أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - إيران عند حافة المرآة الأخيرة














المزيد.....

إيران عند حافة المرآة الأخيرة


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8604 - 2026 / 1 / 31 - 07:05
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست إيران اليوم دولةً تقف في مهبّ الريح، بل منظومة كاملة وجدت نفسها فجأة أمام مرآتها الأخيرة؛ مرآة لا تعكس القوة كما اعتادت أن ترى، بل تُظهر هشاشة الفكرة حين تتحول إلى جهاز، والعقيدة حين تُستنزف في إدارة الخوف. ما يجري ليس صراع برامج نووية ولا مزاد صواريخ عابرة للقارات، بل امتحان وجودي لنظامٍ بنى شرعيته على فائض الزمن، وعلى افتراضٍ قديم مفاده أن العالم سيتعب قبل أن يتغيّر.الضغط الأميركي، بصيغته الخشنة والمباشرة، لا يُقرأ بوصفه إنذارًا تقنيًا، بل كتحويلٍ جذري في قواعد اللعبة. حين تُرفع لغة “الاستسلام غير المشروط” من هامش التهديد إلى مركز الخطاب، فإن السياسة تكون قد بلغت حدّها الأقصى، وبدأت الفلسفة المظلمة للقوة. هنا لا يعود السؤال: ماذا ستفعل إيران؟ بل: أيّ إيران ستبقى إن فعلت؟السلطة التي اعتادت المناورة بين الزمن والرمز، تجد نفسها الآن أمام خيارين كلاهما قاسٍ: إما أن تتخلى عن أدوات الردع التي منحتها شعور السيادة، أو أن تمضي إلى مصيرٍ يهدد بنية الدولة نفسها. في الحالتين، هناك انهيار ما؛ انهيار المعنى إن تمّ الرضوخ، أو انهيار الكيان إن اختير الصدام. تلك هي المعضلة التي لا تُحلّ بالتكتيك، لأنها ليست أزمة قرار، بل أزمة سردية كاملة.في قلب هذا المشهد، يظهر خامنئي لا كفردٍ محاصر، بل كعنوانٍ لمرحلةٍ تُطوى. رفضه للمبادرات ليس عنادًا شخصيًا بقدر ما هو خوفٌ من أن يفتح التنازل بابًا لا يُغلق. فالأنظمة العقائدية لا تخشى السقوط بقدر ما تخشى الاعتراف بأنها كانت قابلة للسقوط منذ البداية. لذلك تُفضّل غالبًا السير إلى النهاية، حتى لو كانت النهاية احتراقًا بطيئًا.اللقاءات المتسارعة مع موسكو، ومحاولات استدعاء التوازنات القديمة، تكشف أن طهران تبحث عن مظلةٍ أخيرة تقيها العاصفة، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن العالم تغيّر: لم تعد التحالفات تمنح حصانة مطلقة، ولم يعد التاريخ يمنح وقتًا إضافيًا لمن يراهن على الاستنزاف. السياسة الدولية اليوم أقرب إلى محكمة عاجلة منها إلى مائدة تفاوض طويلة.
غير أن الصورة لا تكتمل من دون الداخل الإيراني، حيث تحوّل القمع من أداة ضبط إلى سياسة وجود. حين تُواجَه التظاهرات السلمية بنيران مباشرة، وحين تُغلق المستشفيات أبوابها أمام الجرحى، فإن النظام لا يدافع عن نفسه، بل يعلن قطيعة أخلاقية مع شعبه. الأرقام – مهما حاولت السلطة طمسها – ليست مجرد إحصاءات، بل شواهد على لحظة انفصالٍ بين الدولة والمجتمع. هناك، في الشوارع التي سال فيها الدم، تتآكل أي شرعية متبقية، لأن الخوف حين يُستخدم بلا حدود يفقد قدرته على الحكم.امتداد هذه الأزمة إلى العراق ليس تفصيلاً ثانويًا. الفيتو الأميركي على إعادة تدوير نوري المالكي لا يُقرأ بوصفه موقفًا من شخص، بل رسالة إلى منظومة النفوذ التي اعتاشت على فكرة الوكيل. واشنطن، في هذه اللحظة، لا تعارض اسمًا بقدر ما تعارض نموذجًا: نموذج الدولة الموازية، والسلطة التي تُدار من خارج حدودها. الإصرار على ترشيح المالكي، رغم التحذير، يكشف عمق الإنكار لدى قوى لا تزال تعتقد أن الزمن قابل للإرجاع، وأن الأمس يمكن أن يُعاد كما كان.