أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - سقوط النظام الإيراني… من انهيار السلطة إلى انبعاث الدولة .














المزيد.....

سقوط النظام الإيراني… من انهيار السلطة إلى انبعاث الدولة .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8634 - 2026 / 3 / 2 - 19:26
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس سقوط الأنظمة حدثًا سياسيًا فحسب، بل زلزالٌ في طبقات المعنى. هو لحظةٌ تتعرّى فيها الشعارات، وتنكشف فيها المسافة بين المقدّس والمُسيَّس، بين الدولة كفكرة والدولة كأداة. حين يُطرح سؤال: ماذا يعني سقوط النظام الإيراني؟ فإننا لا نتحدث عن تبدّل حاكمٍ بحاكم، بل عن نهاية سرديةٍ كاملةٍ تأسست على تصدير الأزمات، وعلى تحويل الجغرافيا إلى ساحاتٍ مفتوحةٍ لصراعٍ دائم، وعلى الاستثمار في الفوضى بوصفها موردًا استراتيجيًا.إنّ المنطقة، منذ عقود، عاشت في ظل هندسةٍ للصراع أكثر مما عاشت في ظل هندسةٍ للتنمية. تكاثرت التنظيمات المسلحة كما تتكاثر الفطريات في الرطوبة السياسية، وتحوّلت الحدود إلى ثقوبٍ يتسرّب منها السلاح والعملة والمخدرات، وتحوّل الشعار الديني من نداءٍ روحي إلى مظلّةٍ تبرّر العنف. لم تكن الفوضى خطأً عابرًا، بل كانت – في كثيرٍ من الأحيان – سياسةً مقصودة، تُدار بعقلٍ بارد وتُنفّذ بأذرعٍ ساخنة.سقوط النظام الإيراني، إن حدث، لن يكون مجرّد تغييرٍ في طهران، بل انكسارًا لمعادلةٍ إقليميةٍ قامت على الوكالة والإنكار. ستنتهي فكرة الدولة التي تحكم من خارج حدودها بقدر ما تحكم داخلها، وستتراجع وظيفة “الميليشيا” كبديلٍ عن الجيش الوطني. وحين تسقط الرعاية العابرة للحدود، ستفقد الجماعات المسلحة أوكسجينها المالي والسياسي، وسينحسر اقتصاد الظل الذي ازدهر في عتمة السلاح.عندها، لن يكون الحديث عن نهاية تنظيماتٍ متطرفةٍ أو ميليشياتٍ عابرةٍ مجرد أمنيةٍ أخلاقية، بل نتيجةً منطقيةً لانقطاع شرايين الدعم. إذ لا يمكن لظاهرةٍ مسلحةٍ أن تعيش طويلًا بلا تمويلٍ وتسليحٍ وغطاءٍ سياسي. ومع انكفاء مركز الرعاية، ستنكشف هشاشة البُنى التي قامت على التجييش الطائفي، وسيتراجع خطاب الكراهية حين يفقد مموّله ومحرّكه.إنّ الطائفية، في جوهرها، ليست قدرًا دينيًا بل صناعةً سياسية. هي آلية تعبئةٍ تُستخدم حين تُعطّل الدولة ويُختزل الوطن في جماعة. وسقوط أي نظامٍ استثمر في هذه الصناعة سيعني – بالضرورة – تراجع سوقها. سيعود السؤال الوطني ليتقدّم على السؤال المذهبي، وستتقدّم فكرة المواطنة على فكرة الولاء العابر للحدود.ومن النتائج العميقة لأي تحوّلٍ كهذا، انحسار عسكرة المجتمعات. لقد عاش الشرق الأوسط زمنًا صار فيه السلاح لغةً يومية، وصار فيه الاغتيال السياسي خبرًا معتادًا، وصارت البعثات الدبلوماسية أهدافًا، والمنافذ الحدودية ممراتٍ مفتوحةً لاقتصادٍ موازٍ. حين تُستعاد هيبة الدولة، سيعود السلاح إلى ثكناته، وسيعود القضاء إلى استقلاله،وستغدو المنافذ بواباتٍ للعبور المشروع لا ثقوبًا للتهريب.لن يكون الطريق مفروشًا بالورود، فكل سقوطٍ يترك فراغًا، والفراغ أخطر من الاستبداد إن لم يُملأ بعقلانية. غير أنّ الفرق بين فوضى مُدارة وفوضى انتقالية هو أنّ الأولى دائمة، والثانية مرحلة. وإذا ما أحسن الفاعلون الإقليميون والدوليون إدارة لحظة التحوّل، فإنّ المنطقة قد تشهد بداية استعادة الدولة، لا بوصفها جهازًا أمنيًا، بل بوصفها عقدًا اجتماعيًا.سوريا التي أنهكتها الحرب، والعراق الذي أرهقته الازدواجية بين الدولة واللادولة،واليمن الذي تمزّق بين سلطاتٍ متنازعة، ولبنان الذي غرق في اقتصاد الظل؛ جميعها تقف على تخوم سؤالٍ واحد: هل يمكن أن تولد من جديد حين تتغيّر المعادلة الإقليمية؟ إنّ إعادة الإعمار ليست إسمنتًا وحديدًا، بل إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته.والاستقرار ليس صمت البنادق فقط، بل عودة القرار السيادي إلى عواصمه.سقوط نظامٍ قام على تصدير الأزمات يعني نهاية تحويل الفقر إلى أداة تجنيد، ونهاية المتاجرة بالقضية الفلسطينية كرافعةٍ لمصالح إقليمية، ونهاية تعطيل بناء الجيوش الوطنية لصالح كياناتٍ موازية. سيعني – قبل كل شيء – أن المنطقة تستطيع أن تنتقل من منطق “الساحة” إلى منطق “الدولة”، ومن زمن الفوضى إلى زمن الانضباط.غير أنّ الفلسفة السياسية تعلّمنا أن سقوط نظامٍ لا يكفي إن لم يترافق مع سقوط الفكرة التي حملته. فإذا بقيت الذهنية التي ترى في الفوضى فرصة، وفي السلاح وسيلة حكم، وفي الشعارات الدينية أداة تعبئة؛ فإنّ الأسماء ستتغير والنتائج ستبقى. أما إذا سقطت الفكرة، فإنّ الشرق الأوسط قد يدخل طورًا جديدًا، تُستعاد فيه التنمية بوصفها أولوية، ويُعاد فيه الاعتبار للإنسان لا للميليشيا.إنّ السؤال الحقيقي ليس: ماذا يعني سقوط النظام الإيراني؟ بل: هل نحن مستعدون لمرحلة ما بعد السقوط؟ هل نملك مشروع دولةٍ يملأ الفراغ؟ هل نملك شجاعة الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الحياة؟إنّها لحظة اختبارٍ أخلاقي وسياسي معًا.فإذا نجحت، فستكون بداية استقرارٍ إقليميٍّ حقيقي، وبداية إعادة إعمارٍ مستدامة، وبداية بناءٍ لسوريا والعراق واليمن ولبنان على أسس السيادة والقانون. أمّا إذا أُهدرت، فستكون مجرد فصلٍ جديدٍ في كتاب الفوضى.التاريخ لا يرحم من يكرّر أخطاءه، لكنه يكافئ من يتعلّم منها. وبين السقوط والنهضة، تقف إرادة الشعوب، وحدها، لتقرّر أيّ الطريقين تسلك.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يشيخُ اليقين وتنهضُ الأوطان.
- يوم الأگشر يوم عضّ لسانه… بين رقصة هناك ولطمة هنا .
- ما بعد مقتل مرشد إيران… نشوة السقوط وسؤال البديل.
- رمضان في منفى الوطن
- حين يُحاكُ الغبارُ على ستارة المسرح
- أنكيكا أنشي: رحلة الشعر والجمال الكرواتي
- تراتيلُ النورِ في محرابِ الصيام
- على حافةِ النار: تأمّلاتٌ في وهمِ الحربِ وحقيقةِ القوة
- جمهورية العمامة وسؤال المرآة المكسورة
- جمهوريةُ الضجيج المقدّس
- أنا غائب عن النفوس
- مكبُّ القلوب
- نوال خان… سيرةُ صوتٍ يعبر الزمن ويؤنث المعنى
- على تخوم الغياب
- مرفوض… حين ينهض المسرح ليحاكم الصمت
- لعنةُ عيدِ الحُبّ
- نعيمة التي لم تعرف ميزانية الانفجار
- امرأة بلا اسم
- من ضفاف دجلة إلى ضفاف التيبر: حين عبرت الثقافة جسور الزمن
- العالَمُ حينَ يلبسُ قناعَه الأسود


المزيد.....




- مصادر لـCNN: استهداف السفارة الأمريكية في الرياض بـ-طائرتين ...
- أردوغان: الخلاف الأمريكي الإيراني تحول إلى حرب بعد استفزازات ...
- لغز -نطنز-.. لماذا عادت واشنطن لضرب المنشأة التي أعلن ترمب - ...
- عاجل| رويترز عن مصدرين: حريق في السفارة الأمريكية بالرياض بع ...
- حرب إيران: أهداف معلنة ومشروع خفي لشرق أوسط تُمسك بأعنّته إس ...
- -غادروا الآن-.. أمريكا تحض رعاياها على مغادرة أكثر من 12 دول ...
- -رسالة عاجلة- من أمريكا لمواطنيها لحثهم على مغادرة هذه الدول ...
- -الهروب الكبير-.. أذربيجان تفتح حدودها لإجلاء مئات الأجانب م ...
- مباشر: الجيش الأمريكي يقول إنه استهدف أكثر من 1250 هدفا داخل ...
- إمبراطوريات الإعلام الأمريكي في مأزق.. استعادة الثقة أم الرض ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - سقوط النظام الإيراني… من انهيار السلطة إلى انبعاث الدولة .