أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الجمهورية التي يحكمها الذيل .














المزيد.....

الجمهورية التي يحكمها الذيل .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8649 - 2026 / 3 / 17 - 12:27
المحور: قضايا ثقافية
    


في الأزمنة القديمة كان الناس يبحثون عن الرؤوس، لأن الرأس هو موضع العقل، والعقل هو الذي يقود الأمم نحو الضوء. أما في زمننا هذا، زمن العجائب السياسية والكرامات الإعلامية الخارقة،فقد انقلبت المعادلة رأسًا على عقب، وصار البحث لا يجري عن الرؤوس بل عن الذيول؛ إذ اكتشفت السياسة الحديثة اكتشافًا عبقريًا مفاده أن الذيل أكثر طاعة من الرأس، وأكثر مرونة من العقل، وأكثر قدرة على الانحناء من الضمير. وهكذا نشأت في هذا العالم الغريب جمهورية جديدة لا يعرفها الجغرافيون في خرائطهم، لكنها قائمة في الواقع أكثر مما تقوم الجبال في أماكنها: إنها جمهورية الذيول.في هذه الجمهورية لا تُقاس قيمة الإنسان بقدر ما يملك من فكر أو كرامة أو استقلال، بل بقدر ما يمتلك من قدرة عجيبة على هزّ ذيله في الوقت المناسب، أمام الشخص المناسب،وبالزاوية المناسبة. وهكذا صار الذيل في هذا العصر مؤسسة قائمة بذاتها، له قوانينه غير المكتوبة،وله أخلاقياته الخاصة، بل وله فلسفته السياسية العميقة التي تقوم على مبدأ بسيط جدًا: كلما انحنيت أكثر ارتفعت أكثر، وكلما تنازلت عن نفسك اقتربت من السلطة، وكلما صغرت في مرآة ضميرك كبرت في مرايا البلاط.وفي هذه الجمهورية العجيبة لا يحتاج الحاكم إلى كثير من الجهد ليحكم، لأن الذيول تتكفل بالباقي. فهي التي تصفق حين لا يوجد ما يستحق التصفيق، وهي التي تهتف حين يكون الصمت أبلغ، وهي التي تشرح للناس أن الهزيمة انتصار، وأن الخراب إصلاح،وأن الفقر مجرد سوء فهم اقتصادي. وإذا تجرأ عقل صغير على السؤال، سارعت آلاف الذيول إلى مهاجمته، لا لأنها تفهم ما تقول، بل لأنها مدربة منذ زمن طويل على النباح كلما أُشير إليها بإصبع.لقد تحولت السياسة في هذه الجمهورية إلى مسرح هزلي كبير، حيث يقف الخطباء فوق المنابر وهم يتحدثون عن الكرامة الوطنية، بينما الذيول من حولهم تهتز بنشاط يدل على أن الكرامة نفسها أصبحت مجرد كلمة تُستعمل في الخطابات، لا حقيقة تُمارس في الحياة. وهكذا صار الذيل هو اللغة الرسمية غير المعلنة للدولة، وصارت الانحناءات المتتالية أشبه بنشيد وطني يؤديه الجميع دون أن يسأل أحد لماذا.أما الإعلام في جمهورية الذيول فله حكاية أخرى، فهو ليس مرآة للحقيقة كما كان يُفترض، بل صار مرآةً لذيول كثيرة تتحرك أمام الكاميرات بحماسة مذهلة.المذيع يهز ذيله بالكلمات، والمحلل يهزه بالمصطلحات، والصحفي يهزه بالمقالات التي تبدأ بالمديح وتنتهي بالمديح،وكأن الحقيقة في هذا الزمن أصبحت كائنًا مزعجًا ينبغي إخفاؤه خلف ستارة كثيفة من التصفيق والتهليل.وإذا انتقلنا إلى الثقافة وجدنا الأمر أكثر طرافة،لأن المثقف الذي كان يفترض به أن يكون ضمير المجتمع تحول في كثير من الأحيان إلى ذيل ثقافي فاخر، يضع على انحناءاته مساحيق البلاغة، ويغلف خضوعه بورق الحكمة، ثم يقدم للناس نصوصًا طويلة مليئة بالكلمات الكبيرة التي تقول في النهاية شيئًا واحدًا فقط: إن الذيل فضيلة وطنية.ومن الطريف أن الذيول في هذه الجمهورية ليست كلها متشابهة،فهناك ذيول صغيرة تحلم بأن تكبر، وذيول كبيرة تخاف أن تُقصّ،وذيول إلكترونية تعيش في جيوش رقمية تهاجم كل من يجرؤ على التفكير بصوت مرتفع. وهكذا صار العالم الافتراضي نفسه غابة من الذيول المتحركة، تهتز على مدار الساعة دفاعًا عن كل شيء، وضد كل شيء، دون أن تعرف لماذا.