أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - القانون يجرؤ… والهيبة تتوسّل .














المزيد.....

القانون يجرؤ… والهيبة تتوسّل .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8696 - 2026 / 5 / 3 - 11:47
المحور: قضايا ثقافية
    


في حكايةٍ تبدو أقرب إلى الأدب الرمزي منها إلى الواقع، جلس لارس لوكه راسموسن على كرسيٍ صغير داخل مكتب مدير مدرسة، لا بوصفه رئيس حكومة، بل بوصفه زوجاً يحمل صفة “مرافق”. كانت زوجته، المعلمة، تنتظر حكماً مهنياً لا سياسياً، وكانت المؤسسة تستعد لأن تختبر نفسها قبل أن تختبرها. انتهى الاجتماع كما تنتهي الأشياء في البلدان التي تؤمن بأن القانون ليس زينة جدارية: فصلٌ نهائي، وهدوء بارد، وصمت لا يحتاج إلى خطابات.هذه القصة، التي جرت في الدنمارك، ليست درساً في الشجاعة بقدر ما هي درس في الاعتياد. هناك، لا يُنظر إلى العدالة كحدثٍ استثنائي يُحتفى به، بل كإجراءٍ روتيني يشبه جرس الحصة. المدير لم يكن بطلاً خارقاً، بل موظفاً يؤدي عمله ضمن منظومة تحميه من الخوف، وتحمي قراره من التآكل. أما رئيس الوزراء، فقد خرج من الغرفة أخفّ وزناً مما دخل، لا لأن مكانته اهتزت، بل لأن المنصب هناك لا يُستخدم كعكازٍ في الممرات الضيقة.لكن لو انزلقت هذه الحكاية إلى تضاريس أخرى، إلى أرضٍ مثقلةٍ بالوجاهات والسطوة، لتغيّر المشهد قبل أن يبدأ.تخيّلوا، لا رئيس وزراء، بل زوجة متنفذ، أو زوجة شيخ عشيرة، تدخل إلى اجتماعٍ تأديبي في مدرسةٍ عراقية.هل سيبقى الكرسي على حاله؟ أم سيتحول إلى منصة مفاوضات؟ هل سيبقى المدير مديراً؟ أم يصبح شاهداً في محكمة غير مرئية، تُدار خارج الجدران، حيث تُكتب القرارات بالحضور لا بالأدلة؟في مجتمعاتٍ تخلط بين الهيبة والحق، لا يحتاج النفوذ إلى أن يتكلم، يكفي أن يحضر. الحضور ذاته يصبح لغة ضغط، والصمت ذاته يتحول إلى تهديدٍ مؤجل. هناك، لا يُفصل الموظف بناءً على ملفه، بل على ميزانٍ آخر، ميزانٍ تُوضع فيه الأسماء قبل الأفعال، وتُقاس فيه القرابة قبل الكفاءة. وحين يجلس المدير أمام “الاسم”، لا يعود يناقش أخطاء مهنية،بل يفاوض على مستقبله الشخصي.وهنا تكمن المفارقة التي لا تُضحك إلا بمرارة: في بلدٍ مثل الدنمارك، تُستدعى زوجة رئيس الوزراء للتحقيق لأنها موظفة؛ وفي بلدانٍ أخرى،يُستدعى التحقيق لأنه اقترب من زوجة متنفذ.الفرق ليس في الأشخاص، بل في المعنى الذي تحمله الوظيفة. هناك،الوظيفة عقدٌ مع الدولة؛ وهنا، قد تتحول إلى امتيازٍ محاطٍ بهالة اجتماعية، تُحرّف مسارها كلما اقتربت من مركز قوة.في مدارسنا، التي يفترض أن تكون مصانع للوعي، تتسلل أحياناً ثقافة الخوف قبل ثقافة المعرفة. المعلم قد يزن كلماته لا خشية الخطأ العلمي،بل خشية الاصطدام باسمٍ ثقيل. والإدارة قد تتردد في اتخاذ قرارٍ واضح، لأنها لا تواجه ملفاً، بل شبكة علاقات. وهكذا، يتعلم الطالب درساً خفياً: أن الحقيقة ليست دائماً كافية،وأن العدالة قد تحتاج إلى “واسطة” لتصل.السخرية هنا ليست من أشخاص، بل من منظومة جعلت القانون يتلعثم حين يرى النفوذ. كيف يمكن لمدير مدرسة أن يواجه شيخ عشيرة؟ وكيف لمعلمٍ أن يُقيّم طالباً يحمل لقباً أثقل من المنهج؟ وكيف لمؤسسةٍ أن تستقيم، إذا كان ميزانها يميل قبل أن يُوضع عليه شيء؟..الجواب ليس بسيطاً، لكنه يبدأ من فكرةٍ تبدو بديهية: أن القانون يجب أن يكون أعمى بالفعل،لا أن يتظاهر بالعمى. أن يشعر الموظف، أيّاً كان موقعه، أن ظهره مسنود بنصٍ لا يُكسر، لا باسمٍ يُخشى. وأن يدرك صاحب المنصب، أو صاحب الجاه، أن حضوره لا يغيّر من حقيقةٍ مكتوبة في ملف.قصة تلك المعلمة ليست عن فصلٍ من العمل، بل عن فصلٍ بين عالمين: عالمٍ تُمارس فيه السلطة كخدمة، وعالمٍ تُمارس فيه كامتياز. وبين العالمين، يقف السؤال الذي لا يكفّ عن الإلحاح: متى يصبح القانون في بلادنا عادةً يومية، لا بطولةً نادرة؟
ربما حين يدخل “المرافق” إلى غرفة الاجتماع، فلا يلتفت إليه أحد. وربما حين يخرج القرار من الغرفة، فلا يُسأل: من كان حاضراً؟ بل يُسأل: هل كان عادلاً؟



