أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - جمهورية الكراسي المقدّسة .














المزيد.....

جمهورية الكراسي المقدّسة .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 15:06
المحور: قضايا ثقافية
    


في العراق لا تُقاس الأعمار بالسنين، بل بعدد الحكومات التي جاءت وهي تحمل قاموس الخلاص، ثم رحلت وهي تترك للشعب قاموسًا جديدًا من الصبر. هنا لا تموت الوعود، بل تتناسخ، ولا تفشل الخطط، بل تُعاد طباعتها بعناوين أخرى، ولا يتبدل المشهد إلا في أسماء الممثلين، أما المسرح نفسه فما زال ثابتًا: ستارة من الشعارات، وإضاءة من التصريحات، وجمهور يدفع ثمن التذكرة من خبزه اليومي.العراق بلد عجيب، إذا دخله المسؤول فقيرًا خرج منه حكيمًا في العقارات، عارفًا بأسرار البنوك، ملمًا بفنون الاستثمار، متذوقًا لأحياء لندن، وخبيرًا في أسعار الشقق المطلة على البحر. وما أعجب هذه العبقرية الوطنية التي لا تظهر إلا عند باب الوزارة.المواطن المسكين يقضي عمره بين وظيفة هزيلة ودينٍ ثقيل وسقف يرشح ماءً، بينما رجل الدولة يكتشف فجأة أن لديه موهبة نادرة في تحويل المنصب إلى شجرة نقدية تثمر في كل الفصول.يقولون إن العراق بلد غني. نعم، غني جدًا، لكنه كريم مع الغرباء في داخله. يفيض خيره على الأحزاب، ويحنو على المقاولين، ويتبنى المواكب، ويرعى الحمايات، ويُغدق على الوفود، ثم إذا وصل الدور إلى المتقاعد قالوا له: عذرًا، لا توجد تخصيصات. وإذا طالب الموظف بسلم رواتب عادل قيل له: الوطن يمر بأزمة. وإذا سأل الناس عن المليارات التائهة قيل لهم: الوطن يمر بتحقيق. وهكذا صار الوطن شماعة تُعلَّق عليها الجرائم، بينما تُعلَّق على الجدران صور القادة بابتسامات عريضة كأنهم فتحوا الأندلس.في هذه البلاد، الكهرباء مشروع فلسفي لا خدمة عامة. تأتي لتثبت إمكانية الغياب أكثر من الحضور. الماء أيضًا دخل في التصوف، يظهر لمن صفا قلبه، ويغيب عمن يفتح الحنفية. الشوارع ليست طرقًا بل امتحانات يومية في الصبر، والحفر فيها أصدق من البيانات الرسمية، لأنها الوحيدة التي تتسع كل عام ولا تكذب على أحد.أما الحكومة، فهي كائن ميتافيزيقي يصعب الإمساك به. تراها في التلفاز أكثر مما تراها في الواقع. تتحدث كثيرًا عن الإنجاز، حتى يخيل للمرء أن البلاد تنافس سويسرا، لكن ما إن يخرج إلى الشارع حتى يكتشف أن سويسرا لم تسمع بالأمر بعد. هي حكومة تشبه السراب: كلما اقترب الناس منها وجدوا الرمال نفسها، والعطش نفسه، والانتظار نفسه.وللحكومة عندنا عبقرية خاصة في تعريف العدالة. فالعدالة تعني أن الوزير يتقاضى امتيازات تكفي لإحياء مدينة، وأن النائب يحصل على ما يكفي لتأمين سبعة أجيال، بينما الموظف يُمنح راتبًا يكفيه للتأمل في معنى الجوع. العدالة أيضًا أن تُفتح الأبواب لمن يملك واسطة، وتُغلق في وجه من يملك شهادة. وأن يُكافأ الفاشل بمنصب أعلى لأنه أثبت ولاءه، ويُعاقب المجتهد لأنه لم يتعلم فن الانحناء.لقد تحولت السياسة إلى نوع من الكيمياء العجيبة: يدخل المال العام فيها مادةً سائلة، ثم يتبخر من الخزينة، ليظهر صلبًا في شكل قصر، أو شركة، أو مزرعة، أو برج في عاصمة بعيدة. ولو دُرّست هذه الظاهرة في الجامعات لحصلت على جائزة كبرى في فن اختفاء الأشياء الثقيلة.