أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عندما يصبح الجوع سكينًا في خاصرة المدينة..














المزيد.....

عندما يصبح الجوع سكينًا في خاصرة المدينة..


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8655 - 2026 / 3 / 23 - 13:18
المحور: قضايا ثقافية
    


في المدن التي تتعب من كثرة ما حملت من تاريخ، لا تموت الحكايات، بل تتحول إلى شهود صامتين على انكسار الإنسان. هكذا تقف البصرة، تلك التي كانت يومًا نخلةً تمشط ضفائرها على ضوء الشعر، مدينةً للمربد والكلمة واللغة، مدينةً مرّ منها بدر شاكر السياب وهو يحمل وجعه إلى جيكور، ومرّ بها الخليل بن أحمد الفراهيدي وهو يزن الكون على إيقاع الحروف، فإذا بها اليوم تُقاس لا بالقصيدة، بل بعدد الطلقات التي تخترق صدر شابٍ تأخر قليلًا عن موعدٍ لا يستحق كل هذا الموت.بلال لم يكن اسمًا في سجل الجريمة، بل كان معنىً يمشي على قدمين، كان أبًا يحمل في جيبه تعب يومٍ كامل ليشتري ضحكة لطفليه، وكان أخًا يسند كتفًا مثقلًا ببراءة أخٍ يعاني من متلازمة داون، وكان قلبًا يركض في شوارع المدينة ليصل متأخرًا بدقائق، لا ليُقتل. لكن في زمنٍ تختلط فيه المقاييس، تصبح الدقيقة جريمة،ويصبح التأخر ذريعة لإطلاق النار،ويصبح الإنسان أقل قيمة من وجبةٍ باردة.أيُّ منطقٍ هذا الذي يجعل الجوع يتحول إلى رصاصة؟ أيُّ خرابٍ داخلي يجعل الإنسان يقتل لأن شهوته لم تُشبع في وقتها؟ ليست المشكلة في قاتلٍ واحد، بل في مناخٍ كاملٍ يصنع هذا القاتل، في مدينةٍ تُحاصرها المخدرات كما تُحاصرها الرطوبة،وتُنهكها السرقة كما تُنهكها الشمس، وتُستباح فيها الأرواح حتى صار الدم شيئًا عابرًا، كأنه تفصيلٌ لا يستحق الوقوف.الجريمة في العراق لم تعد حادثة، بل صارت لغةً موازية، لغةً يفهمها الغاضبون حين يعجزون عن التعبير، ويستعملها الجائعون حين يضيع ميزان القيم. هناك حيث تتآكل الأخلاق تحت وطأة الفقر، ويتحول الإنسان إلى كائنٍ مدفوعٍ بغريزته الأولى، حيث لا قانون يردع ولا ضمير يوقظ، يصبح القتل أسهل من الانتظار، وتصبح الرصاصة أسرع من التفكير.بلال لم يُقتل لأنه تأخر، بل قُتل لأن المجتمع كله تأخر… تأخر في حماية الإنسان، في بناء الوعي، في ردع الانفلات، في إعادة تعريف القيمة. لقد تأخرنا كثيرًا حتى صارت الحياة نفسها بلا موعد، وصار الموت يأتي في أي لحظة، بلا سببٍ يستحق الذكر.في البصرة، حيث كان الشط يهمس للحالمين، وحيث كان النهر يحمل أصوات الشعراء، أصبح الماء شاهدًا على جريمة لا يمكن غسله منها.النهر الذي كان يروي القصائد، بات يروي الحكايات السوداء، حكايات شبابٍ يُقتلون لأن أحدهم لم يتحمل فكرة الانتظار، وكأن الزمن ملكٌ له وحده، وكأن أرواح الآخرين مجرد تفاصيل يمكن حذفها.إن أخطر ما في هذه الحادثة ليس الرصاصة، بل الفكرة التي سبقتها… فكرة أن الإنسان يمكن أن يُقتل لأجل شيءٍ تافه، فكرة أن الغضب مبرر، وأن العنف حل، وأن الآخر لا قيمة له. هذه هي الجريمة الحقيقية،جريمة الوعي المنهار، وجريمة الروح التي لم تعد ترى في الآخر إلا عائقًا أمام رغباتها.