لكن الواقع أكثر قسوة. العراق، كما إيران، يقف على تخوم قرار لا يحتمل المواربة: إما دولة تُفكك الميليشيا وتستعيد احتكار العنف، أو ساحة تُدار بالرسائل والفيتوهات. وما يجري في طهران ينعكس مباشرة على بغداد؛ فكل اهتزاز في المركز يُربك الأطراف، وكل ضعفٍ في الفكرة الأم يولّد ارتباكًا في فروعها.الأساطيل المتجهة، واللغة التي تلوّح بـ“العنف إذا لزم الأمر”، ليست استعراضًا فقط، بل اختبارًا للإرادة. الولايات المتحدة تراهن على أن النظام الإيراني استنفد قدرته على الاحتمال، وأن الداخل المنهك، والاقتصاد المثقل، والعزلة الأخلاقية، ستجعل أي مواجهة شاملة مقامرة خاسرة. في المقابل، تراهن طهران على أن الحرب الشاملة مكلفة للجميع، وأن الخصم سيتراجع عند الحافة. بين هاتين المراهنَتين، يقف شعبٌ يدفع الثمن.
ما ينتظر إيران، في قراءتي، ليس سقوطًا دراميًا بالضرورة، ولا تسوية مشرّفة كما تُسوّقها البيانات، بل مرحلة انتقال مؤلمة، تتآكل فيها السلطة قبل أن تتغيّر، ويذوب فيها النفوذ الإقليمي قبل أن يُعاد تعريفه. النظام قد لا يسقط دفعة واحدة، لكنه يفقد تدريجيًا قدرته على الفعل، وتتحول أدواته من أوراق ضغط إلى أعباء ثقيلة.
الفلسفة السياسية تعلمنا أن الأنظمة لا تنهار حين تُهزم عسكريًا فقط، بل حين تفقد قدرتها على إقناع نفسها قبل الآخرين. وإيران اليوم تبدو كمن يقف أمام سؤال بسيط بصيغة معقدة: هل ما زالت هذه الدولة قادرة على أن تكون دولة، أم أنها تحولت إلى فكرة تُدار بالسلاح؟الوقت، كما يُقال، نفد. لكن الحقيقة الأعمق أن الزمن لا ينفد فجأة؛ هو يتآكل بصمت، حتى تأتي لحظة الاكتشاف. وإيران، ومعها أذرعها، تقف الآن في تلك اللحظة بالضبط: لحظة الاكتشاف المؤلم بأن العالم لا ينتظر، وأن التاريخ لا يمنح فرصًا بلا ثمن.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خيانة
- جمهورية القناع المكسور: بيان في السخرية الأخلاقية عن وطنٍ يج ...
- العراق بين منطق الدولة وإرث السلطة: تأملات في زمن الانقسام
- العطب
- تقترب الحرب… وتتكشّف الأذرع
- في زمن السيولة… وصية الوعي الأخيرة
- قناع فاسد
- العقل أولًا… بيان عراقي ضد الطائفية والوصاية.
- حين يمشي العالم على حافة العصا… فلسفة القوة وارتجاف الخرائط
- مثقف خارج القوائم… داخل الوجع
- مأتم السيد الوالد… حين يستعيد المسرح العراقي سلطته الجمالية ...
- «وصيّة الوجع الأخير»
- الخنجر والمرآة: فلسفة الجبن حين يلبس عباءة الحكمة
- هندسة الصورة المشوّهة: كيف يصوغ الغرب الآخر على مقاس أسواقه
- يوم القيامة… مؤتمر الأسئلة المؤجلة
- انكسار العمامة وسقوط الظل: حين يتقدّم الشارع على المعبد
- رحيل محسن العلي: فنان عاش للفن ومات تاركًا إرثًا خالدًا
- إيران بين قداسةٍ مصنَّعة وحريةٍ تولد من النار
- حين يتكلم الشارع وتسكت العروش
- الجيش… حين كان الوطن واقفًا على قدميه


المزيد.....




- تهديدات متبادلة.. وإيران تحذر من فوضى إقليمية إذا هاجمتها أم ...
- إيلون ماسك في ملفات إبستين.. مراسلات خاصة وترتيبات للقاءات و ...
- واشنطن تأمر موظفيها غير الأساسيين بمغادرة النيجر
- الشيوخ الأمريكي يقر حزمة إنفاق والحكومة تتجه إلى إغلاق جزئي ...
- قيادي بـ-صمود- يرد على تهديد البرهان بمنعه من العودة للسودان ...
- وفاة بطلة -هوم ألون-
- قصف إسرائيلي يقتل عائلة كاملة داخل خيمتها في خانيونس
- يوتيوبر يحصل على تعويض بقيمة 3 ملايين جنيه إسترليني بعد اختر ...
- الخارجية الألمانية تنشر فيلما دعائيا لأوروبا يضم عبارة -فور ...
- المالكي يبحث مع القائم بالأعمال الأمريكي مسار الحكومة العراق ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - إيران عند حافة المرآة الأخيرة