أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - البصرة… ذاكرةُ الضوء وسيرةُ العين التي تعلّمت أن ترى .














المزيد.....

البصرة… ذاكرةُ الضوء وسيرةُ العين التي تعلّمت أن ترى .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 16:28
المحور: قضايا ثقافية
    


في البصرة لا يبدو المكان مجرد مدينة تقف على حافة الماء، بل كائنًا قديمًا يفتح عينيه كل صباح على ذاكرة لا تنام. هناك، حيث يتجاور النهر مع الغبار، ويتصالح الضوء مع التعب، تتشكل رؤية مختلفة للعالم، لا تقوم على وضوح الأشياء بقدر ما تقوم على عمق ما تختبئ به الأشياء من معنى. كأن العين البصرية لم تُخلق لتكتفي بالمشاهدة، بل لتتعلم كيف ترى ما وراء المشهد، وكيف تلتقط من الفوضى نظامها الخفي، ومن الألم جماله المتأخر.
أهل البصرة، في هذا السياق، لا يعيشون داخل المدينة بقدر ما يعيشون داخل طبقة من الإدراك الخاص، طبقة تجعلهم أقرب إلى فكرة مستمرة من كونهم جماعة سكانية. هم ليسوا أبناء جغرافيا فقط، بل أبناء لغة تشكلت عبر قرون من التراكم، حتى أصبحت الحياة عندهم نوعًا من البلاغة اليومية، ونوعًا من إعادة إنتاج المعنى في أكثر حالاته هشاشة وصدقًا. في لحظات كثيرة يبدو أنهم لا يتعاملون مع الواقع بوصفه حقيقة نهائية، بل بوصفه مادة قابلة لإعادة الكتابة، أو إعادة التفسير، أو حتى إعادة السخرية منه.في زمن تتغير فيه مراكز القرار كما تتغير اتجاهات الريح، وتتحول المدن إلى أسماء تتداولها الأخبار بسرعة، تبقى البصرة واقفة في مكانها كأنها خارج هذا التسارع، أو كأنها لا تعترف به أصلًا. السلطة تعبر من فوقها كما تعبر الطيور فوق سطح نهر هادئ، تترك ظلًا عابرًا ولا تغيّر عمق الماء. ومن هنا تتشكل المفارقة: مدن تصرخ في السياسة، والبصرة تهمس في الثقافة؛ مدن تستهلك الخطاب، والبصرة تنتج المعنى حتى من رماد الخطاب.هذا الهدوء الظاهري ليس عزلة، بل نوع من الحكمة المرهقة. كأن المدينة أدركت مبكرًا أن الضجيج لا يصنع تاريخًا، وأن التحولات الكبرى لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما يبقى بعدها في الذاكرة. لذلك، كان اختيارها التاريخي أن تشتغل على البقاء عبر الثقافة، لا عبر الصخب. من هنا جاء النحو، وجاءت اللغة، وجاءت محاولة الإنسان الأولى لترويض الفوضى بالكلمة، وكأن الفراهيدي وسيبويه لم يكونا سوى لحظة من لحظات وعي المدينة بنفسها، لا أكثر.
لكن البصرة ليست مدينة علماء فقط، بل مدينة تناقضات حادة، حيث يتجاور الفقر مع الموسيقى، ويتقاطع الألم مع الغناء، ويصبح الخراب مادة خامًا لصناعة الجمال. هنا، لا يمر الوجع دون أن يترك أثرًا فنيًا، ولا تمر الخسارة دون أن تتحول إلى نغمة. حتى الحياة اليومية، في بساطتها القاسية، تمتلك قدرة غريبة على إنتاج نوع من السخرية غير المعلنة، كأن الناس قرروا أن ينجوا من ثقل الواقع بالضحك عليه بدل الهروب منه.وفي تفاصيلها، تتجلى المدينة كمشهد صوتي قبل أن تكون مشهدًا بصريًا. الخشابة ليست مجرد فن، بل طريقة لتفسير الحياة، وصبري أفندي ليس اسمًا في أرشيف الموسيقى، بل علامة على أن الصوت في البصرة لا ينفصل عن الذاكرة، وأن الإيقاع هنا ليس ترفًا جماليًا بل شكلًا من أشكال المقاومة ضد الصمت القاسي الذي تفرضه الأيام. كل نغمة تحمل خلفها تاريخًا صغيرًا من الفقدان، وكل لحن يبدو كأنه محاولة لإبقاء الروح في حالة يقظة مستمرة.