أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - نعيمة التي لم تعرف ميزانية الانفجار














المزيد.....

نعيمة التي لم تعرف ميزانية الانفجار


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 08:55
المحور: قضايا ثقافية
    


كان يمكن لتلك الحكاية أن تمرّ مثل نكتة أرشيفية من زمن المراوح السقفية والقبعات الرسمية والبدلات المكوية بعناية، لولا أن في طيّاتها مرآةً تفضح حاضرًا يتقن التهريج أكثر مما يتقن الحساب، ويجيد عدّ الكراسي أكثر مما يجيد عدّ الفقراء. يُقال إن السيدة نعيمة عادت ذات مساءٍ متكدّرةً لأنّها لم تستطع أن تردّ دعوةً بدعوة، وأنّ راتب رئيس الوزراء – مئة وخمسون دينارًا – لا يحتمل كرزات الشورجة ولا بقلاوة السما، فقهقه الباشا وقال إنّه رئيس وزراء لخدمة البلد لا لِـ«گعدات النسوان»، ثم طوى الموضوع كما تُطوى مناديل القماش بعد الولائم. يا للبراءة التي كانت تظن أن الراتب حدٌّ أعلى للترف، وأن الخزينة كيس قماش لا يتمدّد إلا بقدر ما يُشدّ عليه الحبل، وأن المنصب وظيفة لا منجم ذهب.لو قُدّر لتلك السيدة أن تنهض من نومها الملكي وتمشي في شوارعنا اليوم، لظنّت أنّها دخلت معرضًا دائمًا للألعاب النارية؛ فكل شيء «انفجاري»:الميزانيات، العقود، التصريحات، الوعود، وحتى الصمت انفجاريّ حين يُدفع له بسخاء. كانت ستسأل بدهشة صادقة: من أين جاء هذا البحر من الأصفار؟ ومن الذي علّم الأرقام أن تتكاثر بلا حياء؟ ومن أقنع الخزائن أن تتناسل مثل الأسماك في موسم الهجرة؟ لكنها لن تجد جوابًا، لأنّ الإجابات عندنا تُباع مفردةً في مزاد الخطابات، ويُزاد عليها تصفيقٌ مجانيّ من جمهورٍ اعتاد أن يُشاهد الفرح في نشرات الأخبار ولا يراه في مائدته.في تلك الحكاية القديمة، كان العجزُ أخلاقيًا قبل أن يكون ماليًا؛ رئيس وزراء يضع حدًا بين المال العام والكرزات، بين المسؤولية والضيافة، بين الخدمة والوليمة. أمّا اليوم فقد اختلطت الحدود حتى صار الوطن نفسه صحن فاكهةٍ يُدار بين الضيوف، كلٌّ يلتقط منه ما استطاع، ويترك القشور للشعب كي ينزلق عليها في طريقه إلى العشوائيات. نصف الشعب تحت خط الفقر؟ عبارة تصلح لأن تكون عنوانًا لبرنامج حواري، لا جرحًا يستدعي خجلًا. والنصف الآخر تحت خط الدهشة: كيف يمكن لبلدٍ أن يسبح في ملياراته ويغرق في عطشه؟ كيف يمكن للميزانية أن تكون أكبر من الحلم، وأصغر من رغيف؟
يا نعيمة، لو رأيتِ الشورجة اليوم لوجدتِها تبيع أوطانًا لا كرزات، وتغلفها بورقٍ مذهب، وتضع عليها ختم «مستعجل». ولو مررتِ على «السما» لوجدتِ البقلاوة تُرصّ فوق ملفاتٍ ثقيلة، تتقطر منها عسل العمولات، وتُقدَّم ساخنةً في مواسم التعاقد. كان الباشا يخشى أن ينفد راتبه قبل نهاية الشهر؛ أمّا اليوم فينفد الشهر قبل أن تنفد الرغبات، وتبقى الخزينة مفتوحةً كأنها بابُ ضيافةٍ لا يُغلق، يدخل منه الطامعون ويخرج منه الوطن خفيفًا كأنه لم يكن.لسنا بحاجة إلى مقارنةٍ بين زمنين؛ فالزمن لا يظلم أحدًا، نحن الذين نتفنّن في ظلمه. لكنّ السخرية تأبى إلا أن تضحك بمرارة: كانت المشكلة في دعوةٍ نسائية لم تُردّ، وصارت المشكلة في دعوةِ وطنٍ لا يجد من يردّ عليه. كانت الحساسية من «العيب» الاجتماعي، وصارت الحساسية من «العيب» السياسي ترفًا أخلاقيًا لا يُناسب حفلات الافتتاح. كان الراتب يُحسب، وصارت المليارات تُنسى. وكان الخجلُ يحضر، وصار الغياب هو السيد الرسمي لكل جلسة.