أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عرشٌ يُباع… أم وطنٌ يُقايض؟..














المزيد.....

عرشٌ يُباع… أم وطنٌ يُقايض؟..


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8691 - 2026 / 4 / 28 - 08:57
المحور: قضايا ثقافية
    


في البلاد التي تتعب من كثرة ما حلمت، لا يأتي الخراب فجأة، بل يتسلّل كأغنيةٍ رديئة تحفظها الذاكرة رغمًا عنها.العراق، هذا الكائن الذي شرب من دجلة أكثر مما شرب من الطمأنينة، يقف اليوم أمام مرآةٍ لا تعكس صورته، بل تعكس سعره. وكأن السؤال لم يعد: من يحكم؟ بل: بكم يُحكم؟..ليس الأمر صراعًا على سلطة، فالصراع يفترض وجود فكرة، والفكرة تفترض وجود ضمير، والضمير في هذه الجغرافيا صار ترفًا فكريًا يشبه الشعر في زمن المجاعة. ما يحدث أقرب إلى مزادٍ مفتوح، حيث تُرفع الأيادي لا لتصوّت، بل لتزايد، وحيث يُقاس الرجال لا بتاريخهم ولا برؤاهم، بل بقدرتهم على تحويل الدولة إلى خزنةٍ متنقلة.إنه زمنٌ غريب، يُصبح فيه الاتهام مؤهلاً، والشبهة شهادة كفاءة، والظلّ أثقل من الجسد. وحين يُطرح اسمٌ مثقلٌ بكل هذا الضجيج، لا يُسأل: ماذا سيبني؟ بل: ماذا سيشتري؟ وكأن الدولة تحوّلت من فكرةٍ أخلاقية إلى صفقةٍ تجارية، ومن حلمٍ جماعي إلى مشروع استحواذ خاص، ومن وطنٍ يسع الجميع إلى حقيبةٍ لا تتسع إلا لعملةٍ واحدة.في هذا المشهد، لا يبدو السياسي لاعبًا بقدر ما يبدو تاجرًا في سوقٍ بلا سقف. يساوم على السيادة كما يساوم على سلعةٍ فاسدة، ويعرض البلاد كأنها أرضٌ بلا تاريخ، بلا دموع، بلا أمهاتٍ ينتظرن أبناءً لم يعودوا. وما أقسى أن يتحوّل الوطن إلى بندٍ في قائمة مشتريات، يُدفع ثمنه مقدمًا ويُستلم مؤجلاً، بينما الشعب مجرد توقيعٍ في أسفل الفاتورة.ولأن السخرية هي آخر ما تبقى لنا من كرامة، يمكن القول إن العراق لم يعد يُدار، بل يُدار عليه. هناك من يكتب السيناريو، وهناك من يمثل، وهناك من يصفّق، أما الجمهور… فهو خارج المسرح، يسمع الضجيج ولا يرى العرض. وربما هذا أفضل، لأن ما يُعرض لا يُحتمل، وما يُقال لا يُصدّق، وما يُدبّر لا يحتاج إلى شهود بقدر ما يحتاج إلى صمتٍ طويل.
في الفلسفة القديمة، كانت السلطة مسؤولية، وفي الأزمنة النبيلة كانت تضحية، أما الآن فهي أقرب إلى غنيمةٍ تُنتزع لا لتُحمى، بل لتُستهلك. كأن الدولة جسدٌ مريض، يتناوب عليه الأطباء، لا ليعالجوه، بل ليأخذ كلٌ منهم ما يستطيع قبل أن يعلن الوفاة. وهنا، لا يكون السؤال عن من هو الطبيب، بل: من سيكتب شهادة الموت؟..ولأن الأشياء حين تفقد معناها تبحث عن بديل، فقد صار الوطن فكرةً معلّقة، والسيادة كلمةً تُستخدم في الخطب أكثر مما تُمارس في الواقع، والاقتصاد لعبة أرقامٍ لا تعني شيئًا لمن لا يملك سوى الانتظار. أما الشعب، ذلك الكائن الذي تعلّم أن ينجو دون أن يعيش، فقد صار يتابع المشهد كما يتابع نشرة الطقس: ببرودٍ حزين، يعرف أن العاصفة قادمة، لكنه لا يملك مظلة.