كيف تتغلب الأحقاد على النفس؟ حين تُترك النفس بلا تهذيب، بلا قانون، بلا معنى. حين يكبر الإنسان في بيئةٍ لا تعلّمه الصبر، بل تعلّمه أن يأخذ كل شيء بالقوة، أن يصرخ بدل أن يفكر، أن يطلق النار بدل أن ينتظر. الحقد لا يولد فجأة، بل يُزرع يومًا بعد يوم، في الشارع، في الخطاب، في الإهمال، في كل لحظةٍ يُهان فيها الإنسان دون أن يجد عدالةً ترد له كرامته.بلال لم يكن مجرد ضحية، بل كان مرآةً لمدينةٍ تنكسر، وصورةً لوطنٍ يتعب، وصرخةً تقول إن الدم لم يعد له ثمن. مات بلال، لكن السؤال لم يمت: كم بلالًا آخر يجب أن يسقط حتى ندرك أن الجريمة ليست فعلًا فرديًا، بل نتيجةً جماعية؟ وأن الرصاصة التي قتلته، لم تُطلقها يدٌ واحدة، بل أطلقتها منظومة كاملة من الفشل والخوف والانهيار؟
في النهاية، لا شيء أكثر فداحة من أن تتحول مدينة الشعر إلى مسرحٍ للقتل،ولا شيء أكثر ألمًا من أن يموت إنسانٌ لأنه تأخر… فقط تأخر. هنا، لا نرثي بلالًا وحده، بل نرثي أنفسنا، ونرثي تلك اللحظة التي فقدنا فيها القدرة على أن نكون بشرًا.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رعد الناصري وحق الاختلاف: عندما يتحول الحزن إلى وصاية على ال ...
- نشيدُ الانكسار الأخير.
- بين ظلّ الذرّة وصخب البحر: الشرق الأوسط على حافة الاحتمال .
- العرب والنكوص التاريخي: بين الأصالة والابتداع.
- مضيق العالم المشتعل… حين تُعاد كتابة خرائط القوة على حافة مض ...
- بين يدٍ تصافح ويدٍ تنتقم .
- عدالةٌ تُقاس بالمِزاج… لا بالمِعيار.
- عليّ بن أبي طالب: لسانُ الحقّ وسيفُه… والجُرحُ الذي لم يندمل ...
- حينما اهتزّ الكون لخطى رجل: الحكاية التي لم تُكتب كاملة عن ع ...
- حين يتهجّى الموتُ اسمَه من فمِ اليورانيوم .
- وداعًا سليمان البكري… موت كاتبٍ… وخراب معنى.
- الجمهورية التي يحكمها الذيل .
- العراق على حافة الغد .
- عندما يُضرَب المعلّم… من يعلّم العراق؟
- الحقيقة تحت القصف: إعلام الحرب ومعركة السيطرة على العقول.
- ليلةُ القَدْر.
- وجعُ البلاد.
- جمهورية الضرطة السياسية… حين تتحول الكارثة في العراق إلى بشا ...
- لعبة النار: حين تكتب الجغرافيا مصيرها بلهيب السياسة .
- قناع الخيانة .


المزيد.....




- كيتي سبنسر تتألق بفستان من القرن الثامن عشر في موناكو
- إنذار ترامب لإيران يدخل ساعاته الأخيرة: ما خيارات واشنطن وطه ...
- العمدة الجديد لباريس إيمانويل غريغوار يتوجه إلى بلدية باريس ...
- تقرير: إسرائيل قد تواصل ضرب طهران حتى بعد وقف إطلاق النار
- إسرائيل تعلن شن هجمات على طهران ومدن أخرى واعتراض صواريخ أطل ...
- إيران تهدد بالرد بالمثل في حال تم استهداف محطاتها وشبكاتها ا ...
- تصويت عقابي في باريس ضد رشيدة داتي والماكرونية
- مهلة ترامب -بمحو- محطات الطاقة الإيرانية تنتهي بعد ساعات.. م ...
- مدير وكالة الطاقة الدولية يحذر من أن العالم قد يواجه أسوأ أز ...
- كأنه إعصار.. سكان ديمونة يروون لحظات ما بعد انفجار الصاروخ ا ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عندما يصبح الجوع سكينًا في خاصرة المدينة..