|
|
سردية القهر والمقاومة بالكلمة: قراءة في أدب إبراهيم اليوسف
عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8722 - 2026 / 5 / 31 - 22:47
المحور:
الادب والفن
يُعد "القهر" أحد المفاتيح المركزية لفهم التجربة الإبداعية لدى إبراهيم اليوسف. فمنذ بداياته الشعرية في القامشلي وصولاً إلى رواياته المكتوبة في المنفى الألماني، ظل اليوسف مخلصاً لرصد أشكال القمع التي تمارسها "آلة الاستبداد" ضد الإنسان. القهر عنده ليس مجرد حالة عاطفية، بل هو بنية سياسية واجتماعية يحاول تفكيكها عبر لغة تجمع بين رقة الشعر وقسوة الشهادة التوثيقية. أولاً: القهر السياسي و"آلة الاستبداد" يمثل القهر السياسي الجرح الأول في نص اليوسف. ففي شهادته الذاتية "آلة الاستبداد ولذة المواجهة"، يوثق الكاتب كيف يتحول الاستبداد إلى ممارسة يومية تخنق المبدع. الحرمان والمنع: يتحدث اليوسف عن قهر "المنع من النشر" وتهميش المثقف وظيفياً وأمنياً. هذا النوع من القهر "الناعم" يهدف إلى اغتيال الكاتب معنوياً قبل جسدياً. لذة المواجهة: يرى اليوسف أن الرد الوحيد على القهر هو "الكتابة". فكل نص يكتبه هو فعل تمرد يكسر هيبة الجلاد، محولاً تجربة القهر الشخصي إلى صوت جماعي يطالب بالحرية. 1. "آلة الاستبداد": ميكانزمات الخنق اليومي في شهادته "آلة الاستبداد ولذة المواجهة"، لا يتحدث اليوسف عن الاستبداد كخطابات كبرى، بل كـ "آلة" تتدخل في تفاصيل الحياة اليومية للمبدع. الاغتيال المعنوي (القهر الناعم): يتوسع اليوسف في شرح كيف أن "المنع من النشر" هو محاولة لقطع لسان الكاتب وتجفيف منابع تواصله مع جمهوره. هذا القهر الوظيفي (عبر النقل التعسفي أو التهميش في العمل) يهدف إلى إشغال المبدع بلقمة عيشه ليصرفه عن قضاياه الكبرى. الحصار الأمني والنفسي: يوثق اليوسف كيف يتحول "الخوف" إلى أداة رقابة ذاتية، حيث تسعى السلطة لزرع شرطي داخل رأس كل كاتب. القهر السياسي هنا هو "الحرمان من الأمان" الذي يجعل الكتابة فعلاً محفوفاً بالمخاطر. 2. "لذة المواجهة": الكتابة كفعل انتقام نبيل مقابل "آلة الاستبداد"، اجترح اليوسف مصطلح "لذة المواجهة". وهي حالة شعورية وفكرية تتجاوز مجرد الصمود لتصل إلى نوع من "الانتصار الأخلاقي": تحطيم هيبة الجلاد: يرى اليوسف أن المستبد يخشى الكلمة أكثر من السلاح؛ لأن الكلمة تعري زيفه وتنزع عنه القداسة. الكتابة هنا هي "فعل تمرد" يكسر جدار الصمت، وكل مقال أو قصيدة تنشر هي طلقة في صدر الاستبداد. تحويل الوجع إلى "صوت جماعي": تكمن عبقرية اليوسف في أنه لم يحبس قهره في إطاره الشخصي، بل جعله "مانيفستو" لكل المقهورين. الكتابة هي الأداة التي تحول "الأنين الفردي" في الزنزانة أو المنفى إلى "نشيد جماعي" يطالب بالحرية، وبذلك يفقد القهر قدرته على كسر المبدع. 