في هذه اللحظة، لا يبدو الخطر في الأسماء، بل في الفكرة التي تسمح للأسماء أن تُطرح بهذه الطريقة. الخطر في أن يصبح كل شيء قابلاً للبيع، حتى ما لا يُباع. أن تتحوّل الدولة إلى احتمال، والكرامة إلى وجهة نظر، والسيادة إلى بندٍ قابل للتفاوض. هنا، لا يعود السؤال: من سيجلس على الكرسي؟ بل: ماذا تبقى من الكرسي أصلًا؟..قد يُقال إن هذا قدر العراق، لكن الأقدار لا تُكتب في الغرف المغلقة، بل تُصنع حين يقبل الناس بما لا يجب أن يُقبل. ومع ذلك، يبقى في هذا الركام شيءٌ عنيد، شيءٌ لا يُشترى ولا يُباع، شيءٌ يشبه العراق الحقيقي، ذلك الذي لا يظهر في الصفقات، ولا يُذكر في المزادات، لكنه يظل هناك، في عمق الحكاية، ينتظر لحظةً لا يكون فيها الوطن معروضًا… بل حاضرًا.
وحين تأتي تلك اللحظة، إن أتت، سيكتشف الجميع أن العروش التي تُشترى لا تدوم، وأن الدول التي تُقايض تُفقد، وأن الوطن، مهما طال بيعه، لا ينسى من باعه.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تضيع الدولة بين المهل… ويصحو الدستور متأخرًا..
- الجمهورية التي تفاوض الزمن لا الخصوم.
- لعن الله الطائفية… حين تتحول العدالة إلى مرآة عوراء.
- هل اغتيال دونالد ترامب حقيقة أم وهمٌ سياسي؟
- العراق بين وهم الدولة وحقيقة الظل .
- العروبة شرف لا يُعتذر عنه.
- بين وهم الاختيار وسقوط الأخلاق… حكاية زواجٍ يُشبه النكتة الب ...
- دستور اللصوص… في ظلِّ الوضوء .
- وطنٌ مُغتَصَب .
- هدنة تُدار بالعقوبات وصمت تُحرّكه البوارج.
- مطلوب دوليًا بتهمة سرقة الغيوم .
- صدقة المذهب وجوع الإنسان .
- كلُّ من تعثّر بكلمتين ارتدى تاجَ شاعر .
- هل الحقيقة خطرٌ على المجتمع؟
- جمهورية الكراسي المقدّسة .
- النار والمصافحة.. في تناقضات وقف إطلاق النار داخل إيران.
- صناعة الكراهية باسم العقيدة .
- الفاو: حينما استعاد العراقُ وجهه من العاصفة.
- خرائطُ الرماد: تتاجرُ الإمبراطورياتُ بالخوف.. وتدفعُ الأوطان ...
- جمهورية الطماطة العظمى: شيّدت الأمم المستقبل... وانشغلنا بسع ...


المزيد.....




- -ضغط الدم الليلي- وعلاقته بالجلطة والنوبات القلبية
- وزير الخارجية الهندي يحتج  لدى روبيو على قصف أمريكي لسفن تجا ...
- الحرس الثوري الإيراني.. قوة عسكرية ضاربة ونفوذ سياسي كبير
- كيف نشأ الفرات؟ دراسة تكشف قصة نهر صنع التاريخ
- -الأزرق العميق-.. الصين تحذر من حرب سرية غير مرئية
- ملف الدفاع يهز أركان حكومة ستارمر
- قضية صبري نخنوخ تطال نوابا برلمانيين.. ما حقيقة طلبات رفع ال ...
- قاليباف يوجه رسالة تحذيرية لترامب
- نائب رئيس وزراء أرمينيا يأمل في حل الخلافات مع روسيا
- تعاون أمني سعودي لبناني يطيح بشبكة إجرامية ويحبط تهريب 3.9 م ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عرشٌ يُباع… أم وطنٌ يُقايض؟..