أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - كيف تقتلُ أمةً دون أن تُطلقَ رصاصة؟















المزيد.....

كيف تقتلُ أمةً دون أن تُطلقَ رصاصة؟


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 16:19
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس بالضرورة أن تُرى الدبابات وهي تعبرُ الحدود حتى نعرف أن الوطن يُذبح، فثمة أوطانٌ تموتُ بهدوءٍ يشبه النوم، وتُسحبُ أرواحُها من بين أضلعها كما تُسحبُ الشعرةُ من العجين، دون ضجيجٍ كبير، ودون بيانٍ عسكري، ودون جنازةٍ وطنية تليق بحجم الفقد. إنّ الأمم لا تسقط دائمًا تحت أقدام الغزاة، بل كثيرًا ما تسقط تحت أقدام أبنائها وهم يركضون خلف مصالحهم الصغيرة كجياعٍ يتقاتلون على فتات مائدةٍ احترقت منذ زمن. وما أكثرَ الأوطان التي لم يقتلها العدو، بل قتلها ذلك التصالحُ البطيء مع القبح، ذلك الاعتيادُ الثقيل على الإهانة، وذلك الخنوع الذي يبدأُ كنصيحةٍ عقلانية ثم يتحوّل مع الوقت إلى أسلوب حياة.أن تقتلَ أمةً دون أن تُطلقَ رصاصة، يعني أن تجعلها تفقدُ إيمانها بنفسها أولًا، لأن الإنسان حين يفقدُ ثقته بروحه يصبح مستعدًا لأن يبيع كلَّ شيء، حتى ذاكرته. يكفي أن تُقنع الناس بأن لا جدوى من الصدق، وأن الشريفَ مجردُ أحمق لم يتعلم فنّ السرقة، وأنّ النزيه شخصٌ غيرُ عمليّ، وأنّ الكذب مهارة اجتماعية لا غنى عنها للنجاة. عندها يبدأ المجتمع بالتحلل مثل جثةٍ تُركت طويلًا تحت شمس الخوف، بينما الجميع يتظاهر بأن الرائحة ليست رائحة موت بل “ظروفٌ استثنائية” ستمرُّ قريبًا.إن أخطرَ ما يمكن أن يحدث لأمة، ليس الفقر ولا الحروب ولا العقوبات، بل أن تُصاب أرواحُ الناس بالعطب، وأن يتحوّل المواطن إلى كائنٍ مرهقٍ لا يريد من الحياة سوى أن ينجو بيومه بأقل قدرٍ ممكن من الخسائر، حتى لو خسر نفسه في الطريق. ففي المجتمعات المريضة لا يموت الإنسان دفعةً واحدة، بل يموت بالتقسيط؛ جزءٌ من كرامته عند أول إذلال، وجزءٌ من ضميره عند أول تبرير، وجزءٌ من شجاعته عند أول صمت، حتى يغدو في النهاية هيكلًا بشريًا يتحرك كثيرًا لكنه لا يشعر بشيء.وما أسهل قتل الأمم حين يتحول الجهل إلى زينةٍ اجتماعية، وحين يصبح المثقف مادةً للسخرية أكثر من كونه ضميرًا حيًا. هناك دائمًا سلطةٌ ما تخاف الإنسان الذي يفكر، لأن التفكير يوقظ الأسئلة، والأسئلة أخطر من الرصاص. لذلك تُفتحُ الشاشات لكلِّ صاخبٍ فارغ، ولكل مهرجٍ يتقن الرقص فوق جراح الناس، بينما يُدفع أصحاب العقول إلى العتمة كأنهم خطأٌ مطبعي في كتاب الخراب الكبير. وحين يُصبح التافهُ نجمًا، والعالمُ منسيًا، واللغةُ الرديئة أكثر رواجًا من الحكمة، فاعلم أن الأمة بدأت تفقدُ جهازها المناعي، وأنها لم تعد قادرة على التمييز بين الضوء والحريق.