3. الصمت كخيانة والكلمة كواجب أخلاقي في فكر اليوسف، يصبح السكوت على القهر السياسي "خيانة للذات". لذا، تصبح الكتابة لديه "واجباً قدرياً". هو لا يكتب لأنه يريد، بل لأنه "يجب" أن يشهد على العصر. التوسع هنا يكمن في فكرة أن اليوسف جعل من "التوثيق" جزءاً من المواجهة؛ فالمستبد يراهن على النسيان، بينما يراهن الكاتب على "التدوين" لضمان أن تظل ممارسات الاستبداد محفورة في ذاكرة الأجيال، وهذا هو جوهر "لذة المواجهة" التي لا تنتهي بموت الكاتب أو رحيله. 4. القهر السياسي في "المنفى": مواجهة الوكيل لا الأصيل حتى بعد خروج اليوسف إلى ألمانيا، لم يتوقف القهر السياسي، بل اتخذ أشكالاً أخرى. يوثق الكاتب كيف تلاحق "أذرع الاستبداد" المبدع في منفاه عبر التشويه الإلكتروني أو الضغط على الأهل في الداخل. المواجهة هنا تكتسب بعداً جديداً؛ فهي كتابة من أجل "الوطن الأسير" من مسافة بعيدة، حيث يتحول الحبر إلى جسر يربط بين حرية الكاتب في الخارج وصرخة المقهورين في الداخل. ثانياً: القهر القومي ومأساة "الاقتلاع" باعتباره صوتاً معبراً عن الوجع الكردي والسوري، رصد اليوسف القهر الناتج عن محاولات محو الهوية: رواية "شنكالنامه" نموذجاً: يتجلى القهر هنا في أبشع صوره (الجينوسايد). يوثق اليوسف قهر المكون الإيزيدي، ليس فقط على يد التنظيمات الإرهابية، بل وقهر "الصمت الدولي" الذي ترك شعباً كاملاً لمواجهة الفناء. القهر في هذه الرواية هو "اقتلاع الجذور" وتحويل الأرض إلى مقبرة للهوية. قهر "المكتومين": في مقالاته، يسلط الضوء على قهر "الحرمان من الجنسية" (الأجانب والمكتومين في سوريا)، معتبراً أن تجريد الإنسان من أوراقه الثبوتية هو قمة القهر الوجودي الذي يحوله إلى "غريب في وطنه". يُعتبر "القهر القومي" في أدب إبراهيم اليوسف مادةً خاماً لمشروعٍ نضالي يسعى لاستعادة "إنسانية" المكونات التي تعرضت لمحاولات محوٍ ممنهج. اليوسف لا يكتب عن القومية كأيديولوجيا إقصائية، بل يكتب عنها كحق في الوجود والذاكرة، وهو ما يظهر في محورين شديدي القسوة: 1. "شنكالنامه": القهر كإبادة وجودية وصمت كوني في رواية "شنكالنامه"، يرتقي مفهوم القهر عند اليوسف ليصل إلى ذروة المأساة البشرية المعاصرة. التوسع في هذا الجانب يشمل: الجينوسايد كمحوٍ للذاكرة: القهر في شنكال لا يتوقف عند قتل الأجساد أو سبي النساء، بل يمتد ليشمل محاولة "اجتثاث" جذور ديانة ومكون أصيل (الإيزيديين). اليوسف يوثق قهر "اقتلاع الجذور"؛ حيث تصبح الأرض التي كانت ملاذاً، مقبرةً للهوية وللحكايات القديمة. قهر "الخذلان العالمي": يركز اليوسف بمرارة على أن القهر الأكبر لم يأتِ فقط من نصال السيوف الإرهابية، بل من "اللامبالاة الدولية". هذا الصمت حوّل شنكال إلى جرحٍ مفتوح، وجعل من الضحية تشعر بأنها خارج سياق الاهتمام البشري، وهو ما يسميه اليوسف "قهر العزلة الكونية". تحويل الفجيعة إلى نص: القهر هنا هو "المادة" التي تُبنى منها الرواية؛ فاليوسف يستخدم "كاميرا الكلمات" لتوثيق تفاصيل لا تريد السياسة تذكرها، وبذلك يصبح النص فعلاً دفاعياً يحمي الهوية من التحول إلى مجرد رقم في تقارير المنظمات. 