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وطن يُجبِي أبناءه بدل أن يُعلِّمهم .
- البصرة… ذاكرةُ الضوء وسيرةُ العين التي تعلّمت أن ترى .
- العراق… حين يتبدّل القاتل ولا تتبدّل الجريمة..
- في مقام الدولة… حين يصبح العدل لغة الحكم.
- شرف الكلمة في زمن السقوط: أزمة المصداقية في الإعلام العربي-
- اختلال ميزان الغيرة بين ستر المعصية والطعن في المقدّس.
- بين القلب والفؤاد: حين يفكّر الشعور… ويحترق المعنى.
- العراق بين سائق العربة وتاجر الأوهام وصاحب الكأس .
- أنس الدغيم… حين تتحوّل المدن إلى قصائد، ويتحوّل الشعر إلى قد ...
- عرشٌ يُباع… أم وطنٌ يُقايض؟..
- تضيع الدولة بين المهل… ويصحو الدستور متأخرًا..
- الجمهورية التي تفاوض الزمن لا الخصوم.
- لعن الله الطائفية… حين تتحول العدالة إلى مرآة عوراء.
- هل اغتيال دونالد ترامب حقيقة أم وهمٌ سياسي؟
- العراق بين وهم الدولة وحقيقة الظل .
- العروبة شرف لا يُعتذر عنه.
- بين وهم الاختيار وسقوط الأخلاق… حكاية زواجٍ يُشبه النكتة الب ...
- دستور اللصوص… في ظلِّ الوضوء .
- وطنٌ مُغتَصَب .
- هدنة تُدار بالعقوبات وصمت تُحرّكه البوارج.


المزيد.....




- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...
- تقرير يكشف: السعودية شنّت هجمات سرية على إيران في خضم الحرب ...
- روبيو باسمه الصيني الجديد يتوجه إلى بكين رغم العقوبات
- وسط انتقادات حقوقية.. محكمة تونسية تؤيد سجن صحفيَّين
- حرب إيران مباشر.. البنتاغون يكشف فاتورة الحرب وإسرائيل تعلن ...
- هل ستكون زيارة ترمب للصين على حساب إيران؟
- 4 سيناريوهات للتدخل.. كيف يوظف التنين الصيني نفوذه لإنهاء ال ...
- أتمنى ألا نُقصف في مهرجان كان.. عضو بلجنة التحكيم يهاجم هولي ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - القانون يجرؤ… والهيبة تتوسّل .