لا يمكن أن تكتمل بـ "نصف مجتمع"، لذا يركز على دور الكاتبة والمثقفة كصوت موازٍ ومكافئ لصوت الرجل. المرأة عنده هي التي تقرأ، تكتب، وتفكك خطاب السلطة، وهي التي تحول صالونها الثقافي أو قلمها إلى "خندق مواجهة". 2. رفيقات الدرب: توثيق نضال الكاتبات يمتاز اليوسف بوفاء نادر لجيله وللجيل الذي يليه من الكاتبات السوريات والكرديات. هو لا يتحدث عن النضال كفعل ذكوري، بل يستحضر دائماً أسماء الكاتبات اللواتي:
واجهن الاعتقال: يشيد بالصمود الأسطوري للمعتقلات السياسيّات والكاتبات اللواتي دفعن ثمن الكلمة خلف القضبان. واجهن التهجير: يرصد معاناة الشاعرات والمبدعات في المنافي (ألمانيا، فرنسا، السويد)، معتبراً أن "وجع الاقتلاع" لدى المرأة المبدعة مضاعف، لأنها تحارب للحفاظ على صوتها الإبداعي وسط مسؤوليات اللجوء القاسية. واجهن التهميش: في شهادته عن سنوات العمل في سوريا، يوثق كيف حوربت المرأة المثقفة وظيفياً واجتماعياً، وكيف استطاعت بوعيها الفكري كسر هذه الأغلال. 3. "الشراكة الوجدانية والسياسية" (رسالة 2025 نموذجاً) تعد "رسالة الأدباء والكتاب الكرد إلى أحمد الشرع" (2025) وثيقة مفصلية في فكر اليوسف السياسي والاجتماعي. التوسع هنا يكمن في: المساواة في التوقيع: إصرار اليوسف على إدراج أسماء الشاعرات والكاتبات الكرديات كـ "موقعات أصيلات" على الرسالة يعكس إيمانه بأن مستقبل "سوريا الجديدة" لا يُبنى إلا بـ "عقد اجتماعي" تكون فيه المرأة شريكة في القرار السياسي وليس مجرد واجهة. صياغة المستقبل: الأسماء النسائية في تلك القائمة لم تكن مجرد أرقام، بل كنّ يمثلن "الثقل الثقافي النسوي" الذي يراه اليوسف ضامناً لمدنية الدولة وعدم انزلاقها نحو راديكاليات جديدة قد تستهدف حقوق المرأة. 4. الوعي الاجتماعي: تحدي "الراديكالية والقبلية" في مقالاته النقدية، يشن اليوسف هجوماً فكرياً على العادات القبلية والمنظومات الراديكالية التي تحاول "تنميط" المرأة أو عزلها. هو يرى أن وعي المرأة بحقوقها هو "ترمومتر" نجاح الثورة؛ فالمجتمع الذي لا يحترم حرية المرأة وفكرها هو مجتمع "مغترب عن العصر". المرأة المثقفة عند اليوسف هي التي تقود عملية "التنوير الاجتماعي" من الداخل، وهي الضمانة الوحيدة لمنع إعادة إنتاج الاستبداد بصور اجتماعية أو دينية. 5. المرأة كجسر "كردي-عربي" يركز اليوسف على دور المثقفة الكردية التي تكتب بالعربية كجسر للتواصل الثقافي. هو يرى أن وعي هاتين الفئتين من النساء (الكرديات والعربيات) وتضامنهن هو الذي سيخلق "النسيج الوطني" الحقيقي. فالمرأة المناضلة تتجاوز الحواجز القومية الضيقة لتلتقي في فضاء القيم الإنسانية المشتركة، وهو ما يحرص اليوسف على إبرازه في شهاداته عن "العمل المشترك" في الملتقيات الثقافية.. المرأة كأيقونة للخلاص في مشروع إبراهيم اليوسف إن الكتابة "بالحبر والوجع" عند إبراهيم اليوسف هي فعل "انتقام نبيل" من النسيان؛ فالكاتب يدرك أن التاريخ الذي يكتبه المنتصرون أو المستبدون غالباً ما يسقط منه صوت المرأة، لذا جاء أدبه ليكون "الأرشيف البديل" الذي يعيد الاعتبار للمهمشات والمنكسرات. 1. تجسيد "أنطولوجيا المقاومة": المرأة في أدب اليوسف لا تقاوم بالسلاح فقط، بل تقاوم بـ "البقاء". إن استمرارها في الحفاظ على لغتها، وهويتها، وتربية أطفالها في مخيمات اللجوء أو تحت القصف، هو في نظر اليوسف أسمى أشكال المقاومة. إنها "رمز الحياة" الذي يكسر حدة "الموت المجاني" الذي يحيط بالإنسان السوري والكردي. هي الشجرة التي ترفض الجفاف مهما اشتدت رياح الاقتلاع. 2. الغوص في العمق الإنساني والسياسي: يتجاوز اليوسف "القشور الجمالية" للمرأة؛ فلا تعنيه الأنثى كلوحة فنية بقدر ما تعنيه كـ "قضية سياسية". إن انكسار المرأة في رواياته هو إدانة لسياسات دولية، وعجز أممي، وقوانين محلية جائرة. عندما يكتب عن "وجع" المرأة الإيزيدية في شنكالنامه أو "تمزق" السورية في جرس إنذار، فإنه يضع القارئ أمام مرآة "الضمير العالمي". المرأة هنا هي "المختبر" الذي تُقاس فيه عدالة أي نظام أو ثورة. 3. سلاح ضد النسيان: يمثل أدب اليوسف "سدّاً منيعاً" أمام محاولات المحو؛ فمن خلال تدوين أسماء وتفاصيل ومعاناة الكاتبات والمناضلات والناجيات، يضمن الكاتب ألا تتحول مآسيهن إلى مجرد أرقام في التقارير الحقوقية. المرأة في أدبه هي "خيط الحرير" الذي يربط بين حطام الماضي وأمل المستقبل؛ هي التي تحفظ "رائحة الأرض" للأجيال القادمة، لكي لا تضيع البوصلة في تيه المنافي. 