أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - أقنعة الود… حين يصبح القلب مسرحًا للتمثيل.














المزيد.....

أقنعة الود… حين يصبح القلب مسرحًا للتمثيل.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 12:12
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست الخيبات الكبرى تلك التي تأتيك من عدوٍ واضح الملامح، بل تلك التي تتسلل إليك متخفيةً بثياب الود، محمّلةً بابتساماتٍ مدروسة، وكلماتٍ مشذّبة بعناية، حتى تظن أنك أمام نقاءٍ إنساني نادر، قبل أن تكتشف — متأخرًا — أنك كنت تقرأ نصًا مسرحيًا، لا علاقة له بالحقيقة، وأنك لم تكن صديقًا، بل متفرجًا ساذجًا في عرضٍ طويل من النفاق المهذّب.كم هو مثير للسخرية أن يتحول الود، وهو أنقى ما في العلاقات البشرية، إلى حرفةٍ يتقنها البعض، كما يتقن التاجر فنّ المساومة. الوجوه ذاتها، التي تفيض دفئًا حين تواجهك، تبرُد فجأةً حين تغيب، وكأنك لم تكن يومًا سوى تفصيلٍ زائد في حياتهم، أو جسرًا عابرًا نحو مصلحةٍ ما. لا شيء أكثر إيلامًا من أن تكتشف أن العاطفة كانت مجرد أداء، وأن الصدق لم يكن سوى ديكورٍ لغويّ جميل.في زمنٍ كهذا، لا يُقاس الإنسان بما يقول، بل بما يخفي. فالكلمات باتت عملةً رخيصة، تُصرف بسخاء، بينما النيات تُخزّن بعناية خلف أقنعةٍ متقنة الصنع. هناك من يربّت على كتفك بيد، ويعدّ خسائرك باليد الأخرى، وهناك من يواسيك بعباراتٍ رقيقة، وهو في داخله يحتفل بانكسارك، لا لشيء، إلا لأنك كنت صادقًا أكثر مما ينبغي.ولعل المفارقة الأكثر مرارة، أن سوء الظن — الذي طالما حذرنا منه — صار في كثير من الأحيان أكثر حكمةً من حسن الظن. فالأخير، حين يُمنح بلا حدود، يتحول إلى سذاجةٍ نبيلة، تُستنزف بلا رحمة. أما الأول، فليس دائمًا قسوةً، بل قد يكون آلية دفاعٍ متأخرة، يتعلمها الإنسان بعد سلسلةٍ طويلة من الخيبات التي لم يكن بحاجةٍ إليها لو أن الوجوه كانت أقل تزويرًا.إن المشكلة ليست في وجود المنافقين، فهؤلاء وُجدوا منذ أن وُجدت المصالح، بل في قدرتهم المدهشة على إقناعك بأنهم مختلفون. إنهم لا يسرقون ثقتك فحسب، بل يعيدون تشكيلها، حتى تصبح أكثر هشاشةً، وأكثر قابليةً للانكسار عند أول اختبارٍ حقيقي.والأسوأ من ذلك، أنهم يتركونك في مواجهة نفسك، تتساءل: هل كنت مخطئًا فيهم، أم فيك؟..وفي لحظة صدقٍ قاسية، يكتشف الإنسان أن بعض العلاقات لم تكن يومًا كما ظن، وأن الود الذي ظنه ملاذًا، لم يكن سوى وهمٍ أنيق. حينها فقط، يفهم أن القلوب ليست كما تُعرض، وأن الابتسامات ليست دائمًا رسائل طمأنينة، بل قد تكون أحيانًا إشارات خداعٍ مبكر، لو كنا نقرأها جيدًا.غير أن السخرية الحقيقية لا تكمن في خيبتنا بالآخرين، بل في دهشتنا المتكررة من تكرار الخيبة. كأننا نصرّ، في كل مرة، على إعادة التجربة ذاتها، مع اختلاف الأسماء فقط، وكأننا نؤمن — بسذاجةٍ مدهشة — أن العالم سيكافئ طيبتنا يومًا، أو أن النفاق سيتعب فجأةً من نفسه ويقرر أن يصبح صادقًا.