2. قهر "المكتومين": التجريد من الوجود القانوني يمثل ملف "الأجانب والمكتومين" في سوريا جرحاً شخصياً وقومياً في مقالات اليوسف، حيث يفكك سيكولوجية الإنسان المحروم من "الورقة": القهر الوجودي (الإنسان "الظل"): يرى اليوسف أن حرمان الإنسان من الجنسية في موطنه هو عملية "إعدام مدني". المكتوم في نص اليوسف هو كائن "شبح"؛ موجود جسدياً لكنه غير معترف به قانونياً. هذا القهر يحرمه من التعليم، السفر، التملك، وحتى الحق في "الاسم" الرسمي، مما يجعله يعيش حالة "يتم وطني" وهو فوق ترابه. الغربة داخل الوطن: يتوسع اليوسف في شرح كيف يتحول الوطن إلى "منفى إجباري" للمحرومين من الجنسية. القهر هنا هو أن تضطر لإثبات "بديهية" انتماءك للأرض التي ولد فيها أجدادك. إنه قهر "التشكيك في الوجود" الذي يمارسه المستبد لكسر إرادة المكونات القومية. اللغة كتعويض عن الوثيقة: في ظل غياب "الهوية الورقية"، يجعل اليوسف من "الهوية الثقافية" (اللغة، الأدب، التاريخ) وثيقة بديلة. القهر السياسي الذي حاول طمس هؤلاء البشر، يواجهه اليوسف بإعادة الاعتبار لقصصهم ونضالهم، معتبراً أن "الحبر" قد يمنح الجنسية الوجدانية لمن حُرم من الجنسية السياسية. 3. مأساة "الاقتلاع" المستمر يربط اليوسف بين قهر "شنكال" وقهر "المكتومين" بخيط واحد هو "الاقتلاع". فالإزاحة القسرية للسكان، وتغيير الديموغرافيا، ومنع التحدث باللغة الأم، كلها أدوات قهر يحللها اليوسف كفعل "اغتصاب للجغرافيا والتاريخ". الخلاصة: القهر القومي عند اليوسف هو "الخوف من النسيان". لذا، تصبح كتاباته هي الصرخة التي ترفض تحويل "صاحب الأرض" إلى "عابر سبيل" أو "مكتوم قيد"، ساعياً من خلال "الحبر والوجع" إلى تثبيت جذور هؤلاء المقهورين في ذاكرة المستقبل. ثالثاً: قهر المنفى و"عسر الاندماج" ينتقل مفهوم القهر في أعمال اليوسف المتأخرة (مثل جمهورية الكلب وجرس إنذار) من قهر السوط والزنزانة إلى قهر "الغربة والتبعية": الاغتراب القسري: يصف اليوسف العيش في المنفى بأنه "قهر اختياري-إجباري". فاللاجئ في رواياته يعاني من قهر "الاندماج القلق"؛ حيث يضطر لتبني هوية جديدة ليعيش، بينما تمزقه ذكريات وطنه المحطم. قهر الجائحة: في "جرس إنذار"، يرصد قهر الإنسان أمام "فيروس" مجهول أعاد إنتاج مشاعر الحصار والعزلة، مما جعل المرأة والرجل المهاجرين يعيشان قهراً مضاعفاً (قهر الغربة وقهر الخوف من الفناء). في المرحلة المتأخرة من تجربة إبراهيم اليوسف الإبداعية، وتحديداً بعد استقراره في ألمانيا، خضع مفهوم "القهر" لعملية تحول بنيوية؛ فلم يعد القهر مرتبطاً فقط بجلاد يمسك سوطاً، بل أصبح مرتبطاً بـ "ماكينة المنفى" التي تحاول إعادة صياغة الكائن الإنساني بما يتلاءم مع جغرافيا باردة غريبة عنه. 1. الاغتراب القسري: مفارقة "القهر الاختياري-الإجباري" يطرح اليوسف في أعماله مفهوماً فلسفياً معقداً للمنفي، وهو أن اللجوء قهر "إجباري" من حيث الدافع (الهروب من الموت) ولكنه "اختياري" من حيث الوجهة. هذا التمزق يخلق ما يسميه اليوسف "الاندماج القلق": قهر "التبعية" القانونية