حتى الأدب في هذه المدينة لا يعيش في الكتب فقط، بل في الشوارع والوجوه والحوارات العابرة. الجاحظ هنا ليس نصًا قديمًا، بل طريقة في النظر إلى العالم، طريقة تمزج بين السخرية والدهشة، بين الملاحظة الدقيقة والوعي بأن الحياة نفسها قابلة لأن تُقرأ كما تُقرأ الحكايات. وبشار بن برد، في عماه، لم يكن حالة نقص، بل نموذجًا آخر للرؤية التي لا تعتمد على العين وحدها، بل على عمق التجربة الداخلية للإنسان حين يفقد العالم شكله الظاهري لكنه يحتفظ بحقيقته الداخلية.ومع ذلك، فإن البصرة ليست مدينة مثالية كما قد يوحي الحديث عنها، بل مدينة مثقلة بالتناقض، حيث يتجاور التاريخ مع الإهمال، والذاكرة مع التآكل، والثراء الثقافي مع هشاشة الواقع. لكنها رغم ذلك لا تسقط في اليأس، لأن لديها قدرة غريبة على تحويل هذا التناقض إلى طاقة إنتاج جديدة، كأنها تتغذى على ما يؤلمها بدل أن تنهار منه.في الحاضر، تبدو المدينة وكأنها تراقب العالم من مسافة خاصة، مسافة لا هي قريبة بما يكفي لتندمج، ولا بعيدة بما يكفي لتنسحب. هي في منطقة وسطى بين المشاركة والمراقبة، بين الفعل والتأمل، بين الانتماء والدهشة. وهذا الموقع بالذات هو ما يمنحها خصوصيتها:القدرة على أن ترى ما لا يُقال، وأن تفهم ما لا يُصرّح به، وأن تحفظ لنفسها حق الصمت حين يصبح الكلام جزءًا من الضجيج العام.وهكذا، تبقى البصرة ذاكرة للضوء أكثر من كونها مدينة للضوء، وسيرة لعين تعلمت أن ترى ما خلف المرئي، وأن تصبر على رؤية ما لا يريد العالم أن يُرى. مدينة لا تكتب تاريخها بالتصريحات، بل بالموسيقى، ولا تحفظ وجودها بالخطابات، بل بالقصيدة، ولا ترد على العالم بالصوت العالي، بل بما هو أعمق من الصوت: بالمعنى.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق… حين يتبدّل القاتل ولا تتبدّل الجريمة..
- في مقام الدولة… حين يصبح العدل لغة الحكم.
- شرف الكلمة في زمن السقوط: أزمة المصداقية في الإعلام العربي-
- اختلال ميزان الغيرة بين ستر المعصية والطعن في المقدّس.
- بين القلب والفؤاد: حين يفكّر الشعور… ويحترق المعنى.
- العراق بين سائق العربة وتاجر الأوهام وصاحب الكأس .
- أنس الدغيم… حين تتحوّل المدن إلى قصائد، ويتحوّل الشعر إلى قد ...
- عرشٌ يُباع… أم وطنٌ يُقايض؟..
- تضيع الدولة بين المهل… ويصحو الدستور متأخرًا..
- الجمهورية التي تفاوض الزمن لا الخصوم.
- لعن الله الطائفية… حين تتحول العدالة إلى مرآة عوراء.
- هل اغتيال دونالد ترامب حقيقة أم وهمٌ سياسي؟
- العراق بين وهم الدولة وحقيقة الظل .
- العروبة شرف لا يُعتذر عنه.
- بين وهم الاختيار وسقوط الأخلاق… حكاية زواجٍ يُشبه النكتة الب ...
- دستور اللصوص… في ظلِّ الوضوء .
- وطنٌ مُغتَصَب .
- هدنة تُدار بالعقوبات وصمت تُحرّكه البوارج.
- مطلوب دوليًا بتهمة سرقة الغيوم .
- صدقة المذهب وجوع الإنسان .


المزيد.....




- -سوق النفط لن تعود إلى العمل فوراً-.. لماذا تحوَّل المحار في ...
- روايات متضاربة بشأن التفتيش النووي في إيران و-الشيوخ الأمريك ...
- إلى أين تتجه كولومبيا بقيادة حليف ترمب؟
- ليبيا.. حظر دخول رعايا 4 دول عبر جميع المنافذ
- النووي الإيراني.. أول اختبار لاتفاق واشنطن وطهران
- أمين عام الناتو يؤيد موقف ترامب.. ويشيد بالدعم الأوروبي
- واشنطن تجدد -رفضها المطلق- لفرض أي رسوم على عبور مضيق هرمز، ...
- حلفاء ترامب يدافعون عن الاتفاق مع إيران.. وعُمان تعلن عن ممر ...
- كيم جونغ أون يعلن المضي في تسليح بحرية كوريا الشمالية نوويا ...
- تحذيرات من كارثة وفظائع جماعية بهجوم وشيك للدعم السريع على ا ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - البصرة… ذاكرةُ الضوء وسيرةُ العين التي تعلّمت أن ترى .