أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - بين الدولة والوصاية… تأملات في لحظة الاختبار العراقي














المزيد.....

بين الدولة والوصاية… تأملات في لحظة الاختبار العراقي


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8611 - 2026 / 2 / 7 - 11:32
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس أخطر على الأوطان من تلك اللحظة التي تُدار فيها السلطة بوصفها غنيمة، وتُختزل الدولة إلى كراسٍ متحركة، وتُستبدل فكرة السيادة بخرائط نفوذ تتبدل مع الريح. العراق يقف اليوم عند مفترق لا يشبه ما قبله، ليس لأن الأزمات جديدة، بل لأن انكشافها صار فاضحًا إلى حدّ لم يعد يحتمل التجميل ولا الخداع. إن ما يجري خلف الستار من ملابسات اختيار الرؤساء والوزراء لم يعد شأنًا داخليًا، بل صار معادلة دولية تُرسم بخطوط حمراء، وتُقاس بمدى الطاعة والقدرة على كسر الارتباطات التي كبّلت الدولة حتى كادت تفقد اسمها.في الفلسفة الحديثة للسلطة، لا تُقاس الشرعية بعدد الأصوات وحدها، بل بقدرة الحاكم على احتكار القرار العام ومنع تسيّبه. الدولة، وفق هذا المنظور، كيان أخلاقي قبل أن تكون جهازًا إداريًا، وإذا فقدت احتكارها للسلاح والحدود والاقتصاد، فإنها تتحول إلى مسرح، يتقاسم ممثلوه الأدوار بينما النص يُكتب في مكان آخر. من هنا، فإن كل حديث عن رئيس أو رئيس وزراء لا يمر عبر سؤال السيادة هو حديث بلا معنى، لأن المنصب في ظل التعدد المسلح ليس إلا واجهة زجاجية لسلطات متراكبة.
العراق اليوم ليس ساحة صراع أفكار بقدر ما هو عقدة مصالح متداخلة. النفوذ الإيراني، بأذرعه السياسية والعسكرية والاقتصادية، لم يعد مجرد تأثير خارجي، بل أصبح بنية داخلية تعيش على تعطيل الدولة، لأن قيام دولة قوية يعني نهايته تلقائيًا. في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى المشهد بعين باردة، لا أخلاقية ولا عاطفية، وتعيد تعريف علاقتها بالعراق من زاوية النتائج لا النوايا. في هذا السياق، يصبح اختيار الحاكم مسألة “وظيفية” بحتة: من يستطيع تنفيذ الشروط الصارمة، ومن يملك الجرأة على القطيعة، ومن يقدر على تحويل الدولة من ساحة تفاوض إلى مركز قرار.الفلسفة السياسية الواقعية تقول إن القوى الكبرى لا تدعم الأشخاص، بل المشاريع القابلة للتنفيذ. لذلك، فإن أي شخصية تُطرح للقيادة اليوم تُقاس بمدى قدرتها على فك الاشتباك مع الخارج، لا على تدوير الخطاب الوطني. المطلوب، وفق هذه الرؤية، ليس سياسيًا بارعًا في الخطابة، بل رجل دولة قادر على إنهاء ظاهرة السلاح خارج القانون، وضبط الحدود بوصفها مفهومًا سياديًا لا معبرًا اقتصاديا مفتوحًا، وإعادة تعريف العلاقة مع الجوار على أساس المصالح المتكافئة لا التبعية العقائدية.هنا تبرز فكرة “الرأس الواحدة” التي تلوّح بها بعض العقول الغربية، لا بوصفها حنينًا إلى أنظمة قديمة، بل كحلّ براغماتي لفوضى الرؤوس المتناحرة. إنهم لا يقترحون شكل الحكم بقدر ما يشخّصون العطب: التعدد غير المنضبط للسلطة قتل الدولة. وفي منطق السياسة الدولية، التعامل مع مركز قرار واضح أسهل من التفاوض مع شبكة ولاءات متناقضة. هذا الطرح، مهما بدا صادمًا، هو في جوهره إنذار بأن النظام القائم بلغ نهاياته المنطقية.