لكن أكثر ما يثير الدهشة في جمهورية الذيول هو أن بعض هذه الذيول بدأت تصدق نفسها فعلًا، حتى ظنت أنها صارت رؤوسًا. فترى الذيل يتحدث عن الشرف، ويكتب عن الحرية،ويخطب عن الكرامة، بينما هو في الحقيقة مجرد امتداد طري لجسد السلطة، يتحرك حين تتحرك، ويسكن حين تسكن، ويختفي تمامًا إذا انطفأت الأضواء.وهنا تكمن المأساة الساخرة لهذا العصر؛ فالمشكلة لم تعد في وجود حاكم مستبد أو سلطة قاسية، لأن التاريخ عرف مثل هؤلاء كثيرًا، بل المشكلة أن الذيول تكاثرت حتى غطت الأفق كله، حتى صار العثور على رأس حقيقي أمرًا نادرًا يشبه العثور على نبع ماء في صحراء من التصفيق.ولعل أخطر ما في هذه الجمهورية أن الأطفال الذين يولدون فيها يكبرون وهم يعتقدون أن الذيل عضو طبيعي من أعضاء الإنسان، وأن الانحناء مهارة اجتماعية ضرورية للنجاح، وأن الوقوف مستقيمًا نوع من التهور الأخلاقي الذي قد يسبب لصاحبه كثيرًا من المتاعب. وهكذا تنتقل العدوى من جيل إلى جيل،حتى يصبح الذيل تقليدًا ثقافيًا راسخًا، لا مجرد ظاهرة سياسية عابرة.ومع ذلك، فإن التاريخ يعلمنا شيئًا بسيطًا جدًا: أن الأمم التي تحكمها الذيول قد تبدو قوية لبعض الوقت،لكنها في النهاية لا تستطيع أن تسير طويلًا، لأن الذيول مهما اهتزت لا تستطيع أن ترى الطريق. وحده الرأس يستطيع أن ينظر إلى الأمام، وحده العقل يعرف أين يجب أن تمضي السفينة، أما الذيل فكل ما يجيده هو الحركة في الفراغ.وهكذا تبقى جمهورية الذيول قائمة، صاخبة بالتصفيق،مزدحمة بالانحناءات، مغطاة بأعلام كثيرة وكلمات أكبر منها بكثير،لكنها في العمق تعاني من مشكلة بسيطة جدًا: أن الرؤوس اختفت، أو كادت تختفي، تحت غابة كثيفة من الذيول التي تعلمت أن تهتز بإتقان، لكنها لم تتعلم يومًا كيف تفكر.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق على حافة الغد .
- عندما يُضرَب المعلّم… من يعلّم العراق؟
- الحقيقة تحت القصف: إعلام الحرب ومعركة السيطرة على العقول.
- ليلةُ القَدْر.
- وجعُ البلاد.
- جمهورية الضرطة السياسية… حين تتحول الكارثة في العراق إلى بشا ...
- لعبة النار: حين تكتب الجغرافيا مصيرها بلهيب السياسة .
- قناع الخيانة .
- جراح العراق .
- العقل العربي بين نار الفتنة ونداء الحكمة.
- صُنّاع الحضارة وصُنّاع الفتنة: ماذا بنى العرب وماذا خلّف الم ...
- نوستالوجيا… حين ينطق الحنين بصوت ناطق صلاح الدين.
- دراما رمضان ٢٠٢٦: نجوم كبار… ونصوص أ ...
- ممالك الظلّ حين تأكل أوطانها .
- عندما ينهزم الضجيج… وتبقى الحقيقة وحيدة.
- حين تصعد الفراشة إلى ضوءها الأخير… وداعاً لطفية الدليمي سيدة ...
- الإنسان تحت القناع: أنياب الغريزة تختبئ خلف قفازات الحضارة
- كردستان… حين يقصف الحاسدون الجمال .
- الإمبراطورية التي احترقت بأذرعها: أفول المشروع الإيراني في ا ...
- أنثى الرماد


المزيد.....




- هذه علامة الأحذية التي ينتعلها دونالد ترامب ويهديها للمسؤولي ...
- -لا يمكننا التوقف-.. منقذون يكافحون لإنقاذ الأرواح ببيروت في ...
- استهداف قيادي إيراني رفيع المستوى في قلب طهران.. إليكم التفا ...
- ما انعكاسات الاضطرابات في مضيق هرمز على التجارة العالمية؟
- وزير الدفاع الإسرائيلي: علي لاريجاني قُتل.. وسنواصل ملاحقة ق ...
- جوع وخوف في خان يونس.. عائلات غزة تعتمد على المساعدات للبقاء ...
- علي لاريجاني: مسيرة سياسية في قلب النظام الإيراني
- نفط الإمارات تحت نيران المسيرات الإيرانية
- تأجيل القمة الأمريكية الروسية، ودروس الصين من الحرب في إيران ...
- حكومة طالبان تتهم باكستان بقتل 400 شخص على الأقل جراء استهدا ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الجمهورية التي يحكمها الذيل .