والثقافية: في رواية "جمهورية الكلب"، يظهر القهر في صورة البطل "آلان نقشبندي" الذي يجد نفسه مضطراً لتعلم لغة جديدة وقوانين جديدة (حتى تلك المتعلقة بحقوق الحيوان) لكي يُقبل كـ "إنسان" في مجتمع المنفى. هذا القهر يكمن في شعور المبدع بأنه أصبح "تلميذاً مبتدئاً" في مدرسة الحياة بعد أن كان علماً في وطنه. تمزيق الذاكرة: القهر هنا هو العيش في "البرزخ"؛ حيث يضطر اللاجئ لتبني قناع الهوية الجديدة (الألمانية) ليعبر الشارع ويقضي مصالحه، بينما تظل "روحه" معلقة بخرائب وطنه المحطم. إنه قهر "التجزئة"، حيث لا يستطيع الكائن أن يكون كلاً متكاملاً في أي مكان. 2. قهر الجائحة: الحصار المزدوج و"فوبيا" الفناء في رواية "جرس إنذار"، يرتقي القهر إلى مستوى كوني ليمتزج بوجع اللجوء: إعادة إنتاج "ذاكرة الحصار": يحلل اليوسف ببراعة كيف أن "فيروس كورونا" وما رافقه من إغلاق (Lockdown) قد أعاد للمهاجر السوري والكردي "قهر الحصار" الأول في الوطن. العزلة في الشقة الألمانية أصبحت موازية للعزلة في مخابئ القصف، مما جعل القهر "نفسياً وتاريخياً" في آن واحد. القهر المضاعف (الغربة + الفناء): يعاني أبطال اليوسف في هذه المرحلة من خوف وجودي؛ فالغربة قهرت "انتماءهم"، والجائحة قهرت "أمانهم البيولوجي". بالنسبة للمرأة والرجل المهاجرين، فإن القهر يكمن في التساؤل المرير: "هل هربنا من قهر الموت بالرصاص لنواجه قهر الموت بالفيروس في وحدة المنفى؟". هذا الشعور بـ "عبثية النجاة" هو قمة القهر الوجودي الذي رصده اليوسف. 3. سوسيولوجيا اللجوء: قهر "المقارنة المستحيلة" يتوسع اليوسف في رصد القهر الناتج عن المقارنة الدائمة بين ما كان عليه الإنسان وما أصبح عليه. في المنفى، يُقهر الإنسان بـ "فقدان المركز"؛ حيث يتحول من "ذات فاعلة" في مجتمعه الأصلي إلى "رقم لاجئ" ينتظر معونة أو تصريحاً. قهر "الانتظار": يصور اليوسف الانتظار (انتظار الأوراق، انتظار انتهاء الجائحة، انتظار العودة المستحيلة) كأداة قهر صامتة تآكل الروح ببطء، محولةً حياة المنفي إلى سلسلة من التأجيلات المستمرة. رابعاً: قهر المرأة.. "الوجع المزدوج" يحتل قهر المرأة مساحة واسعة في أدب اليوسف. المرأة عنده تعاني من "قهرين": قهر المنظومة الاستبدادية العامة، وقهر العادات والتقاليد الراديكالية. في "شنكالنامه"، يغوص في قهر "السبايا"، محولاً وجعهن إلى صرخة أخلاقية. في نصوصه النقدية، يدافع عن الكاتبات اللواتي واجهن القمع، مؤكداً أن قهر المرأة هو "ترمومتر" لانحدار أي مجتمع. يمثل قهر المرأة في مشروع إبراهيم اليوسف الأدبي "الخطيئة الكبرى" التي يحاكم من خلالها التاريخ والواقع معاً. فالمسألة لديه تتجاوز التضامن العاطفي لتصل إلى تحليل بنيوي لما يسميه "الوجع المزدوج"؛ حيث تقع المرأة فريسة مطرقة الاستبداد السياسي وسندان الموروث الاجتماعي المتشدد. وبتوسع مفصل في هذا المحور: 1. فلسفة "الوجع المزدوج": المرأة بين استبدادين يرى اليوسف أن المرأة في مجتمعاتنا لا تعاني