أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - على حافة الهاوية: عندما يتنفس الاقتصاد العالمي بصعوبة.














المزيد.....

على حافة الهاوية: عندما يتنفس الاقتصاد العالمي بصعوبة.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8662 - 2026 / 3 / 30 - 10:15
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس ثمة ضجيج أعلى من صمت الأسواق حين تخاف، ولا شيء أكثر رعبًا من تلك الطمأنينة الرسمية التي تُقال بوجه جامد بينما تتآكل الأرقام في الظل، فالعالم اليوم لا يعيش أزمة عابرة بقدر ما يختبر حالة ارتباك كوني تشبه الوقوف فوق أرضٍ رخوة، حيث تتبدل القواعد أسرع من قدرة العقول على تفسيرها، وحيث لم يعد الاقتصاد ذلك العلم الصارم الذي يُدار بمعادلات متوازنة، بل صار كائنًا قلقًا، عصبيًا،يتنفس عبر أجهزة إنعاش اصطناعي اسمها الديون، ويتحرك بإبر منشطة اسمها التحفيز النقدي، ويُهدأ بمسكنات اسمها التصريحات السياسية.ما يحدث في بقاع متفرقة من العالم ليس صدفةً ولا سلسلة أحداث منفصلة، بل هو أقرب إلى ارتعاشات أولى في جسد نظام عالمي أنهكته عقود من الإفراط، فالاقتصاد الحديث بُني على فكرة النمو المستمر،تلك الفكرة التي تبدو في ظاهرها بريئة لكنها في عمقها تحمل تناقضًا وجوديًا، إذ كيف يمكن لعالم محدود الموارد أن يتحمل نموًا غير محدود؟ وهنا تبدأ الفلسفة بالتدخل، لا لتفسير الأرقام، بل لتفكيك الوهم الذي عاشه الإنسان المعاصر، وهم السيطرة المطلقة على المستقبل.حين تضطر دول إلى تقليص إنفاقها فجأة، أو الدفاع عن عملاتها بحرق الاحتياطيات، أو فرض قيود غير معتادة على التدفقات المالية، فإنها لا تفعل ذلك بدافع القوة، بل بدافع الخوف، والخوف في الاقتصاد لا يُعلن صراحة، بل يُترجم إلى إجراءات تبدو تقنية لكنها في حقيقتها إشارات إنذار مكتومة، فالتاريخ يخبرنا أن الأزمات الكبرى لم تبدأ بانفجارات مدوية، بل بدأت دائمًا بقرارات صغيرة متفرقة بدت حينها معزولة، لكنها كانت في جوهرها تعبيرًا عن خلل بنيوي عميق.لقد مرّ العالم بلحظات مشابهة، من الكساد العظيم إلى الأزمة المالية العالمية 2008، وفي كل مرة كان السبب الظاهر مختلفًا، لكن الجوهر واحد: تضخم غير حقيقي، ثقة زائدة، ونظام مالي يتوسع أسرع من قدرته على الاحتمال، واليوم يبدو أن العالم يعيد إنتاج ذات النمط ولكن بأدوات أكثر تعقيدًا، حيث لم تعد الأزمة محصورة في قطاع أو دولة، بل أصبحت موزعة على شكل شقوق دقيقة في جدار النظام بأكمله.إن أخطر ما في اللحظة الراهنة ليس تراجع عملة هنا أو ارتفاع دين هناك، بل هو تآكل الثقة،فالثقة هي العمود الفقري لأي اقتصاد، وعندما تبدأ الحكومات باتخاذ إجراءات استثنائية بينما تصر في العلن أن “الأمور بخير”، فإن الفجوة بين الخطاب والواقع تتحول إلى مساحة خصبة للقلق، وهذا القلق لا يبقى محصورًا في الأسواق، بل يتسرب إلى سلوك الأفراد، فيتحول إلى اكتناز، وإلى حذر مفرط، وإلى انكماش صامت يقتل الدورة الاقتصادية من الداخل.ولعل ما يزيد المشهد تعقيدًا هو أن العالم لم يعد يملك الأدوات ذاتها التي أنقذته سابقًا، ففي الماضي كانت البنوك المركزية تلجأ إلى خفض الفائدة أو طباعة الأموال،أما اليوم فقد استُهلكت هذه الأدوات إلى حدٍ كبير، وأصبح استخدامها يحمل مخاطر تضخمية هائلة، وهنا يظهر التناقض الفلسفي الأشد قسوة: إن الحلول التي أنقذت النظام سابقًا قد تكون هي نفسها ما يعجّل بانهياره إن أُسيء استخدامها مجددًا.نحن أمام عالم تتداخل فيه الأزمات: ديون سيادية متضخمة، توترات جيوسياسية، تحولات في سلاسل الإمداد، وتغيرات تكنولوجية تعيد تشكيل سوق العمل، وكل ذلك يحدث في وقت واحد، وكأن التاريخ قرر أن يختبر قدرة البشرية على إدارة التعقيد في أعلى درجاته،وهنا لا يعود السؤال: هل سيحدث انهيار؟ بل متى وكيف وبأي شكل، هل سيكون انهيارًا مفاجئًا كالسقوط الحر، أم تآكلًا بطيئًا يجعل الناس تتأقلم مع الانحدار دون أن تدرك أنهم يعيشون داخله؟.. في العمق، يبدو أن الأزمة ليست اقتصادية فقط، بل حضارية، لأن النظام الاقتصادي ليس إلا انعكاسًا لطريقة تفكير الإنسان،وحين يُبنى على الاستهلاك المفرط، وعلى وهم النمو اللانهائي، وعلى تجاهل الحدود الطبيعية، فإنه يحمل بذور فنائه في داخله، وكأن الاقتصاد الحديث يشبه مدينة أُضيئت أكثر مما ينبغي حتى أحرقت أسلاكها.ومع ذلك، فإن التاريخ لا يكتب نهاياته بل بدايات جديدة، فكل أزمة كبرى كانت أيضًا لحظة إعادة تشكيل، وربما ما نشهده اليوم ليس انهيارًا بقدر ما هو مخاض لنظام مختلف، أقل استهلاكًا وأكثر حذرًا، أقل اندفاعًا وأكثر وعيًا بحدود الواقع، لكن هذا التحول لن يكون بلا ألم، لأن العالم لا يتخلى عن عاداته بسهولة، ولا يعترف بأخطائه إلا حين يصبح الثمن أعلى من القدرة على التحمل.في النهاية، يبقى الإنسان هو العامل الحاسم، لا الأسواق ولا الأرقام، فإذا استمر في الهروب من الحقيقة سيصنع أزماته بيديه، وإذا واجهها بجرأة فقد يحول الانهيار إلى فرصة، لكن المؤكد أن العالم يقف الآن عند لحظة فارقة، لحظة لا تكفي فيها التطمينات، ولا تنفع فيها الشعارات، بل تحتاج إلى وعي عميق يعترف بأن الاقتصاد، مهما بدا علمًا دقيقًا، يبقى في جوهره قصة إنسان، بكل ضعفه وطموحه وخوفه، وأن أعظم الانهيارات لم تكن يومًا في الأسواق، بل في العقول التي أصرت على تجاهل ما كان واضحًا منذ البداية.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هامش الخديعة .
- شرقٌ يشتعل… أم عقلٌ يراوغ النار؟
- قناعُ العشق
- المسرح العراقي… حين تقف الحياة على خشبةٍ تبحث عن جمهورها.
- دولة الذيول المتحدة… حين صار الانحناءُ دستورًا والكرامةُ مخا ...
- بين جغرافيا الألم وعقيدة الهيمنة.
- طموحٌ فارسيٌّ ببقاء النظام العقائدي… بيتٌ يُعاد بناؤه من رما ...
- كيف أفرغ السوداني خزينة الدولة.
- قناع مثقّف .
- ثورة تشرين… حين انتفض الوجع وكشف الأقنعة.
- عندما يضيق الأفق: إيران بين فكي القدر السياسي .
- هل الحرب تتجه للانتهاء أم أنها تغيّر جلدها فقط؟
- عندما يصبح الجوع سكينًا في خاصرة المدينة..
- رعد الناصري وحق الاختلاف: عندما يتحول الحزن إلى وصاية على ال ...
- نشيدُ الانكسار الأخير.
- بين ظلّ الذرّة وصخب البحر: الشرق الأوسط على حافة الاحتمال .
- العرب والنكوص التاريخي: بين الأصالة والابتداع.
- مضيق العالم المشتعل… حين تُعاد كتابة خرائط القوة على حافة مض ...
- بين يدٍ تصافح ويدٍ تنتقم .
- عدالةٌ تُقاس بالمِزاج… لا بالمِعيار.


المزيد.....




- نقص الوقود يسبب طوابير طويلة في عاصمة ميانمار
- البيت الأبيض: ترامب مهتم بأن يساهم العرب في تكاليف الحرب على ...
- إيران تعدم اثنين من تنظيم -مجاهدي خلق-.. وحقوقيون: سلاح لتره ...
- حتى لا ننسى
- كيف تُمول إيران مسيّراتها وتؤمّن وقود صواريخها رغم العقوبات ...
- عاجل | مصادر إسرائيلية: وقوع عدد من الجنود بين قتيل وجريح في ...
- مؤتمر الإتحاد العام التونسي للشغل، انتبه أزمة تخفي أخرى
- نتنياهو: لا إطار زمني لإنهاء الحرب مع إيران
- إيران تلعب بورقة الحوثيين لاستهداف الملاحة في البحر الأحمر
- إيران.. لجنة برلمانية توافق على خطة لفرض رسوم على السفن العا ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - على حافة الهاوية: عندما يتنفس الاقتصاد العالمي بصعوبة.