أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - هل تعلم… أن الحكاية قديمة؟














المزيد.....

هل تعلم… أن الحكاية قديمة؟


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8670 - 2026 / 4 / 7 - 08:47
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست الحكايات التي نعيشها اليوم طارئة على هذه الأرض، ولا هي بدعٌ من الزمن السياسي الرديء، بل هي—في كثير من وجوهها—نسخٌ باهتة من مسرحياتٍ عتيقة كُتبت فصولها الأولى منذ قرون بعيدة، حين كانت الإمبراطوريات تتقاسم الخرائط كما يتقاسم السكارى كؤوسهم، وحين كان العراق، كعادته، يقف في منتصف العاصفة، لا شرقًا خالصًا ولا غربًا كاملًا، بل ساحةً تتنازعها الأقدار.في ذلك الزمن، زمن الإمبراطورية الساسانية وهي تمدّ ظلها الثقيل على العراق، لم تكن السيطرة تُمارس بالسيوف وحدها، بل بالعقول أيضًا، بالولاءات، وبأدواتٍ محلية تحمل ملامح الأرض ولكن قلبها معلّقٌ خلف الحدود. هناك، في الحيرة، حيث كانت السياسة تُطبخ على نارٍ فارسية هادئة، يبرز اسم رجلٍ عربي: إياس بن قبيصة الطائي، كأنّه سؤ
الٌمعلّق في وجه التاريخ أكثر منه إجابة.إياس لم يكن غريبًا عن قومه، ولم يكن دخيلًا على بيئته، بل كان واحدًا منهم، من لحم القبيلة ودمها، لكنه اختار—أو اختير له—أن يكون وجهًا لسلطةٍ لا تشبه أهله. حين أُزيح النعمان بن المنذر، لم تجد فارس أفضل من رجلٍ عربي تُلبسه عباءة الحكم، ليكون أقرب إلى القبول، وأقدر على ضبط الإيقاع في أرضٍ لا تهدأ. وهنا تبدأ الحكاية التي تُشبهنا أكثر مما نريد الاعتراف به.لم تكن القضية يومها “مقاومة الروم” فحسب، كما كان يُقال ويُسوّق، بل كانت—في عمقها—صراع نفوذ، لعبة أممٍ تُدار بذكاءٍ بارد، حيث يُستَخدم أبناء الأرض لتثبيت أقدام الغرباء عليها. كانت الحجة جاهزة، جميلة، براقة: الدفاع عن الحدود، صدّ الأعداء، حماية المصالح.أما الحقيقة، فكانت أكثر بساطةً وقسوة: إخضاع القبائل، وتطويع القرار، وربط العراق بعجلة الإمبراطورية الفارسية.
وهنا، لا بد أن نتوقف قليلًا أمام المشهد الذي بلغ ذروته في معركة ذي قار، تلك اللحظة التي قرر فيها التاريخ أن يتكلم بصوتٍ عالٍ. لم تكن المعركة مجرد صدام عسكري، بل كانت اختبارًا للهوية، للانتماء، للسؤال الأبدي: مع من تقف حين تتداخل الحدود بين الأرض والسلطة؟في ذي قار، انكشف المشهد بوضوحٍ جارح؛ عربٌ يقاتلون مع الفرس، وعربٌ يقاتلون ضدهم. لم يعد الانقسام جغرافيًا، بل صار داخليًا، أخلاقيًا، وجوديًا. وكان إياس بن قبيصة—بحكم موقعه—في قلب هذه المعضلة، يقف في صف القوة التي منحته السلطة، حتى وإن كانت تلك القوة على حساب أبناء جلدته.لكن التاريخ، كما نعرفه، لا يحب النهايات السهلة. جاءت النتيجة صادمة لمن اعتادوا أن يروا الإمبراطوريات لا تُهزم: انتصر العرب، لأول مرة تقريبًا، على الفرس في معركةٍ مفتوحة. لم يكن الانتصار عسكريًا فقط، بل رمزيًا، كأن الأرض استعادت صوتها بعد طول صمت، وكأن القبائل قالت كلمتها أخيرًا، ولو لبرهة.والمفارقة الساخرة التي لا يمكن تجاهلها، أن الشعارات لم تتغير كثيرًا، ولا الوجوه اختلفت إلا في الأسماء. دائمًا هناك “خطر خارجي” يُستدعى، ودائمًا هناك “حاجة للحماية”، ودائمًا هناك من يقف ليقول: نحن هنا لنحميكم، حتى لو كان الثمن أن تفقدوا أنفسكم.
إياس بن قبيصة ليس مجرد شخصية تاريخية تُروى في كتب الأخبار، بل هو رمزٌ يتكرر، نموذجٌ يعاد إنتاجه كلما احتاجت قوةٌ كبرى إلى واجهةٍ محلية، تتكلم بلسان الناس وتعمل لحساب غيرهم. هو الحكاية التي لا تموت، لأن شروطها لا تموت.وحين ننظر إلى الماضي بهذا العمق، ندرك أن ما نعيشه ليس جديدًا، بل هو امتدادٌ لسلسلة طويلة من التداخل بين السلطة والولاء، بين الأرض والانتماء، بين الشعارات والحقائق. وندرك أيضًا أن السؤال الحقيقي لم يكن يومًا: من يحكم؟ بل: لمن ينتمي هذا الحكم؟هكذا، يصبح التاريخ مرآةً قاسية، لا تُجامل أحدًا، ولا تخجل من كشف التشابه بين الأمس واليوم. وفي تلك المرآة، يقف إياس بن قبيصة، لا كاسمٍ منسي، بل كظلٍ طويل يمتد عبر القرون، يذكّرنا بأن الحكاية… أقدم بكثير مما نعتقد.
المصادر:
تاريخ الطبري
الكامل في التاريخ
الأغاني