من قمع واحد، بل من منظومة قمعية متراكبة: القهر السياسي: بصفتها مواطنة تعيش في ظل "آلة الاستبداد"، فهي تتعرض للاعتقال، والتهجير، وفقدان الأمان مثلها مثل الرجل. القهر الاجتماعي/الراديكالي: وهنا تكمن خصوصية وجعها؛ إذ يضيف المجتمع والمنظومات الراديكالية قيوداً إضافية تتعلق بحريتها، وجسدها، وحقها في التعبير. هذا "الوجع المزدوج" يجعل من قضية المرأة عند اليوسف قضية "حرية مركبة" لا يمكن تجزئتها. 2. "شنكالنامه": قهر "السبايا" والصرخة الأخلاقية في روايته "شنكالنامه"، غاص اليوسف في أعمق نقطة من نقاط القهر الإنساني، وهي تحويل المرأة إلى "سلعة" تحت مسميات دينية مشوهة: تحويل الوجع إلى وثيقة: لم يكتفِ اليوسف بوصف المعاناة، بل جعل من جسد "الناجية" وذاكرتها وثيقة إدانة ضد "البربرية" الحديثة. القهر في شنكال ليس جسدياً فحسب، بل هو قهر محاولة "تحطيم الكرامة الإنسانية". الصرخة الأخلاقية: من خلال السرد، أعاد اليوسف الاعتبار لـ "الناجيات"، رافضاً وصفهن بالضحايا المنكسرات، بل صورهن كأيقونات للصمود. الصرخة هنا موجهة للعالم الذي صمت على "سوق النخاسة" في القرن الواحد والعشرين. 3. المرأة كـ "ترمومتر" للتحضر والانحدار في نصوصه النقدية ومقالاته، يطرح اليوسف رؤية فكرية تقدمية تعتبر وضع المرأة معياراً وحيداً لصلاح المجتمع: قهر المرأة = انحدار المجتمع: يؤكد اليوسف أن أي مجتمع يضطهد المرأة أو يهمش دورها هو مجتمع محكوم بالفشل التاريخي. المرأة عنده هي "بوصلة" الحرية؛ فبقدر ما تنال من حقوق، يقترب المجتمع من التحرر الشامل. الدفاع عن الكاتبات والمبدعات: يبرز اليوسف دائماً دور رفيقات الدرب من الكاتبات اللواتي واجهن "قمعاً مضاعفاً"؛ قمع السلطة التي تخشى الكلمة، وقمع المجتمع الذي يخشى "صوت الأنثى". هو يرى أن دفاعه عنهن هو دفاع عن جوهر الثقافة والإبداع. 4. قهر "الذاكرة الموؤودة" واللجوء يتوسع اليوسف في رصد قهر المرأة المهاجرة (كما في "جرس إنذار")، حيث تعاني من قهر فقدان "البيت/ السكن" الذي هو مملكتها الروحية، لتجد نفسها في مواجهة "برد" المنافي وقوانين الاندماج التي قد تسلبها خصوصيتها الثقافية، أو تضعها في صراع مع أبنائها، مما يضيف فصلاً جديداً لـ "الوجع المزدوج". خامساً: اللغة كأداة لكسر القهر يؤمن إبراهيم اليوسف بأن "اللغة" هي المساحة الوحيدة التي لا يطالها القهر. لذا، يستخدم لغة شعرية عالية حتى في رواياته، ليمنح ضحايا القهر "جمالية" تعيد لهم إنسانيتهم. الكتابة عنده هي "ممحاة المسافة" التي تمحو آثار القهر وتصنع جسراً نحو التحرر. في مشروع إبراهيم اليوسف، لا تقتصر "اللغة" على كونها وعاءً لنقل الأفكار، بل تتحول إلى "فعل مقاومة" بحد ذاته. إنها الحصن الأخير الذي يتحصن فيه المبدع عندما تسقط كل القلاع الجغرافية والسياسية. اللغة لديه هي المساحة "المُحررة" التي لا تستطيع آلة الاستبداد، مهما بلغت قوتها، أن تفرض رقابتها الكاملة على خيالها وتدفقها. 