أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - كردستان… حين يقصف الحاسدون الجمال .














المزيد.....

كردستان… حين يقصف الحاسدون الجمال .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8640 - 2026 / 3 / 8 - 09:07
المحور: قضايا ثقافية
    


في هذا الشرق المتعب، حيث اعتادت البنادق أن تتكلم أكثر من العقول،وحيث صار الخراب لغةً سياسية يتقنها العاجزون عن صناعة الحياة، تقف كردستان كاستثناء يثير الغيظ في قلوب من لا يعرفون غير الركام. هناك،في تلك البقعة التي تغفو على كتف الجبال وتفتح نوافذها للشمس كل صباح، لم يكن الصوت الأعلى هو صوت المدفع، بل صوت المطر وهو يغسل شوارع أربيل والسليمانية ودهوك، كأن السماء قررت أن تكتب قصيدة حب على جبين تلك الأرض.لكن يبدو أن الجمال في هذا الشرق جريمة، وأن النجاح تهمة تستوجب القصف. فكلما نهضت مدينة في كردستان، وكلما ازدهرت شوارعها وامتلأت مقاهيها بالحياة، تحركت في مكانٍ ما عقولٌ مريضة ترى في العمران مؤامرة، وفي الفرح تمرداً، وفي الاستقرار خيانة لمشروع الخراب الكبير.إيران التي تتحدث كثيراً عن المقاومة، وتلوّح برايات المظلومية التاريخية، لم تجد في كردستان سوى هدفٍ لصواريخها. وكأن الجبال التي تعانق السماء هناك أصبحت فجأةً عدواً استراتيجياً، أو كأن شقائق النعمان التي تنبت في ربيعها تهدد الأمن القومي لامبراطورية الوهم.أي مفارقةٍ هذه التي تجعل بلداً يقصف أرضاً لم تطلق عليه رصاصة؟.. وأي فلسفة سوداء تلك التي ترى في المدن الجميلة خطراً يجب إزالته؟.. كردستان لم تكن يوماً منصة صواريخ على أحد، ولم تكن مصنعاً للكراهية. كانت، ببساطة، مساحةًيتنفس فيها العراقي حين يضيق صدره من هواء السياسة الفاسد. كانت الملجأ حين ضاقت الأرض بالهاربين من جحيم الطائفية، وكانت الحضن حين أُغلقت الأبواب في وجوه المهجّرين من الأنبار والموصل وديالى.هناك، لم يُسأل الهارب عن طائفته، ولا عن قبيلته، ولا عن صلاته السياسية. كان السؤال الوحيد:
هل أنت جائع؟
هل تحتاج بيتاً؟
هل تبحث عن حياة؟
وهذا وحده كافٍ ليغضب تجار الخراب.إن الذين يقصفون كردستان اليوم لا يقصفون مجرد جغرافيا؛ إنهم يقصفون فكرة. فكرة أن يعيش الناس بسلام، أن تُبنى المدن بدل أن تُحرق،وأن يكون في العراق مكانٌ لا يدار بعقلية المقابر الجماعية ولا بمنطق الميليشيات.فالفاشلون في صناعة شارعٍ مستقيم لا يحبون أن يروا مدينةًمضاءة. والعاجزون عن زرع شجرة لا يحتملون رؤية غابة.لهذا تنطلق الصواريخ أحياناً من حقدٍ أكثر مما تنطلق من استراتيجية.ولنكن صريحين مع التاريخ، فالتاريخ لا يجامل أحداً. أولئك الذين يصرخون اليوم ضد أمريكا كانوا بالأمس يرقصون تحت جنازير دباباتها. هم من فتحوا لها الأبواب، وهم من وضعوا الورود على قبور جنودها، وهم من باعوا العراق في سوق السياسة الإقليمية بثمنٍ بخس، ثم اكتشفوا فجأةً أن الوطنية شعارٌ يصلح للاستعمال بعد خراب البلاد.والمفارقة الأكثر سخرية أن من يتهم الآخرين بالخيانة هم أنفسهم الذين حوّلوا العراق إلى ساحة نفوذ للولي الفارسي، حتى صار الوطن عندهم مجرد جغرافيا مؤقتة، بينما الولاء الحقيقي يسافر دائماً شرقاً.