ثم تأتي الطائفية، تلك الحرفة القديمة التي يتقنها تجارُ الدم أكثر من غيرهم، فيحوّلون الوطن إلى قطيعِ مرايا متكسرة، كلُّ جماعةٍ ترى نفسها الضحية الوحيدة، وتتعامل مع الأخرى بوصفها مشروعَ خيانة دائم. وهكذا يصبح الانتماء إلى الطائفة أقوى من الانتماء إلى الأرض، ويغدو اسم الزعيم أكثر قداسةً من اسم الوطن نفسه، ويكبر الناس وهم يتعلمون كيف يكرهون قبل أن يتعلموا كيف يحبون. وما أقسى أن يكبر الطفل وهو يسمعُ عن المذهب أكثر مما يسمع عن الإنسان، وعن الثأر أكثر مما يسمع عن الرحمة، وعن العدو الداخلي أكثر مما يسمع عن الكرامة المشتركة.إنّ قتلَ أمةٍ لا يحتاج إلى تجويعها فقط، بل إلى إشغالها بمعارك تافهة تستنزف روحها حتى تنسى أسئلتها الكبرى. ولهذا تبدو بعض المجتمعات كأنها تعيشُ داخل سيركٍ سياسيٍّ ضخم؛ خطيبٌ يصرخ، ومحللٌ يتنبأ، وسياسيٌّ يعد، وجمهورٌ يصفق، بينما الوطن في الخلفية ينزف بصمتٍ يشبه بكاء الآباء الخجولين. والمضحك المبكي أن الناس باتوا يملكون قدرةً خارقة على التأقلم مع الكوارث؛ ينقطع التيار الكهربائي فيضحكون، ترتفع الأسعار فيطلقون النكات، تُسرق أعمارهم أمام أعينهم ثم يكتبون منشورًا ساخرًا وينامون. كأن السخرية أصبحت آخر وسيلةٍ دفاعية لإنسانٍ يعرف في داخله أنه يُؤكل ببطء لكنه لا يملك إلا الضحك كي لا ينهار.لقد نجح هذا العصر في تحويل الإنسان من كائنٍ يحلم إلى كائنٍ يستهلك فقط. يستهلك الأخبار، والغضب، والخوف، والإشاعات، حتى صار العقلُ أشبه بمكبّ نفايات إلكتروني ضخم، تُلقى فيه آلاف الآراء يوميًا دون أن ينتج فكرةً حقيقية واحدة. وما أشدَّ فداحةَ أن يعيش المرءُ عمره كله وهو يظن نفسه حرًّا، بينما هو في الحقيقة مجرد صدى لما يسمعه كل يوم. فالأمم لا تُستعبد دائمًا بالسلاسل، بل قد تُستعبد عبر الشاشات أيضًا، حين يُعاد تشكيل وعيها ببطء حتى تفقد القدرة على رؤية الحقيقة خارج ما يُملى عليها.
أما التعليم، فتلك مأساة أخرى تُنفَّذ بربطات عنقٍ أنيقة وشعارات براقة. يُطلب من الطالب أن يحفظ أكثر مما يفهم، وأن يطيع أكثر مما يناقش، وأن ينجح في الامتحان لا في الحياة. تُخرّج المدارس أفواجًا من البشر المتشابهين، كأنهم نُسخٌ مطبوعة من الخوف ذاته، يحملون شهاداتٍ كثيرة لكنهم عاجزون عن طرح سؤالٍ واحد يربك السلطة أو يهزُّ المجتمع. وحين يصبح التفكيرُ خطرًا، والطاعةُ فضيلةً مطلقة، تبدأ الأمة بالدخول إلى قفصها الذهبي بنفسها، ثم تتفاخر بانضباطها وهي تُساق إلى الهاوية.ولعلّ أكثر ما يثيرُ المرارة أن كثيرًا من الشعوب لم تعد تنتظر الخلاص أصلًا، بل صارت تخافه. فالإنسان الذي اعتاد الظلام طويلًا، تؤذيه فكرة الضوء. ولذلك ترى الناس أحيانًا يدافعون عن الذين يسرقونهم، ويهاجمون من يحاول إيقاظهم، لأن الحقيقة مرهقة، ولأن مواجهة الخراب تتطلب شجاعةً لا يملكها الجميع. وهكذا تتحول الأمة إلى جسدٍ هائلٍ بلا روح، يمشي كثيرًا لكنه لا يعرف إلى أين، يصرخ كثيرًا لكنه لا يقول شيئًا، يحتفل كثيرًا بينما المقبرة تتوسع تحت أقدامه.