1. "شعرية السرد" كأداة لترميم الإنسانية يؤمن اليوسف أن تقديم "القهر" بلغة جافة أو تقريرية قد يخدم التوثيق، لكنه يقتل "الروح". لذا، يعمد إلى استخدام لغة شعرية مكثفة وعالية الجمالية حتى في أقسى رواياته (مثل شنكالنامه): لماذا الجمالية؟ لأن الجمال هو النقيض المباشر لبشاعة القهر. عندما يمنح اليوسف "الضحية" لغة رشيقة وصوراً شعرية مبتكرة، فإنه يعيد لها "كرامتها الروحية" التي حاول الجلاد سلبها. اللغة الجميلة هنا هي بمثابة "ثوب مقدس" يُلبسه المبدع للمقهورين ليرفعهم من مرتبة "الأرقام" إلى مرتبة "الأيقونات". 2. "ممحاة المسافة": اللغة كوطن متنقل يستخدم اليوسف استعارته الشهيرة "ممحاة المسافة" ليعبر عن قدرة اللغة على إلغاء الحواجز التي صنعها القهر: كسر جغرافيا النفي: اللغة هي التي تمحو المسافة بين "برلين" و"القامشلي". عبر الحبر، يستطيع اليوسف أن يعود لبيته الأول، ويستحضر رائحة الخبز والتراب، مما يجعل القهر الجغرافي (المنفى) ينهار أمام سطوة الخيال اللغوي. الجسر نحو التحرر: الكتابة هي الجسر الذي يعبر فوقه المقهور من "سجن الواقع" إلى "رحابة النص". اللغة عند اليوسف تصنع واقعاً موازياً، وطناً لا يحتاج إلى تأشيرة دخول، ولا يجرؤ شرطي على مصادرته. 3. اللغة "حارسة الهوية" في وجه المحو القومي في سياق القهر القومي، تتحول اللغة (العربية التي يكتب بها، والكردية التي تسكن وجدانه) إلى "أداة بقاء": التوثيق كفعل إنقاذ: إن كتابة مآسي "المكتومين" أو "الإيزيديين" بلغة أدبية رصينة هو فعل إنقاذ لهويتهم من المحو. اللغة هنا تعمل كـ "درع" يحمي التاريخ الشفهي المهدد بالضياع، محولةً الأنين الصامت إلى نص مكتوب خالد، وبذلك تنكسر إرادة المستبد الذي راهن على "نسيان" هؤلاء البشر. 4. "اللغة العضوية": تلاحم الحبر بالوجع اللغة عند اليوسف ليست "مستوردة" أو "مفتعلة"، بل هي لغة نابعة من رحم المعاناة. هو لا يكتب عن القهر ببرود المراقب، بل يكتبه بـ "حبر الوجع". هذا التلاحم يجعل من مفرداته (مثل: الندى، القبرات، الزنزانة، الاقتلاع) كلمات مشحونة بطاقة مقاومة. اللغة هنا تصبح "جسداً" يتألم ويقاوم، مما يخلق نوعاً من التماهي بين القارئ والضحية، وهذا هو قمة التحرر من سطوة القهر. 5. كسر "الرقيب الداخلي" اللغة عند اليوسف هي أداة لكسر "قهر الذات". فمن خلال تطوير لغته الخاصة، استطاع اليوسف أن يتجاوز "الرقيب الداخلي" الذي يزرعه الاستبداد في رؤوس المثقفين. اللغة الشعرية بما تحمله من رموز وإيحاءات، كانت وما زالت وسيلته للمراوغة الفنية التي تفتح آفاقاً للحرية في أضيق الزنازين. خلاصة: يتحول القهر في أدب إبراهيم اليوسف من "جرح شخصي" إلى "قضية إنسانية عالمية". إنه الكاتب الذي جعل من "الوجع" حبراً ليكتب تاريخ الذين لا تاريخ لهم، مؤكداً أن الكلمة الصادقة هي الكفيلة بكسر أعتى أنواع القهر المراجع والتوثيق: اليوسف، إبراهيم. آلة الاستبداد ولذة المواجهة (شهادة ذاتية)، يوليو 2017. اليوسف، إبراهيم. شنكالنامه (رواية)، دار أوراق للنشر، القاهرة، 