لكن رغم كل ذلك، بقيت كردستان واقفة مثل شجرة بلوط في عاصفة.لم تسقط.لم تنكسر.ولم تتعلم الكراهية.تلك الأرض التي احتضنت آلاف العراقيين الهاربين من الموت، لم تسألهم يوماً لماذا جاؤوا، بل اكتفت بأن تفتح لهم أبوابها. ولهذا أصبحت كردستان بالنسبة لكثيرين ليست مجرد إقليم، بل معنى آخر للعراق الذي كان يجب أن يكون.ولهذا أيضاً يزعجهم وجودها.فالنجاح في بلاد الفشل استفزاز.والنظام في أرض الفوضى فضيحة.والجمال في عالم القبح تهمة لا تُغتفر.لكن الحقيقة التي يعرفها الجميع، وإن حاولوا إنكارها، أن الصواريخ لا تهزم المدن الجميلة. قد تخدش جداراً، وقد تحطم نافذة، لكنها لا تستطيع أن تهزم فكرة الحياة.كردستان ليست مجرد جبالٍ وأنهار، بل تجربة تقول إن العراق يمكن أن يكون أفضل مما هو عليه، وإن الشعوب التي اختارت البناء بدلاً من الثأر تستطيع أن تصنع مستقبلاً مختلفاً.
ولهذا سيبقى الذين يقصفونها يطلقون صواريخهم من خوفهم… لا من قوتهم.
فالجمال، في النهاية، ينتصر دائماً على الحقد.والمدن التي تعانق السماء لا تخاف كثيراً من الصواريخ القادمة من الأرض.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإمبراطورية التي احترقت بأذرعها: أفول المشروع الإيراني في ا ...
- أنثى الرماد
- العراق بين رايتين… حين يصبح حب الوطن تهمة.
- عندما يتعب الطغيان من حمل بندقيته.
- سنوات الخوف الطويلة… ونهاية أسطورة النار.
- العالم على حافة نظام دولي جديد .
- العرش الذي بناه الدم… كيف ينهار؟
- وداعًا أديب ناصر… حين ينام الشاعر في حضن الوطن .
- سقوط النظام الإيراني… من انهيار السلطة إلى انبعاث الدولة .
- حين يشيخُ اليقين وتنهضُ الأوطان.
- يوم الأگشر يوم عضّ لسانه… بين رقصة هناك ولطمة هنا .
- ما بعد مقتل مرشد إيران… نشوة السقوط وسؤال البديل.
- رمضان في منفى الوطن
- حين يُحاكُ الغبارُ على ستارة المسرح
- أنكيكا أنشي: رحلة الشعر والجمال الكرواتي
- تراتيلُ النورِ في محرابِ الصيام
- على حافةِ النار: تأمّلاتٌ في وهمِ الحربِ وحقيقةِ القوة
- جمهورية العمامة وسؤال المرآة المكسورة
- جمهوريةُ الضجيج المقدّس
- أنا غائب عن النفوس


المزيد.....




- منظمة الصحة تحذر من مخاطر -الأمطار السوداء- في إيران.. ماذا ...
- مجتبى خامنئي.. هل أصيب في القصف الأمريكي الإسرائيلي على إيرا ...
- من -بنت إبليس- إلى -حكاية نرجس-.. كيف تحولت جريمة حقيقية إلى ...
- لغز -التنين- المتردد.. لماذا لا تتدخل الصين في حرب إيران؟
- خلال الحرب.. كيف يتم التشويش على -جي بي إس-؟
- عاجل | وكالة أنباء كوريا الشمالية: بيونغ يانغ تدعم اختيار مج ...
- هرتسوغ يدافع عن ضرب مواقع النفط الإيرانية.. ماذا قال؟
- السعودية تعلن تدمير مسيّرتين في الربع الخالي
- الدفاعات الإماراتية تتعامل مع رشقة من الصواريخ الإيرانية
- عبد الله بن زايد يبحث مع مبعوث الصين الاعتداءات الإيرانية


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - كردستان… حين يقصف الحاسدون الجمال .