أيتها السيدة التي تكدّرت لأنّها لم تستطع أن تشتري كيلوين من الفاكهة، لو نظرتِ الآن لرأيتِ أطنانًا من الأحلام تُرمى في مكبّات الوعود، ورأيتِ أطفالًا يحفظون أسماء السياسيين أكثر مما يحفظون أسماء الفصول، لأنّ الشتاء عندهم أطول من الأعمار، والصيف أقسى من التصريحات. لرأيتِ العشوائيات تتمدّد كأنها اعترافٌ صريح بأنّ التخطيط رفاهية، وأنّ العدالة قصةٌ قصيرة لا تُعاد طباعتها.لا أكتب لأبكي على زمنٍ مضى، فالزمن لا يعود، لكنّي أكتب لأتهكّم على حاضرٍ يتقن صناعة الشعارات أكثر مما يتقن صناعة الخبز، حاضرٍ يجعل من كل ميزانية قصيدة مديحٍ لنفسها، ثم يترك الشعب يبحث عن قافيةٍ تُشبه العدل. أكتب لأنّ السؤال البسيط الذي طرحته امرأةٌ في بيتها صار اليوم سؤال وطنٍ بأكمله: من يعزم من؟ ومن يدفع الحساب؟ ومن يبقى حتى آخر الشهر؟..ليتكِ ترين، يا نعيمة، كيف صار الكرز رمزًا للنزاهة، والبقلاوة مثالًا للترف المحسوب، وكيف صار الراتب المحدود أسطورةً تُروى للأطفال قبل النوم ليحلموا بوطنٍ يحسب أرقامه قبل أن يحسب ضيوفه. تعالي وانظري المصائب، لا لتبكي، بل لتضحكي ضحكةً طويلةً كما ضحك الباشا ذات مساء، لكن ضحكةً هذه المرّة لا تُخفي ألمًا صغيرًا، بل تكشف جرحًا بحجم ميزانية، جرحًا يتكاثر بالأصفار حتى يغدو وطنًا كاملًا يبحث عن دعوةٍ صادقة إلى العدالة.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- امرأة بلا اسم
- من ضفاف دجلة إلى ضفاف التيبر: حين عبرت الثقافة جسور الزمن
- العالَمُ حينَ يلبسُ قناعَه الأسود
- مرآة الخراب
- نوال خان… حين يعود الصوت إلى بغداد حاملاً ذاكرة الغربة ووجع ...
- بين سيادةٍ كانت تُرى في الظلّ، وفوضى تُدار في وضح النهار: تأ ...
- العراق: منارة الإعلام وصوت الأمة الذي لم يخفه أحد..قزم أمام ...
- من الحليب إلى البصل… كيف نُخرّج الخراب بعناية عراقية فائقة.
- من هندسة الانهيار إلى فلسفة الولادة الجديدة
- بين الدولة والوصاية… تأملات في لحظة الاختبار العراقي
- عندما تحكمنا الزواحف… ولا نملك شجاعة الاعتراف
- سادة الفشل المحترمون
- من سيبويه إلى سيب البويه: تطوّر اللغة من المعنى إلى المصلحة
- إيران بين طبول الحرب ومرايا الخديعة
- أقنعة العالم
- «أنا الذي نزف كي لا يكذب»
- خبزُ الانتظار… حين يُقايَض العمرُ بالسيولة
- خيانة ناعمة
- تحوُّل
- حقيبةٌ أثقلُ من الوطن


المزيد.....




- في عيد الحب.. منذ 20 عامًا يشهد محل تصليح السيارات هذا على ق ...
- عيد الحب بلا -كليشيهات-.. أسرار الأناقة المثاليّة في الأزياء ...
- في دبي.. ضبط 14 مليون قرص مخدر أخفيت بأسلوب تمويهي متطور بعد ...
- 21 عاما على اغتيال الحريري.. لبنان بين ذاكرة الصدمة وأزمة ال ...
- -تقدمية- و-معتدلة-.. أمريكا تعرض رؤيتين متناقضتين بؤتمر ميون ...
- تقنية الترددات الراديوية.. كيف تحصلين على وجه مشدود بدون جرا ...
- مفاجأة.. الذكاء الاصطناعي استخدم في القبض على مادورو
- تحديد زمان ومكان الجولة الثانية من مفاوضات واشنطن وطهران
- هل حقاً هناك -توأم روح- لكلّ منا؟ ماذا يقول العلم؟
- ميرتس يكشف عن مفاوضات سرية مع ماكرون بشأن الردع النووي


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - نعيمة التي لم تعرف ميزانية الانفجار