والأحزاب، تلك الكائنات التي جاءت تحمل رسائل السماء، اكتشفت سريعًا أن الأرض أربح. رفعت شعارات الفضيلة، ثم مارست الرذيلة الإدارية بأناقة. تحدثت عن المظلومية حتى صارت هي الظالم الأكثر تنظيمًا. بشّرت بالعدالة حتى صار الناس يحنّون إلى ظلم أقل تكلفة. وما إن جلست على الكرسي حتى عاملته كما يعامل البدوي بئر الماء الوحيدة: يمنع الناس عنها ويبيعهم منها قطرة قطرة.أما المواطن، فهو البطل التراجيدي الوحيد في هذه الرواية. يدفع الضرائب، ويتحمل الغلاء، ويقف في الطوابير، ويبتلع الغضب، ثم يُطلب منه أن يصفق لأنه ما زال حيًا. كلما طالب بحقه قيل له: لا تُربك الاستقرار. والاستقرار المقصود هنا هو استقرار أرصدة السادة، لا استقرار حياة الناس. وإذا غضب قيل له: اصبر، فالإصلاح قادم. والإصلاح عندنا يشبه القطار الأسطوري الذي سمع به الجميع ولم يره أحد.العراق لا ينقصه المال، بل ينقصه الضمير. لا تنقصه الموارد، بل تنقصه اليد التي لا ترتجف وهي توقع لصالح الشعب. لا تنقصه الكفاءات، بل ينقصه مكان للكفاءة في قاعة مزدحمة بالأقارب والأتباع والمهللين.ومع ذلك يبقى السؤال الفلسفي معلقًا فوق دجلة: كيف يمكن لبلدٍ يطفو على الثروات أن يغرق في الفقر؟ كيف تتحول الأرض الخصبة إلى سوق استهلاكية، والنهر العظيم إلى خبر عاجل عن الجفاف، والإنسان المبدع إلى عاطل ينتظر فرصة في وطنه كما ينتظر الغريب تأشيرة دخول؟الجواب بسيط ومؤلم: حين يصبح الكرسي غاية لا وسيلة، والوطن صفقة لا رسالة، والسلطة بابًا للغنيمة لا بابًا للخدمة، يتحول كل شيء إلى مزحة ثقيلة. عندها تضحك الحكومة في المؤتمرات، ويبكي الشعب في البيوت، ويستمر العرض لأن الستارة لا تسقط إلا إذا قرر الجمهور أخيرًا أن يغادر المسرح.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النار والمصافحة.. في تناقضات وقف إطلاق النار داخل إيران.
- صناعة الكراهية باسم العقيدة .
- الفاو: حينما استعاد العراقُ وجهه من العاصفة.
- خرائطُ الرماد: تتاجرُ الإمبراطورياتُ بالخوف.. وتدفعُ الأوطان ...
- جمهورية الطماطة العظمى: شيّدت الأمم المستقبل... وانشغلنا بسع ...
- أنثى تُقيمُ في دمي.
- مرافعةِ الليلِ عن عيونٍ لا تنام.
- كردستان... يُقصفُ البيتُ ويُتَّهمُ الضحايا.
- حين تسقط الأمم من الداخل .
- النداء.
- بين فم المدفع ولسان الصفقة .
- يَشربُ الليلُ ضوءَه .
- هل كان الخلاف بين علي ومعاوية كراهيةً أم مأزقًا سياسيًا؟
- أقنعة الود… حين يصبح القلب مسرحًا للتمثيل.
- إيران بعد فشل التفاوض نحو العقاب الكبير.
- بغداد في زمن التبعية: سقوط المعنى لا سقوط الجدران.
- جمهورية الاتهام الأبدي: من نبوخذ نصر إلى نشرة الثامنة.
- قامةٌ لا تنكسر.
- بغداد لم تسقط… بل سقط الداخل فيها.
- مرآة المعايير المكسورة .


المزيد.....




- محادثات استثنائية بين -حماس- و-فتح- لاستكمال تنفيذ المرحلة ا ...
- رسائل تصعيد وسط توتر مع سيول.. بيونغ يانغ تختبر صواريخ باليس ...
- بروفيسور أمريكي: إيران ستصبح القوة الرابعة عالميا إذا احتفظت ...
- بإشراف أمريكي.. توحيد ميزانية ليبيا بعد 13 عاما
- -التحقيقات الفيدرالي- يواصل التحقيق بلغز اختفاء وموت 11 عالم ...
- جندي إسرائيلي يحطم تمثال -المسيح- في لبنان.. غضب وتحقيق بتل ...
- تصدع -العلاقة الخاصة-.. حرب إيران تدفع بريطانيا للعودة إلى أ ...
- استثمار أمريكي في مشروع للمعادن النادرة بجنوب أفريقيا
- التباين بين عراقجي وقاليباف.. هل كشف حدود سلطة الحكومة أمام ...
- بعد إعلان ترامب.. فيديو للحظة إطلاق النار على سفينة إيرانية ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - جمهورية الكراسي المقدّسة .