لكن الخلاص لا يكون باستبدال وصاية بأخرى، ولا بتسليم المصير الوطني لإرادة خارجية مهما كانت قوية. الحلّ الأمثل، في أفق الرؤية الحديثة، يبدأ بإعادة بناء مفهوم المواطنة بوصفه نقيضًا للولاء المسلح، وإعادة تعريف السياسة كخدمة عامة لا كامتداد للفصيل. الدولة التي نحتاجها هي دولة القانون الصارم، لا القانون الانتقائي، دولة الحدود المغلقة أمام السلاح المفتوح، والاقتصاد الشفاف الذي لا يعيش على التهريب، والقرار السيادي الذي لا ينتظر الضوء الأخضر من عواصم أخرى.إن السؤال الحقيقي ليس: من سيحكم؟ بل: كيف يُحكم؟ وكيف نمنع تكرار دورة الارتهان؟ الجمهور العراقي، المحترق بنار الانتظار، لم يعد يطلب المعجزات، بل يطالب بحدٍّ أدنى من الكرامة السياسية. يريد دولة لا تُدار بالهاتف، ولا تُخاض فيها الحروب بالنيابة، ولا يُختطف مستقبلها باسم الشعارات. في هذه اللحظة، إما أن يولد وعي جديد يفرض دولة واحدة وسلاحًا واحدًا وقرارًا واحدًا، أو يستمر الانحدار حتى يصبح الحديث عن العراق حديثًا عن ذكرى.الاختبار قاسٍ، لكن الفلسفة تعلمنا أن الأزمات الكبرى هي لحظات ولادة، لا نهايات. والعراق، إن امتلك شجاعة القطع مع أوهام الماضي، قادر على أن يعيد تعريف نفسه، لا كدولة تابعة ولا كساحة صراع، بل ككيان سيادي يختار طريقه بإرادته، لا بشروط الآخرين.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما تحكمنا الزواحف… ولا نملك شجاعة الاعتراف
- سادة الفشل المحترمون
- من سيبويه إلى سيب البويه: تطوّر اللغة من المعنى إلى المصلحة
- إيران بين طبول الحرب ومرايا الخديعة
- أقنعة العالم
- «أنا الذي نزف كي لا يكذب»
- خبزُ الانتظار… حين يُقايَض العمرُ بالسيولة
- خيانة ناعمة
- تحوُّل
- حقيبةٌ أثقلُ من الوطن
- إيران عند حافة المرآة الأخيرة
- خيانة
- جمهورية القناع المكسور: بيان في السخرية الأخلاقية عن وطنٍ يج ...
- العراق بين منطق الدولة وإرث السلطة: تأملات في زمن الانقسام
- العطب
- تقترب الحرب… وتتكشّف الأذرع
- في زمن السيولة… وصية الوعي الأخيرة
- قناع فاسد
- العقل أولًا… بيان عراقي ضد الطائفية والوصاية.
- حين يمشي العالم على حافة العصا… فلسفة القوة وارتجاف الخرائط


المزيد.....




- لصوص بزي روبن هود ينهبون متجرًا في كندا.. شاهد ما فعلوه بالم ...
- أمريكا تتهم الصين بإجراء تجربة نووية سرية.. ماذا نعلم؟
- هل يجب غسل الدجاج قبل الطهي؟ الإجابة ليست بهذه البساطة
- هجوم روسي يقطع الكهرباء بأوكرانيا وترمب يشيد بالمفاوضات
- في النسخة الـ17.. فلسطين وتحولات العالم على طاولة حوار منتدى ...
- آمي بيك للجزيرة نت: -الحوسبة المكانية- تعيد تشكيل العوالم ال ...
- مثالية لأشهر الشتاء الباردة.. إليك أشهى أنواع الحساء التي يج ...
- حصري: وزير البحرية الأمريكي مدرج كراكب على متن طائرة جيفري إ ...
- بطة تصارع للبقاء بمنقار مغلق بطُعم صيد.. شاهد ما فعله رجل لإ ...
- مصر.. -تصويب عاجل- لوزارة الأوقاف عن منع إذاعة صلاتي الفجر و ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - بين الدولة والوصاية… تأملات في لحظة الاختبار العراقي