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مسرحُ الدخان… حين تُكتب التظاهرات بمداد الغرف المغلقة.
- عندما يتحول الخط الأحمر إلى شريانٍ للعالم.
- العصر الحجري… حين كان الحجر أرحم من الشعارات.
- عندما يُنقَذ الفرد وتُهزم الجموع: سيرة الكذبة التي تمشي على ...
- رماد القلب لا ينطفئ .
- السقوط الذي يتدرّب على نفسه… حين تبتلع الإمبراطوريات طُعمها ...
- حين يصمت الضوء… ويرحل شاهد الجمال.
- سيرةُ الطعنةِ حين تتقنُ التمثيل .
- نشيد الظل الأخير… حين يتكلم المنسيّون باسم البلاد .
- عندما يتكلم الإمبراطور بلهجة تاجر… العالم على حافة صاروخ.
- مرآة لا تغفر .
- قانونٌ بنصف عين.
- ألفُ خديعةٍ وقلبٌ واحد .
- ليلة القبض على القلب
- بلاغة العفن.
- على حافة الهاوية: عندما يتنفس الاقتصاد العالمي بصعوبة.
- هامش الخديعة .
- شرقٌ يشتعل… أم عقلٌ يراوغ النار؟
- قناعُ العشق
- المسرح العراقي… حين تقف الحياة على خشبةٍ تبحث عن جمهورها.


المزيد.....




- ستارمر يكشف عن ما بحثه هاتفيا مع ترامب بشأن دول الخليج وإيرا ...
- ترامب يتهم إيران بـ- ابتزاز العالم- ويهدد بشن هجمات جديدة ضد ...
- من هي الأسماء الأمريكية والإيرانية التي ستشارك في مفاوضات إس ...
- كيف ينظر الإسرائيليون إلى وقف إطلاق النار مع إيران؟
- هكذا تنظر الصين إلى مفاوضات باكستان بشأن حرب إيران
- كاتب ببلومبيرغ: إيران تلقِّن ترمب درسا قاسيا لكنه لن يتعلم أ ...
- لوّح به ترمب.. ماذا يعني سحب القوات الأمريكية من أوروبا؟
- الجيش الكويتي يعلن تدمير 7 مسيّرات بآخر 24 ساعة.. وبيان للحر ...
- إسرائيل: صاروخ من حزب الله ينطلق من لبنان ويصيب صفد ويجرح عد ...
- إيران تربط المفاوضات بلبنان والأصول المجمّدة.. وترامب: سنمزّ ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - هل تعلم… أن الحكاية قديمة؟