4. الخلاص بالكلمة والأنثى: في نهاية المطاف، يبدو إبراهيم اليوسف مؤمناً بأن "أنوثة العالم" هي التي ستنقذه من ذكورية الحروب ووحشية الآلات. إن تبجيله للمرأة هو تبجيل للحياة نفسها. فبالحبر الصادق والوجع النبيل، استطاع اليوسف أن يجعل من المرأة "منارة أخلاقية" تضيء عتمة التاريخ المعاصر، مؤكداً أن الوطن الذي لا تُنصف فيه المرأة هو وطن لا يستحق أن يُسمى وطناً. خاتمة: إن كتابة إبراهيم اليوسف عن المرأة هي كتابة "بالحبر والوجع"؛ فهو لا يكتفي بالوصف الجمالي، بل يغوص في العمق الإنساني والسياسي، مما يجعل المرأة في أدبه رمزاً للمقاومة والحياة في وجه الموت والنسيان. تعد هذه العبارة الجوهرية تلخيصاً مكثفاً للمسؤولية الأخلاقية التي قطعها إبراهيم اليوسف على نفسه تجاه "قضية المرأة". فالحبر في أقلامه ليس مجرد سائل للكتابة، بل هو استعارة لدموع الناجيات وعرق المناضلات، والوجع ليس شعوراً عابراً، بل هو "مانيفستو" (بيان) سردي يرفض القبول بالأمر الواقع. المراجع المعتمدة في هذا المقال: اليوسف، إبراهيم. رواية شنكالنامه، دار أوراق للنشر، القاهرة، 2018. اليوسف، إبراهيم. رواية جرس إنذار، مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، القاهرة، 2022. اليوسف، إبراهيم. آلة الاستبداد ولذة المواجهة (شهادة ذاتية)، يوليو 2017. حوار مع الروائي إبراهيم اليوسف حول روايته (شنكالنامه)، محاورة داود مراد ختاري، أكتوبر 2018. الشاعر إبراهيم اليوسف لعنب بلدي، حوار أجراه أسامة آغي، 2019. أعمال كاملة تضيء على تجربته الشعرية، مقال بقلم محمد عبدالسميع، جريدة الاتحاد، 2023. رسالة الأدباء والكتاب الكرد إلى أحمد الشرع، الحوار المتمدن، يناير 2025
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
شهادة معلمي الكلية الألمانية في حلب –الإبادة الأرمنية 1915
-
من شهادات الإبادة الجماعية للأرمن في الأرشيف الألماني
-
من الأرشيف الألماني إبان المذبحة الأرمنية 1915- 3
-
من الأرشيف الألماني إبان المذبحة الأرمنية 1915-4
-
من أرشيفات السفارة الإمبراطورية الألمانية إبان مذابح الأرمن
...
-
من أرشيفات السفارة الإمبراطورية الألمانية إبان مذابح الأرمن
...
-
تقرير صادر عن اللجنة الأمريكية بنيويورك حول الفظائع المرتكبة
...
-
كيف أنقذ علمٌ أربعة آلاف أرمني: رواية القس ديكران أندرياسيان
-
تقرير صادر عن اللجنة الأمريكية بنيويورك حول الفظائع المرتكبة
...
-
تقرير صادر عن اللجنة الأمريكية بنيويورك حول الفظائع المرتكبة
...
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(15-16 )
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(16-16 )
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(13-16 )
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(14-16 )
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(11-16 )
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(12-16 )
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(10-16 )
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(9-16 )
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(7-16 )
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(8-16 )
المزيد.....
-
ترمب ينوي إحياء حفل الاستقلال بعد انسحاب فنانين: أنا أشهر من
...
-
فنانون في حديقة الحيوانات هذه يحوّلون النفايات إلى منحوتات ف
...
-
وزير الثقافة اللبناني: مدينة صور تواجه خطرا يهدد إرثها العال
...
-
من الرحلة إلى المجاورة.. كيف صانت التراجم المغربية ذاكرة بيت
...
-
قصة حب شبيهة بالأفلام.. كيف غيرت رحلة على متن طائرة حياة هذا
...
-
المتنبي الخفي.. كيف تصنع الثقافة سوقا موازية وسط بغداد؟
-
شاهد.. فنان يحوّل أقدم جسر في باريس إلى كهفٍ هوائيٍّ ضخم
-
من مقاومة النازية إلى التضامن مع فلسطين ونقد الحداثة.. رحيل
...
-
-لم نكن نعرف-.. لماذا تتوالى انسحابات الفنانين من احتفالات أ
...
-
-في أصول الفقه السياسي-.. كتاب يكشف مواطن القوة والضعف في مش
...
المزيد.....
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|