2018. اليوسف، إبراهيم. جمهورية الكلب (رواية)، دار خطوط وظلال، عمان، 2020. اليوسف، إبراهيم. جرس إنذار (رواية)، مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، القاهرة، 2022. اليوسف، إبراهيم. الأعمال الشعرية الكاملة، دار أروقة، القاهرة، 2023. عبد المولى، محمد علاء الدين. "سوسيولوجيا اللجوء والقهر في أدب إبراهيم اليوسف"، دراسة نقدية، 2021. هبون، ريبر. "تأريخ الوجع والقهر في رواية شنكالنامه"، كورد أونلاين، 2022. الناشف، ثائر. "بناء الشخصية المقهورة في روايات إبراهيم اليوسف"، 2023.
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المرأة في أدب إبراهيم اليوسف: من قداسة الرمز إلى مأساة الواق
...
-
شهادة معلمي الكلية الألمانية في حلب –الإبادة الأرمنية 1915
-
من شهادات الإبادة الجماعية للأرمن في الأرشيف الألماني
-
من الأرشيف الألماني إبان المذبحة الأرمنية 1915- 3
-
من الأرشيف الألماني إبان المذبحة الأرمنية 1915-4
-
من أرشيفات السفارة الإمبراطورية الألمانية إبان مذابح الأرمن
...
-
من أرشيفات السفارة الإمبراطورية الألمانية إبان مذابح الأرمن
...
-
تقرير صادر عن اللجنة الأمريكية بنيويورك حول الفظائع المرتكبة
...
-
كيف أنقذ علمٌ أربعة آلاف أرمني: رواية القس ديكران أندرياسيان
-
تقرير صادر عن اللجنة الأمريكية بنيويورك حول الفظائع المرتكبة
...
-
تقرير صادر عن اللجنة الأمريكية بنيويورك حول الفظائع المرتكبة
...
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(15-16 )
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(16-16 )
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(13-16 )
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(14-16 )
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(11-16 )
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(12-16 )
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(10-16 )
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(9-16 )
-
إبادة جماعية نموذجية، أرمينيا 1915(7-16 )
المزيد.....
-
ترمب ينوي إحياء حفل الاستقلال بعد انسحاب فنانين: أنا أشهر من
...
-
فنانون في حديقة الحيوانات هذه يحوّلون النفايات إلى منحوتات ف
...
-
وزير الثقافة اللبناني: مدينة صور تواجه خطرا يهدد إرثها العال
...
-
من الرحلة إلى المجاورة.. كيف صانت التراجم المغربية ذاكرة بيت
...
-
قصة حب شبيهة بالأفلام.. كيف غيرت رحلة على متن طائرة حياة هذا
...
-
المتنبي الخفي.. كيف تصنع الثقافة سوقا موازية وسط بغداد؟
-
شاهد.. فنان يحوّل أقدم جسر في باريس إلى كهفٍ هوائيٍّ ضخم
-
من مقاومة النازية إلى التضامن مع فلسطين ونقد الحداثة.. رحيل
...
-
-لم نكن نعرف-.. لماذا تتوالى انسحابات الفنانين من احتفالات أ
...
-
-في أصول الفقه السياسي-.. كتاب يكشف مواطن القوة والضعف في مش
...
المزيد.....
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|