إن أخطرَ أنواع الموت هو ذلك الذي لا يتركُ جثثًا واضحة، بل يتركُ بشرًا أحياء من الخارج، موتى من الداخل؛ موظفين يذهبون إلى أعمالهم بوجوهٍ مطفأة، وشبابًا يحلمون بالهجرة أكثر مما يحلمون بالحياة، وأمهاتٍ يخبئن قلقهنَّ داخل الدعاء، وآباءً يشيخون مبكرًا وهم يحسبون كلفة البقاء على قيد الكرامة. وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، لا يعود بحاجة إلى حرب، لأنه يكون قد أتقن تدمير نفسه بنفسه.
وهكذا تُقتلُ الأمم حقًا… لا حين تخسر معركةً عسكرية، بل حين تخسر معناها. حين يصبح الوطن مجرد مكانٍ نعيش فيه لا شيء يستحق التضحية من أجله، وحين يغدو الإنسانُ غريبًا داخل لغته وشارعه وذكرياته، وحين يتصالح الجميع مع الخراب كأنه قدرٌ أبدي لا فكاكَ منه. هناك فقط، تُطلقُ الرصاصة الأخيرة… لكنها لا تُسمع.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاكتشافُ الذي جعلَ التكنولوجيا تنتحر في العراق.
- العراق بين راعي الصخول وتفلة الملا... ..
- التخريب الذي لا يُرى.
- دموع المتقاعدُ العراقي… هل يسمعُ اللهُ صريرَ عظامِ الوطن؟
- الموت الأخلاقي للمثقف العربي .
- نهاية الأقنعة… وبداية الدولة .
- منظماتٌ تُعلّقُ الوطنَ على جدارِ الشهادات.
- المتقاعدون في العراق… موتٌ بطيء برواتب هزيلة.
- الدولة التي تأكل نفسها.
- في سوق الظلال… تُباع البلاد بصوتٍ خافت.
- مهرجان الوجوه… وجنازة الفكرة.
- القانون يجرؤ… والهيبة تتوسّل .
- وطن يُجبِي أبناءه بدل أن يُعلِّمهم .
- البصرة… ذاكرةُ الضوء وسيرةُ العين التي تعلّمت أن ترى .
- العراق… حين يتبدّل القاتل ولا تتبدّل الجريمة..
- في مقام الدولة… حين يصبح العدل لغة الحكم.
- شرف الكلمة في زمن السقوط: أزمة المصداقية في الإعلام العربي-
- اختلال ميزان الغيرة بين ستر المعصية والطعن في المقدّس.
- بين القلب والفؤاد: حين يفكّر الشعور… ويحترق المعنى.
- العراق بين سائق العربة وتاجر الأوهام وصاحب الكأس .


المزيد.....




- مسؤولان: الجولة الأخيرة من محادثات لبنان وإسرائيل جارية في أ ...
- -استغرقت أكثر من المعتاد-.. شاهد رحلة فريق CNN الطويلة للوصو ...
- إيران: عبور 30 سفينة من مضيق هرمز منذ مساء الأربعاء بـ-إذننا ...
- نشطاء سلام يتجمعون لحماية الفلسطينيين خلال مسيرة الأعلام في ...
- 100 مليون دولار ولكن.. روبيو يعرض المساعدة على كوبا شرط تغيي ...
- أنباء عن هجمات جديدة على سفن قرب مضيق هرمز
- انطلاق جولة محادثات جديدة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن.. من ...
- الاتحاد الأوروبي يعزز آلية تبادل المعلومات داخل التكتل للتصد ...
- ترامب وشي جينبينغ يتفقا بشأن إيران.. ويختلفان حول تايوان
- الدبلوماسية الرقمية.. كيف تحولت سفارات إيران إلى منصات تأثير ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - كيف تقتلُ أمةً دون أن تُطلقَ رصاصة؟