لكن الحقيقة، التي لا يحب أحد الاعتراف بها، أن هذا العالم لا يعاقب الأقنعة، بل يتكيّف معها. وأن الإنسان، في رحلته الطويلة، لا يتعلم كيف يكتشف الآخرين فقط، بل كيف يعيد تعريف نفسه وسط هذا الضجيج من التمثيل. فإما أن يتحول إلى نسخةٍ أخرى من هذا الزيف، أو أن يختار — رغم كل شيء — أن يبقى صادقًا، مع إدراكٍ كامل بأن الصدق هنا ليس فضيلةً مريحة، بل مخاطرة مستمرة.وهكذا، بين قلبٍ يريد أن يصدق، وعالمٍ يتقن الكذب، يعيش الإنسان معلقًا بين رغبته في الطمأنينة، وخبرته في الخذلان. يبتسم، لكنه يتحقق. يثق، لكنه بحذر. ويمنح وده، لا لأنه واثقٌ من استحقاق الآخرين له، بل لأنه لا يريد أن يفقد نفسه في زحام الأقنعة.ففي النهاية، قد يخدعك الناس كثيرًا، وقد تخطئ التقدير مرارًا، لكن الخسارة الحقيقية ليست أن تُخدع، بل أن تتعلم الخداع وتُتقنه. عندها فقط، لن تكون قد خسرت الآخرين… بل خسرت نفسك.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيران بعد فشل التفاوض نحو العقاب الكبير.
- بغداد في زمن التبعية: سقوط المعنى لا سقوط الجدران.
- جمهورية الاتهام الأبدي: من نبوخذ نصر إلى نشرة الثامنة.
- قامةٌ لا تنكسر.
- بغداد لم تسقط… بل سقط الداخل فيها.
- مرآة المعايير المكسورة .
- ريما… فلسفة الخيانة بنكهة العطر .
- المنطقة على حافة انفجار جديد: قراءة في المؤشرات الحالية.
- كردستان... حين يُقصف الجمال وتُتهم الورود .
- عندما تتكلم الظلال… من يحرس الحقيقة؟
- هل تعلم… أن الحكاية قديمة؟
- مسرحُ الدخان… حين تُكتب التظاهرات بمداد الغرف المغلقة.
- عندما يتحول الخط الأحمر إلى شريانٍ للعالم.
- العصر الحجري… حين كان الحجر أرحم من الشعارات.
- عندما يُنقَذ الفرد وتُهزم الجموع: سيرة الكذبة التي تمشي على ...
- رماد القلب لا ينطفئ .
- السقوط الذي يتدرّب على نفسه… حين تبتلع الإمبراطوريات طُعمها ...
- حين يصمت الضوء… ويرحل شاهد الجمال.
- سيرةُ الطعنةِ حين تتقنُ التمثيل .
- نشيد الظل الأخير… حين يتكلم المنسيّون باسم البلاد .


المزيد.....




- كثرة المفاوضين لم تعوض ضيق الوقت.. محادثات إسلام آباد تنتهي ...
- تبادل الاتهامات بين إيران وأمريكا بعد فشل المحادثات واحتمال ...
- هل ينجح حصار موانئ إيران في فرض واقع جديد بهرمز؟
- كيف ستنفّذ أميركا حصار مضيق هرمز وما أبرز تحدياته؟
- صحيفة: ترامب يدرس توجيه ضربات عسكرية محدودة لإيران
- الإمارات والصين.. شراكة استراتيجية وعلاقات راسخة
- ترامب: سنعمل على فتح مضيق هرمز.. وتفعيل الحصار البحري
- فيديو منسوب لـ-وصول غواصة نووية أمريكية إلى الشرق الأوسط-.. ...
- ما هو الحصار البحري؟
- مباشر: طهران تقول إنها كانت على -بعد خطوات قليلة- من التوصل ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - أقنعة الود… حين يصبح القلب مسرحًا للتمثيل.